الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(المسألة العاشرة: المجاز خلاف الأصل)
(فائدة)
تقدم أن الأصل له أربعة معان:
أصل الشيء: ما منه الشيء لغة، وأصل الشيء: دليله، ومنه أصول الفقه، أي: أدلته، وأصل الشيء رجحانه، ومنه الأصل عدم المجاز، والأصل عدم الاشتراك، والأصل براءة الذمة، والأصل الرابع الصورة المقيس عليها في القياس.
(سؤال)
كيف يجمع بين هذه المسألة، وبين قوله في التي قبلها: المجاز غالب على اللغات على ما قاله ابن جنى، وشاهده هو الاستدلال، فإذا كان المجاز غالبا كان هو الأصل، كما نقول: الأصل في كأس الحجام النجاسة، وفي سوسية القصار الطهارة، بناء على الغالب.
جوابه: أن المجاز إنما غلب وقوعه مقرونا بالقرينة، وهذا الذي ادعينا أن الأصل عدمه هو المجاز المجرد عن القرينة فلا تناقض.
(سؤال)
القاعدة المشهورة أن الشيء إذا دار بين النادر والغالب لحق بالغالب
دون النادر، والغالب على اللغات المجاز، فإذا وردت صيغة، يجوز أن تكون حقيقة، ويجوز أن تكون مجازا يتعين إلحاقها بالمجاز؛ لأنه الغالب، عملا بالقاعدة، وكذلك ما من عام إلا وقد خص إلا قليل منها، فإذا ورد عموم، وجوز أن يكون خص، أو هو باق على عمومه، ينبغي أن يعتقد أنه مخصوص، بناء على الغالب، والناس قد عملوا على خلاف ذلك، فكيف خولفت القاعدة؟
جوابه: أن المتردد بين النادر والغالب له شرط خفي على مورد السؤال،
وهو خفي على أكثر الناس، وهو أن من شرط المتردد بين النادر والغالب أن يكون من جنس الغالب لا مباينا له، فالسوسية التي للقصار إن كنا قضينا عليها بالطهارة؛ لكونها سوسية قصار، فالمتردد بين الطهارة والنجاسة، إن كان سوسية قصار قضينا بطهارتها؛ لأنها من جنس ذلك الغالب، فلو كنا إنما قضينا بطهارة تلك السواسي، لا لكونها سوسية قصار، بل لكوننا غسلناها بعد القصارة، وهذه السوسية لم تغسل، فلم نلحقها بالسواسي المقصورة؛ لأن المعنى الذي لأجله قضينا بالطهارة لم يوجد فيها، كذلك ها هنا جميع المجازات الواقعة في اللغة ما قضينا بأنها مجازات، لكونها ألفاظا تحتمل المجاز، والحقيقة، بل لكونها معها قرائن دلت على ذلك، وهذا اللفظ المجرد عن القرينة ليس معه قرينة، فلم يكن من جنس الغالب، بل هذه الصورة لم يوجد منها شيء مجاز البتة، لا غالب ولا نادر، بل هذه حقيقة ليس إلا، وكذلك جميع ما قضينا به من العمومات المخصوصة، لم نقض فيه بالتخصيص، إلا لاقتران المخصص به، وهذا العام المتردد ليس معه مخصص، فليس من جنس العمومات التي وقع فيها التخصيص، فلم يقع لنا عام هكذا مخصوص قط، فلا يلحق بالعمومات المخصوصة، فهذا هو الجواب، وهو وجه الجمع بين القاعدتين.
قوله: (إن قال الواضع: احمل اللفظ إما على هذا أو على ذاك كان اللفظ مشتركا بينهما).
قلنا: هذه العبارة غير كافية في حصول الاشتراك، بل هذه العبارة تناسب المتواطئ أقرب؛ فإن صيغة (أو) إنما تكون في (الحمل) إذا كان اللفظ للقدر المشترك، مع أن اللفظ المشترك لا يصدق عليه أنه يحمل فيه على هذا، أو على هذا، بل الماهية الكلية فقط، لكن كان ينبغي أن يقول: احملوه على ما دلت عليه القرينة، وإن فقدت القرينة فتوقفوا، أما التخيير هكذا فليس في الألفاظ المشتركة.
قوله: (وإن لم يحمل اللفظ على واحد منهما، كان اللفظ من المهملات، لا من المستعملات).
قلنا: لا نسلم أنه يلزم من عدم الحمل الإهمال، بل المشتركات كلها عند عدم القرينة لا تحمل على شيء، ولا يصدق عليها أنها مهملة بل موضوعة قطعا، فكان ينبغي أن يقول: يلزم عدم حصول الفائدة من الوضع؛ لأن فائدة الوضع هي الحمل فإذا لم يحمل تعذرت هذه الفائدة، ولعل المصنف يريد أنه من المهملات أي: أهملت فيه فائدة الوضع، لكنه قال: لا من المستعملات، واللفظ إذا لم يحمل في الاشتراك فهو مستعمل، فعدم الاستعمال يأبى ما قاله مع أن عدم الاستعمال لا يلزم من الإهمال؛ لأن المهمل قد يستعمل، فإذا قلنا: رأيت خنفشارا، ونريد هذا الحصير، كان هذا مستعملا في مهمل، وهذا غير متعذر، نعم ليس هو كلاما عربيا.
قوله: (وإذا بطلت الثلاثة تعين الأول، وهو المطلوب، فإن قلت: كيف يلزم من الحمل وتعينه للحقيقة أن تكون هي الأصل؟)
قلت: لا نعني بالحقيقة إلا الذي يحمل عليه اللفظ عند التجرد، ثم إن الحمل إنما كان لها لرجحانها، ورجحانها هو المعنى بأنها هي الأصل؛ لأن الأصل ها هنا الرجحان.
قوله: (المجاز متوقف على النقل).
يريد بالنقل ها هنا النقل اللغوي المجازي؛ لأن النقل العرفي هو غلبة الاستعمال، وهو ليس شرطا في المجاز، بل المراد النقل بمعنى التحويل من شيء لشيء آخر، والتحويل في اللفظ الموضوع إنما يصدق بطريق المجاز؛ لأنه لا يبقى زمانين حتى يحول؛ ولأن العرض لا يقوم به عرض الحركة، والنقلة، ولا غيرها من الأعراض.
ونبه في كلامه على شرط في الترجيح بالكثرة، والقلة، وهو أن العلماء قالوا:
ما قلَّت مقدماته يكون أرجح من كثير المقدمات، بشرط أن يكون الأقل بعض الأكثر حذرا من ألا يكون بعضه، فلا يلزم الرجحان، لأن المقدمة الواحدة قد تكون أعسر من مقدمات كثيرة، كما أن أخذ ألف دينار من الكيمياء، أو من السلطان مقدمة واحدة، وتحصيلها بالمتجر يحتاج لمقدمات كثيرة، إلا أن هذه الكثرة أيسر وقوعا من تلك المقدمة النادرة، فلذلك قالوا:" من شرط الترجيح أن يكون الأقل بعض الأكثر"، وقد أشار إليه المصنف بقوله: على سببين آخرين معه.
فرع:
قال (إذا دار اللفظ بين الحقيقة المرجوحة، والمجاز الراجح، تقدم الحقيقة المرجوحة عند أبي حنيفة، والمجاز الراجح عند أبى يوسف).
وقال قوم: يحصل التعارض؛ لأن كل واحد منهما راجح من وجه، ومرجوح من وجه.
وقال في (المعالم): (لا ينصرف لواحد منهما إلا بالنية؛ لأن الحقيقة من جهة أنها حقيقة توجب القوة، ومن جهة أنها مرجوحة توجب الضعف فاستويا).
والحق في هذه المسألة مذهب أبى يوسف؛ لأن كل شيء قدم في الكلام، إنما قدم لرجحانه، والتقدير رجحان المجاز فيقدم، ولذلك قدم عدم الاشتراك عليه، وعدم المجاز عليه، وعدم الإضمار عليه، وسائر ما قدم، إنما قدم لرجحانه.
وأما قول أبي حنيفة: (الحقيقة مقدمة على المجاز) فغير متجه؛ لأنا إنما قدمنا الحقيقة على المجار لرجحانها، والتقدير أن هذه الحقيقة مرجوحة فلا تقدم.
وهذه المسألة متصورة في المقولات الثلاث؛ لأنها مجازات راجحات بغلبة الاستعمال إلا الذات والجوهر كما تقدم بيانه، فإنهما منقولان، وليسا مجازين لعدم العلاقة فيهما.
وأما مدرك الإمام، ومن معه في التوقف فيرد عليه أربعة أسئلة:
الأول: لا نسلم أن كون الحقيقة حقيقة توجب القوة، وإنما توجب القوة لو كانت راجحة، والمقدر خلافه.
الثاني: لا نسلم أن المجاز لكونه مجازا يوجب الضعف، وإنما يكون المجاز ضعيفا، إذا كان مرجوحا، والتقدير أنه راجح غير محتاج إلى القرينة في الحمل عليه.
الثالث: سلمنا ما ذكره من الموجبات القوة والضعف، لكن لا نسلم التساوي والتعادل، فلم لا يجوز أن يكون موجب القوة في أحدهما أرجح من موجب القوة في الآخر أضعافا مضاعفة؟! أو يكون موجب الضعف في أحدهما، أرجح من موجب الضعف في الآخر أضعافا مضاعفة؟! فمهما لم يثبت أن موجب الراجحية والمرجرحية مستوية في كليهما لا يحصل المطلوب.
الرابع: سلمنا التساوي والتعادل، ولكن لم يلزم ألا ينصرف إلى أحدهما إلا بالنية، ويكون اللفظ مجملا فيهما، وذلك أن المجاز قد يكون بعض أفراد الحقيقة كالدابة؛ فإنها مجاز راجح في الفرس في (العراق)، والحمار بـ (مصر)، وكذلك أكثر الحقائق الشرعية، وقد تكون أجنبية عن الحقيقة كالغائط اسم للمكان المطمئن، وهو مجاز راجح في الفضلة المستقذرة، وهي ليست بعض المواضع المطمئنة، بل أجنبية عن الحقيقة.
إذا تقررت هذه القاعدة، فنقول: إن كان الكلام في المجار الذي هو بعض أفراد الحقيقة، والكلام في سياق الثبوت كان الكلام نصا في الحقيقة
المرجوحة، فلا يحتاج إلى النية؛ لأن النية إنما يحتاج إليها في المتردد بين الإفادة، وعدم الإفادة، ولهذا افتقرت الكنايات في أبواب الفقه للنيات دون الصرائح لتردد الكنايات دون الصرائح.
بيان كون اللفظ نصا فيها، فإن القائل إذا قال: في الدار دابة، إن أراد المجاز الراجح، ومتى ثبت الأخص ثبت الأعم، فثبتت الحقيقة المرجوحة التي هي مطلق الدابة، وإن أراد الحقيقة المرجوحة ثبتت الحقيقة المرجوحة، فالحقيقة المرجوحة ثابتة قطعا، فاللفظ نص فيها، فلا يحتاج إلى النية ومتى كان الكلام في سياق النفي، والمجاز بعض أفراد الحقيقة، كان الكلام نصا في المجاز الراجح؛ لأنه إذا قال: ليس في الدار دابة إن أراد المجاز انتفي قطعا، وإن أراد الحقيقة المرجوحة انتفي المجاز الراجح أيضا قطعا؛ لأنه يلزم من نفي الأعم نفي الأخص، فالمجاز الراجح منفي قطعا. فاللفظ نص فيه، فلا يحتاج للنية، ولا للقرينة، ولا يكون اللفظ مجملا فيه، فحينئذ إنما يحسن التوقف في الحقيقة المرجوحة، والكلام في سياق النفي، أو المجاز الراجح.
والكلام في سياق الثبوت، أو في المجاز الأجنبي عن الحقيقة كالغائط، فتصير الصور خمسا: يحسن التوقف في ثلاثة، ويمتنع في اثنتين.
والقاعدة: أن الدعوى متى كانت عامة، والدليل خاص، لا يسمع ذلك الدليل، كقولنا: الحيوان كله حرام؛ لأن الخنزير حرام، أو الشراب كله حرام؛ لأن الخمر حرام، فكذلك هاهنا الدعوى في خمسة، والدليل إذا سلمت مقدماته إنما يفيد ثلاثة، فلا يسمع، غير أن له في هذا المقام أن يجعل دليله من باب الفرض، والبناء، وهي قاعدة مشهورة عند النظار، إذا كان الدليل إنما يتم في بعض صور النزاع، يفرضون] ذلك [البعض،