الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وقال الشافعي: لا ينعقد النكاح بحضور حر وحرتين؛ لأن عنده شهادة في غير المال (ق 573) وتوابعه لا تقبل، وبه قال أحمد.
لما فرغ من بيان الحكم في نكاح السر من غير حضور الشاهدين عند العقد، شرع في بيان حكم حال الرجل يجمع بين المحارم من النساء بالنكاح وملك اليمين.
* * *
باب الرجل يجمع بين المرأة وابنتها، وبين المرأة وأختها في ملك اليمين
في بيان حكم حال الرجل يجمع بين المرأة وابنتها وبين المرأة وأختها في ملك اليمين قيد للمسألتين ومتعلق بجمع، وهذا الجمع جائز، وأما الجمع بينهما في النكاح والوطء فغير جائز، قال التمرتاشي في (تنوير الأبصار): حرم الجمع نكاحًا وحدة، ولو من طلاق بائن وطئًا بملك يمين بين امرأتين أيتهما فرضت ذكرًا لم تحل له الأخرى.
536 -
أخبرنا مالك، حدثنا الزُّهْرِيّ، عن عُبَيْد الله بن عبد الله بن عُتْبَةَ، عن أبيه، أن عمر سُئِل عن المرأة وابنتها، مما مَلَكَتْ اليمين، أتُوطَأ إحداهما بعد الأخرى؟ قال: لا أحب أن أجِيزهما جميعًا، ونهاه.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا حدثنا الزُّهْرِيّ، أي: محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، ثقة فقيه ثبت تابعي، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين، من أهل المدينة عن عُبَيْد الله بضم العين مصغرًا ابن عبد الله بفتح العين ابن عُتْبَةَ، بضم العين المهملة وسكون الفوقية ابن مسعود الهذلي المدني، الثقة المثبت، أحد الفقهاء عن أبيه، أي: عن عبد الله بن عتبة الهذلي عبد الله بن مسعود، ولد في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وثقه العجلي وجماعة، كان في الطبقة الثالثة من طبقات كبار التابعين مات سنة أربع وتسعين، وقيل سنة ثمان، وقيل غير ذلك. كذا في (تقريب التهذيب)(1) أن عمر بن الخطاب رضي الله
(536) إسناده صحيح.
(1)
التقريب (1/ 372).
عنه سُئِل عن المرأة وابنتها، مما مَلَكَتْ اليمين أي: يمين الرجل بشراء ونحوه، وإيثار السائل كلمة "ما" على من إجراء النساء مجرى غير العقلاء لكثرة حب الشهوات فيهن من الأكل والشرب واللباس وغير ذلك، أو إرادة معنى الوصفية فيهن، فإن كلمة "ما" وضعت لما لا يعقل، وقد يراد بها الصفة؛ فإنها تقع استفهامًا للسؤال عنها، فتقول: زيد ما هو؟ فيجاب: بعالم أو جاهل بخلاف "من"، فإنها تختص بذوي العلم، وقد أريد هنا الصفة، فالصفة لهن الفتنة على الرجال كثيرًا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ما تركت بعد فتنة أضر على الرجال من النساء"(1) رواه البخاري عن أبي أمامة رضي الله عنه أتُوطَأ إحداهما بعد الأخرى؟ أي: ما الحكم فيه قال: أي: عمر كذا في (الموطأ) لمالك لا أحب أن أخبرها بفتح الهمزة وسكون الخاء المعجمة وضم الموحدة أطاؤهما، يقال للحراث: خبير ومنه المخابرة وفي نسخة: "أجِيزهما" بضم الهمزة وكسر الجيم وسكون التحتية وفتح الزاي المعجمة من الإِجازة جميعًا، قوله: ونهاه عطف على قال أي: نهى عمر بالسائل نهي تحريم عن الجمع بينهما وطأ والمعنى: إنه لا يطأ واحدة حتى يحرم الأخرى بعتقهما أو بعتق بعضهما أو بتمليك جميعهما أو بعضها أو تزويجها أو بكتابتها.
537 -
أخبرنا مالك، أخبرنا الزُّهْرِيّ، عن قَبِيصَة بن ذؤيب، أن رجلًا سأل عثمان عن الأُخْتَيْن مما مَلَكَتْ اليمين، هل يُجمع بينهما؟ فقال: أحَلَّتهما آية وَحَرَّمَتهما آية؛ ما كنتُ لأصْنَعَ ذلك، ثم خرج، فلقي رجلًا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسأله عن ذلك فقال: لو كان لي من الأمر شيء ثم أتيت بأحدٍ فعل ذلك؛ جعلته نَكَالًا، قال ابن شهاب: أراهُ عَلِيّا.
قال محمد: وبهذا نأخذ لا ينبغي أن يُجمع بين المرأة وابنتها، ولا بين المرأة وأختها في مِلْك اليمين.
قال عمار بن ياسر: ما حَرَّم الله من الحَرَائِر شيئًا إلا وقد حَرَّم من الإِماءِ مثله، إلا أن يجمعهنّ رجل، يعني بذلك: أنه يجمع ما شاءَ من الإِماءِ، ولا يحل له فوق أربع حرائر، وهو قولُ أبي حنيفة.
(1) أخرجه البخاري (4808) ومسلم (2740).
(537)
إسناده صحيح.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، أخبرنا وفي نسخة: عن الزُّهْرِيّ، أي: محمد بن مسلم بن شهاب الزهري المدني ثقة فقيه، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين من أهل المدينة، عن قَبِيصَة بفتح القاف وكسر الموحدة وسكون التحتية وفتح الصاد المهملة ابن ذؤيب، بذال معجمة وبفتح الهمزة المخففة، أو مبدلة وسكون التحتية فموحدة مصغر ذويب بن حلحة بمهملتين مفتوحتين بينهما لام ساكنة الخزاعي، يكنى أبا (ق 574) سعيد أو أبا إسحاق المدني، نزيل دمشق من أولاد الصحابة، وله رؤية، مات سنة بضع وثمانين، كذا في (تقريب التهذيب) أن رجلًا سأل عثمان بن عفان رضي الله عنه عن الأُخْتَيْن مما مَلَكَتْ اليمين، أي: بالشراء أو بالإِثراء: الهبة هل يُجمع بينهما؟ في وطء أي: يجوز الجمع بينهما ملكًا بالإِجماع وقال: أحَلَّتهما آية وهي قوله تعالى في سورة النساء: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} [النساء: 24] أي: ملكًا يمينًا لا نكاحًا، وقال غيره: هي قوله تعالى في سورة المؤمنين: {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ} [المؤمنون: 5، 6] وقيل: هذا أقرب، ولو أراد ما قال ابن حبيب لقال: أحلتهما آيتان وَحَرَّمَتهما آية؛ وهي قوله تعالى في سورة النساء أيضًا: {وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ} [النساء: 23] بلا خلاف وبعد أن بين لسائله اختلاف الآيتين أخبره بما اختاره هو بقوله: ما كنتُ لأصْنَعَ واللام جواب القسم المقدر، أي: والله ما كنت لأفعل ذلك، أي: الجمع بين الأختين في الوطء ولا جوزه قال قبيصة: ثم خرج، أي: الرجل السائل من عند عثمان بن عفان فلقي رجلًا أي: آخر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسأله عن ذلك أي: عما تقدم ليرى ما عنده من العلم فعلمان خير من علم واحد، والصحابة كانوا مجتهدين في أمر الدين فقال أي: الرجل المسئول لو كان لي من الأمر شيء أي: من الحكومة بالعقوبة ثم أتيت بصيغة المجهول، أي: جئت بأحدٍ فعل ذلك؛ أي: الجمع بين المحارم بالنكاح أو الوطاء جعلته نَكَالًا، أي: صيرته بعذابي عبرة مانعة من ارتكاب مثل ما فعل وموعظة، ومنه قوله تعالى في سورة البقرة:{فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ} [البقرة: 66] قال الأزهري: النكال العقوبة التي ينكل الناس عن فعل ما جعلت له جزاء قال أبو عمر: لم يقل حددته حد الزنا؛ لأن المتأول ليس بزان إجماعًا، وإن أخطأ الإِمام لا يقدر بجهله، وهنا شبه قوية وهي قول عثمان وغيره.
قال ابن شهاب: أي: محمد بن مسلم بن شهاب الزهري أراهُ بضم الهمزة أي:
ظن الرجل المسئول من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عَلِيّا رضي الله عنه؛ لأنه يوافق عثمان في هذه المسألة، ولا يبعد أن يكون الرجل هو ابن مسعود إذ سئل عن الرجل يجمع بين الأختين المملوكتين في الوطء كرهه فضل الله تعالى بقوله:{إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} [النساء: 24] فقال: وبعيرك أيضًا مما ملكت يمينك، والمعنى أن قوله تعالى:{مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} [النساء: 24] ليس على عمومه بل المراد ما ملكت أيمانكم من النساء وغيرها المذكور فيما سبق، وتقدم تحريم الأختين ولا يلزم من جواز وطء الأم والبنت والأخت بملك اليمين، وهو خلاف الإِجماع ونص القرآن؛ ولهذا سئل وهب بن منبه من تلاميذ أبي حنيفة، ومن أهل اليمين، ومنقبته في طبقات ابن الجوزي عن وطء الأختين المملوكتين، فقال في التوراة: يكفر من جمع بين الأختين المملوكتين، وما فصل لنا حرتين ولا مملوكتين على أن الأظهر إنه استثناء الأساري من النساء، خصوصًا على القاعدة الحقيقية أن يكون الاستثناء من الجملة الأخيرة، كما حقق في قوله تعالى في سورة النور:{وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (4) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا} الآية [النور: 4، 5]، والأصل في الاستثناء أن يكون متصلًا.
وأما قول البيضاوي: فرجح على التحريم وعثمان التحليل وقول علي رضي الله عنه أظهر؛ لأن آية التحليل مخصوصة في غير ذلك، ولقوله صلى الله عليه وسلم (ق 575):"ما اجتمع الحلال والحرام إلا غلب الحرام" فغير مستقيم من وجهين؛ لأن عثمان وعليًا قد اتفقا على التحريم كما تقدم والحديث الذي ذكره لا أصل له، كما صرح به السيوطي.
قال محمد: وبهذا نأخذ كله أي: لا نعمل إلا بما رواه الزهري عن قبيصة بن ذؤيب بجميعه لا ينبغي أي: لا يحل لأحد أن يُجمع بين المرأة وابنتها، ولا بين المرأة وأختها أي: وطأ ونكاحًا في مِلْك اليمين أي: وجدنا في ملك اليمين.
قال عمار بن ياسر: رضي الله عنه ما حَرَّم الله من الحَرَائِر شيئًا إلا وقد حَرَّم من الإِماءِ مثله، إلا أن بفتح الهمزة وسكون النون خفيفة من الثقيلة وضمير الشأن محذوف يجمعهنّ رجل، إلى هنا كلام عمار بن ياسر، ولما كان الجمع مبهمًا بينه قوله: يعني أي: يريد عمار بن ياسر بذلك: أي: بقوله: إلا أن يجمعهن أنه يجمع ما شاءَ من الإِماءِ، أي: في ملك اليمين من غير اعتبار عدد ولو تجاوز عن ألف ولا يحل له فوق أربع حرائر، أي: