الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(سؤال)
قال التبريزي: حد للمجاز في قوله: أفيد به معنى مصطلحا عليه غير ما اصطلح عليه أولا - ينتقض بالمشترك
إذا وضع لأحد المعنيين قبل الآخر.
قال: بل يقال: هو اللفظ المطلق على غير ما وضع له في الوضع الذي به التخاطب استعارة عن محل الوضع؛ فإنه لولا ملاحظة محل الحقيقة في إطلاق الاسم لدخل فيه الوضع الجديد، والاسم العرفي.
قلت: وأهمل ذكر العلاقة، وهي شرطه، فإنه لا يلزم من ملاحظة الأصل حصول العلاقة بينهما.
قال: والحقيقة: اللفظ المطلق على الموضوع له في الوضع الذي به التخاطب.
قال: وهو معنى ما ذكره أبو الحسين قال: إلا أن هذه العبارة أبلغ، وتشمل الحقيقة الشرعية والعرفية.
مسألة سادسة: في لفظي الحقيقة والمجاز
.
قوله: الحق هو الثابت، ثم نقل إلى العقد المطابق؛ لأنه أولى بالوجود من العقد غير المطابق، ثم نقل للقول المطابق لعين هذه العلة، ثم نقل لاستعمال اللفظ في موضوعه؛ لأن الاستعمال تحقيق لذلك الوضع؛ فهو مجاز في الرتبة الثالثة بحسب العلة الأصلية.
قال قبل هذا في أول الباب: (والحق يذكر قبالة الباطل).
فدل على انه نقيضه، وعلى قول المصنف يلزم أن يكون لفظ الحق مرادفا للفظ الموجود؛ لأن الباطل هو المعدوم.
وكذلك صرح به "التبريزي" فقال: الحق في اللغة الموجود.
وقال سيف الدين الآمدي: هو الثابت اللازم؛ لأنه يذكر قبالة الباطل.
قال صاحب (المجمل) في اللغة وهو (ابن فارس): (الحق نقيض الباطل، حق الشيء إذا وجب، وحاق الرجل الرجل إذا خاصمه، وادعى كل واحد منهما الحق، وأحق الحق إذا أثبته، ومنه قوله تعالى:} ويحق الحق} [يونس: 82 [- بضم الياء- وفلان حامي الحقيقة إذا حمى ما يحق عليه أن يحميه، وحق لك أن تفعل كذا، وحققت الأمر وأحققته إذا تيقنته.
قال الزبيدي في (مختصر العين): حق الشيء يحق- بكسر الحاء وضمها- وهذه حقيقتي أي حقي، والحقيقة ما يصير إليه حق الأمر ووجوبه.
قال (التبريزي): (الحق الموجود والحقيقة فعليه منه، ثم جعلت عبارة عن الذات والماهية، تقول: ذات الجوهر وحقيقته وماهيته، ثم نقل عن المسمى الدال على نفس المسمى وحقيقته تمييزا له عنه إذا دل على غير المسمى الحقيقي).
والمجاز مفعل من الجواز الذي هو العبور حقيقته، فاستعير للأمر الذي يشابه الحق من بعض الوجوه، فقيل: ملك الله حق، وملك الآدمي مجاز، وحياة الآخرة حق، وحياة الدنيا مجاز، بمعنى أنه باطل معدوم، أو يؤول لذلك من حيث إن القانع بالشبه جاوز الحقيقة إليه، ثم نقل اللفظ المستعمل فيه، فإذا هما مجازان واقعان في الرتبة الثالثة، فظهر من مجموع هذه النقول أن لفظ الحق مرادف للموجود والشيء عندنا؛ لآن لفظ الشيء عندنا
يختص بالموجود، والمعتزلة يجعلونه اسما للمعلوم الشامل للمعدوم والموجود، وعندنا على هذا التقدير تترادف هذه الثلاثة الألفاظ، وإذا كان الحق اسما للموجود ترد سبعة أسئلة.
الأول: أن قوله: نقل الاعتقاد؛ لأنه أولى بالوجود من العقد غير المطابق فكونه أولى بالوجود الذي هو الثبوت كما قال، يقتضي أن اللفظ مشكل، واللفظ المشكل لا يكون مجازا في الأكثر منهما، بل ذلك يقتضي كونه حقيقة فيه، فتعليله المجاز يفضى إلى إبطاله، كما أن لفظ النور مشكل، وإطلاق لفظة الشمس الذي هو أقوى من السراج، لا يقتضي أن لفظ النور مجاز فيه، فكذلك هاهنا، بل يكون حقيقة في الجميع، وكذلك يتجه السؤال في القول المطابق.
الثاني: قوله: (نقل لاستعمال اللفظ في موضوعه الأصلي؛ لأن الاستعمال فيه تحقيق لذلك الوضع).
يرد عليه أن الاستعمال أعم من كونه مع الوضع بدليل المجاز، والأعم من الشيء لا يدل على الحقيقة لعدم استلزامه إياه.
جوابه: أن اللفظ متى أستعمل في غير موضعه كان لعلاقة، فحيث لا علاقة في الموضوع فلم يكن الاستعمال على هذه الوجه أعم من الاستعمال في غير الموضوع، وهذه الاستعمال هو مراد المصنف.
الثالث: أن الوضع ليس وجوديا، بل نسبة يجعلها الواضع بين اللفظ والمعنى، والنسب لا وجود لها في الأعيان بل هي عدمية، والحق هو الوجود أو الموجود، وعلى كل تقدير لا يكون التحقيق، ولا الحق موجودا في الوضع إلا مجازا، وكلامه يشعر أن العلاقة فيهما واحدة، وكذلك قال في الثاني لعين هذه العلة ثم استطرد الثالث0
الرابع: على قوله: إنه مجاز في الرتبة الثالثة ولعله في الرتبة الأولى أو
في الثانية، وما الدليل على أن التجوز أولا وقع الاعتقاد، ثم إلى اللفظ المصدق، ثم إلى ما ذكرناه؟
ولو قال قائل: هذه مجازات لا يترتب بعضها على بعض، بل كل مجاز على حدة عسر الرد عليه.
الخامس: أن الذي تقتضيه النقول المتقدمة أن يكون إطلاق لفظ الحقيقة على الاعتقاد، واللفظ الصدق والاستعمال حقيقة لغوية، لأن الجميع موجود كما يقال: الجميع شيء وموجود حقيقة إجماعا، وان يصدق الحق على الاعتقاد الباطل واللفظ الكذب، والاستعمال المجازي أيضا التي هي مقابلات تلك الثلاثة؛ لأنها موجودة، فالكفر موجود، والكذب موجود، والمجاز موجود بالضرورة، فإذا كانت الألفاظ الثلاثة مترادفة، واثنان منها حقيقة في الستة، كان الثالث الذي هو الحق كذلك، وهذا ضروري، بل الذي يتلخص في هذه الأمور الثلاثة من المجاز مجاز واحد، وهو التعبير بلفظ الأعم عن الأخص من باب تخصيص بعض مسميات العام بلفظ العام، كتخصيص لفظ الدابة بالحمار، أو الفرس، فإن الوجود قدر مشترك بينهما، فتخصيص بعضها في العرف للفظ دون بعض لا يكون إلا على هذا التجوز، وهو ظاهر جدا، فيكون المجاز واحدا في الجميع، والعلاقة واحدة في الجميع، وهى مابين الخاص والعام من الملابسة، فإن الخاص عارض للعام، فعبر بلفظ العام عنه، وهذا هو الذي يظهر في هذا الموضع، وما عداه لا يقاس على تلك النقول ألبتة.
السادس: أن قوله: (في الرتبة الثالثة) يظهر أنه أراد في الرتبة الثالثة من المجاز، فإن المجاز الأول الاعتقاد المطابق، ثم اللفظ الصدق، ثم الاستعمال، وإذا لاحظت قول التبريزي لم يكن ما قاله في الثالثة؛ بل في الرابعة، فإن اللفظ نقل عن الموجود لنفس الموجود، فيقولون: ذات السواد، ويريدون ذاته لا وجوده للاعتقاد، ثم اللفظ الصدق، ثم الاستعمال، فيصير أربع مراتب في نفس المجاز.