المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌باب الإقرار بالزنا - المهيأ في كشف أسرار الموطأ - جـ ٣

[عثمان الكماخي]

فهرس الكتاب

- ‌كتاب النِّكَاح

- ‌باب الرجل يكون له نسوة، كيف يقسم بينهن

- ‌باب أدنى ما يتزوج عليه المرأة

- ‌باب لا يجمع الرجل بين المرأة وعمتها في النكاح

- ‌باب الرجل يخطب على خطبة أخيه

- ‌باب الثَّيِّب أحقُ بنفسها من وليها

- ‌باب الرجل يكون عنده أكثر من أربع نسوة فيريد أن يتزوج

- ‌باب ما يُوجب الصداق

- ‌باب نكاح الشغار

- ‌باب نكاح السر

- ‌باب الرجل يجمع بين المرأة وابنتها، وبين المرأة وأختها في ملك اليمين

- ‌باب الرجل ينكح المرأة ولا يصل إليها لعلة بالمرأة أو الرجل

- ‌باب البكر تستأمر في نفسها

- ‌باب النكاح بغير ولي

- ‌باب الرجل يتزوج المرأة ولا يفرض لها صداقًا

- ‌باب المرأة تتزوج في عدتها

- ‌باب العزل

- ‌كتاب الطلاق

- ‌باب طلاق السنة

- ‌باب طلاق الحرة تحت العبد

- ‌باب ما يُكره للمطلقة المبتوتة والمتوفى عنها من المبيت في غير بيتها

- ‌باب الرجل يأذن لعبده في التزويج هل يجوز طلاق المولى عليه

- ‌باب المرأة تختلع من زوجها بأكثر مما أعطاها أو أقل

- ‌باب الخلع كم يكون من الطلاق

- ‌باب الرجل يقول: إذا نكحت فلانة فهي طالق

- ‌باب المرأة يطلقها زوجها تطليقة أو تطليقتين فتتزوج زوجًا ثم يتزوجها الأول

- ‌باب الرجل يجعل أمر امرأته بيدها أو غيرها

- ‌باب الرجل يكون تحته أمة فيطلقها ثم يشتريها

- ‌باب الأمه تكون تحت العبد فتعتق

- ‌باب طلاق المريض

- ‌باب المرأة تطلق أو يموت عنها زوجها وهي حامل

- ‌باب الإيلاء

- ‌باب الرجل يطلق امرأته ثلاثًا قبل أن يدخل بها

- ‌باب المرأة يطلقها زوجها فتتزوج رجلًا فيطلقها قبل الدخول

- ‌باب المرأة تسافر قبل انقضاء عدتها

- ‌باب المتعة

- ‌باب الرجل يكون عنده امرأتان فيؤثر إحداهما على الأخرى

- ‌باب اللعان

- ‌باب متعة الطلاق

- ‌باب ما يكره للمرأة من الزينة في العدة

- ‌باب المرأة تنتقل من منزلها قبل انقضاء عدتها من موت أو طلاق

- ‌باب عدة أم الولد

- ‌باب الخلية والبرية وما يشبه الطلاق

- ‌باب الرجل يولد له فيغلب عليه الشبه

- ‌باب المرأة تُسْلِم قبل زوجها

- ‌باب انقضاء الحيض

- ‌باب المرأة يطلقها زوجها طلاقًا يملك الرجعة فتحيض حيضة أو حيضتين ثم ترتفع حيضتها

- ‌باب عدة المستحاضة

- ‌باب الرضاع

- ‌كتاب الضحايا وما يُجزئ منها

- ‌باب ما يُكره من الضحايا

- ‌باب لحوم الأضاحي

- ‌باب في الرجل يذبح أضحيته قبل أن يغدو يوم الأضحى

- ‌باب ما يجزئ من الضحايا عن أكثر من واحد

- ‌باب الذبائح

- ‌باب الصيد وما يُكره أكله من السباع وغيرها

- ‌باب أكل الضب

- ‌باب ما لفظه البحر من السمك الطافي وغيره

- ‌باب السمك يموت في الماء

- ‌باب ذكاة الجنين ذكاة أمه

- ‌ باب أكل الجراد

- ‌باب ذبائح نصارى العرب

- ‌باب ما قتل الحجر

- ‌باب الشاة وغير ذلك تذكى قبل أن تموت

- ‌باب الرجل يشتري اللحم فلا يدري أذكى هو أو غير ذكى

- ‌باب صيد الكلب المعلم

- ‌باب العقيقة

- ‌أبواب الديات

- ‌باب الدية في الشفتين

- ‌باب دية العمد

- ‌باب دية الخطأ

- ‌باب دية الأسنان

- ‌باب أرش السن السوداء والعين القائمة

- ‌باب النفر يجتمعون على قتل واحد

- ‌باب الرجل يرث من دية امرأته والمرأة من دية زوجها

- ‌باب الجروح وما فيها من الأروش

- ‌باب دية الجنين

- ‌باب الموضحة في الوجه والرأس

- ‌باب البئر جبار

- ‌باب من قتل خطأ ولم تعرف له عاقلة

- ‌باب القسامة

- ‌كتاب الحدود في السرقة

- ‌باب العبد يسرق من مولاه

- ‌باب من سرق تمرًا أو غير ذلك مما لم يحرز

- ‌باب الرجل يُسرق منه الشيء يجب فيه القطع فيهبه للسارق بعد ما يرفعه إلى الإمام

- ‌باب ما يجب فيه القطع

- ‌باب السارق يسرق وقد قطعت يده أو يده ورجله

- ‌باب العبد يأبق ثم يسرق

- ‌باب المختلس

- ‌كتاب الحدود في الزنا

- ‌باب الرجم

- ‌باب الإِقرار بالزنا

- ‌باب الاستكراه في الزنا

- ‌باب حد المماليك في الزنا والسكر

- ‌باب الحد في التعريض

- ‌باب الحد في الشراب

- ‌كتاب الأشربَة

- ‌باب شراب البتع والغبيراء وغير ذلك

- ‌باب تحريم الخمر وما يُكره من الأشربة

- ‌باب الخليطين

- ‌باب نبيذ الدُّبَّاء والمُزَفَّت

- ‌باب نبيذ الطلاء

- ‌كتاب الفرائض

- ‌باب ميراث العمة

- ‌باب النبي صلى الله عليه وسلم هل يُورَث

- ‌باب لا يرث المسلم الكافر

- ‌باب ميراث الولاء

- ‌باب ميراث الحميل

- ‌باب الرجل يوصي عند موته بثلث ماله

- ‌باب الأيمان والنذور وأدنى ما يجزئ في كفارة اليمين

- ‌باب الرجل يحلف بالمشي إلى بيت الله

- ‌باب من جعل على نفسه المشي ثم عجز

- ‌باب الاستثناء في اليمين

- ‌باب الرجل يموت وعليه نذر

- ‌باب من حلف أو نذر في معصية

- ‌باب من حلف بغير الله عز وجل

- ‌باب من جعل ماله لباب الكعبة

- ‌باب اللغو في الأيمان

الفصل: ‌باب الإقرار بالزنا

مئتان، لكل واحد من الزانيين مائة جلدة على عدد أيام الاستمتاع التي تسلم لهما، وتخلو الوقت بقضاء شهوتهما، ولم تشغلا فيها بالوطء والحلال، وقيل: الحكمة في العدد المذكور؛ لأن أربع نسوة حلال، فيذهب من كل شهر خمسة أيام في أوسط أيام فيبقى خمسة وعشرون يومًا، فيكون للأربع نسوة مائة يوم، فاضربوه (ق 732) مائة جلدة، حيث لم يشتغل بالحلال، ولأن السنة اثنا عشر شهرًا، وكل شهر أربع جمعات، وكل شهر ثلاثون يومًا وثلاثون ليلة، وكل يوم وليلة أربعة وعشرون ساعة، فيكون جملة مائة، لم يشتغل في جميع هذه المدة بالحلال، فاجلدوه مائة، وللشرع أطوار وحكم في تعيين الأعداد والحدودية والعلمية يعرفها العارفون والحكماء والأدباء، والله أعلم، كذا في (خواتم الحكم).

لما فرغ من بيان ما يوجب الرجم بأربع شهود، شرع في بيان ما يوجب الرجم بالإِقرار، فقال: هذا

* * *

‌باب الإِقرار بالزنا

باب في بيان حكم الإِقرار، أي: إقرار الزاني بالزنا، وجه المناسبة بين هذا الباب وبين الباب السابق: الحكم بالرجم، لكن شرط الحكم به في الباب السابق شهادة، وفي هذا الباب إقرار.

695 -

أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن أبي هريرة وزيد بن خالد الجُهني: أنهما أخبراه: أن رجلين اختصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال أحدهما: يا نبي الله اقض بيننا بكتاب الله، وقال الآخر

(695) صحيح، أخرجه الشافعي فى الأم (6/ 133)، وفي المسند (2/ 78، 79)، والبخاري في الأيمان والنذور (6633)، وفي الحدود (6842)، وأبو داود (4445)، والترمذي (1433)، والنسائي (8/ 240، 241)، والطبراني في الكبير (5190)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (3/ 135)، والبيهقي في معرفة السنن والآثار (12/ 16676)، وأحمد في المسند (4/ 115، 116)، والحميدي في مسنده (811)، والدارمي (2/ 117).

ص: 312

وهو أفْقَهَهُما: أجل يا رسول الله، فاقض بيننا بكتاب الله وائذن لي في أن أتكلم، قال: تكلم، قال: إن ابني كان عسيفًا على هذا، يعني أجيرًا، فزني بامرأته، فأخبروني أن على ابني الرجم، فافتديت منه بمائة شاة وجارية لي، ثم إني سألتُ أهل العلم فأخبروني أنما على ابني جلد مائة وتغريب عام، وإنما الرجم على امرأته، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أما والذي نفسي بيده لأقضينَّ بينكما بكتاب الله، أما غنمك وجاريتك فرَدٌّ عليك"، وجَلَد ابنه مائة وغرّبه عامًا، وأمر أُنَيْسًا الأسلمي أن يأتي امرأة الآخر، فإن اعترفت فارجمها، فاعترفت فرجمها.

• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي نسخة أخرى: قال: ثنا، أخبرنا ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وقد سبق بيان طبقاتهم في باب الرجم، عن أبي هريرة رضي الله عنه، أي: عمرو بن عامر، أي: عبد الرحمن بن صخر، هما قولان من نحو ثلاثين قولًا في اسمه واسم أبيه، وزيد بن خالد الجُهني، بضم الجيم وفتح الهاء وكسر النون وتشديد التحتية نسبة إلى قبيلة بني جهينة بالتصغير، أنهما أخبراه، أي: عبد الله بن عبد الله بن عتبة، أن رجلين أي: لم يعرف الحافظ اسمهما، اختصما أي: احتكما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال أحدهما: يا نبي الله اقض أي: احكم بيننا بكتاب الله، أي: بحكمه، وفي رواية الشيخين: فقام رجل من الأعراب، فقال: أنشدك الله إلا قضيت بيننا بكتاب، قيل: وكان ذلك قبل نسخ تلاوة آية الرجم، وقال الآخر: بمد الهمزة، وفتح الخاء المعجمة، وهو أفقههما، حيث ظهر منه التأدب، قال حافظ الدين العراقي: يحتمل أن الراوي كان عارفًا بهما قبل أن يتحاكما، فوصف الثاني بأنه أفقه من الأول مطلقًا، ويحتمل في هذه القصة الخاصة لحسن أدبه في استئذانه أولًا وترك رفع صوته إن كان الأول رفعه، أجل، بفتح الهمزة والجيم وسكون اللام، يا رسول الله فاقض أي: فاحكم بيننا بكتاب الله، فإنما هذا لا ذلك وهما يعلمان أنه صلى الله عليه وسلم لا يحكم إلا بحكم الله، ليحكم بينهما بالحكم الصرف، لا بالنصائح والترغيب فيما هو الأرفق بهما، أو أمرهما بالصلح، أو للحاكم أن يفعل ذلك، وائذن لي في أن أتكلم، أي: قبله، قال: أمر بالتكلم بأن قال: تكلم، أمر حاضر، قال: إن ابني لم يعرف الحافظ اسمه، كان عسيفًا بفتح العين المهملة

ص: 313

وكسر السين المهملة وسكون التحتية، وبالفاء، أي: أجيرًا على هذا، أي: عند الرجل الحاضر أو لأجله، فكلمة "على" إما بمعنى عند أو اللام التعليلية، يعني أي: يريد بالعسيف أجيرًا، فزني بامرأته، لم يعرف الحافظ اسمها، فأخبروني بصيغة الجمع، أي: بعض أهل العلم، وفي (الموطأ) لمالك برواية (ق 733) يحيى وابن القاسم: فأخبرني بالإِفراد، وهو الأحسن، كما قاله الزرقاني: إن على ابني الرجم، فافتديت منه بمائة شاة متعلق بافتديت، ومن للبدل نحو: أرضيتم بالحياة الدنيا من الأخرى، أي: افتديت بمائة شاة بدل الرجم، وجارية لي، وبرواية يحيى: بجارية بالموحدة، ثم إني سألتُ أهل العلم، قال الحافظ: لم أقف على أسمائهم ولا عددهم الكبراء من العلماء عن جواز الافتداء، فأخبروني إنما على ابني جلد مائة أي: حدًا، أو تغريب عام، أي: لأنها محضة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أما بالتخفيف حرف للتنبيه، والذي نفسي أي: أقسم بالله الذي كان نفسي بيده أي: بيده التي لا يعلم كنهها إلا هو، والمراد بها صفة الحفظ عند المتأخرين، لأقضيَّن بينكما بكتاب الله تعالى، أي: القرآن على ظاهره المنسوخ لفظه، الثابت حكمه، وهو قول عمر الآتي: "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة"، وأشار إلى قوله تعالى في سورة النساء: {أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا} [النساء: 15]، وفسَّر النبي صلى الله عليه وسلم السبيل برجم المحصن، رواه مسلم، أو المعنى بحكم الله وقضاؤه كقوله صلى الله عليه وسلم: "كتاب الله فيكم"، أي: حكمه وقضاؤه عليكم، وما قضى به صلى الله عليه وسلم هو حكم الله تعالى، {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم: 3، 4]، {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} [النساء: 80]، {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7].

فلما أمر باتباعه وطاعته جاز أن يقال: لكل حكم حكم به حكم الله وقضاؤه، إذ ليس في القرآن إن من زنى وافتدى يره فداؤه، ولا أن عليه نفي سنة عن البلد مع الجلد، وعلى الثيب الرجم وقد اتسم أن يقضي بينكما بكتاب الله وهو صادق، وقال: أما غنمك وجاريتك فرَدٌّ أي: مردود عليك، وهو من إطلاق المصدر على المفعول نحو نسخ اليمين، أي: منسوخة، ولذا كان بلفظ واحد للجمع والواحد قوله: وجَلَد ابنه مائة عطف على قوله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، أي: أمر من يجلده أن يجلده مائة جلدة حدًا، وغرّبه عامًا، أي: نفاه عن وطنه سياسة سنة، وهذا يتضمن أن ابنه كان بكرًا، أو أنه اعترف بالزنا، فإن إقرار الأب عليه لا يُقبل، وقرينة اعترافه حضوره مع أبيه، كما في رواية

ص: 314

أخرى: أن ابني هذا، وسكوته على ما نسبه إليه، وفي النسائي عن عمرو بن شعيب عن الزهري، كان ابن لي أجيرًا لامرأة هذا، وابني لم يحصن، فصرح أنه بكر، وفيه تغريب البكر الزاني، خلافًا لقول أبي حنيفة: لا يغرب؛ لأنه زيادة على النص، والزيادة عليه بخبر الواحد نسخ، فلا يجوز، وأجيب بأن الزيادة ليست بنسخ، إذ حكم النص باق وهو الجلد والتعذيب بالنسبة، وأمر أُنَيْسًا تصغيرًا لأنس الأسلمي وهو ابن الضحاك، (ق 734) وقال ابن عبد البر: هو أنيس بن مرثد، وقال النووي: والأول هو الصحيح المشهور، أن يأتي امرأة الآخر، بمد الهمزة وفتح الخاء المعجمة فراء أي: لتعلمها أن الرجل قذفها بابنه، فلها عليه حد القذف فتطالبه أو تعفو عنه، فاستحب أن يلقن الرجوع عن الإِقرار بالزنا، فإن اعترفت رجمها"، فاعترفت فرجمها، أي: أنيس؛ لأنه حكمه في ذلك، لكن في رواية الليث عن الزهري فاعترفت فأمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجمت، وهو ظاهر في أن أنيسًا إنما كان رسولًا ليستمع إقرارها فقط، وأن تنفيذ الحكم إنما كان منه صلى الله عليه وسلم ويشكل كونه اكتفى بشاهد واحد، وأجيب بأن رواية مالك والشافعي أنه يكفي في الإِقرار مرة واحدة، ووجه الدلالة أنه صلى الله عليه وسلم علق رجمها باعترافها، ولم يشترط الأربع.

* * *

696 -

أخبرنا مالك، أخبرنا يعقوب بن زيد، عن أبيه زيد بن طلحة، عن عبد الله بن أبي مُلَيْكَة: أنه أخبره: أن امرأة أتت النبي صلى الله عليه وسلم، فأخبرته أنها زنت وهي حامل، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم:"اذهبي حتى تضعي"، فلما وضعت أتته، قال لها:"اذهبي حتى تُرضعي"، فلما أرضعَتْ أتته، فقال لها:"اذهبي حتى تستودِعيه"، فاستودَعَتْهُ، ثم جاءَته، فأمر بها فأُقيم عليها الحد.

• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي أخرى: قال: حدثنا، أخبرنا يعقوب بن زيد، عن أبيه زيد بن طلحة، أي: التيمي القرشي، يكنى أبا يوسف المدني، قاضي المدينة، صدوق، كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات بعد

(696) حديث صحيح، أخرجه مسلم (4351)، وأبو داود (4433)، والنسائي في الرجم من السنن الكبرى كما في تحفة الأشراف (4/ 74).

ص: 315

المائة من الهجرة، عن جده عبد الله بفتح العين، ابن عُبيد الله بالتصغير ابن أبي مُلَيْكَة، بالتصغير، التيمي المدني، أدرك ثلاثين من الصحابة، ثقة فقيه، كان في الطبقة الثالثة من طبقات كبار التابعين من أهل المدينة، مات سنة سبع عشرة ومائة من الهجرة، كذا في (تقريب التهذيب) لابن حجر (1). أنه أخبره، قال ابن عبد البر: هكذا قال يحيى، فجعل الحديث لعبد الله بن مليكة مرسلًا عنه، وقال القعنبي وابن القاسم وابن بكير: عن مالك عن يعقوب بن زيد عن أبيه زيد بن طلحة بن عبد الله بن مليكة، فجعلوا الحديث لزيد بن طلحة مرسلًا، وهذا هو الصواب، وكذا رواه ابن وهب عن مالك، ثم قال: وأخبرني ابن لهيعة عن محمد بن عبد الرحمن عن عاصم بن عمر بن قتادة بن النعمان عن محمود بن لبيد الأنصاري، وروي مرسلًا من وجوه كثيرة، وصح بمعناه عن بريدة وعمران بن حصين، أن امرأة أي: من غامد كما في مسلم من حديث بريدة، وله ولأبي داود من حديث عمران بن جهينة، ولا تنافي، فغامد بغين معجمة فألف فميم مكسورة، فدال مهملة بطن من جهينة، وروى ابن منده بسند ضعيف عن عائشة سمعتُ سبيعة القرشية قالت: يا رسول الله، إني زنيتُ فأقم عليَّ حدود الله، الحديث بنحو حديث الغامدية المذكور، فإن صح فيكون ذلك واقعًا لهما معًا، أتت أي: جاءت النبي صلى الله عليه وسلم، فأخبرته أنها زنت، وفي مسلم: عن بريدة فقالت: يا رسول الله طهرني، فقال:"ويحك ارجعي، فاستغفري الله، وتوبي إليه"، فقالت: أراك تريد أن تردني، كما رددت ماعز بن مالك، قال:"وما ذاك؟ "، قالت: إنها معي من الزنا، وهي حامل، أي: من الزنا، كما في مسلم عن عمران بن بريدة، ففال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم:"اذهبي حتى تضعي"، (ق 735) أي: ما في بطنك لمنع رجم الحبلى؛ لأنه لا يلزم عليه قتل الولد بلا جناية، وفي مسلم عن بريدة: فكفلها رجل من الأنصار حتى وضعت، وفيه عن عمران: فدعا نبي الله وليها فقال: "أحسن إليها، فإذا وضعت فأتني بها"، فلما وضعت أتته، أي: جاءته، وفي حديث بريدة: فلما أتته بالصبي في خرقة، قالت: هذا قد ولدته، قال أي: رسول الله صلى الله عليه وسلم لها: "اذهبي حتى تُرضعي"، أي: إلى أن تفرغي من إرضاعه، فقال صلى الله عليه وسلم:"لا نرجمها وندع ولدها صغيرًا ليس له من يرضعه"، فقام رجل من الأنصار وقال: إليَّ إرضاعه يا نبي الله، وفي مسلم عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه قال:"اذهبي فأرضعيه حتى تفطميه"،

(1) التقريب (1/ 734).

ص: 316

فلما فطمته أتته بالصبي في يده كسرة خبز، فقال: يا نبي الله فطمته، وقد أكل الطعام، فدفع الصبي إلى رجل من المسلمين، فلما أرضعَتْ أتته، أي: جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال أي: أمر لها: بأن قال: "اذهبي حتى تستودِعيه"، أي: عند أحد يربيه ويحاضنه ويحافظه، فاستودَعَتْهُ، ثم جاءَته، فأمر بها فأُقيم عليها الحد، أي: الرجم، كما في رواية يحيى، فرجمت، وفي مسلم عن عبد الله بن بريدة عن أبيه، ثم أمرها فحفر لها إلى صدرها، فأمر الناس فرجموها فنقل خالد بن الوليد بحجر فرمى رأسها فنضح الدم على وجه خالد فسبها، فسمعه النبي صلى الله عليه وسلم فقال:"مهلًا يا خالد، فوالذي نفسي بيده، لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس لغفر له"، ثم أمر بها فصلى عليها فدفنت، وفي مسلم أيضًا عن عمران بن حصين: ثم صلى عليها فقال له عمر: تصلي عليها يا نبي الله وقد زنت؟ فقال: "لقد تابت توبة، لو قسمت على سبعين من أهل المدينة لوسعتهم، وهل وجدت توبة أفضل من جادت بنفسها؟ "، وهذه الرواية صريحة في أنه صلى الله عليه وسلم صلى عليها، كذا قاله الزرقاني (1).

* * *

697 -

أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب: أن رجلًا اعترف على نفسه بالزنا، على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشهد على نفسه أربع شهادات، فأمر به فَحُدّ.

قال ابن شهاب: فمن أجل ذلك يؤخذ المرءُ باعترافه على نفسه.

• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، أخبرنا ابن شهاب، أي: مرسلًا أن رجلًا أي: ماعزًا رضي الله عنه، كما قاله الزرقاني عن النسائي، اعترف أي: أقرَّ بالزنا على نفسه، على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد رواه الشيخان من طريق عقيل وشعيب بن شهاب عن أبي سلمة وسعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، ومن طريق يونس صرح في كثير من طرق الحديث، وشهد على نفسه أربع شهادات، أي: مرات، فأعرض عنه ثلاثة، ثم قال له:"أبك جنون في الرابعة"، ثم قال لأهله:"أيشتكي؟ أم به جنة؟ "، قال القرطبي: لما

(1) في شرحه (4/ 172).

(697)

انظر السابق.

ص: 317

ظهر عليه من الحال الذي حال الجنون، وذلك أنه دخل منتثر الشعر ليس عليه رداء يقول: زنيت فطهرني، كما في مسلم عن جابر بن سمرة، واسم المرأة التي زنا بها فاطمة بنت قتادة، أي: جارية هزال بن يزيد الصحابي، من بني أسلم، كذا رواه النسائي، وقيل: منيرة، وفي (طبقات ابن سعد) اسمها مبيرة، وفي مسلم عن بريدة: جاء ماعز فقال: يا رسول الله، طهرني، فقال:"ويحك ارجع واستغفر الله وتب إليه"، فرجع غير بعيد، ثم جاء فقال: يا رسول الله طهرني، قال مثل ذلك، حتى إذا كانت الرابعة قال صلى الله عليه وسلم:"فبم أطهرك؟ " قال: من الزنا، فسأل:"أبه جنون؟ " فأخبر أنه ليس بمجنون، فقال:"أشرب خمرًا؟ "، فقام رجل (ق 736) فاستشم فاه فلم يجد منه ريح خمر، فقال صلى الله عليه وسلم:"أزنيت؟ " قال: نعم، فأمر أي: صلى الله عليه وسلم به فَحُدّ، أي: فرجم، كما في (الموطأ) لمالك برواية يحيى، زاد في حديث جابر بالمصلى، أي: فرجم بالمصلى، فلما أزلفته الحجارة فر فأدركه فرجم حتى مات، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم:"لو سترت ولم تخبرني، لكان خيرًا لك"، أي: في أمرك، وفي مسلم عن بريدة فكان الناس فيه فريقين، قائل يقول: هلك لقد أحاطت به خطيئته، وقائل يقول: ما توبة أفضل من توبة ماعز، من أنه جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فوضع يده في يده، قال: اقتلني بالحجارة، فلبثوا بذلك يومين أو ثلاثة ثم جاء صلى الله عليه وسلم وهم جلوس فسلم ثم جلس، فقال:"استغفروا لماعز بن مالك"، فقالوا: غفر الله لماعز بن مالك، فقال:"لقد تاب توبة لو قسمت بين أمة لوسعتهم".

وفي النسائي (1) عن أبي هريرة مرفوعًا: "لقد رأيته بين أنهار الجنة ينغمس يتنعم"، ولأحمد عن أبي ذر رفعه:"قد غفر الله له وأدخله الجنة"، وفي هذا منقبة عظيمة لماعز رضي الله عنه، كحديث الباب؛ لأنه استمر على طلب إقامة الحد عليه مع توبة، ليتم تطهيره، ولم يرجع عن إقراره مع أن الطبع البشري يقتضي أنه لا يستمر على الإِقرار بما يقتضي موته فجاهد بنفسه على ذلك، وقوى عليها، والصحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما: لما أتى ماعز بن مالك النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لعلك قبلت أو غمزت أو نظرت"، قال: لا يا رسول الله، قال:"أنكتها؟ "، لا يكني، قال: فعند ذلك أمر برجمه.

قال ابن شهاب: فمن أجل ذلك أي: لأجل شهادة الرجل أربع مرات على نفسه

(1) في الكبرى (4/ 288)، رقم (7200).

ص: 318

بالزنا، يؤخذ المرءُ باعترافه على نفسه، أي: إذا تكرر في باب الزنا، وهذا الحديث يدل على اعتبار الإقرار أربع مرات، وسيأتي ما يؤيده من الروايات.

* * *

698 -

أخبرنا مالك، حدثنا زيد بن أسلم، أن رجلًا اعترف على نفسه بالزنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بسوطٍ فأتي بسوط مكسور، فقال: فوق هذا، فأُتي بسوط جديد لم تقطع ثمرته، فقال: بين هذيْن، فأتي بسوط قد رُكِب به، فَلَانَ، فَأُمِرَ به فَجُلِدَ، ثم قال:"أيها الناس، قد آن لكم أن تنتهوا عن حدود الله، فمن أصاب من هذه القاذورات شيئًا فليستتر بستر الله، فإنه من يُبْدِلَنَا صفحتَه نُقِمْ عليه كتاب الله".

• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: حدثنا، حدثنا زيد بن أسلم العدوي، مولى عمر، يكنى أبا عبد الله، أو أبا أسامة المدني، ثقة عالم، وكان يرسل، وكان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين، مات سنة ست وثلاثين ومائة من الهجرة، ورواه عبد الرزاق عن معمر، عن يحيى بن أبي كثير مرسلًا مثله، وأخرجه ابن وهب من مرسل كريب نحوه، ولا أعلمه يستفد بلفظه من وجه، كذا قاله ابن عبد البر، أن رجلًا اعترف على نفسه بالزنا على عهد أي: زمان حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدعا أي: طلب لأجله، رسول الله صلى الله عليه وسلم بسوطٍ أي: ليجد به لأنه غير محصن، فأتي أي: جيء بسوط مكسور، أي: مقطوع، فقال: فوق هذا، أي: في القوة لخفة الإِيلام، هذا فأُتي بسوط جديد لم تقطع ثمرته، بفتح المثلثة والميم والراء المهملة وفوقية، أي: طرفه، قال الجوهري: وثمرة السياط عقد أطرافها، وقال أبو عمر: أي: لم يمتهن ولم يلن والثمرة الطرف، فقال: بين هذيْن، فأتي بسوط قد رُكِب به، بصيغة المجهول، أي: ذهب عقدة طرفه، فَلَانَ، أي: صار لينًا مع بقاء صلابته بعدم كسره، وفي نسخة: ولان بالواو بدل الفاء، فَأُمِرَ أي: رسول الله صلى الله عليه وسلم، به أي: بالسوط الوسط بين القوي والخفيف، وهو سوط لا عقدة له؛ لأن عليّا رضي

(698) أخرجه الشافعي في الأم (6/ 145)، والبيهقي في الكبرى (8/ 326)، وفي معرفة السنن والآثار (13/ 17484)، (13/ 17509).

ص: 319

الله عنه لما أراد أن يقيم الحد كسر عقدته، وينزع ثيابه إلا الإِزار ويفرق الضرب على (ق 737) جميع بدنه إلا رأسه وفرجه ووجهه، فَجُلِدَ، أي: مائة جلدة؛ لأن الزاني غير محصن، ثم قال:"أيها الناس: قد آن بمد الهمزة وفتح النون الخفيفة، أي: حان وقرب الوقت لكم أن تنتهوا عن حدود الله، أي: التي حرمها، فمن أصاب من هذه القاذورات أي: السيئات والشبهة بالنجاسات، سمى رسول الله صلى الله عليه وسلم الأفعال القبيحة كالزنا، وشرب الخمر، وقذف المحصنات: قاذورات؛ لأن حقها أن تقذر فوصفت بما يوصف بها صاحبها، شيئًا فليستتر بستر الله، بفتح السين أو كسرها، أي: بسبب ما ستر الله عليه فليتب إليه ولا يظهر لنا، فإنه أي: الشأن من يُبْدِلَنَا من الإِبراء: أي: يظهر صفحتَه بفتح الصاد المهملة وسكون الفاء وفوقية، أي: جريمته يعني: من كشف وأظهر لنا ما يوجب الحد أو التعزير نُقِمْ عليه كتاب الله عز وجل"، فيجب على الشخص إذا فعل ما يوجب الستر على نفسه والتوبة، فإن خالف واعترف عند الحاكم أقامه عليه.

* * *

699 -

أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، أن صفية بنت أبي عُبيد حدثته عن أبي بكر الصديق: أن رجلًا وقع على جارية بكر فأحْبلها، ثم اعترف على نفسه أنه زنى ولم يكن أُحْصن، فأمر به أبو بكر فجُلد الحدّ ثم نُفي إلى فَدَك.

• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، أخبرنا نافع، أي: ابن عبد الله المدني، مولى ابن عمر، ثقة فقيه، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة سبع عشرة ومائة بعد الهجرة، أن صفية بنت أبي عُبيد، أي: ابن مسعود الثقفية، زوجة ابن عمر، قيل لها: أرواك، وأنكرها الدارقطني، وقال العجلي: ثقة، فهي كانت في الطبقة الثالثة من طبقات التابعيات من أهل المدينة، ماتت قبل المائة من الهجرة، حدثته أي: أخبرت نافعًا، عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه، أن رجلًا وقع وطئ على جارية بكر فأحْبلها، ثم اعترف على نفسه أنه زنى ولم يكن أُحْصن، بفتح فسكون، فأمر به أبو بكر الصديق رضي الله عنه، فجُلد الحدّ أي: أقام عليه الحد بمائة جلدة حدًا، ثم نُفي أي:

(699) إسناده صحيح.

ص: 320

غُرِّب سياسة إلى فَدَك، بفتح الفاء والدال المهملة، والكاف قرية بناحية الحجاز، وبلدة بينها وبين المدينة يومان، وبينها وبين خيبر دون مرحلة، ولا جمع في غير المحصن بين الجلد والنفي، إلا تعزيرًا وسياسة، وقال الشافعي وأحمد والنووي والأوزاعي: يجمع بينهما، وقال مالك: يجمع بينهما في الرجل دون المرأة، وفي الحر دون العبد، وقال الشافعي وأحمد: يُنفى العبد نصف سنة، ومن نفي حبس بالموضع الذي ينفى إليه، ولهم ما روى البخاري من حديث زيد بن خالد الجهني عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه الحد عليه، وما روى الترمذي من حديث نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم ضرب وغرب، وأن أبا بكر ضرب وغرب، وأن عمر ضرب وغرب، ولنا ما روى عبد الرزاق في (مصنفه) عن معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب، قال: غرب عمر ربيعة بن أمية بن خلف في الشراب في خيبر، فلحق بهرقل فتنصف، فقال: لا أقرب بعده مسلمًا.

وروي أيضًا عن أبي حنيفة عن حماد بن أبي سليمان عن إبراهيم النخعي، قال: قال ابن مسعود في البكر يزني بالبكر يجلدان مائة وينفيان سنة، (ق 738) قال: وقال على حبسهما: من الفتنة أن ينفيا، ورواه أيضًا بهذا السند محمد بن الحسن في الآثار.

* * *

700 -

أخبرنا مالك، حدثنا يحيى بن سعيد، قال: سمعتُ سعيد بن المسيَّب يقول: إن رجلًا من أسلم أتى أبا بكر، فقال له: إن الآخِرَ قد زنى، فقال له أبو بكر: هل ذكرت هذا لأحد غيري، قال: لا، قال أبو بكر: تُب إلى الله واستتر بستر الله، فإن الله يقبل التوبة عن عباده.

قال سعيد: فلم تقرّ به نفسه حتى أتى عمر بن الخطاب، فقال له كما قال لأبي بكر، فقال له عمر كما قال له أبو بكر، قال سعيد: فلم تقرّ به نفسه حتى أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: الآخِرَ قد زنى، فقال سعيد: فأعرض عنه رسول الله

(700) صحيح، أخرجه البخاري (6815)، ومسلم (4341)، والنسائي في الرجم من الكبرى، كما في تحفة الأشراف (10/ 19).

ص: 321

- صلى الله عليه وسلم، فقال له ذلك مرارًا، كل ذلك يُعرض عنه، حتى إذا أكثر عليه بعث إلى أهله فقال:"أيشتكي، أبه جِنَّةٌ؟ "، فقالوا: يا رسول الله إنه لصحيح، قال:"أبِكْرٌ أم ثيب؟ "، قالوا: ثَيّب، قال: فَأَمَرَ به فَرُجِمْ.

• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، حدثني بالإِفراد، وفي نسخة: حدثنا بالجمع، وفي أخرى عن بدل: حدثني يحيى بن سعيد بن قيس الأنصاري المدني، أبا سعيد القاضي، ثقة ثبت، كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين من أهل المدينة مات سنة أربع وأربعين ومائة، قال: سمعتُ سعيد بن المسيَّب بن حزن بن أبي وهب بن عمرو بن عامر بن عمران بن مخزوم القرشي المخزومي، أحد العلماء الأثبات، كان في الطبقة الأولى من طبقات التابعين من أهل المدينة، وقال المدني: لا أعلم في التابعين أوسع علمًا منه، مات بعد التسعين بيسير، وهو ابن أربع وثمانين سنة، كذا في (تقريب التهذيب)، هذا حديث مرسل من طريق مالك، وتابعه طائفة على إرساله عن يحيى بن سعيد، ورواه الزهري، فاختلف عليه فيه، ورواه يونس عنه عن أبي سلمة عن جابر وشعيب وعقيل عنه عن أبي سلمة وابن المسيب عن أبي هريرة، ورواه مالك عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة رضي الله عنه، يقول: إن رجلًا من أسلم هو ماعز بن مالك، كما صرح به في كثير من طرق الحديث، واتفق عليه الحفاظ، أتى أي: جاء أبا بكر رضي الله عنه، فقال له: إن الأخر قد زنى وهو بهمزة مفتوحة مقصورة وخاء معجمة مكسورة فراء الأرذل الأرداء والأبعد، وقيل اللئيم، ومعناه الرَّذِل الذي زنى كأنه يدعو على نفسها ويعيبها بما نزل به من موافقة الزنى، قال أبو عبيد: ومن هذا قولهم السؤال آخر كسر الرجل، أي أرذل كسب الرجل، وقال الأخفش: كنى عن نفسه بكسر الخاء، وهذا إنما يكون لمن حدث عن نفسه بقبيح فكره أن ينسب ذلك إلى نفسه. انتهى.

فقال له أبو بكر: هل ذكرت هذا لأحد غيري، وفي رواية: لأحد قبلي كأنه أراد هل ذكر للنبي صلى الله عليه وسلم أم لا، قال: لا، قال أبو بكر: لما قيل عليه من الرأفة بالأمة: تُب إلى الله عز وجل، أي: ارجع عما فعلت من المعصية كلها بالطاعة إلى الذي غلب في حكمه وظهر حكمه على جميع المحكومات في الدنيا والآخرة، واستتر بستر الله، أي: بينك وبين الخلق، فلا تظهر أنت ما يستره عليك، فإن الله يقبل التوبة عن عباده، إذا صحت شرائطها.

ص: 322

قال سعيد أي: ابن المسيب، فلم تقرّ به نفسه بفتح التاء الفوقية وكسر القاف وضم الراء المهملة المشددة أن تطمئن بكلام الصديق رضي الله عنه نفسه، حتى أتى عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، فقال له أي: عمر، كما قال لأبي بكر، فقال له عمر كما قال له أبو بكر، قال سعيد: فلم تقرّ به نفسه أي: لم تطمئن بكلام عمر بن الخطاب نفسه، أي قلبه لشدة إشفاقه وخوفه، حتى أتى أي: جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو في المسجد فناداه، فقال له الأخِرَ بفتح الهمزة المقصورة وكسر الخاء المعجمة فراء، أي الأرذل والدني والمراد بالأخر نفسه: قد زنى، فقال سعيد أي: ابن المسيب: فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال أي: سعيد بن المسيب، فقال أي: الأخر له أي: لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ذلك أي: خبر الزنا مرارًا، أي: ثلاث مرات، كما في (الموطأ) لمالك، وكل ذلك أي: في كل قول (ق 739) بالزنا يُعرض أي: رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه، أي: عن المخبر عن نفسه بالزنا.

وعند البخاري من طريق ابن شهاب عن أبي سلمة وعن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة رضي الله عنه فتنحى لشق وجهه الذي أعرض قبله، فقال: يا رسول الله إني زنيت، فأعرض عنه، فجاء لشق وجهه الذي أعرض عنه، فقال: إني زنيت، حتى إذا أكثر عليه أي: المرة الرابعة، ففي حديث أبي هريرة المذكور، فلما شهد على نفسه أربع شهادات دعاه صلى الله عليه وسلم فقال:"أبك جنون؟ " فقال: لا، فقال:"أحضنت؟ "، قال: نعم، ولا ينافي سؤاله عن ذلك قوله: بعث أي: النبي صلى الله عليه وسلم إلى أهله أي: أهل ماعز بن مالك، فقال:"أيشتكي، أي: هل يكون مريضًا يذهب بمرضه عقله، أبه وفي نسخة: هل بدل الهمزة جِنَةٌ؟ "، بكسر الجيم وتشديد النون المفتوحة؛ لأنه سأَله أولًا ثم بعث إلى أهله؛ لأنه استنكر ما وقع منه، إذ مثل ذلك لا يقع من العاقل القوي، فقالوا: يا رسول الله إنه لصحيح، أي: في العقل والبدن، قال: أي: النبي صلى الله عليه وسلم له: "أبِكْرٌ أم ثيب؟ "، أي: هل تزوجت زوجة ودخلت بها بعقد صحيح؟ قال: أي أخبر عن حاله بأنه قال: إني ثيّب، قال: فَأَمَرَ به فَرُجِمْ.

زاد في (الصحيح) عن جابر فرجمناه بالمصلى، فكنتُ فيمن رجمه، فلما أن القنه بالحجارة فر فأدرك فرجم حتى مات، قال في المقدمة: والذي أدركه لما هرب فقتله عبد الله بن أنيس، وقال ابن جريج عمر، حكاه الحاكم عنه، وكان أبو بكر الصديق رأس الذين رجموه، ذكره ابن سعد. انتهى.

ص: 323

فتقرب إلى الله أولًا بنصحه بأمره بالتوبة والستر، فلما ثبت على الإِقرار تقرب ثانيًا إلى الله، واحتج الحنفية والحنابلة بظاهره في اشتراط الإِقرار أربع مرات، وأنه لا يكفي بما دونها قياسًا على الشهود، وأجاب المالكية والشافعية في عدم اشتراط ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم:"واغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها"، ولم يقل ارجع مرات، وبحديث الغامدية إذا لم ينقل أنه تكرر إقرارها، وإنما قرر على ماعز بن مالك، لأنه شك في عقله، ولذا قال:"أبك جنون؟ "، وقال لأهله:"أيشتكي؟ أبه جنة؟ "، فإن الإِنسان غالبًا لا يصبر على إقرار ما يقتضي هلاكه من غير سؤال، مع أن له طريقًا إلى سقوط الإِثم بالتوبة، ولذا سأل أهله مبالغة في تحقيق حاله وصيانة دم المسلم، فيبنى عليه الأمر لا على مجرد إقراره بعموم الجنون، فإنه لو كان مجنونًا له يعذر قوله أنه وليس به جنون لأن إقرار المجنون ليس بمعتبر قال ابن عبد البر: وفيه الجنون المعتوه لا حد عليه، لأنه صلى الله عليه وسلم قال:"رُفِعَ القلم عن ثلاث: الصبي والمجنون والنائم"، وأن إظهار الإِنسان ما يأتيه من الفواحش جنون لا يفعله إلا المجانين، وأنه ليس من شأنه ذي العقول كثرة ما يلزم ستره والاعتراف به عند السلطان وغيره، وإنما من شأنهم الستر (ق 740) على أنفسهم والتوبة.

وكما يلزمهم الستر على غيرهم يلزمهم الستر على أنفسهم، وإن وجد غير حد البكر، ولا خلاف فيه لكن قيل: من العلماء رأى على الثيب الجلد والرجم، وروي ذلك عن علي وعبادة بن الصامت، وتعلق به داود وأصحابه والجمهور أن الثيب يرجم ولا يجلد، وقال الخوارج والمعتزلة: لا يرجم مطلقًا، وإنما الحد الجلد لثيب أو بكر، وهو خلاف إجماع أهل السنة والجماعة، كذا قاله الزرقاني (1).

* * *

701 -

أخبرنا مالك، أخبَرنا يحيى بن سعيد، أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لرجلٍ من أسلم يُدْعَى هزَّالًا:"يا هزَّال، لو سترته بردائك كان خيرًا لك".

(1) في شرحه (4/ 169).

(701)

إسناده ضعيف، وصل الحديث أبو داود (4377)، (4378)، وأخرجه أيضًا النسائي في الكبرى كما في تحفة الأشراف (9/ 70).

ص: 324

قال يحيى: فحدثت بهذا الحديث في مجلس فيه يزيد بن نُعيم بن هَزَّال، فقال يزيد: هَزَّال جدّي، والحديث حقّ.

قال محمد: وبهذا كله نأخذ، لا يُحدّ الرجل باعترافه بالزنا حتى يُقرّ أربع مرات في مجالس مختلفة، وكذلك جاءت السنة، لا يؤخذ الرجل باعترافه على نفسه بالزنا حتى يُقر أربع مرات، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا، وإن أقرّ أربع مرات ثم رجع، قُبِلَ رجوعه وخُلِّي سبيله.

• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، أخبرنا يحيى بن سعيد، وقد سبق بيان طبقته آنفًا أنه بلغه، أي: أنه قال: بلغني، كما في (الموطأ) لمالك، برواية يحيى قال مالك عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب، أنه قال: بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لرجلٍ من أسلم بفتح الهمزة وسكون السين المهملة وفتح اللام والميم، قبيلة قال فيها:"أسلم سلمها الله" يُدْعَى أي: يُسمى هزَّالًا، بفتح الهاء والزاي المفتوحة المشددة ابن يزيد الصحابي، وفي رواية النسائي أن هزالًا كانت له جارية وأن ماعزًا وقع عليها، فقال: انطلق فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعسى أن ينزل فيك قرآن، فانطلق فأخبره، فأمر به فرجم، وفي هذه الرواية دليل على أن الإِحصان ليس شرطًا في الرجم عند الشافعي وأحمد، لكن أجيب منها من جانب الحنفية والمالكية بأن الجارية التي وقع عليها ماعز بن مالك، كانت قد أعتقها سيدها هزال، وأنكحها إلى مسلم حر فوطئها، وكان الزاني والزانية محصنين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"يا هزَّال، لو سترته بردائك وهو كناية عن إخفاء أمره وقيده بالرداء اهتمامًا بأمر الستر، كان أي: سترك خيرًا لك"، من أمرك لماعز بن مالك بإخباري، لما في الستر على المسلم من الثواب الجزيل.

روى مسلم وأبو داود والترمذي عن أبي هريرة (1) رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "مَنْ نَفَّسَ عن مسلمٍ كربة من كرب الدنيا نَفَّسَ الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومَنْ يَسَّرَ على مُعسرٍ في الدنيا يسَّر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن سترَ على مسلمٍ في الدنيا ستر الله عليه في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه"، كذا أورده الإِمام المنذري في (الترغيب والترهيب).

(1) أخرجه مسلم في الذكر (38)، وأبو داود (4946)، والترمذي (1930).

ص: 325