الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ويلزم من نفي المعنى العام نفي جميع جزيئاته، فيلزم نفي كل فرد، وهو خلاف المقدر، ويكون حينئذ بمعنى التواطؤ، لا بمعنى الاشتراك.
قوله: (ويمكن الجوب بأن النفي لا يفيد إلا رفع مقتضى الإيجاب).
قلنا: لا نسلم، فإن مقتضى الإيجاب في قولنا:(في الدار رجل) مطلق لا يفيد إلا رجلا واحدا.
وقولنا: (لا رجل في الدار) يفيد نفي كل رجل، فقد اختلف مقتضاهما لغة. قوله:(سنتكلم على الاحتياط).
يريد أن الحمل على جميع المسميات ليس احتياطا في درء المفاسد؛ لأنه إذا قال لعبده: انظر إلى العين، فأخذ ينظر إلى ذهبه فيصادره، أو تمتد النفوس إلى امرأته فتفجرها.
(تنبيه)
زاد تاج الدين أن قوله: (يصلون) فيه ضمير عائد إلى الله تعالى
وآخر إلى الملائكة عليهم السلام وتعدد الضمائر كتعدد الأفعال، ولا نزاع فيه إنما النزاع في المرأة، وهو الجواب عن الثاني؛ لأن المعطوف بمثابة الأفعال.
وعن الثالث: أن ذلك بيان كون اللفظ مشتركا لا بيان الجمع، ويرد عليه أن قوله:(فيه ضمير) يحتمل ثلاثة أوجه:
أحدها: أن الخبر مضمر كما تقدم، وهو لا ينتظم لقوله: وتعدد الضمائر كتعدد الأفعال، فيضير معنى كلامه تعدد الأفعال كتعدد الأفعال، فيضير نسبتها للشيء بنفسه؛ فإن الفعل المضمر غير المنطوق به، فالأفعال متعددة قطعا.
وثانيها: أن يريد أن ضمير (الواو) يشمل اسم الله تعالى لأنه من جملة الظواهر التي تقدم ذكرها، وهذا هو مقصود الخصم، ويبطل قوله:(تعدد الضمير كتعدد الأفعال)، وإلا لزم أن يكون هاهنا آلاف من الأفعال؟ لأن (الواو) مشتملة على آلاف من الملائكة.
وثالثهما: أن يريد أن فيه ضميرا غير (الواو) ويعبر عنه، فهو مثلا وهو ظاهر كلامه، وهذا خلاف إجماع النحاة؛ لأنهم متفقون على أن (يصلون) ونحوه من الأفعال التي هي على هذا المنوال (يفعلون) ليس فيه ضمير إلا (الواو) فقط.
وأما قوله: (وهو الجواب عن الثاني)؛ لأن المعطوف بمثابة الأفعال بخلاف المعلوم من اللسان؛ لأن المعطوف هاهنا الملائكة، ولا يقول أحد ممن له علم باللسان العربي: إنه فعل ولا بمنزلة الفعل هاهنا، ثم لو سلم له أن المعطوف كالفعل يبطل قوله، وهو الجواب عن الثاني؛ لأنه إنما قرر في الأول أن في (يصلون) ضميرا، والمعطوف ليس ضميرا، فليس هذا هو الأول حتى يقول: هو الجواب عن الثاني، بل كلام النحاة هاهنا في العطف، أن لهم ثلاثة مذاهب:
أحدها: أن حرف العطف قام مقام العامل في المعطوف.
وثانيها: أن المعطوف إنما ارتفع وانتصب وانخفض بحرف العطف نفسه.
وثالثها: أن العامل مضمر مع حرف العطف، والأول المشهور عند البصريين، فإن أراده فلا ضمير حينئذ، ولا تعدد للأفعال هاهنا؛ لأن العطف على معمول (إن) لا على معمول (يصلون).
وإن أراد الثاني، فلا ضمير أيضا ولا تعدد، وإن أراد الثالث، فلا ينبغي أن يقول: المعطوف يقوم مقام تعدد الأفعال، بل المعطوف هاهنا لم يقم
مقامه؛ لأنا أضمرنا (إن)، ولم نضمر فعلا، ولم نقم شيئا مقام شيء على هذا التقدير، وبالجملة فكأن في نفسه شيئا لم يأت بعبارة تدل عليه، بل بعبارة لا تستقيم على تقدير من التقادير الصحيحة عند أئمة اللغة.
ويرد عليه في الثالث أنه سلم فيه الاشتراك، وهو غير مسلم.
وزاد صاحب (المنتخب) وغيره، فقال في أول المسألة: لا يجوز استعمال اللفظ المشترك في جميع معانيه خلافا للشافعي (والقاضي عبد الجبار)(1) وغيرهما (2) فإنهم قالوا: إذا تجرد عن القرائن المخصصة وجب حمله على الكل، وقد علمت فيما تقدم أن الاستعمال غير الحمل، وأن الاستعمال صفة للمتكلم، والحمل صفة للسامع، وأن الأول الدلالة باللفظ، والثاني دلالة اللفظ، وقد تقدم الفرق بينهما من خمسة عشر وجها، وإن جعل أحدهما عين الآخر غلطا، وإذا كانا خلافا للشافعي، فإنه قال: الترتيب في الوضوء واجب، وهذا غلط من القول، بل لا نذكر عن المخالف إلا نقيض ما ذكر عن المستدل، وهاهنا أحد النقيضين من مسألة والنقيض الآخر من مسألة أخرى ففسدت العبارة.
والإمام في (المحصول) لم يقل هكذا، وإنما ذكر الحمل فرعا في آخر المسألة، وفرعه على القول بالجواز، فلم يرد عليه هذا الإشكال، بل صاحب المنتخب (3) غير العبارة، فورد عليه ذلك.
وزاد سراج الدين] في (التحصيل) [: "ولقائل أن يقول: (إذا كان الجمع تعديد الأفراد جاز أن يراد به الكلى، كما في المفردات، ولأنهم يجمعون العلم لإفادة الأشخاص المختلفة) وهذان هما السؤالان السابقان اللذان وقعا لغيره.
وزاد أيضا في الجواب عن حجة الشافعي في وجوب الحمل على المجموع، فقال: ولقائل أن يقول: هذا ينفي الجواز أيضا، فلا يتمسك به تفريعا عليه، وغير جواب الإمام؛ لأن اللفظ ما لم يوضع للمجموع لا يجوز استعماله، وإن وضع فحينئذ لو استعمل فيه مع أنه أحد المسميات لزم الترجيح بلا مرجح، والإمام لم يقل هكذا، وإنما قال: يكون الجزم بإفادته المجموع، دون المفردين ترجيحا بلا مرجح، وبين العبارتين فرق، فإن الجزم راجع إلى السامع بالإرادة من جهة المتكلم، وهو يرجع إلى الحمل، فعلى عبارة (المحصول) لا ينبغي التفريع على الجواز، وعلى عبارة (التحصيل) ينبغي التفريع، فلا يرد سؤاله على (المحصول) بل على نفسه.
وغيّر التبريزي وزاد فقال: دليل المنع أنه لو جاز، فإما أن يجوز وضعا، أولا وضعا، ولا وضعا لا يكون لغة العرب.
ومعنى قولنا: لا يجوز وضعا، لا يخلو إما أن يكون وضع لهما على الجمع، أو على الانفراد، والأول ليس مشتركا، بل متواطئ، أو المفرد الذي كل واحد منهما جزء مفهومه، كالأريكة التي تتناول السرير والفرش على الجمع، والحلة التي تتناول مجموع الثوبين، فإن كان الثاني وهو موضوع لها على الانفراد، فالاستعمال فيهما خلاف الوضع، وهو المراد بعدم الجواز، ويرد عليه أن قوله: إن كان لا وضعا لا يكون لغة العرب،
وهو معنى قولنا: لا يجوز إن أراد لا يكون لغة العرب حقيقة ولا مجازا ممنوع، وإن أراد حقيقة فقط لا يضر ذلك خصمه، فإنه يجوز مجازا.
وقوله: (وإن كان الثاني)، فهو خلاف الوضع، وهو المراد بعدم الجواز، فسر عدم الجواز بعدم الوضع، وهذا لا ينازعه فيه خصمه القائل بالمجاز، وزاد فاحتج الشافعي في الحمل، فقال: العمل بالدليل واجب ما أمكن، وليس من عادة العرب تفهيم المراد باللفظ المشترك من غير قرينة، فيصير انتفاء القرينة المخصصة قرينة معممة، ولأنه إذا ثبت جواز إرادة الجميع، فالآحاد لا يصلح بعضها معارضا للبعض، ولا يصلح معارضا للمجموع، فإن مقتضى كل فرد الحمل عليه، نظرا إلى الصلاحية، وإمكان الإرادة لا ينفي الحمل على الغير، كما في المتواطئ، وقد وفًّينا بمقتضى كل فرد بالحمل على الجميع، ويحتاج كلامه إلى بسط.
فقوله: (إذا ثبت جواز إرادة الجمع).
يعني: لأن التفريغ على الجواز.
وقوله: (وإمكان الإرادة لا ينفي الحمل على الغير).
يريد إمكان إرادة الإفراد بالحكم لا ينفي إرادة الجموع الذي هو غير الإفراد؛ لأن إرادة المتواطئ لا ينافى إرادة قيد زائد عليه، وأن يراد به أخص من مسماه، فكذلك المجموع أخص من كل فرد لحصول الفرد في جميع صور إرادة المجموع دون العكس، والحمل على الأخص توفية بالحمل على الأعم، ويرد عليه أن القرينة المخصصة عند العرب هي سبب الحمل في الألفاظ المجملة، كانت مشتركة أو غير مشتركة، وعدم السبب سبب لعدم المسبب، فالقرينة إذا عدمت كان سببها سبب عدم الفهم، ويكون دليلا ظاهرا على إرادة المتكلم بقاء لفظه مجملا وأن الإجمال مقصوده، كما أن القرينة المخصصة دليل إرادته البيان.