الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كتاب الطلاق
في بيان أحكام الطلاق، وهو في اللغة: إزالة القيد وتحليله، وفي الشرع: إزالة ملك النكاح، والمناسبة بين هذا الكتاب وبين الكتاب السابق التضاد من التعقيد والتحليل، وإنما قدم كتاب النكاح على كتاب الطلاق؛ لأن مفهوم النكاح وجودي، ومفهوم الطلاق عدمي، وفي الوجود شرف والشريف مقدم على غيره عقلًا وشرعًا.
باب طلاق السنة
في بيان أحكام طلاق السنة هو أن يطلق الرجل امرأته ثلاثًا في ثلاثة أطهار، وطلاق البدعة أن يطلقها ثلاثًا بكلمة واحدة، كذا قاله السيد محمد الجرجاني، فإضافة الطلاق إلى السنة من قبيل إضافة الموصوف إلى صفاته.
قال ابن الهمام: المراد بالطلاق السني: هو المباح؛ لأن الطلاق ليس عبادة في نفسه يثبت له ثواب، فمعنى المسنون ما ثبت على وجه لا يوجب عقابًا إذا ترك نعم يثاب إذا وقعت له داعية إلى أن يطلقها عقب الجماع أو حائضًا أو ثلاثًا فمنع نفسه إلى الطهر الآخر.
553 -
أخبرنا مالك، قال: حدثنا عبد الله بن دينار، قال: سمعتُ ابن عمر يقرأ: "يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لقُبُل عدتهن".
قال محمد: طلاق السنَّة: أن يُطَلقها لقُبُل عدّتها طاهرًا في غير جماع، حين تطهرُ من حيضها قبل أن يجامعها، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا حدثنا عبد الله بن دينار، العدوي، مولاهم، يكنى أبا عبد الرحمن المدني مولى ابن عمر، ثقة كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة سبع وعشرين ومائة من الهجرة قال: سمعتُ
(553) إسناده صحيح.
ابن عمر يقرأ: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} وفي نسخة: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ} فيفيد أن المراد به هو أمته {إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ} أي: إذا أردتم طلاقهن {فَطَلِّقُوهُنَّ} لقُبُل بضم القاف الموحدة، كما روى يحيى في (الموطأ لمالك) في جامع الطلاق {لِعِدَّتِهِنَّ} أي: في استقبال عدتهن، قال مالك: يعني بذلك: أن يطلق في كل طهر مرة لا أكثر، وكأنه أتى بكل ليشتمل ما إذا كان الطهر عقب حيض طلقت فيه وراجعها؛ لأنه يصدق عليه إنه طلق لاستقبال العدة، وإن الأمر في هذا الحديث بأن يمسكها حتى تحيض ثم تطهر للندب لا للوجوب.
قال القشيري وغيره: هذه القراءة على التفسير لا التلاوة، وهي تصحح أن المراد بالأقراء الأطهار إذ لا يستقبل (ق 590) في الحيض عند الجميع ولا يفتي عند أحد من الطائفتين قاله عياض، وفي مسلم في بعض طرق حديث ابن عمر وقراء النبي صلى الله عليه وسلم:"فطلقوهن في قبل عدتهن"، فتأويل القراءة المشهورة {فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} أن اللام متعلق بمحذوف مثل مستقبلات جمعًا بين القراءة والروايات، لحديث:"طلاق الأمة تطليقة وعدتها حيضتان" وهو قول الخلفاء الأربعة وغيرهم من أكابر الصحابة وأجلاء التابعين، رضي الله تعالى عنهم أجمعين، فإذا طلقت المرأة في الطهر المتقدم على القراءة الأولى من أقرائها فقد طلقت مستقبلة لعدتها، وقد ورد:"دعي الصلاة أيام أقرائك"، ومذهب الشافعي أن القرء: هو الطهر، فعلى التقدير الأول عدتهم أو وقتها على أن اللام للتوقيت.
قال محمد: طلاق السنَّة: أن يُطَلقها لقُبُل عدتها طاهرًا أي: طاهرة غير حائض في غير جماع، أي: كان حين تطهرُ من حيضها قبل أن يجامعها، أي: في ذلك الطهر وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.
* * *
554 -
أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن عبد الله بن عمر: أنه طلَّق امرأته وهي حائض، في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأل عمر عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم
(554) صحيح، أخرجه الشافعي في الأم (5/ 180) والبخاري (5251) ومسلم (1471) وأبو داود (2179) والنسائي (6/ 138) وأحمد في المسند (2/ 63) والدارمي (2/ 160) والبيهقي في السنن (7/ 323، 414) وفي معرفة السنن والآثار (11/ 14618).
فقال: "مُره فليراجعها، ثم يُمسكها حتى تطهر، ثم تحيض ثم تطهر، إن شاء أمسكها بعدُ، وإن شاءَ طلَّقها قبل أن يمَسَّها، فتلك العدة التي أمر الله أن تطلَّق لها النساء".
قال محمد: وبهذا نأخذ.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي أخرى: ثنا أخبرنا وفي نسخة: عن نافع، بن عبد الله بن عمر ثقة فقيه مشهور، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة، كانت في الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة، مات سنة سبع عشرة ومائة أو بعد ذلك عن عبد الله بن عمر: أنه طلَّق امرأته قال السيوطي: اسمها آمنة بمد الهمزة وكسر الميم بنت غفار، بكسر المعجمة وتخفيف الفاء وبالراء كما ضبط أبي نقطة، وعزاه لابن سعد، ذكر أنه وجده كذلك بخط الحافظ أبي الفضل ابن ناصر، أو بنت عمار بفتح العين المهملة والميم المشددة.
قال الحافظ: والأول أولى في مسند أحمد اسمها النوار، فيمكن أن يكون اسمها آمنة ولقبها النوار صحابية، وظاهر هذه الرواية في هذا الحديث مرسل؛ لأن نافعًا لم يدرك ذلك، وليس بمراد فقد رواه غيره في (الموطأ)، كيحيى والنيسابوري وإسماعيل وغيرهما وهي حائض، جملة حالية، زاد الليث عن نافع عن ابن عمر: تطليقة واحدة، أخرجه مسلم وقال جود الليث في قوله: تطليقة واحدة قال عياض: يعني: أنه حفظ وأتقن ما لم يتقنه غيره، ممن لم يُفسِّر كم الطلاق وممن غلط ووهم، وقال: طلقها ثلاثًا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أي: في زمان حياته فسأل عمر أي: ابن الخطاب عن ذلك أي: عن حكم طلاق ابنه على هذه الصفة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ابن العربي: يحتمل أن سؤال عمر بن الخطاب؛ لأن النازلة لمن تكن وقعت فسأل ليعلم الحكم، ويحتمل أنه علمه من قوله تعالى:{فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} وقوله تعالى: {يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ} [البقرة: 228]، والحيض ليس بقرء إلى بيان الحكم فيه، ويحتمل أن يكون سمع النهي والأوسط فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم أي: لعمر: "مُره أي: عبد الله أمر استحباب أو أمر إيجاب، أصله اأمر بهمزتين الأولى للوصل مضمومة تبعًا للعين مثل انصر، والثانية فاء الكلمة ساكنة تبدل تخفيفًا من جنس حركة سابقتها فيقال: أومر، فإذا أوصل الفعل بما قبله زاله همزة الوصل
وسكنت الهمزة الأصلية، كما في قوله تعالى:{وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ} [طه: 132] لكن استعملتها العرب بلا همزة فقالوا: مره لكثرة الدور؛ ولأنهم حذفوا أولًا الهمزة الثانية تخفيفًا ثم (ق 591) حذفوا همزة الوصل استغناء عنها لتحرك ما بعدها أي: مر ابنك عبد الله فليراجعها، أي: بالقول، أو الفعل حال عدتها الرجعية، والأمر للوجوب عند مالك وجماعة، وصححه صاحب (الهداية) من الحنفية، وللندب عند الأئمة الثلاثة، ولا حجة لهم في أنه إنما أمره بالرجعة أبوه، وليس له أن يضع الشرع؛ لأنه أمره بأمر النبي صلى الله عليه وسلم وهو مبلغ، وأما استدلالهم بقوله:{فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ} [الطلاق: 2] وغيرها من الآيات المقتضية للتخيير بين الإِمساك للرجعة أو الفراق بتركها، فيجمع بينهما وبين الحديث بحمل الأمر فيه على الندب جمعًا بينهما، فليس بنا إذ الأصل في الأمر الوجوب فيحمل عليه، ويخص عموم الآيات بمن لم يطلق في الحيض ثم يُمسكها أي: يديم إمساكها وإلا فالرجعة إمساك وفي رواية يحيى التيمي: ثم ليتركها ولإِسماعيل: ثم ليمسكها بإعادة اللام مكسورة، ويجوز تسكينها كقراءة {ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ} [الحج: 29] فالكسر على الأصل في لام الآخر فرق بينهما وبين لام التأكيد والسكون للتخفيف إجراء للمنفصل مجرى المتصل، وفي رواية: ثم ليدعها حتى تطهير، ثم تحيض أي: حيضة أخرى ثم تطهر، إن شاء أمسكها بعدُ، أي: بعد الطهر من الحيض الثاني وإن شاءَ طلَّقها قبل أن يمَس، ولإِسماعيل: يمسها أي: يجامعها في طهر مس فيه للتلبيس أن لا يدري أحملت فتعتد بالوضع أو لا فبالإِقرار وقد يظهر الحمل فيندم على الفراق، وقد ذهب بعض الناس إلى جبره على الرجعة كالمطلق في الحيض فإن قيل: لم أمره أن يؤخر الطلاق إلى الطهر الثاني؟ أجيب بأن حيض الطلاق والطهر الثاني له بمنزلة قرء واحد، فلو طلق فيه، لصار كموقع طلقتين في قرء واحد، وليس ذلك بطلاق السنة، وبأنه عاقبه بتأخير الطلاق تغليظًا عليه جزاء بما فعله من الحرام من الطلاق في الحيض، وإن شاء طلقها قبل أن يمسها، أي: يجامعها، وفي نسخة: يمس بغير إضافة إلى ضمير المؤنث فتلك العدة التي أمر الله أي: بقوله في سورة الطلاق: {فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} [الطلاق: 1] أن تطلَّق لها النساء" مرفوع على أنه نائب الفاعل لقوله أن تطلق فمحله منصوب؛ لأنه مفعول لقوله: أمر الله ولها ظرف لغو متعلق لتطلق، والظرف اللغو ما يكون الكلام تامًا بدونه، والأصل في كلام الفصيح أن يؤخر الظرف اللغو عن فاعل الفعل ومفعوله، لكن قدم هنا على الفاعل
لاهتمام، كما فصلنا في (نور الأفئدة) في تفسير قوله تعالى:{وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} [الإخلاص: 4].
وحاصله أن اللام في لها بمعنى في عند الشافعي، ولام العلة عندنا وسماها ابن الملك في (شرح المشارق) لام العاقبة وفي صحة كونه لها مطابقة، كذا قاله علي القاري.
قال محمد: وبهذا نأخذ أي: لا نعمل إلا بما رواه عمر بن الخطاب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر الطحاوي: إنه يطلق في الطهر الذي يلي الحيضة التي طلقها فيها، وفي التحفة أنه القياس، وهو المختار في المتون، وذكر محمد في الأصل أنها إذا طهرت من الحيضة الأخرى يطلقها، قبل الجماع إن شاء.
قال الكرخي: ما ذكره الطحاوي قول أبي حنيفة رحمه الله، وما في الأصل قولهما انتهى.
قال أبو عمر: جمهور العلماء أن الطلاق في الحيض واقع وإن كرهه جميعهم، ولا يخالف في ذلك إلا أهل البدع والجهل الذين يرون الطلاق لغير السنة لا يقع، وروى ذلك عن بعض التابعين، وهو شذوذ (ق 592) لم يرجع أحد من العلماء، وقد سئل ابن عمر أتعتد بتلك الطلقة قال: نعم، روى ذلك عنه من طرق، وفي بعضها قال: أفرأيت إن عجز واستحمق، أو عجز من فرض آخر فلم يأت به، أكان يعذر، وكان إذا سئل يقول: إن طلقت امرأتك وهي حائض مرة أو مرتين، فإن أمر أن تراجعها وإن طلقتها ثلاثًا فقد حرمت عليك حتى تنكح زوجًا غيرك، فلو كان غير لازم لم يلزمه ثلاثًا كان أو واحدة، ومن جهة النظر أن الطلاق ليس من القرب كالصلاة، فلا تقع الأعلى سببها، وإنما زوال عصمة فإن أوقعه على غير سببه أثم ولزمه، ومحال أن يلزم المطيع المتبع للسنة طلاقه، ولا يلزم العاصي فيكون أحسن حالًا من المطيع وقد قال الله تعالى:{وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ} [الطلاق: 1] أي: عصى ربه وفارق امرأته، وكذلك المطلق في الحيض.
وقال النووي: أجمعت الأمة على تحريم طلاق الحائض الحائل بغير رضاها، فإن طلقها، أثم ووقع، وشذ بعض أهل الظاهر فقال: لا يقع لأنه لا يؤذن فيه ما شبه طلاق الأجنبية، والصواب الأول، وبه قال العلماء كافة، لأمره صلى الله عليه وسلم بالمراجعة، فلو لم يقع لم تكن رجعة كما قاله الزرقاني.
لما فرغ من بيان طلاق السنة، شرع في بيان حكم طلاق الحرة تحت العبد، فقال: هذا
* * *