الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
سورة التوبة
[35]
قال الحسين بن الفضل (نُسِخَت بهذه الآية كل آية في القرآن فيها الإعراض والصبر على أذى الأعداء).
الكشف والبيان للثعلبي
(1)
ص: 49
(2)
.
الدراسة
النسخ في اللغة: إزالة شيء بشيء يَتَعَقَّبُهُ، كنسخ الشمس الظِّلّ والظلِّ الشمسَ، فتارة يُفهم منه الإزالة، وتارة يفهم منه الإثبات، وتارة يفهم منه الأمران
(3)
.
ومعناه عند المتقدمين - السلف - البيان
(4)
فيشمل تخصيص العام، وتقييد المطلق، وتبيين المجمل، ورفع الحكم بجملته وهو ما يعرف عند المتأخرين - بالنسخ.
قال ابن القيم: " قلت: مراده ومراد عامة السلف بالناسخ والمنسوخ: رفع الحكم بجملته تارة - وهو اصطلاح المتأخرين - ورفع دلالة العام والمطلق والظاهر وغيرها تارةً، إما بتخصيص أو تقييد أو حمل مطلق على مقيَّد وتفسيره وتبيينُه، حتى إنهم يسمون الاستثناء والشرط والصفة نسخاً، لتضمن ذلك رفع دلالة الظاهر وبيان المراد، فالنسخ عندهم وفي لسانهم هو: بيان المراد بغير ذلك اللفظ بل بأمر خارج عنه ومن تأمل كلامهم رأى من ذلك فيه مالا يحصى وزال عنه إشكالات أوجبها حمل كلامهم على الاصطلاح الحادث المتأخر "
(5)
والنسخ اصطلاحاً: رفع الحكم الثابت بخطاب متقدم، بخطاب متراخ عنه.
(6)
(1)
وافقه البغوي في تفسيره 2/ 251، والقرطبي في تفسيره 8/ 69/ 70.
(2)
ت: جمال بن محمد ربعين، ج: أم القرى.
(3)
مفردات الراغب ص:: 492، وينظر: لسان العرب (نسخ).
(4)
ينظر: معالم أصول الفقه للدكتور محمد الجيزاني ص: 254 ويراجع في هذا: الاستقامة 1/ 23 ومجموع الفتاوى 13/ 29، 272.
(5)
إعلام الموقعين 1/ 29.
(6)
روضة الناظر 1/ 283. وللاستزادة في النسخ وما يتعلق به: يراجع: معالم أصول الفقه 254 - 272. للدكتور الجيزاني.
قوله تعالى {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} [التوبة: 5]
اختلف في هذه الآية فقيل: إنها منسوخة بقوله تعالى {فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً}
…
[محمد: 4] فلا يحلّ قتل الأسير وإنما يُمنُّ عليه أو يُفادى به، وهذا قول الضحاك وجماعة
(1)
، وقال بعضهم: إن هذه الآيات من أعاجيب آي القرآن لأنها نَسخت من القرآن مائة وأربعاً وعشرين آية ثم نُسخت
(2)
، ورده ابن الجوزي
(3)
وقيل إنها محكمة، ثم اختلف القائلون بإحكامها هل هي ناسخة لغيرها، أم غير ناسخة.
فقال كثيرون: إنها نسخت جميع ما أمر به المؤمنون من الصفح والعفو والغفران للمشركين
(4)
وأظن هذا من قبيل التوسع في النسخ.
قال الزركشي في أقسام النسخ: " ما أمر به لسبب ثم يزول السبب، كالأمر حين الضعف والقلة بالصبر وبالمغفرة للذين يرجون لقاء الله، ونحوه من عدم إيجاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد، ونحوها، ثم نسخه إيجاب ذلك. وهو ليس بنسخ في الحقيقة، وإنما هو نَسْء، كما قال تعالى:(أو ننسئها)
(5)
[البقرة: 106] فالمُنْسَأ هو الأمر بالقتال إلى أن يقوى المسلمون، وفي حال الضعف يكون الحكم وجوب الصبر على الأذى.
وبهذا التحقيق تبيّن ضعفُ ما لهج به كثير من المفسرين في الآيات الآمرة بالتخفيف أنها منسوخة بآية السيف، وليس كذلك بل هي من المنسَأ، بمعنى أن كل أمر ورد يجب امتثاله في وقت ما لعله توجب ذلك الحكم، ثم ينتقل بانتقال تلك العله إلى حكم آخر وليس بنسخ، إنما النسخ الإزالة حتى لا يجوز امتثاله
…
أبداً
…
"
(6)
.
(1)
ينظر: الناسخ والمنسوخ للنحاس ص: 493/ 494، والإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه لمكي ص 309:، ونواسخ القرآن لابن الجوزي ص: 173
(2)
ينظر: الناسخ والمنسوخ لابن سلامة ص: 98، والناسخ والمنسوخ للكرمي ص: 116، و تراجع رسالة علمية لنيل درجة الماجستير بعنوان (الآيات المدعى نسخها بآية السيف) لعثمان علي ص:56.
(3)
ينظر: نواسخ القرآن له 173/ 174.
(4)
ينظر: الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه ص: 308/ 309 الناسخ والمنسوخ لابن حزم ص: 275، والإتقان 3/ 61، وتفسير السمرقندي 2/ 39 والمحرر الوجيز 3/ 8، والتسهيل لعلوم التنزيل 2/ 71.
(5)
قرأ ابن كثير وأبو عمرو بفتح النون والسين وهمزة ساكنة بين السين والهاء، وقرأ الباقون (ننسها) بضم النون وكسر السين من غير همزة، النشر 2/ 414
(6)
البرهان 2/ 42، وينظر: الإتقان 3/ 61.
وخصّ بعضهم فقال هي ناسخة لقوله تعالى: {فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً} [محمد: 4] وهذا مروي عن ابن عباس والسدي وقتادة وغيرهم
(1)
وبه قالت الحنفية
(2)
.
والصحيح ـ والله أعلم ـ ما قاله أكثر أهل العلم وهو أن الآية محكمة فالإمام مخير وله أن يفعل ما يراه مصلحة للمسلمين مِنْ مَنٍّ أو فداء وقتل واسترقاق
(3)
، وهذا مروي عن الحسن وعطاء وغيرهم
(4)
.
قال النحاس: " وهو صحيح جيد بيّن، لأن إحداهما لا تنفي الأخرى، قال:{فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ} أي خذوهم أسرى للقتل أو المن أو الفداء، فيكون الإمام ينظر في أمور الأسارى على ما فيه الصلاح من القتل أو المَنِّ أو الفداء، وقد فعل هذا كله رسول الله صلى الله عليه وسلم في حروبه
…
"
(5)
قال القرطبي: " وهو الصحيح
(6)
ونسبه ابن الجوزي إلى جابر بن زيد
(7)
وعامة الفقهاء
(8)
ورجحه مكي
(9)
وغيره ".
(10)
.
(1)
ينظر في الروايات: تفسير الطبري 26/ 49/ 50، وينظر: الناسخ والمنسوخ للنحاس ص: 494، ونواسخ القرآن لابن الجوزي ص:173.
(2)
ينظر: أحكام القرآن للجصاص: 5/ 271.
(3)
ينظر إلى قول الأكثرين: أضواء البيان 7/ 419.
(4)
ينظر في الروايات: تفسير الطبري 26/ 50.
(5)
الناسخ والمنسوخ ص: 394، وينظر: تفسير ابن جرير 26/ 51، وتفسير البغوي 4/ 152.
(6)
تفسير القرطبي 8/ 70.
(7)
جابر بن زيد: أبو الشعثاء الأزدي، ثقة فقيه، من التابعين، توفي سنة (93 هـ) وقيل بعد ذلك، ينظر: السير (4/ 481)، التقريب (865).
(8)
ينظر: نواسخ القرآن ص: 173، وزاد المسير 3/ 399، ويراجع الأم 4/ 361، والمغني لابن قدامة 13/ 44.
(9)
ينظر: الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه ص 310 ومكي هو مكي بن أبي طالب بن محمد القيسي، أبو محمد، العلاَّمة المقرئ، عالم في علوم القرآن والعربية، له تصانيف كثيرة، منها التبصرة في القراءات والهداية إلى بلوغ النهاية، توفي سنة (437 هـ)، ينظر: إنباه الرواة (3/ 313)، مرآة الجنان (3/ 45) ..
(10)
على سبيل المثال ابن عطية في المحرر الوجيز 3/ 8، والشوكاني في فتح القدير 2/ 420 و 5/ 39.
وقال الترمذي: في جامعه بعد ما روى (أن النبي صلى الله عليه وسلم فدى رجلين من المسلمين برجل من المشركين)
(1)
" والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم، أن للإمام أن يَمُنَّ على من شاء من الأسارى، ويقتل من شاء منهم ويفدي من شاء
…
"
(2)
.
وقال الشوكاني في (نيل الأوطار): " والحاصل أن القرآن والسنة قاضيان بما ذهب إليه الجمهور فإنه قد وقع منه المنُّ وأخذ الفداء .. ووقع منه القتل
…
ووقع منه فداء رجلين من المسلمين برجل من المشركين .. "
(3)
وأيضاً: فإنَّ هذا القول هو الذي تُرجِّحه القاعدة التفسيرية وتقضي به، وهي أنَّه إذا تنازع المفسرون في آية من كتاب الله تعالى، فمدَّع عليها النسخ ومانع منه، فأصح الأقوال المنع منه، إلا بثبوت التصريح بنسخها، أو انتفاء حكمها من كل وجه، وامتناع الجمع بينها وبين ناسخها، أو كان انتفاء الحكم في بعض الأوجه دون بعض كالتخصيص ونحوه
(4)
، ولأن النسخ إنما يكون لشيء قاطع، فإذا أمكن العمل بالآيتين كلتيهما فلا معنى للقول بالنسخ
(5)
، فقول الحسين يخالف الصحيح هذا إذا كان مقصوده بالنسخ هو ما اصطلح عليه المتأخر ون.
وإن كان مراده بالنسخ ما كان عليه مصطلح السلف؛ فإنه يمكن حمل المعنى عنده على أنه قد لا يعمل بالآية في بعض الأوقات التي يكون المسلمون فيها في ضعف، فيعملون بالآيات الأخرى حتى يزول الضعف فتنسخ هذه الآيةُ تلك الآيات على ما بيَّنه الزركشي سابقاً، والله أعلم.
(1)
(كتاب السير) باب ما جاء في قتل الأسارى والفداء، ح: 1568 ص: 381، وقال هذا حديث حسن صحيح.
(2)
المصدر السابق.
(3)
/ 146.
(4)
ينظر في القاعدة: قواعد الترجيح للدكتور الحربي 1/ 72.
(5)
ينظر: تفسير القرطبي 16/ 195.