الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كتاب الفرائض
في بيان أحكام الفرائض، هذا كلام إضافي يجوز فيه من الإِعراب وجهان: رفعه على أنه خبر لمبتدأ محذوف تقديره: هذا كتاب كما فسرناه فلفظ "هذا" اسم الإِشارة، وضع لأنه يشار به إلى محسوس بالإِشارة الحسية، والمراد بالمحسوس اللفظ الدال على المعنى أي: هذا اللفظ كتاب أي: مكتوب في بيان أحكام الفرائض، ونصبه على أنه مفعول لفعل مقدر وهو خذ واقرأ الكتاب، وهو لغة إما مصدر بمعنى الجمع يسمى به المفعول للمبالغة أو فعال بني للمفعول كاللباس بمعنى الملبوس، واصطلاحًا: مسائل اعتبرت مستقلة شملت أنواعها وهو أي: الفرائض جمع فريضة بمعنى المفروضة أي مقدرة لما فيها من السهام المقدرة في الميراث، والمراد بالفرائض هنا علم بفتح العين واللام فميم بعدهما يعرف منه كيفية قسمة المواريث بين مستحقها وقد ورد:"تعلموا الفرائض وعلموا الناس، فإنه نصف العلم وهو ينسى وهو أول شيء نزع من أمتي" رواه ابن ماجه (1) والحاكم (2) عن أبي هريرة.
وفي رواية الترمذي عنه: "تعلموا الفرائض والقرآن وعلموا الناس فإني مقبوض".
قال جلال الدين السيوطي في (الأوليات): روى أبو هريرة رضي الله عنه: أول علم ينزع من هذه الأمة الفرائض. . . الحديث.
722 -
أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، عن قبيصة بن ذؤيب: أن عمر بن الخطاب فرض للجَدِّ الذي يَفْرض له الناس اليوم.
قال محمد: وبهذا نأخذ في الجَدِّ، وهو قول زيد بن ثابت، وبه يقول العامة، وأما أبو حنيفة فإنه كان يأخذ بقول أبي بكر الصديق وعبد الله بن عباس: فلا يورّث الإِخوة معه شيئًا.
• أخبرنا مالك، بن أنس بن مالك بن عمير بن أبي عامر الأصبحي، ينسب إلى ذي
(1) الحاكم (4/ 369).
(2)
الترمذي (2090).
أصبح، وهو ملك من ملوك اليمن المدني، كان في الطبقة السابعة من طبقات كبار أتباع التابعين من أهل المدينة، مات بعد المائة وله تسعون سنة أخبرنا ابن شهاب، وهو محمد بن مسلم بن شهاب بن زهرة بن كلاب، كان في الطبقة الرابعة من طبقات كبار التابعين من أهل المدينة، مات بعد المائة من الهجرة عن قبيصة (ق 758) بفتح القاف وكسر الموحدة وسكون التحتية والصاد المهملة المفتوحة فهاء ابن ذؤيب: بالذال المعجمة المضمومة، تصغير ذئب بهمزة ويبدل فيهما وهو حلحلة بمهملتين مفتوحتين بينهما لام ساكنة الخزاعي أبا سعيد وأبا إسحاق المدني نزيل دمشق من أولاد الصحابة، وله رؤية مات سنة بضع وثمانين كذا في (تقريب التهذيب) أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه فرض أي: حكم للجَدِّ الذي يَفْرض له أي: للحد الناس أي: العامة من العلماء اليوم أي: من مقاسمة الأخ الواحد بالنصف والاثنين بالثلث، فإن زاد وأقله الثلث وفي (الموطأ) لمالك أنه قال: بلغني عن سليمان بن يسار أنه قال: فرض عمر وعثمان بن عفان وزيد بن ثابت للجد مع الأخوة الثلث وصورته من مات وترك جده أو خاله لأبويه فالمال المتروك يقسم بينهما على النصفية، وإن ترك الجد مع الأخوين أو ثلاث أخوة فالمسألة من ستة الثلث للجد، والثلثان لهم عند مالك والشافعي وأحمد وأبو يوسف ومحمد.
كما قال محمد: وبهذا نأخذ أي: إنما نعمل ونفتي بقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه في الجَدِّ، مع الأخوة وهو أي: ما قاله عمر وزيد بن ثابت قول العامة، أي: جمهور الفقهاء وأما أبو حنيفة فإنه كان يأخذ أي: يعمل في الجد أي: في حق إرثه بقول أبي بكر الصديق رضي الله عنه وعبد الله بن عباس: رضي الله عنهما فلا يورّث الإِخوة أي: فلا يجعلهم أبو حنيفة وارثًا معه أي: مع الجد شيئًا أي: الجد يأخذ جميع الأموال؛ لأنه بمنزلة الأب، فكما يسقطون من الميراث بالأب فكذا بالجد، وفي (شرح الفرائض السراجية) للسيد قال أبو بكر الصديق ومن تابعه من الصحابة رضي الله عنهم كابن عباس رضي الله عنهما وابن الزبير وابن عمرو، وحذيفة بن اليمان وأبي سعيد الخدري، وأبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وأبي موسى الأشعري، وعائشة وغيرهم رضي الله عنهم وبنو الأعيان وبنو العلات من الأخوة والأخوات أي: لأب وأم أو لأب: لا يرثون مع الجد، كما لا يرثون مع الأب بل الجد يستبد بجميع المال كالأب، وهذا قول أبي حنيفة وشريح وعطاء وعروة بن الزبير وعمر بن عبد العزيز والحسن البصري وابن سيرين، وبه يفتى عند الحنفية، وقال
علي وأحمد كما مر وبنو الأخيان أي: الأخوة للأم، فيعطون مع الجد إجماعًا، وهذه مسألة مشكلة، ولذا قال علي رضي الله عنه سألوني عن المعضلات إلا مسألة الجد وقد توقف بعضهم فيها وامتنع جماعة من الفتوى في الجد وقال محمد بن مسلمة: تقضي فيه بالصلح.
وقال محمد بن الفضل البخاري: يدفع إليه السدس الذي اجتمعت عليه الصحابة، ويصالح عن الباقي، ثم إن أبا حنيفة اختار قول أبي بكر الصديق؛ لأنه ثبت على قوله ولم يختلف عنه الرواية، وقد روى عن أبي عبيدة السليماني أنه قال: حفظت عن عمر في الجد سبعين قضية (ق 758) يخالف بعضها بعضًا.
وفي رواية: أن عمر خطب الناس، فقال: هل رأى أحد منكم النبي صلى الله عليه وسلم قضي للجد بشيء؟ فقال رجل: رأيته حكم للجد بالسدس، فقال: من كان من الورثة؟ فقال: لا أدري، فقال: لا دريت، ثم قام آخر فقال: رأيته قضى للجد بالثلث، فقال: من كان من الورثة؟ فقال: لا أدري، فقال: لا دريت، وعلى هذه الوتيرة شهد ثالث بالنصف ورابع بالجميع، ثم إنه جمع الصحابة في بيت ليتفقوا في الجد على قول واحد فسقطت حية من السقف فتفرقوا مذعورين أي: خائفين، فقال عمر: أبى والله أن يجتمعوا في الجد على شيء.
ومما يدل على ما اختاره أبو حنيفة: ما نقل عن ابن عباس أنه قال: ألا يتقي زيد يجعل ابن الابن ابنًا ولا يجعل أبو الأب أبًا، ثم اعلم أن عليًا وابن مسعود وزيد بن ثابت بعد اتفاقهم على توريث الأخوة من الجد، اختلفوا في كيفية القسمة على أقوال ثلاثة، ومحلها الكتب المبسوطة، كذا قاله علي القاري.
* * *
723 -
أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، عن عثمان بن إسحاق بن خرشة، عن قبيصة بن ذؤيب، أنه قال: جاءت الجدّة إلى أبي بكر تسأله ميراثها، فقال: مَا لَكِ في كتاب الله من شيء، وما علمتُ لك في سنّة نبي الله شيئًا، فارجعي حتى أسأل الناس، قال: فسأل الناس، فقال المغيرة بن شُعبة:
(723) إسناده صحيح.
سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطاها السُدس، فقال: هل معك غيرُك؟ فقال محمد بن مَسْلمة فقال مثل ذلك، فأنفذه لها أبو بكر، ثم جاءت الجدة الأخرى إلى عمر بن الخطاب تسأل ميراثَها، فقال: مَا لَكِ في كتاب الله من شيء وما كان القضاء الذي قضى به إلا لغيرِك، وما أنا بزائد في الفرائض من شيء، ولكن هو ذاك السدس، فإن اجتمعتما فيه فهو بينكما، وأيتكما خلت به فهو لها.
قال محمد: وبهذا نأخذ، إذا اجتمعت الجدّتان: أم الأم وأم الأب فالسدس بينهما، وإن خلت به إحداهما فهو لها، ولا ترث معها جدةٌ فوقَها، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا أخبرنا أبن شهاب، عن عثمان بن إسحاق بن خرشة، بالخاء المعجمة المفتوحة وسكون الراء المهملة وفتح الشين المعجمة ثم هاء، القرشي العامري ثقة الدوري في رواية ابن معين، كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين من أهل المدينة مات بعد المائة عن قبيصة بفتح القاف وكسر الموحدة وسكون التحتية وفتح الصاد المهملة فهاء ابن ذؤيب، بضم الذال المعجمة وفتح الهمزة وسكون التحتية فموحدة تصغير ذئب بهمزة ويبدل فيهما ابن حلحلة بحائين المهملتين مفتوحتين بينهما لام ساكنة الخزاعي يكنى أبا إسحاق وأبا سعيد المدني، نزيل دمشق ولد يوم الفتح، وقيل: يوم حنين وأتى به النبي صلى الله عليه وسلم وعن عمرو وعثمان وبلال وعبد الرحمن بن عوف وغيرهم، وروى عنه ابنه إسحاق والزهري والمكحول وغيرهم، وعده أبو الزناد في فقهاء المدينة، مات سنة ست وثمانين أنه قال: جاءت الجدّة أي: أم الأم إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه تسأله ميراثها، لها أي: من ولد فقال: أي: أبو بكر لها مَا لَكِ أي: ليس لك في كتاب الله من شيء، أي: فريضة مقدرة وما علمنا أي: نحن وما حضرنا أو الصيغة للتعظيم لك في سنّة رسول الله صلى الله عليه وسلم أي: من قوله وفعله شيئًا، أي: مما يكون لك فارجعي حتى أسأل الناس، أي: بقية الصحابة عن ذلك قال أي: الراوي فسأل الناس، بعد ما صلى الظهر كما في رواية عبد الرزاق عن عمر فقال المغيرة بن شُعبة: رضي الله عنه وهو ابن مسعود الثقفي، أسلم قبل الحديبية وولي إمارة البصرة، ثم الكوفة ومات سنة خمسين
على الصحيح عند المؤرخين حضرت رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي نسخة: النبي وإنما قال حضرت، ولم يقل: حاضرت رعاية للأدب وتركًا بإيهام التسوية بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم في الجلسة في المكان أعطاها أي: الجدة السُدس، فقال: أي: أبو بكر الصديق رضي الله عنه: يا مغيرة (ق 759) ابن شعبة هل معك غيرُك؟ أي: حين حضرت رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان أبو بكر طلب الحجة من المغيرة بن شعبة على صحة خبره حضرت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأعطاه بها السدس، قال النبي صلى الله عليه وسلم:"البينة على المدعي واليمين على من أنكر" وأراد زيادة التثبت والاستظهار مع الإِمكان وفتوا الحديث لعدم قبول خبر الواحد، أي: علمان خير من علم واحد ولا فخبر الواحد العدل مقبول اتفاقًا فقال محمد بن مَسْلمة أي: الأنصاري الصحابي، وكان من الفضلاء، مات بعد الأربعين فقال مثل ذلك، أي: مثل ما قال المغيرة فأنفذه بالهاء والذال المعجمتين المفتوحين لها أبو بكر الصديق رضي الله عنه أي: أنفذ الحكم بالسدس للجدة، فيه استعارة بالكناية تشبيه المعقول بالمحسوس فإنه بثبوت حكمه بالسدس لها أي: لنفوز السهم بالصيد كما يقال: نفذ السهم لرميه وهي بفتح الراء المهملة وكسر الميم وفتح التحتية المشدودة الصيد كذا قال محمد الواني في (ترجمة الجوهري)، فيعتبر فيه أنواع الاستعارة ثم أي: بعد إنفاذ حكمه بالسدس للجدة جاءت الجدة الأخرى أي: أم الأب إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه تسأل ميراثَها، فقال: أي: عمر مَا لَكِ بكسر الكاف أي: ليس لك يا امرأة في كتاب الله من شيء وما كان القضاء الذي أي: الحكم الذي قضى بصيغة المجهول أي: حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم أو خليفته به أي: السدس إلا لغيرِك، بكسر خطاب لأم الأب، والمراد بالغير أم الأم وما أنا بزائد في الفرائض من شيء، أي: حتى أقيس ولكن هو أي: المفروض أو الحكم ذاك بكسر الكاف أي: نصيبك الذي قضى لأم الأب، وهو السدس، فإن اجتمعتما بصيغة التثنية المخاطبة أي: أيتها الجدتان فيه أي: في السدس فهو بينكما، أي: بالسوية وأيتكما خلت به أي: انفردت بالسدس فهو لها.
قال الزرقاني: وفيه أن الصديق لم يكن له قاض ولا خلاف فيه، وذهب العراقيون إلى أن أول من استقضى عمر فبعث شريحًا إلى الكوفة قاضيًا، وبعث كعب بن سور إلى البصرة قاضيًا.
وقال مالك: أول من استقضى معاوية، وهذا رواه أصحاب السنن من طريق مالك وغيره.
قال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل بما قضى به عمر بن الخطاب رضي الله عنه إذا اجتمعت الجدّتان: أم الأم وأم الأب فالسدس بينهما، أي: بالسوية وإن خلت به أي: انفردت بالسدس إحداهما فهو لها، فورثة من مات وترك أم أمه وأباه وأم الأب فالقسمة التركة تكون من ستة: سهم واحد منها لأم الأم، وخمسة أسهم لأبيه ولا شيء لأم الأب؛ لأن الأب يحجب الأجداد والجدات الذين من قبله ولا ترث معها أي: مع كل واحدة من الجدتين جدةٌ فوقَها، أي: مطلقًا سواء كانت الفوقية أم الجد أو أب الجد؛ لأن الجد يحجب من جانبه جدتيه، كما أن أب الميت يحجب من جانبه جدتيه عن ميراث ابنه وهو أي: إصابة السدس للجد فقط قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا وإنما قال: من فقهائنا، ولم يقل من علمائنا إشعارًا بأن المراد بالفقهاء جميع العلماء والحنفية كما أفاد مراده بقوله: والعامة، وهي تطلق بإزاء معظم (ق 760) الشيء وبإزاء جميعه وهو الثاني هنا، كما أراد الخطاب بعامة الفقهاء الكل كما قاله عبد الرحيم بن الحسين العراقي في (شرح الألفية من أصول الحديث).
ثم اعلم أن للجدة السدس لأم كانت أو لأب واحدة كانت أو أكثر متحاذيات في الدرجة، كأم أم الأم وأم أم الأب؛ لأن القربى يحجب البعدى، أما إعطاء الجدة الواحدة السدس فلما رواه أبو سعيد الخدري ومغيرة بن شعبة وقبيصة بن ذؤيب من أنه صلى الله عليه وسلم أعطاها السدس، وأما التشريك بينهما في ذلك إذا كن أكثر متحاذيات، فلما روى أن أم الأم جاءت إلى الصديق، وقالت: اعطني ميراث ولد ابنتي فقال: اصبري حتى أشاور أصحابي، فإني لم أجد لك في كتاب الله نصًا، ولم أسمع قبل من رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئًا، ثم سألهم فشهد المغيرة بإعطاء السدس، فقال: هل معك أحد فشهد به أيضًا محمد بن مسلمة، فأعطاه ذلك، ثم جاءت أم الأب وطلبت الميراث، فقال: أرى أن في ذلك السدس بينكما، وهو لمن انفردت منكما فيه فشركتما فيه.
وفي رواية أخرى: أن أم الأم جاءت إلى عمر، وقالت: أنا أولى الميراث من أم الأب؛ إذ لو ماتت لم يرثها ولد ولدها ولو مت لورثني ولد ولدي فقال: هو ذلك السدس، فإن اجتمعتما فهو بينكما، وأيتكما خلت به فهو لها فحكم بالتشريك بينهما فقد