الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
انقضت عدتها فتتزوج غيره ثم فارقها، ثم تزوجها قال: هي عنده على ما بقي: كما قاله علي القاري.
والمراد من أهل البحرين: أهل البلاد على ساحل بحر الهند بين البصرة وعمان كذا قاله الياقوت الحموي في (معجم البلدان) فأما أبو حنيفة أي: ومن تبعه كأبي يوسف وفي نسخة: وأما بالواو فقال: إذا عادت إلى زوجها الأول بعد ما دخل بها الآخر عادت على طلاق جديد، أي: حيث هدم الزوج الثاني ما دون الثلاث ثلاث تطليقات مستقبلات، أي: إن كانت حرة وتطليقتين إن كانت أمة ففي أصل ابن الصواف كذا في نسخة وهو أي: قول أبي حنيفة وهو إذا عادت إلى الأول بعد ما دخل بها الآخر عادت على طلاق جديد ثلاث تطليقات (ق 602) مستقبلات وهو قول ابن عباس، وابن عمر رضي الله عنهما، والدليل عليه ما روى محمد في (الآثار) عن أبي حنيفة عن حماد بن أبي سلمة عن سعيد بن جبير قال: كنت جالسا عند عبد الله بن عتبة بن مسعود إذ جاءه أعرابي فسأله عن رجل طلق امرأته تطليقة أو تطليقتين ثم انقضت عدتها وتزوجت زوجًا غيره، فدخل بها ثم مات عنها أو طلقها ثم انقضت عدتها، فأراد الأول أن يتزوج على كم هي فالتفت إلى ابن عباس فقال: ما تقول في هذا يهدم الزوج الثاني والواحدة واثنتين والثلاث وأسأل ابن عمر قال: فلقيت ابن عمر فسألته فقال: مثل ما قال ابن عباس رضي الله عنهما.
لما فرغ من بيان حكم حال المرأة يطلقها زوجها تطليقة أو تطليقتين فتزوجت زوجًا غيره ثم يتزوجها الأول، شرع في بيان حكم حال الرجل يجعل أمر امرأته بيدها أو غيرها، فقال: هذا
* * *
باب الرجل يجعل أمر امرأته بيدها أو غيرها
باب في بيان حكم الرجل يجعل أمر امرأته بيدها أو غيرها أي: يجعلها تخييرًا في تطليق نفسها.
567 -
أخبرنا مالك، أخبرنا سعيد بن سليمان بن زيد بن ثابت، عن خارجة
(567) إسناده صحيح.
ابن زيد بن ثابت: أنه كان جالسًا عنده، فأتاه بعض بني أبي عتيق؛ وعيناه تدمعان، فقال له: ما شأنك؟ قال: مَلَّكتُ امرأتي أمرها ففارقتني، فقال له: ما حملك على ذلك؟ فقال: القدر، فقال زيد بن ثابت: ارتجعها إن شئت فإنما هي واحدة، وأنت أمْلَك بها.
قال محمد: هي عندنا على ما نوى الزوج، فإن نوى واحدة، فهي واحدة بائنة، وهو خاطب من الخطَّاب، وإن نوى ثلاثًا فثلاث، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا، وقال علي بن أبي طالب وعثمان بن عفان: القضاءُ ما قضتْ.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا أخبرنا سعيد بن سليمان بن زيد بن ثابت، الأنصاري المدني، قاضيها ثقة كان في الطبقة السادسة من طبقات التابعين من أهل المدينة عن خارجة بن زيد أي: ابن ثابت: الأنصاري، يكنى أبا زيد المدني ثقة فقيه كان في الطبقة الثالثة مات سنة مائة وقيل: قبلها عن زيد بن ثابت أي: ابن الضحاك بن لوزان الأنصاري البخاري، يكنى أبا سعيد أو أبا خارجة صحابي مشهور كتب الوحي، قال مسروق. كان من الراسخين في العلم، مات سنة خمس أو ثمان وأربعين وقيل: بعد الخمسين كذا في (تقريب التهذيب) أنه أي: خارجة كان جالسًا عنده، أي: عند أبيه زيد بن ثابت فأتاه بعض أي: محمد بن عبد الله من بني أبي عتيق؛ وهو محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق التيمي المدني مقبول روى له البخاري والستة وعيناه تدمعان، بفتح الميم أي: تسيلان دمعًا من شدة البكاء فقال أي: زيد بن ثابت له: أي: لبعض وهو محمد بن عبد الله ما شأنك؟ أي: حالك قال: مَلَّكتُ امرأتي بفتح الميم وتشديد اللام أي: جعلتها أمرها بيدها ففارقتني.
اعلم أن التفويض طلاقها إليها بأن قال لها: اختاري ينوي به الطلاق، أو قال لها: طلقي نفسك فينعقد بمجلس علمها غائبة كانت أو حاضرة فتطلق نفسها ما دامت في مجلسها ذلك، وإن قامت منه أو أخذت في عمل آخر خرج الأمر من يدها.
وقال الزهري وقتادة ومالك: في رواية الشافعي في القديم لا ينعقد بالمجلس.
وقال أحمد: لا ينعقد الأمر باليد بالمجلس ولنا ما روى عبد الرزاق (1) في (مصنفه) عن ابن مسعود أنه قال: "إذا ملكها أمرها فتفرقا قبل أن تنقضي شيء فلا أمر لها" وما روى أيضًا عن جابر بن عبد الله أنه قال: "إذا خير الرجل امرأته فلم تختر في مجلسها ذلك فلا خيار لها" وما روى عبد الرزاق وابن أبي شيبة (2) عن عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان رضي الله عنهما قالا: "أيما رجل ملك امرأته أمرها بيدها وخيرها ثم افترقا (ق 603) من ذلك المجلس فليس لها خيار وأمرها بيد زوجها".
قال البيهقي: وقد تعلق بعض من يجعل لها الخيار، ولو قامت من المجلس بحديث تخير عائشة رضي الله عنها: وهو في (الصحيحين)"إني ذاكر لك أمرًا فلا عليك لا تعجلين فيه حتى تستشرين فيه أبويك"، وهذا يعني الاستدلال به غير ظاهر؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لم يخيرها بإيقاع الطلاق بنفسها وإنما خيرها على أنها إن اختارت نفسها أحدث عليها الطلاق لقوله تعالى في سورة الأحزاب:{فَتَعَالَيْنَ أُمَتِعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا} [الأحزاب: 28] انتهى.
لكن إن قال: كلما شئت فإنه يتقيد بمجلس علمها، وأما إذا فوض طلاقها إلى غيرها لا يتقيد بالمجلس اتفاقًا؛ لأن ذلك توكيل بالطلاق وأمر بإيقاعه والتوكيل، والأمر لا يقتضيان القول كأمر الشارع وكباقي الوكالاة فقال له: ما حملك أي: أي شيء أقدمك على ذلك؟ أي: على ما فعلته من التفويض والتخيير حتى أوقعت في يدها التخيير فقال: القدر، أي: تعلق الإرادة الذاتية بالأشياء في أوقاتها الخاصة كذا فسرها محمد الجرجاني، فيه إثبات مذهب أهل السنة والجماعة ورد مذهب المعتزلة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"كل شيء بقدر حتى العجز والكيس" رواه الإِمام أحمد في مسنده (3).
قال أبو حنيفة في (الفقه الأكبر): وجميع أفعال العباد من الحركة والسكون كسبهم على الحقيقة والله خالقها، إن أفعال العباد من الإِيمان والكفر والطاعة والمعصية كلها بمشيئة الله وعلمه وقضائه وقدره انتهى.
(1) في المصنف (6/ 524).
(2)
في المصنف (4/ 89).
(3)
أحمد (2/ 110).
ومذهب المعتزلة أن الله تعالى يريد الإِيمان والطاعة من العبد والعبد يريد الكفر والمعصية لنفسه، فيقع مراد العبد دون مراد الله تعالى، فتكون إرادته غالبة على إرادة الله تعالى، وأما عندنا فكل ما أراده الله تعالى فهو واقع فهو تعالى يريد الكفر من الكافر، ويريد الإِيمان من المؤمن، وعلى هذا فإرادة الله غالبة على إرادة العبد مثلًا إذا كان للرجل على إنسان دين وكان في ذلك المديون قادرًا على أداء الدين وقال والله لأقضين هذا الدين غدًا إن شاء الله تعالى، فإذا جاء الغد ولم يقض غدًا الدين لم يحنث وعلى قول المعتزلة حنث، فعلم من هذه المسألة أن مشيئة الله غالبة دون مشيئة العبد عند أصحابنا إذا علمت أن جميع الأشياء من الخير والشر بمشيئته تعالى وعلمه وقضائه وقدره.
فاعلم أن الطاعات كلها بأمر الله وبمحبته ورضائه وعلمه ومشيئته وقضائه وتقديره، والمعاصي كلها بعلمه وقضائه وتقديره ومشيئته لا بمحبته ولا برضائه ولا بأمره؛ لأن الله تعالى قال:{وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ} [البقرة: 205]، فلا تتعلق محبته بالفساد من الكفر والمعاصي وقال تعالى:{قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ} [الأعراف: 28] أي: بالقبيح من الكفر والمعاصي، وهذا يدل على أن أمر الله لا يستلزم أن يوافق إرادته بل قد يأمر بالشيء، ولكن لا يريده كإيمان أبي جهل بن هشام وينهى عن السيئ ويريده ككفر أبي جهل، والمعتزلة يقولون: أن أمر الله وإرادته (ق 604) متطابقات في كل مأمور به مراد الله وكل منهي عنه ليس بمراد الله وقلنا: إن الأمر والإِرادة قد يختلفان؛ لأن قوله تعالى: {فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ} [النحل: 36] صريح في قولنا وهو أن الأمر بالإِيمان عام في حق الكل، أما إرادة الإِيمان به تعالى بالبعض وقال الله تعالى:{وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [يونس: 25] كذا قاله أحمد بن محمد البهنساوي في شرح (الفقه الأكبر لأبي حنيفة) رحمه الله قال له أي: لبعض وهو محمد بن عبد الله، زيد بن ثابت: ارتجعها إن شئت أي: رجوعها فإنما هي أي: المرأة مطلقة بطلقة واحدة، أي: من الطلاق عند الإِطلاق وأنت أمْلَك بها أي: من غيرك لقوله تعالى في سورة البقرة: {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا} [البقرة: 228].
قال محمد: هذا أي: الإِطلاق عندنا على ما نوى الزوج، أي: به فإن نوى واحدة، فهي واحدة بائنة، وهو أي: الزوج خاطب من الخطَّاب، بضم فتشديد جمع خاطب
والمعنى إنه لا يراجعها بل ينكحها إنكاحًا ثانيًا وإن نوى ثلاثًا، أي: فحكمه معلوم وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.
وقال مالك: تفسخ بالتفويض ثلاث لأن الثلاث أتم ما يكون من الاختيار، وبه قال أحمد، وفي (الهداية) إنه يقع طلقة رجعية اعتبارًا لما أتت به من صريح الطلاق فقيل: هذا سهو، وقيل: فيها روايتان إحداهما: أنه يقع طلقة رجعية؛ لأن لفظهما صريح، والأخرى: إنها بائنة وهذا أصح كما في (شرح الوقاية) إنما كانت بائنة؛ لأن التفويض في البائن ضرورة ملكها أمرها، وقد خرج كلهما جوابًا له فتصير الصفة المذكورة في التفويض مذكورة في الإِيقاع، وقال علي بن أبي طالب وعثمان بن عفان رضي الله عنهما: القضاءُ ما قضت أي: الحكم ما نوت من رجعية أو بائنة واحدة أو ثلاث؛ لأن الظاهر مفوض إليها ويعمل هذا عند إطلاق زوجها، فلا ينافي ما تقدم والله أعلم بالصواب.
* * *
568 -
أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة أنها خطبت على عبد الرحمن بن أبي بكر قريبةَ ابنةَ أبي أُميّة، فَزُوِّجَتْه، ثم إنهم عتبوا على عبد الرحمن بن أبي بكر وقالوا: ما زوّجنا إلا عائشة، فأرسلت إلى عبد الرحمن فذكرت ذلك له، فجعل عبد الرحمن أمر قُرَيْبَة بيدها، فاختارته وقالت: ما كنتُ لأختار عليك أحدًا، فقرّت تحته، فلم يكن ذلك طلاقًا.
• أخبرنا مالك وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي أخرى: ثنا أخبرنا وفي نسخة: قال: بنا، وفي أخرى: أنا عبد الرحمن بن القاسم، بن محمد بن أبي بكر الصديق التيمي يكنى أبا محمد المدني ثقة جليل، قال ابن عيينة: كان أفضل أهل زمانه، وكان في الطبقة السادسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة ست وعشرين ومائة عن أبيه، أي: القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق رضي الله عنه كان في الطبقة الثانية من طبقات التابعين من أهل المدينة، كما قاله عبد الرحمن بن الجوزي في (طبقاته) عن عائشه رضي الله عنها أنها خطبت بفتح الخاء المعجمة، وكسر الطاء المهملة، وفتح الموحدة، وسكون الفوقية أي: تكلمت وطلبت لأجل النكاح على أخيها على عبد الرحمن بن أبي بكر
(568) إسناده صحيح.
الصديق رضي الله عنه قريبةَ بفتح القاف وكسر الراء المهملة وسكون التحتية وفتح الموحدة فتاء تأنيث على وزن حبيبة، ويقال: بالتصغير ابنةَ أبي أُميّة، بن المغيرة المخزومية الصحابية أخت أم سلمة أم المؤمنين، وكانت موصوفة (ق 605) بالجمال روى عمر بن شيبة لما فُتحت مكة قال سعد بن عبادة: ما رأينا من نساء قريش ما كان يذكر من جمالهن فقال صلى الله عليه وسلم: "هل رأيت من بنات أبي أمية قريبة" فَزُوِّجَتْه، بصيغة المجهول أي: زوجها أهلها إياه، وبصيغة المعلوم أي: صارت عائشة رضي الله عنها سببًا لتزويج قريبة إلى أخيها عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق ثم إنهم أي: أهلها عتبوا بفتح الفوقية أي: غضبوا على عبد الرحمن بن أبي بكر والمعنى: أن قوم قريبة كرهوا بعض ما عنده من سوء الخلق أو قلة الرزق وقالوا: ما زوّجنا إلا عائشة، أي: إنما وثقنا بفضلها وحسن خلقها وإنها لا ترضى لنا بإيذاء ولا أضرار في وليتنا، يعني ما صار سبب زوجنا إلا هي وشكوا عنه عندها فأرسلت أي: عائشة إلى عبد الرحمن فذكرت ذلك له، أي: إما حضورًا أم غيبة فجعل عبد الرحمن أمر قُرَيْبَة بيدها، فاختارته أي: زوجها عبد الرحمن وقالت: ما كنتُ لأختار عليك أحدًا، أي: وإنما ذلك الكلام من باب العتاب في المقام فقرّت تحته، أي: فاستقرت واستمرت معه فلم يكن ذلك أي: اختيارها له طلاقًا.
وفي (جامع الترمذي) اختلف أهل العلم في الخيار، فروى عن عمر وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهما أنهما قالا: إن اختارت نفسها فواحدة بائنة، وروى عنهما أيضًا: إنما قالا واحدة تملك الرجعة وإن اختارت زوجها فلا شيء، وروى عن علي رضي الله عنه أنه قال: إن اختارت نفسها فواحدة بائنة وإن اختارت زوجها تملك الرجعة.
وقال زيد بن ثابت: إن اختارت زوجها فواحدة وإن اختارت نفسها فثلاث انتهى.
ولنا إن اختارت زوجها لم يقع شيء وهو قول أكثر أهل العلم، لما روى البخاري (1) ومسلم (2) من حديث عائشة قالت:"خيرنا النبي صلى الله عليه وسلم فاخترنا الله تعالى ورسوله، فلم يعد ذلك شيئًا" ففيه بحث، والله أعلم.
* * *
(1) البخاري (4962).
(2)
مسلم (1477).
569 -
أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة: أنها زوّجت حفصة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر المنذرَ بنَ الزبير، وعبد الرحمن غائب بالشام، فلما قدم عبد الرحمن، قال: ومثلي يُصنع به هذا ويُفتات عليه ببناته؟ فكلمت عائشة المنذرَ بن الزبير، فقال: فإن ذلك في يد عبد الرحمن، فقال عبد الرحمن: ما لي رغبة عنه، ولكن مثلي ليس يُفتات عليه في بناته، وما كنتُ لأردّ أمرًا قضيته فقرّت امرأته تحته، ولم يكن ذلك طلاقًا.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا أخبرنا عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة: رضي الله عنها أنها زوّجت أي: بطريق الولاية حفصة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنه كانت من ثقات التابعيات روى لها مسلم والثلاثة المنذرَ بنَ الزبير، ابن العوام الأسدي، يكنى أبا عثمان شقيق عبد الله، وهو مفعول ثان لزوجته وعبد الرحمن غائب بالشام، جملة حالية معترضة مبنية لسبب تزوجها مع وجود أبيها وذكر مصعب الزبيدي أن المنذر غاضب أخاه عبد الله فخرج من مكة إلى معاوية، فأجازه بجائزة عظيمة وأقطعه أرضًا بالبصرة، وذكر الزبير بن بكار: أن المنذر كان عند عبيد الله بن زياد لما امتنع عبد الله بن الزبير من مبايعة يزيد بن معاوية، فكتب يزيد إلى عبيد الله أن يوجه إليه المنذر فبلغه فهرب إلى مكة، فقتل في الحصار الأول بعد وقعة الحرة سنة أربع وستين، فلما قدم عبد الرحمن، وفي نسخة مصحفة: عبد الله أي: جاء من سفره قال: ومثلي بكسر الميم أي: وأمثلي يُصنع به هذا أي: تزويج بنته في غيبته ويُفتات عليه بصيغة المجهول من الافتيات المأخوذ من الفوت أي: يستبد برأيه ولم يأمر فيه من هو أحق منه بالأمر ببناته؟ أي: في حق بعضهن، (ق 606) والمعنى لا يصلح أمرهن بغير إذني فكلمت عائشة المنذرَ بن الزبير، أي: أخبرته بقول أخيها عبد الرحمن بما جرى على لسانه فقال: أي: المنذر فإن ذلك أي: اختيارها وأمرها من عندي في يد عبد الرحمن، أي: فيختار ما يشاء في حقها فقال عبد الرحمن: ما لي رغبة عنه، أي: ليس لي زهدًا عنه وإعراضًا منه ولكن مثلي ليس يُفتات عليه في بناته، أي: لا يعقل شيء بدون أمره وما كنتُ لأردّ أمرًا
(569) إسناده صحيح.
قضيته بكسر التاء خطابًا لأخته عائشة أي: حكمت يا عائشة فقرّت: استمرت امرأته أي: زوجة المنذر حفصة تحته، أي: المنذر ولم يكن ذلك أي: القول المذكور عند الزوج طلاقًا هذا شاهد للجزء الثاني من ترجمة الباب.
قال مالك: في (الموَّازِيَّةِ) إنما كان ذلك لمثل عائشة لمكانها من رسول الله صلى الله عليه وسلم أي: لأنه إنما يجوز إجازة المجيز تزويج ابنه أو أخيه أو جده إذا كان قد فوض له أموره وإلا لم يجز، ولو أجازه الأب كما (في المدونة) وعائشة ولست واحدة من هؤلاء ولم يفوض لها أموره فالجواز في إجازة فعلها خصوصية، قال ابن القاسم: وأظنها وكلت عند العقد، ولكنهم نصوا أن ولي المرأة لا يؤكل إلا بمثله وعائشة لا يصح كونها وكيلًا عن أخيها، فكيف توكل؟ إلا أن يقال: ما نصوا عليه إذا وكل الولي من يتولى العقد، أما إذا كان وكل من يوكل من يتولى العقد فلا مانع أن يوكل امرأة مثلًا، وذكر الزبير بن بكار: أن المنذر فارق حفصة فتزوجها حسن بن علي فاختارت المنذر عليه حتى طلقها فأعادها المنذر كما قاله الزرقاني.
* * *
570 -
أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن عبد الله بن عمر: أنه كان يقول: إذا ملَّك الرجل امرأته القضاءُ ما قضتْ، إلا أن ينكر عليها، فيقول: لم أرد إلا تطليقة واحدة؛ فتحلف على ذلك، ويكون أملك بها في عدتها.
• أخبرنا مالك، بن أنس بن مالك بن عمير بن أبي عامر الإِمام، صاحب المذهب، منسوب إلى ملك ذي أصبح من ملوك اليمن، كان في الطبقة السابعة من طبقات كبار أتباع التابعين، من أهل المدينة، كانت في الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة من وجه الأرض كما قاله السيد علي في (خلاصة الهيئة) وفي نسخة: محمد قال: بنا أخبرنا نافع، أي: ابن عبد الله المدني مولى ابن عمر، ثقة فقيه ثبت مشهور كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين، من أهل المدينة، مات سنة سبع عشرة ومائة من الهجرة عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه كان يقول: إذا ملَّك بفتح الميم وتشديد اللام، أي: فوض الرجل امرأته أمرها أي: أمر طلاقها إليها القضاءُ أي: الحكم ما قضتْ، أي: طلاق حكمت به
(570) إسناده صحيح.
امرأته من طلاق واحدة أو أكثر، لأنهما حقيقة في زوال الملك الزوج عنها إلا أن ينكر عليها، أي: الزوج فيقول لم أرد بضم الهمزة وكسر الراء المهملة وسكون الدال، أي: ما أردت إلا تطليقة واحدة؛ أي: رجعية فتحلف على ذلك، أي: على ما نوى فيكون أي: زوجها، وفي نسخة: بالواو أملك بفتح الهمزة وسكون الميم وفتح اللام، فكان أي: أحق وأولى بها من غيرها في عدتها أي في مدة عدتها، وفي (الموطأ) لمالك وفي رواية يحيى ما كانت في عدتها أي: ما دامت المرأة في عدتها له.
* * *
571 -
أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيَّب، أنه قال: إذا ملَّك الرجل امرأته أمرها فلم تفارقه، وقرّت عنده، فليس ذلك بطلاق.
قال محمد: وبهذا نأخذ، إذا اختارت زوجها فليس ذلك بطلاق، وإذا اختارت نفسها فهو على ما نوى الزوج، فإن نوى واحدة فهي واحدة بائنة، وإن نوى ثلاثًا فثلاث، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي أخرى: ثنا أخبرنا يحيى بن سعيد، بن قيس الأنصاري المدني، يكنى أبا سعيد القاضي، ثقة ثبت كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين، من أهل المدينة، مات سنة أربع وأربعين ومائة عن سعيد بن المسيَّب، (ق 607) بن حزن بن وهب بن عمرو بن عامر بن عمران بن مخزوم القرشي المخزومي، أحد العلماء الأثبات، كان في الطبقة الأولى من طبقات التابعين، من أهل المدينة، وقال المدني: لا أعلم في كبار التابعين أوسع علمًا منه مات بعد التسعين بيسير من الهجرة وهو ابن أربع وثمانين سنة، كذا قاله أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي في (طبقاته) أنه قال: إذا ملَّك أي: فوض الرجل امرأته أمرها أي: أمر طلاقها فلم تفارقه، أي: بأن اختارته حقيقة أو حكمًا وقرّت بفتح القاف وتشديد الراء المفتوحة أي: ثبتت عنده، فليس ذلك بطلاق أي: لردها ما ملكت.
(571) إسناده صحيح.