الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
والذي يظهر ـ والله أعلم ـ أن الآية الأولى التي قال فيها: " طوعاً " أنه أراد أنه لا تزر نفس وزر أخرى ابتداءً، فالله لا يحملها ما لا تعمله، أما إذا أضلت غيرها فقد حملت هذا الوزر، وستحمل وزر من أضلته " كرهاً: أي رغماً عنها.
قال تعالى {وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى} [النجم: 39]
[88] دعا عبد الله بن طاهر، والي خراسان الحسين بن الفضل فقال له: أشكلت عليَّ ثلاث آيات دعوتك لتكشفها لي قال: وما هنَّ أيها الأمير قال: .. وقوله: {وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى} فما بال الأضعاف، فقال الحسين بن الفضل:(وأما قوله {وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (39)} يعني من طريق العدل. ومجاز الآية: {وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى} عدلاً وَلي أن أجزيهُ بواحدةٍ ألفاً)
.
الكشف والبيان للثعلبي
(1)
/ 376/ 377
(2)
.
الدراسة
قال الزجاج: " ومعناه، ليس للإنسان إلا جزاء سعيه، إن عَمل خيراً جُزي خيراً، وإن عمل شرَّاً جُزي شراً "
(3)
.
واختلف العلماء في هذه الآية على أقوال:
(4)
قال عكرمة: كان ذلك لقوم إبراهيم وموسى، فاما هذه الأمة فلهم ما سعوا وما سعى لهم غيرهم، لما روي أن امرأة دفعت صبياً لها فقالت: يا رسول الله ألهذا حج؟ قال: (نعم ولك أجر)
(5)
. وقال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم: إن أمي افتُلِتت نفسها، فهل لها أجر إن تصدقتُ عنها؟ قال:(نعم).
(6)
وقال الربيع بن أنس: أن المراد بالانسان ها هنا الكافر، فأما المؤمن فله ما سعى، وما سُعي له.
(7)
(1)
نسب نحوه ابن عطية في المحرر الوجيز 5/ 206 وأبو حيان في البحر المحيط 8/ 164 ونسب الجواب ابن الجوزي في زاد المسير 8/ 81 إلى الحسين بن الفضل.
(2)
ت: فريدة الغامدي، ج: أم القرى.
(3)
معاني القرآن وإعرابه 5/ 76.
(4)
ينظر في هذه الأقوال: تفسير البغوي 4/ 263/ 264 وزاد المسير 8/ 18.
(5)
أخرجه مسلم كتاب الحج، ح: 1336، ص:564. من طريق ابن عباس رضي الله عنهما.
(6)
أخرجه البخاري كتاب (الجنائز)، باب موت الفجأة، ح: 1388، ص: 223، ومسلم كتاب (الزكاة) ح: 2326، ص: 406 من طريق عائشة رضي الله عنها.
(7)
ينظر: تفسير البغوي 4/ 264 وفي القولين: المحرر الوجيز 5/ 206 وزاد المسير 8/ 81 وقال الشنقيطي في (دفع إيهام الإضطراب) ص: 221 " كما أن القول بأن المراد بالإنسان خصوصاً الكافر غير صحيح أيضاً "
قال القرطبي في قول الربيع هذا: " قلتُ: وكثير من الأحاديث يدل على هذا القول، وأن المؤمن يصل إليه ثواب العمل الصالح من غيره
(1)
..
وليس في الصدقة اختلاف، كما في صدْر كتاب مسلم عن عبد الله بن المبارك
(2)
وفي الصحيح:
(إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث) وفيه (أو ولد صالح يدعو له)
(3)
وهذا كله تفضل من الله عز وجل، كما أن زيادة الأضعاف فضل منه، كتب لهم بالحسنة الواحدة عشراً إلى سبعمائة ضعف إلى ألف ألف حسنة، كما قيل لأبي هريرة: أسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن الله ليجزي على الحسنة الواحدة ألف ألف حسنة) فقال سمعته يقول: (إن الله ليجزي على الحسنة الواحدة ألفي ألف حسنة)
(4)
فهذا تفضُّل. وطريق العدل {وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى} "
(5)
قال ابن تيمية بعد أن ذكر قول الربيع بن أنس: " قلتُ: وهذا أيضاً ضعيف جداً، فإن الذي في صحف إبراهيم وموسى لا يختصُّ به الكافر، وقوله بعده
…
{وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى} الآيات، يتناول المؤمن قطعاً، وهو ضمير الإنسان بل لو قيل: إنه يتناول المؤمن دون الكافر لكان أرجح من العكس، مع أن حكم العدل لا فرق فيه بين مؤمن وكافر، وما استحقَّه المؤمن بخصوصه فهو بإيمانه ومن سعيه "
(6)
.
(1)
قال ابن كثير: " ومن هذه الآية الكريمة استنبط الشافعي – رحمه الله – ومن اتبعه، أن القراءة لا يصل إهداء ثوابها إلى الموتى؛ لأنه ليس من عملهم ولا كسبهم، ولهذا لم يندب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أمته ولا حثهم عليه، ولا أرشدهم إليه بنص، ولا إيماء ولم ينقل ذلك عن أحد من الصحابة رضي الله عنهم ولو كان خيراً لسبقونا إليه، وباب القربات يقتصر فيه على النصوص ولا يتصرف فيه بأنواع الأقيسة والآراء، فأما الدعاء والصدقة فذاك مجمع على وصولهما ومنصوص من الشارع عليهما " تفسيره 4/ 258.
(2)
عبد الله بن المبارك: المروزي، مولى بني حنظلة، ثقة ثبت فقيه عالم جواد مجاهد، جمعت فيه خصال الخير، توفي سنة (181 هـ) ينظر: السير (8/ 378)، التقريب (3570).
(3)
كتاب (الوصية) ح: 4223، ص:716. وينظر: تفسير ابن كثير 4/ 258.
(4)
رواه الإمام أحمد في مسنده ح: 7932، ص: 593، وقال الهيثمي: "رواه أحمد بإسنادين والبزار بنحوه وأحد إسنادي أحمد جيِّد، مجمع الزوائد 10/ 145.
(5)
تفسيره 17/ 101/ 102.
(6)
تفسير آيات أشكلت على كثير من العلماء 1/ 463.
وقال أبو حيان " الظاهر أن الإنسان يشمل المؤمن والكافر "
(1)
وقد أوضح الله تعالى في آيات من كتابه معنى هذه الآية في سورة النجم كقوله تعالى {إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا} [الإسراء: 7] وقوله {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا} [فصلت: 46] وقوله {مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ} [الروم: 44]
ثم إن آية النجم السابقة دلّت على أن الإنسان لا يستحق أجراً إلا على سعيه بنفسه، ولم تتعرض هذه الآية لانتفاعه بسعي غيره بنفي ولا إثبات؛ لأن قوله:{وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى} قد دلّت اللام فيه على أنه لا يستحق ولا يملك شيئاً إلا بسعيه، ولم تتعرض لنفي الانتفاع بما ليس ملكاً له ولا مستحقاً له
(2)
كما أنه ليس للإنسان من المال إلا ما هو في ملكه وتحت يده، ولا يلزم من ذلك، أن لا يملك ما وهبه له الغير من ماله الذي يملكه
(3)
.
وقال ابن عطية (والتحرير عندي في هذه الآية أن ملاك المعنى هو في اللام من قوله (للإنسان) فإذا حققت الشيء الذي هو حق الإنسان يقول فيه لي كذا لم يجده إلا سعيه، وما بعده من رحمة ثم شفاعة أو رعاية أب صالح أو ابن صالح أو تضعيف حسنات أو تغمد بفضل ورحمة دون هذا كله فليس هو للإنسان ولا يسعه أن يقول لي كذا إلا على تجوز وإلحاق بما هو له حقيقة "
(4)
وأجاب الشوكاني بأن الآية عموم مخصوص بمثل قوله تعالى: {أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ} [الطور: 21] وبمثل ما ورد في شفاعة الأنبياء والملائكة للعباد ومشروعية دعاء الأحياء للأموات ونحو ذلك، وأن كل ما قام الدليل عليه من أن الإنسان ينتفع به وهو من غير سعيه كان مخصصاً لما في هذه الآية من العموم.
(5)
(1)
البحر المحيط 8/ 164.
(2)
أضواء البيان 7/ 708/ 709 مع شيء من التصرف.
(3)
تفسير السعدي ص: 822.
(4)
المحرر الوجيز 5/ 206/ 207.
(5)
ينظر: فتح القدير 5/ 142
قلتُ: وما أحسن هذا الجواب.
وأما بالنسبة لما ذكره الحسين بن الفضل فلا يخفى ما تضمنه قول القرطبي السابق من تأييد لمعنى ما ذكره، وكان جمعه بين قوله تعالى:{وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ} [البقرة: 261] وبين هذه الآية موفقاً ومسدداً ـ والله أعلم ـ.
ومعلوم رحمة الله تعالى بعباده المؤمنين فلا يجازي بالسيئة إلا مثلها وأما الحسنة فيضاعفها إلى ما شاء وهو الواسع العليم، ولا أظن أن مثل هذا يحتاج إلى مزيد بيان وتدليل.
هذا من ناحية التوفيق أما من ناحية كونه تفسيراً للآية فقد قال ابن تيمية: "
{وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى} من طريق العدل، وأما من باب الفضل فجائز أن يزيده الله ما شاء. قاله الحسين بن الفضل، وهو أمثل من غيره من الأقوال، ومعناه صحيح، لكنه لم يفسر الآية، فإن قوله {لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ} نفي عام فليس له إلا ذلك، وهذا هو العدل، ثم إن الله قد ينفعه ويرحمه بغير سعيه من جهة فضله "
(1)
(1)
تفسير آيات أشكلت 1/ 463/ 464