الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
سلبه عن الرجل الشجاع، وهذه خاصية الحقيقة والمجاز، وكذلك قولهم: اللفظ يستعمل في الحيوان المفترس، بغير قرينة، ولا يستعمل مع الرجل الشجاع إلا مع القرينة، وكذلك جميع الخواص يذكرونها، ولا يذكرون الحدود، ولا بقولون: اللفظ حقيقة في كذا، ولا مجاز في كذا.
(تنبيه)
اعلم أن اسم الحقيقة قد يسلب عنها، فلا يعبر بذلك؛ لأنه ليس بنقض
على ما تقدم كقوله عليه السلام: (ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد الذي
يملك نفسه عند الغضب)، فقد سلب اسم الشدة عن الذي يصرع الناس مع أنه شديد حقيقة، وكذلك قوله تعالى:{صم بكم عمي فهم لا يرجعون} (البقرة: 18) مع أنهم يبصرون ويسمعون، وكذلك قوله تعالى:{إنهم لا إيمان لهم} (التوبة: 12)، مع أنهم حلفوا، ونظائره كثيرة في الكتاب، والسنة.
ومعناه: ليس الشديد الذي تنفعه شدته عند الله تعالى، فهو نفي للشدة النافعة.
قوله: (إنما لم يسبق اللفظ إلى فهم السامع؛ لأنه اضطر من قصد الواضعين إلى أنهم وضعوا ذلك اللفظ لذلك المعنى).
عليه سؤالان:
الأول: أن المرجح للفهم قد يكون حال المستعملين لا حال الواضع، فإن الاستعمال في ظاهر الحال، إنما يكون في الحقيقة حتى يأتي صارف عنها، أو غير ذلك من أن الأصل عدم التجوز؛ لاحتياجه لأمور من العلاقة، وغيرها، والحقيقة مستغنية عنها، وهذه أمور توجب الرجحان، فما تعين قصد الواضعين.
الثاني: قوله: (الواضعين) يقتضي أن الواضع جماعة، ومن أين له ذلك؟ فلعله الله تعالى، أو يعرب بن قحطان، أو شخص غيره.
قوله: إذا علقت الكلمة، بما يستحيل تعليقها به علم في أصل اللغة أنه غير موضوع له، فيعلم أنه مجاز، ونحو قوله تعالى:{واسأل القرية} (يوسف: 82).
قلنا: هذا يناقض كلامين تقدما:
أحدهما: قوله: (إن المجاز المركب عقلي لا لغوي، وهاهنا جعله لغويا.
وثانيهما: أنه لما بحث فيما تقدم في هذا المجاز، جعل الأصل في القرية المنصوبة أنها هي المفعول، وتقدير المضاف يوجب المجاز فيها، فجعل المضاف ئمت سبب التجوز، وهاهنا يشير إلى أنه محل التجوز، وأنه ليس الأصل أن يكون المنصوب هو المفعول، بل ينظر إلى ذلك الكلام هل وضع ليعلق ويركب مع هذه الكلمة أم لا؟ فكلامه هاهنا يقتضي أن لفظ السؤال وضع ليركب مع لفظ من يصلح للإجابة، فلما ركب مع القرية، ركب مع غير من وضع له، فكان مجازا، وذلك يقتضي أن الأهل هو المتجوز عنه، وأنه محل التجوز، لا سبب التجوز، وهذا هو الصحيح المختار، وقد تقدم تقرير المذهبين هل المضاف المحذوف، سبب المجاز أو محل المجاز؟
قوله: ورابعها: (أن يضعوا اللفظ لمعنى، ثم يتركوا استعماله في بعض
مجازاته، ثم يستعملونه بعد ذلك في غير ذلك الشيء، فيكون مجازا عرفيا، كالدابة في الحمار).
قلنا: لا يكفي في النقل الترك، فقد يترك مع البعض الآخر، بل ينبغي أن يصرح فيقول: يضعون اللفظ لمعنى عام، ثم يضعونه لكثرة الاستعمال لما هو أخص منه، فالحقيقة العرفية التي هي مجاز لغوي إنما تنشأ عن الاستعمال في الأخص لا عن الترك في غيره، فالترك لا يوجب مجازا، ولا حقيقة، بل الاستعمال هو الذي يقع فيه المجاز والحقيقة، والنقل عن اللغة للعرف.
ثم قوله: (يستعملونه في غير ذلك الشيء) - هذا الشيء لم يجر له ذكر حتى يسميه، لكنه مراد في قوة كلامه، ومراده غلبة الاستعمال في الأخص كما تقدم، أو يكون المجاز أجنبيا كالغائط، كما تقدم تقريره).
قوله: (لا يصح اسأل البساط، كما يصح اسأل القرية).
قلنا: لا نسلم أنه يمتنع، بل كلام سيبويه، وغيره يقتضي الجواز.
قال سيبويه: لا يجوز أن تقول: قامت هند، ومرادك غلامها، يعني لأن قرينة التعذر في القرية هي الدالة على الإضمار، ولا تعذر هاهنا في هند، فلا يجور إضمار بغير دليل، وهذا يقتضي (اسأل السباط) لقرينة التعذر، فينصرف السؤال إلى صاحبه كما انصرف لأهل القرية.
قوله: (الدعوى العامة لا تصح بالمثال الواحد).
يعني: أن الإنسان لو قال: كل حيوان حرام الأكل؛ لأن الخنزير حرام الأكل ما صح، أو كل عدد زوج؛ لأن العشرة زوج لم يصح، فالكليات لا تثبت بثبوت الحكم في بعض أفرادها، لكن ينبغي أن يعلم أن ذكر الصورة الجزئية قد يكون للاستدلال فلا يصح، وقد يكون للتنبيه للسامع على الحق في
المسألة لا على سبيل الدليل، كما لو قيل لك: أهل هذه المدينة لا يستعملون النظام الفلاني، فيقال: ليس كذلك: ألا ترى أن فلانا يستعمله؟ يريد تنبيهه على الاستقراء لأحوال تلك البلدة.
وكذلك إذا قيل لك: لم قلت: إن الشرع يبيح الغرر للضرورة، والرخصة للمشقة؟ فتقول: كما أباح القراض، والمساقاة مع الغرر والقصر والفطر للمشقة، ونحو ذلك، وليس مرادك إلا التنبيه لا إقامة الدليل، ولو أردت الدليل لامتنع مع أن الناس مجمعون على ذلك.
قوله: (إن أراد بالاطراد في جميع الصور نص الواضع، فالمجاز كذلك).
قلنا: هذا إنما يتم إذا قلنا: المجاز من شرطه الوضع.
أما على القول بالاكتفاء بمجرد الحقيقة، فلا يتجه.
قوله: (الحقيقة قد لا تطرد؛ لأنه يمنع منه العقل، كإطلاق الدليل على الله تعالى؛ لأنه فاعل الدليل، لكنه اشتهر في الدلالة فمنع إطلاقه).
قلنا: لا نسلم أن هذا يمتنع إطلاقه للإبهام، لكن للسمع؛ لأن هذا المنع حكم شرعي، والأحكام الشرعية إنما تثبت من جهة السمع لا بالعقل.
قوله: يمتنع سمعا كتسمية الله- تعالى- بالفاضل، والسخي مع وجود الحقيقة).
قلنا: لا نسلم وجود الحقيقة؛ لأن العرب وضعت الفاضل للمتصف بالعلوم المكتسبة، وعلم الله تعالى ليس مكتسبا، ولذلك إن من لم يشتغل بالعلوم، ويكتبها، لا يسمونه فاضلا، والسخي لمن طبعه الله- تعالى- منقاد للعطاء، والله- تعالى- منزه عن الطباع كلها، وذلك فإن السحاب يعطى
جميع ما عنده من الماء، والأرض تخرج جميع ما فيها من النبات، ولا يسميان بالسخي.
قوله: (وقد يمنع من ذلك اللغة كالأبلق للفرس).
تقريره: قال ابن عطية في تفسيره: قال اللغويون: تقول العرب: فرس أبلق، وكبش أخرج، وتيس أبرق، وكلب أبقع، وثور أشيه، ومنه قوله تعالى في البقرة لبني إسرائيل:{لاشية فيها} (البقرة: 71)، أي ليس فيها ألوان مختلفة، وكل هذه الأسماء لمعنى البلقة اختلفت باختلاف المحل.
قوله في الرد على الغزالي: (إن امتناع الاشتقاق دليل المجاز، أنه ينتقض بقولهم للبليد: حمار، وللجمع حمر هذا إنما يتجه إذا كان الجمع مشتقا من
المفرد، حتى تكون حمر مشتقة من حمار، وهو مجاز فيكون الاشتقاق دخل في المجاز، وهذا لم يقل به أحد فيما علمت، بل قالوا: الحمار مشتق من الحمرة؛ لأنها الغالبة على حمر الوحش، ولكن حد الميداني الذي قدمه أول الكتاب يقتضيه في قوله: أن يجد بين اللفظين تناسبا في المعنى والتركيب، فيرد أحدهما إلى الآخر، ولا شك أن بين حمار، وحمر، مناسبة في المعنى والتركيب، فيكون أحدهما مشتقا من الآخر.
قوله: (الرائحة حقيقة في معناها، ولم يشتق منها).
قلنا: قد ورد في البخاري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:) من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة)، فقد اشتق منها الفعل.