الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
متفق عليه مشهور، وما رواه مرسل وهو ليس بحجة عند الشافعي، لذا قاله بعض علمائنا وفيه بحث؛ لأن المرسل حجة عند الجمهور، والحجة اللزومية على أن المطلق قابل للتعقيد، والله أعلم.
لما فرغ من بيان حكم ما قتل في البئر، شرع في بيان حكم حال من قتل نفسًا خطأً، فقال: هذا
* * *
باب من قتل خطأ ولم تعرف له عاقلة
بابٌ بالتنوين، أو في بيان حكم حال من قتل أي: نفسًا خطأ ولم تعرف له، أي: والحال أنه لم توجد للقاتل العاقلة، وجه المناسبة بين هذا الباب وبين الباب السابق التضاد وهو العمد والخطأ، وهو مقابل للصواب.
اعلم أن العاقلة أهل الديوان لمن هو منهم تؤخذ الدية من خطاياهم متى خرجت، سواء خرجت في ثلاث سنين أو أكثر أو أقل، روى ابن أبي شيبة (1) في (مصنفه) عن جابر قال: أول من فرض الفرائض ودون الدواوين وعرف العرفاء: عمر بن الخطاب، قال صاحب (الهداية): وأهل الديوان أهل الروايات، وهم أهل الجيش الذين كتب أسماءهم في الديوان، والعطاء ما يُفرض للمقاتلة، والرزق ما يُفرض لفقراء المسلمين، إذا لم يكونوا مقاتلة، وقال مالك والشافعي وأحمد وأكثر أهل العلم: الدية على العشيرة وهم العصبات؛ لأنه كان كذلك في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ولا نسخ بعده؛ لأنه لا يكون إلا بوحي على لسان (ق 705) نبي، ولا نبي بعده؛ ولأنها صلة وإلا ولي الأقارب، واختلف في الآباء والبنين، فقال الشافعي وأحمد في رواية: ليس آباء القاتل وإن علوا، ولا أبناؤه وإن سفلوا من العاقلة، وقال مالك وأحمد في رواية: يدخل في العاقلة أبو القاتل وابنه، وهو قولنا: عند عدم أهل الديوان، ولنا أن عمر رضي الله تعالى عنه لما دون الدواوين جعل العقل على أهل الديوان، وكان ذلك محضر الصحابة من غير نكير، روى ابن أبي شيبة في (مصنفه) عن الحكم قال عمر: أول من جعل الدية عشرة عشرة في عطيان المقاتلة
(1) ابن أبي شيبة في المصنف (5/ 343).
دون الناس، وروى أيضًا عن الشعبي وعن إبراهيم النخعي أنهما قالوا: أول من فرض العطاء عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وفرض فيه الدية كاملة في ثلاث سنين، وروى عبد الرزاق (1) في (مصنفه) عن عمر أنه جعل الدية في الأعطية في ثلاث سنين، وفي لفظ: قضى بالدية في ثلاث سنين في كل سنة ثلاث على أهل الديوان، في عطياتهم، وأما قولهم: ولا نسخ بعده صلى الله عليه وسلم، فجوابه أن هذا ليس بنسخ بل تقدير معنى؛ لأن الفعل على أهل النصرة، وكانت النصرة بأنواع القربة وبالعهد وبالحلف وبولاء العتاقة وبالعد، وهو أن يصدق القوم ولا يكون معهم، وفي عهد عمر صارت بالديوان فجعله على أهله اتباعًا للمعنى، ولهذا قالوا: لو كان اليوم قوم يتناصرون بالحرف كانت عاقلتهم على أهل حرفتهم هذا، والعاقلة في القاتل لمن ليس من أهل الديوان يؤخذ بثلاثة دراهم أو أربعة من كل واحدة منهم في ثلاث سنين، لما روينا عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وقال مالك وأحمد في رواية: لا تقدير في أخذها بل يحملون ما يطيقون؛ لأن التقدير لا يثبت إلا بالتوقيف ولا نص فيه فيفوض إلى رأي الحاكم كتقادير النفقات، كذا نقله علي القاري عن شمس الأئمة الحلواني ومظهر الدين المرغيناني.
679 -
أخبرنا مالك، أخبرني أبو الزناد، أن سليمان بن يسار أخبره أن سائبةً كان أعتقه بعض الحجّاج، وكان يلعب هو وابن رجل من بني عائذ، فقتل السائبةُ ابن العائذي، فجاء العائذي أبو المقتول إلى عمر بن الخطاب يطلب دية ابنه، فأبى عمر أن يديَهُ، وقال: ليس له مولى، قال العائذي له: أرأيت لو ابني قتله، قال: إذن تُخرجوا دِيَتَه، قال العائذي: هو إذن كالأرقم إن يُتْرك يَلْقَم، وإن يُقْتَل يُنْقَم.
قال محمد: وبهذا نأخذ، ألا ترى أن عمر أبطل ديته عن القاتل، ولا نراه أبطل ذلك إلا لأن له عاقلة، ولكن عمر لم يعرفها، فيجعل الدية على العاقلة، ولو أن عمر لم ير أن له مولى، ولا أنَّ له عاقلة لجعل دية من قُتِل في ماله أو
(1) في المصنف (9/ 420).
(679)
إسناده صحيح.
على بيت المال، ولكنه رأى له عاقلة ولم يعرفهم، لأن بعض الحاج كان أعتقه ولم يُعرف المُعتِقُ ولا عاقلتُه، فأبطل ذلك عمر حتى يُعرف، ولو كان لا يرى له عاقلة لجعل ذلك عليه في ماله أو على المسلمين في بيت مالهم.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: أخبرني، وفي أخرى: محمد قال: بنا، أخبرني أبو الزناد وهو: عبد الله بن ذكوان القرشي، المدني، ثقة فقيه، كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين، من أهل المدينة، مات سنة ثلاثين ومائة من الهجرة، أن سليمان بن يسار أي: الهلالي، المدني، مولى ميمونة، وقيل: أم سلمة، ثقة فاضل، أحد الفقهاء السبعة، كان في الطبقة الثالثة من طبقات كبار التابعين، من أهل المدينة، مات بعد المائة، أخبره أن سائبةً كان أعتقه بعض الحجّاج، جمع حاج، قال السيوطي: السائبة عبدٌ يُعتق بأن يقول له مالكه: أنت سائبة يريد به عتقه، ولا ولاء له عليه، فالعتق ماض على هذا بإجماع، وإذا اختلف الفقهاء في الولاء وفي كراهة هذا اللفظ وإباحته، والجمهور على كراهته لقوله تعالى في سورة المائدة:{مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ} [المائدة: 103]، فكلمة في قوله:{مِنْ بَحِيرَةٍ} زائدة لتأكيد النفي نزول في بيان أن المحلل والمحرم بالشريعة هو الله تعالى، وليس بغيره أن يسن شريعة (ق 706) بها يحل ويحرم، لعمرو بن يحيى أخو بني كعب غير شريعة إسماعيل، صلوات الله على نبينا وعليه، فقال: إن الله أمرني بها افتراء على الله الكذب، أي: لم يجعل الله حرامًا من بحيرة، وهي ناقة ولدت خمسة أبطن آخرها ذكر، فبحرت، أي: شق أذنها واسعًا مشبهًا بالبحر وحرم ركوبها، وتركت لترعى في المرعى، فإذا ماتت اشتركت فيها الرجال والنساء، قوله:{وَلَا سَائِبَةٍ} أي: ولم يجعل الله تعالى في الحيوانات حرامًا من سائبة وهي: من الأنعام التي خامس ولدها ذكر، فبحروا أذنها وتركوها مع أمها وحرموا منافعها على الرجال والنساء، فإذا ماتت اشتركوا فيها لو السائبة منها ما نذروا تسببها لا لمتهم إذا برؤوا من مرضهم أو جاؤوا من سفرهم وسلموها إلى خدام بيت المتهم، وكانوا صوفها وأولادها للرجال دون النساء، كذا في (عيون التفاسير)، فكان، أي: السائب يلعب مع ابن رجل، وفي نسخة: وكان يلعب هو وابن رجل من بني عايذ، بكسر التحتية، وقال: معجمة أصله عاوز، فقلبت الواو ياء، وفي نسخة: من بني عابد بكسر الموحدة والدال المهملة نسبة إلى عابد بن عمر بن مخزوم بكسر الهمزة، والذال المعجمة، نسبة إلى عائذ بن عمر بن بني سنان، ذكره
السيوطي، فقتل السائبةُ ابن مفعول لقتل ومضاف إلى العائذي، وهو اسم رجل، فجاء العائذي بياء نسبية كفارسي، أبو المقتول بدل من العائذي، أو عطف بيان منه إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه، يطلب أي: حال كونه يطلب، وفي نسخة: فطلب دية ابنه، فأبى أي: امتنع عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن يديَهُ، أي: يحكم بدية المقتول على أحد، فأصل يديه يؤدى من باب ضرب، فحذفت الواو لوقوعها بين الياء التحتية وبين كسرة، يقال: ودي يدي دية، والهاء في دية عوض عن الواو المحذوفة في مضارعها، فمعنى قيمة دم المقتول، وقال أي: عمر: ليس له أي: للسائبة القاتل مولى أي: حتى يكون عاقلته فيؤخذ منه ديته، قال العائذي له: أي: لعمر رضي الله عنه: أرأيت أي: أخبرني يا عمر لو ابني قتله، أي: السائبة ما كان حكمه؟ قال: إذن أي: فإذا كان القاتل ابنك تُخرجوا أي: أنت وقومك دِيَتَه، فإنك عاقلة ابنك، وأما السائبة القاتل فليس له مولى يكون عاقلة له، قال العائذي: هو أي: السائبة إذن كالأرقم، بفتح الهمزة، وسكون الراء المهملة، والقاف المفتوحة والميم: الحية التي فيها بياض وسواد أو أحمر وسواد، إن يُتْرك على صيغة المجهول يَلْقَم، بفتح أوله، وإسكان اللام، وفتح القاف، وأصله الأكل بسرعة، وإن يُقْتَل بضم أوله وفتح ثالثه، يُنْقم، بكسر القاف من باب ضرب لغة القرآن، وفي لغة بفتح القاف من باب تعب، وهي أولى هنا بالسجع، ومعناه: إن تركت قتله قتلك، وإن قتلته كان له من ينقم منك، وهو مثل من أمثال العرب مشهور. قال ابن الأثير:(ق 707) كانوا في الجاهلية يزعمون أن الجن تطلب بثأر الجان وهي الحية الرفيعة، فربما قاتله وربما أصابه خلل، وهذا مثل يجتمع عليه شران يدري كيف يصنع بهما.
قال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما قاله عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ألا ترى أي: لم تنظر أن عمر رضي الله عنه أبطل ديته أي: المقتول على القاتل أي: وحده، ولا نراه أي: لا نظن عمر أبطل ذلك أي: وجوب دية المقتول مطلقًا إلا أي: لكن عمر امتنع أن يحكم بدية المقتول على القاتل فقط ابتداءً لأن له أي: للقاتل عاقلة، أي: مبهمة مجهولة، ولكن عمر لم يعرفها، أي: عاقلة القاتل بعينها، والواو في "ولكن عمر": للعطف، لكن عمر يستفاد من كلمة إلا وكلمة لكن بفتح اللام الممدودة، وكسر الكاف، وسكون النون استدراك، وهو في اللغة طلب تدارك السامع، وفي الاصطلاح رفع توهم تولد على كلام سابق، كذا قاله السيد الجرجاني، يعني: توهم من قوله ولا نراه