الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
التابعين، من أهل المدينة، مات سنة أربع وأربعين ومائة بعد الهجرة، عن أبي مُرّة، بضم الميم وتشديد الراء المهملة المفتوحة، اسمه يزيد، وهو مولى عقيل بن أبي طالب، ويقال: مولى أخته أم هانئ، مدني مشهور بكنيته، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين، من أهل المدينة، أنه سأل أبا هريرة رضي الله عنه، عن شاة ذبحها وهي كانت مريضة أو مضروبة ونحوهما، فتحرك بعضها أي: بعض عضو من أعضاء الشاة بعد ذبحها، فأمره أي: أبو هريرة بأكلها، بناء على أن الحركة دالة على الحياة، ثم سأل أي: أبو مرة استقرارًا بالحكم في قلبه زيد بن ثابت بن الضحاك بن لوث، الأنصاري البخاري، يُكنى أبا سعيد وأبا خارجة، كان صحابيًا مشهورًا كاتب الوحي، قال مسروق: كان أبو مرة من الراسخين في العلم، مات سنة خمس أو ثمان وأربعين بعد الهجرة، فقال: أي: زيد بن ثابت رضي الله عنه: إن الميتة لتتحرك أي: أحيانًا ونهاه عن أكلها احتياطًا.
قال محمد: إذا تحركت تحركًا أكبرُ الرأي فيه والظنُّ أي: غالبة أنها حيّة أي: كانت قبل التذكية أُكِلَتْ، أي: جاز أكلها، وإذا كان تحركها شبيهًا بالاختلاج، أي: اضطراب العضو، وفي نسخة: باختلاج بالتنوين، وأكبرُ الرأي والظنُ في ذلك أي: التحرك، أنها أي: المذبوحة ميتة أي: قبل التذكية، لم تُؤكل، وفي (تفسير البغوي): وإنما يحل ما ذكيته بعد ما جرحه السبع أو أكله منه شيئًا إذا أدركته الحياة مستقرة فيه فذبحه، فأما ما أصار بجرح السبع أي: حالة المذبوح فهو في حكم الميتة، فلا يكون حلالًا وإن ذبحته، انتهى.
لما فرغ من بيان حكم الشاة وغيرها تذكى قبل أن تموت، شرع في بيان حكم حال الرجل يشتري اللحم ولا يعلم حاله، فقال: هذا
* * *
باب الرجل يشتري اللحم فلا يدري أذكى هو أو غير ذكى
باب أي: كائن في بيان حكم حال الرجل يشتري اللحم، فلا يدري أي: لا يعلم الرجل أذكي بهمزة الاستفهامية وفتح الذال المعجمة وكسر الكاف وتشديد التحتية المنونة، مثل رضي إعلالًا وإدغامًا، أي: هل مذبوح بذكر اسم الله، هو أي: ذو اللحم من نحو الإِبل والبقر والغنم، أم غير ذكي، أم متصلة؛ لأنها يتقدم عليها همزة يطلب بها فيلزم
التعبير نحو أزيد في الدار أم عمرو، وإنما سُميت متصلة لأن ما قبلها وما بعدها لا يستغني بأحدهما عن الآخر، كذا قاله ابن هشام في (مغني اللبيب).
وجه المناسبة بين هذا الباب وبين الباب السابق حصول المعنى الجزم والتردد في قلب الرجل إذا رأى الشاة واللحم.
657 -
أخبرنا مالك، أخبرنا هشام بن عروة، عن أبيه، قال: سُئِلَ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقيل له: يا رسول الله، إن ناسًا من أهل البادية يأتوننا بلُحْمان فلا ندري هل سمّوا عليها أم لا، قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "سمّوا الله عليها ثم كلوها"، قال: وذلك في أول الإِسلام.
قال محمد: وبهذا نأخذ، وهو قولُ أبي حنيفة، إذا كان الذي يأتي بذلك مسلم أو من أهل الكتاب، فإن أتى بذلك مجوسي فذكر أن مسلمًا ذبحه أو رجلًا من أهل الكتاب لم يصدّق، ولم يؤكل بقوله.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، أخبرشا هشام بن عروة بن الزبير بن العوام الأسدي، ثقة فقيه، ربما دلس، كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، (ق 680) مات سنة ست أو خمس وأربعين ومائة وله سبع وثمانون سنة، عن أبيه، أي: عن عروة بن الزبير بن العوام بن خويلد الأسدي، يُكنى أبا عبد الله المدني، ثقة، كان فقيه مشهور، في الطبقة الثانية من طبقات التابعين، من أهل المدينة، مات سنة أربع وتسعين على الصحيح، كذا في (تقريب التهذيب) أنه قال: سُئِلَ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا إجمال بينه بقوله: فقيل له: يا رسول الله، إن ناسًا من أهل البادية أي: مثلًا يأتوننا وفي نسخة: يأتونا بتشديد النون، أي: يجيئونا بلُحْمان بضم الميم جمع لحم، أي: بقطع من اللحم، فلا ندري هل سمّوا بفتح الميم المشددة، أي: ذكروا اسم الله عليها أي: على صاحبة اللحم عند ذبحها أم لا، قال: أي: عروة مرسلًا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"سمّوا الله بضم الميم، أي: اذكروا أنتم اسم الله عليها أي: على قطعة من اللحم ثم كلوها"،
(657) صحيح، أخرجه البخاري (2057)، وأبو داود (2829).
والمعنى أنكم غير مأمورين بالتجسس والتنصص فإنه يورث الوسوسة والحرج في الدين، وإنما عليكم بما أمرتم به من التسمية عموا ولو كان الذابح مؤمنًا أو كتابيّا أو يسميه غيره، قال ابن الملك في (شرح المشارق): ليس معناه: أن تسميتكم الآن تنوب عن تسمية المذكي، بل فيه بيان أن التسمية مستحبة عند الأكل، وإنما لم يعرفوا ذكر اسم الله عليه عند ذبحه يصح أكله، إذا كان الذابح ممن يصح أكل ذبيحته، حملًا لحال المسلم على الصلاح، انتهى. قال: أي: مالك كما ليحيى: وذلك أي: جواز الأكل مع التسمية باللحم لمَ ذَبَحَهُ بذكر اسم الله عليه، في أول الإِسلام، وهذا قد يوهم نسخ ما فيه من الأحكام وليس كذلك كما لا يخفى على العلماء الأعلام هذا الحديث مرسل، لكن اختلف في حد الحديث المرسل، فالمشهور أنه ما رفعه التابعي إلى النبي صلى الله عليه وسلم سواء كان من كبار التابعين كعبيد الله بن عدي بن الخيار، وقيس بن أبي حازم، وسعيد بن المسيب وأمثالهم، أو من صغار التابعين كالزهري، وأبي حازم، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وأشباههم، والقول الثاني: أنه ما رفعه التابعي الكبير إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فهذه الصورة لا خلاف فيها كما قاله ابن الصلاح، وأما مراسيل صغار التابعين، فإنها لا تسمى مرسلة على هذا القول، بل هي منقطعة كما نقله عبد الرحيم بن الحسين بن عبد الرحمن بن العراقي في (شرح الألفية)، عن ابن عبد البر الأجهم.
قال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما أرسله عروة بن الزبير إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو قولُ أبي حنيفة، إذا كان الذي يأتي بها، أي: بتلك اللحوم، وفي نسخة: بذلك مسلمًا أو من أهل الكتاب، أي: يهوديا أو نصرانيا أو كان حربيا وصار كتابيا، فإن أتى بذلك مجوسي أي: عابد نار، وفي معناه الوثني وهو عابد الصنم والمرتد، فذكر أن مسلمًا ذبحه أو رجلًا من أهل الكتاب أي: ذبحه، لم يصدّق، أي: فيما ذكره المجوسي، ولم يؤكل بقوله، أي: لأنه ليس من أهل الديانة، بل من أرباب الخلابة والخداعة والخيانة، والله أعلم.
لما فرغ من بيان حكم حال الرجل يشتري اللحم ويشك بأنه ذبح بذكر اسم الله عليه أو ترك عمدًا، شرع في بيان حكم الصيد يصيده الكلب المعلم، فقال: هذا
* * *