الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كتاب النِّكَاح
وفي نسخة: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) كتاب النكاح، هذا كلام إضافي يجوز فيه من الإِعراب وجهان: رفعه على أنه خبر لمبتدأ محذوف، تقديره: هذا كتاب كما قدرناه، فلفظ هذا اسم الإِشارة وضع لأن يشار المحسوس بالإِشارة الحسية، والمراد بالمحسوس اللفظ الدال على المعنى، أي: هذا اللفظ كتاب أي: مكتوب في بيان أحكام النكاح، ونصبه على أنه مفعول لفعل مقدر تقديره: خذ أو اقرأ الكتاب، وهو لغة: إما مصدر بمعنى الجمع [ستر به](1) به المفعول (ق 560) للمبالغة أو فعال بني للمفعول للمبالغة، واصطلاحًا: مسائل اعتبرت مستقلة شملت أنواعها؛ لأن النكاح له أنواع من نكاح المسلم والذمي والحر والرق والنكاح في اللغة: حقيقة في الوطء ومجاز في العقد، وقيل: مشترك بينهما، وفي الشرع: حقيقة في العقد الموضوع لملك المتعة، فلا بد من علل أربع:
أحدها: العلة الفاعلية: وهي المتعاقدان، يقول: أحدهما زوجني والآخر زوجتك.
وثانيها: العلة المادية: وهي الإِيجاب والقبول.
وثالثها: العلة الصورية: وهي الارتباط بالإِيجاب والقبول.
ورابعها: العلة الغائية: وهي المصالح المتعلقة بالنكاح كما قاله التمرتاشي في (منح الغفار)، قال: هذا
باب الرجل يكون له نسوة، كيف يقسم بينهن
باب في بيان أحكام القسم من طرف الرجل الذي يكون عنده نسوة، كيف يقسم أي: بيتوتته بينهن قيد بالنسوة، والمراد بهن الزوجات؛ لأن السراري وأمهات الأولاد لا حق لهن في القسم.
قال الخطيب الدمشقي: ويسأل بكيف عن الحال أي: عن وصف الشيء وهيئته التي يكون عليها، فإن كيف في حكم الظرف بمعنى في، أي: حال، فتارة تكون في محل الرفع على الخبرية، كما في قولك: كيف زيد؟ وأخرى في محل النصب على الحالية كما في قولك:
(1) هكذا بالأصل.
كيف جئت؟ كما قاله السيد الشريف الجرجاني في (شرح المفتاح) ونقل ابن هشام في (مغني اللبيب) عن سيبويه أن كيف ظرف، وعن السيرافي والأخفش أنها اسم غير ظرف، وعن ابن مالك أنه قال: لم يقل أحد أن كيف ظرف، لكونها سؤال عن الأحوال العامة سميت ظرفًا لأنها في تأويل الجار والمجرور، واسم الظرف يطلق عليها مجازًا انتهى. قوله: يقسم من الباب الثاني، تقول: قسمت قسمًا وهو بفتح القاف وسكون السين المهملة بمعنى قطع الشيء، ويجيء بمعنى التقدير، يقال: فلان يقسم أمره قسمًا أي: يقدره وينظر فيه، كما قاله محمد الواني في (ترجمة صحاح الجوهري)، واستنبط المصنف رحمه الله هذه الترجمة من قوله تعالى في سورة النساء:{فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ} [النساء: 3].
524 -
أخبرنا مالك، حدثنا عبد الله بن أبي بكر، عن عبد الملك بن أبي بكر بن الحارث بن هشام: أن النبي صلى الله عليه وسلم حينَ بنى بأمِّ سلمة، قال لها حين أصبحت عنده:"ليس بكِ على أهلك هوان؛ إن شئت سبَّعْتُ عندكِ، وسبعتُ عندهن، وإن شئتِ ثَلَّثْتُ عندك ودُرْتُ عندهن"، قالت:"ثلّث".
قال محمد: وبهذا نأخذ، ينبغي إن سَبَّع عندها أن يسبِّع عندهن، لا يزيد لها عليهنَّ شيئًا، وإن ثلَّثَ عندها أن يثلث عندهن، وهو قولُ أبي حنيفة والعامّة من فقهائنا.
• أخبرنا مالك، أي: ابن أنس بن مالك بن عمير بن عامر، صاحب المذهب، الأصبحي، يعنى منسوب إلى ملك ذي أصبح من ملوك اليمن، كان في الطبقة السابعة من طبقات كبار أتباع التابعين من أهل المدينة، كانت في الإقليم الثاني من الأقاليم السبعة من وجه الأرض حدثنا عبد الله بن أبي بكر، أي. ابن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري المدني القاضي، ثقة كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة خمس وثلاثين ومائة وهو ابن سبعين سنة. كذا في (تقريب التهذيب)(1) لابن حجر عن
(524) صحيح: أخرجه مسلم في الرضاع باب 12 رقم (41، 42) وأبو داود (2122) وابن ماجه (1917) وأحمد في المسند (6/ 292) والبيهقي في الكبرى (7/ 300) وابن سعد في الطبقات (8/ 65) والطحاوي في شرح معاني الآثار (3/ 28، 29).
(1)
التقريب (1/ 297) والتهذيب (5/ 144).
عبد الملك بن أبي بكر أي: ابن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام: المخزومي المدني، ثقة كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين، من أهل المدينة مات في أول خلافة هشام عن أبيه أي: عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث قال ابن عبد البر: ظاهر هذا الحديث أنه منقطع أي: مرسل، وهو متصل صحيح قد سمعه أبو بكر من أم سلمة، كما في مسلم وأبي داود وابن ماجه (1) من طريق محمد بن أبي بكر عن عبد (ق 561) الملك عن أبيه عن أم سلمة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم حين بنى بأمِّ سلمة، هند بنت أبي أمية المخزومية الفاضلة بأربعة الجمال، يعني: أنه صلى الله عليه وسلم وقت التزوج بأم سلمة والدخول عليها قال لها حين أصبحت أي: وقت دخوله في الصباح عنده: أي: في بيته صلى الله عليه وسلم "ليس بك بكسر الكاف أي: يا أم سلمة وفي رواية: أنه ليس بك بضمير الأمر أو الشأن على أهلك أي: الذي دخلت عليه هوان؛ أي: احتقار.
قال النووي: معناه لا يلحقك ولا يضيع من حقك شيء بل تأخذينه كاملًا.
قال القاضي عياض: والمراد بأهلك هنا نفسه صلى الله عليه وسلم، وكل من الزوجين أهل، أي: لا أفعل فعلًا يظهر به هوانك علي أو تظنيه، وفيه اللطف والرفق بمن يخشى من كراهة الحق حتى يتبين له وجه الحق.
قال الأبي: وقيل: المراد بأهلها قبيلتها؛ لأن الإِعراض عن المرأة وعدم المبالاة بها يدل على عدم المبالاة بأهلها، فالباء على الأول متعلقة بهوان، وعلى الثاني للسببية أي: لا يلحق أهلك هوان بسببك إن شئت سبَّعْت عندكِ، بتشديد الموحدة أي: بت عندك سبع ليال وسبعتُ عندهن، أي: عند سائر الأزواج، الظاهر يعني أقمت عند كل واحدة من نسائي سبعا للتسوية في القسمة بينهن وإن شئت ثَلَّثت عندك أي: أقمت ثلاثًا عندك خاصة لك ودُرْتُ بضم الدال المهملة وسكون الراء وضم التاء للمتكلم وحده من الدور أي: أدور بعد ذلك بالنساء بالقسم يومًا يومًا، ففيه حجة لمالك في أن القسم لا يكون إلا يومًا واحدًا وأجازه الشافعي يومين أو ثلاثًا ثلاثًا ولا خلاف في جواز أكثر من يوم مع التراضي، هكذا قال عياض وغيره.
قال الأبي: وإنما يدل لمالك إن كان معنى درت ما ذكره وإلا فقد قال المخالف: معناه
(1) انظر تخريج الحديث السابق.
درت بالتثليث، ورده ابن العربي بأن هذه زيادة لا تقبل إلا بدليل وبقوله صلى الله عليه وسلم:"للبكر سبع وللثيب ثلاث"(1) فجعله حكمًا مبتدأ، والأولى في رده أن قوله: درت إحالة على ما عرف من حاله، والمعروف منه في القسم إنما كان يومًا يومًا، وفي رواية لمسلم (2) فقال صلى الله عليه وسلم:"إن شئت زدتك وحاسبتك به للبكر سبع وللثيب ثلاث" قالت: "ثلّث" قال عياض: اختارت التثليث مع أخذها بثوبه حرصًا على إقامته عندها؛ لأنها رأت إذا سبع بها لغيرها لم يقرب رجوعه إليها.
وقال الأبي: لاطفها صلى الله عليه وسلم بهذا القول الحسن، أي: ليس بك على أهلك هوان تمهيد للعذر في الاقتصار على الثلاث أي: ليس اقتصاري عليها لهوانك علي، ولا لعدم رغبة فيك، ولكنه الحاكم ثم خيرها بين الثلاث ولا قضاء لغيرها وبين السبع ويقضي لبقية أزواجه فاختارت الثلاث ليقرب رجوعه إليها؛ لأن في قضاء السبع لغيرها طول مغيبه عنها انتهى.
قال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما رواه عبد الملك عن أبيه أبي بكر بن عبد الرحمن ينبغي إن سَبَّع عندها أي: الجديدة أن يسبِّع عندهن، أي: البقية لا يزيد أي: لها عليهنَّ شيئًا، وإن ثلَّثَ عندها أن يثلث عندهن، فيه أن ظاهر الحديث السابق أي: بعد التثليث هو الدور، ولا يفهم من التثليث عندهن إلا من دليل خارج يحتاج إلى بيانه، وقد قال مالك والشافعي وأحمد: إذا كانت الزوجة ثيبًا أقام عندها (ق 562) ثلاثًا، وإن كانت بكرًا قام عندها سبعًا ثم يدور بالتسوية بعد ذلك، لما في مسلم (3) عن خالد عن أبي قلابة عن أنس قال: إذا تزوج البكر على الثيب أقام عندها [سبعا]، وإذا تزوج الثيب على البكر أقام عندها ثلاثًا.
قال خالد: ولو قلت: رفعه لصدقت، ولكنه قال: السنة كذلك. ورواه ابن ماجه (4) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "للثيب ثلاثًا وللبكر سبعًا" وهو قولُ أبي حنيفة والعامّة من فقهائنا لإِطلاق قوله تعالى في سورة النساء {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا} [النساء: 3] أي: لا يجوزوا وقوله تعالى في سورة النساء:
(1) صحيح: أخرجه مسلم في الصحيح (1459).
(2)
مسلم (1459).
(3)
مسلم (1461).
(4)
ابن ماجه (1916).