الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مسألة: ماذا يلزمهما إذا أفطرا
؟
في المسألة قولان:
القول الأول: أنه يلزمهما الفدية، وهو قول الجمهور، ومنهم الشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو حنيفة، وذهب إليه من الصحابة: أنس، وابن عباس، وقيس بن السائب، وأبو هريرة رضي الله عنهم،
(1)
ومن بعدهم من التابعين: عكرمة، وسعيد بن المسيب، وعطاء، وقتادة، وسعيد بن جبير، وغيرهم.
واستدلوا بما يلي:
1) قراءة ابن عباس رضي الله عنهما: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ} بمعنى: يتكلفون صومه، قالوا: والآية في القراءة المشهورة: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ} معناها: (يطيقونه بمشقة)، فيتفق معنى القراءتين.
2) قوله تعالى: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} [البقرة:184].
قال الإمام ابن عثيمين رحمه الله: وجه الدلالة من الآية أن الله تعالى جعل الفدية
(1)
وهذه الأربعة الآثار ثابتة عنهم:
أما أثر أنس رضي الله عنه فعلقه البخاري في "صحيحه" قبل حديث (4505)، ووصله البيهقي (4/ 271) بإسناد صحيح، وكذلك عبد بن حميد كما في "الفتح".
وأما أثر ابن عباس رضي الله عنهما فأخرجه البخاري (4505)، وعبد الرزاق (4/ 221)، والطبري (3/ 425) بأسانيد صحيحة عنه.
وأما أثر قيس بن السائب رضي الله عنه فأخرجه البيهقي (4/ 271) بإسناد حسن.
وأما أثر أبي هريرة رضي الله عنه فأخرجه البيهقي (4/ 271) بإسناد صحيح.
عَدِيلاً للصوم لمن قدر عليه، فإذا لم يقدر بقي عديله، وهو الفدية، وهذا في الحقيقة يدل على غور فقهه -يعني ابن عباس رضي الله عنهما- وإلا فالإنسان إذا قرأ الآية فليس فيها تعرض لمن لا يطيق، بل فيها لمن يطيق، هذا وجه الدلالة، فصار العاجز عجزًا لا يرجى زواله، الواجب عليه الإطعام عن كل يوم مسكينًا. اهـ
قلتُ: يريد الشيخ رحمه الله أن ظاهر الآية أن المستطيع للصوم كان مخيرًا بين الإطعام والصوم ثم نسخت، وليس فيها تعرض لمن لا يطيق الصوم، والأمر كما قال رحمه الله.
فقد ثبت في "الصحيحين"
(1)
من حديث سلمة بن الأكوع رضي الله عنه، قال: لما نزلت {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} [البقرة: 184] كان من أراد أن يفطر ويفتدي حتى نزلت الآية التي بعدها فنسختها.
قلتُ: يعني قوله تعالى: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [البقرة:185]، كما جاء مصرحًا في رواية في "صحيح مسلم"، وقد صح عن ابن عمر رضي الله عنهما، أيضًا القول بنسخ الآية كما في "صحيح البخاري"(4506).
3) أن هذا عمل بعض الصحابة كأنس، وابن عباس، وأبي هريرة، وقيس بن السائب رضي الله عنهم، وقد قال ابن حزم رحمه الله: ولا يُعرف لهم من الصحابة مخالف.
وقد رجح هذا القول ابن قدامة، والنووي، وشيخ الإسلام، وابن القيم، وابن كثير، وهو ترجيح الشيخ الألباني، والشيخ ابن باز، والشيخ ابن عثيمين، والشيخ
(1)
أخرجه البخاري برقم (4507)، ومسلم برقم (1145).
الوادعي رحمة الله عليهم.
القول الثاني: أنه لا يلزمهما الفدية، وهو قول مالك والثوري وأبي ثور، ومن التابعين القاسم بن محمد وسالم بن عبد الله ومكحول الدمشقي، وربيعة بن عبدالرحمن وسعيد بن عبدالعزيز، وهو أحد قولي الشافعي ورجحه ابن المنذر وابن عبد البر وابن حزم رحمة الله عليهم أجمعين.
قال ابن حزم رحمه الله: والشيخ، والعجوز اللذان لا يطيقان الصوم؛ فالصوم لا يلزمهما، قال الله تعالى:{لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة:286]، وإذا لم يلزمهما الصوم فالكفارة لا تلزمهما؛ لأن الله تعالى لم يلزمهما إياها، ولا رسوله صلى الله عليه وسلم، والأموال محرمة إلا بنص أو إجماع. اهـ
قال ابن عبد البر رحمه الله: والصحيح بالنظر -والله أعلم- قول من قال: إن الفدية غير واجبة على من لا يطيق الصيام؛ لأن الله تعالى لم يوجب الصيام على من لا يطيقه؛ لأنه لم يوجب فرضًا إلا على من أطاقه، والعاجز عن الصوم كالعاجز عن القيام في الصلاة، وكالأعمى العاجز عن النظر لا يكلفه، وأما الفدية فلم تجب بكتاب مجمع على تأويله، ولا سنة يفقهها من تجب الحجة بفقهه، ولا إجماع في ذلك عن الصحابة، ولا عمن بعدهم، والفرائض لا تجب إلا من هذه الوجوه، والذمة بريئة. اهـ
وأجابوا عن الجمهور بما يلي:
1) قراءة ابن عباس رضي الله عنهما: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطَوَّقُونَه} شاذَّة
(1)
، خلاف القراءة المتواترة.
قال ابن عبد البر رحمه الله: قوله تعالى: {يُطِيقُونَهُ} هو الثابت بين لَوْحي المصحف المجمع عليه، وهي القراءة الصحيحة التي يقطع بصحتها ويقطع الفرد بمجيئها. اهـ
وقولهم: إن قوله تعالى {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ} ، معناها:(يطيقونه بمشقة)، لا يستقيم مع ما تقدم في حديث سلمة بن الأكوع رضي الله عنه في "الصحيحين"؛ فإن ظاهره العموم في إباحة الفطر على من وجد المشقة أو لم يجدها، وأيضًا فإن محل النزاع في العاجز الذي لا يطيق الصيام؛ ولذلك فقد رجح ابن المنذر أن الآية منسوخة، وأنها لم تتناول الشيخ الكبير العاجز.
قال رحمه الله: لو كانت في الشيخ الكبير الذي لا يطيق الصيام لم يناسب أن يقال له: {وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ} [البقرة:184].انتهى من "الفتح".
2) وأما وجه الدلالة التي ذكرها ابن عثيمين رحمه الله، ففيه إشكال من حيث إن الله عز وجل أوجب على المطيق الفدية أو الصوم، وَفُهِمَ من الآية أن الذي لا يطيقه ليس عليه فدية ولا صوم، ويؤيده قوله تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا
(1)
وقد تكلم عليها جماعة منهم: الطبري وأبو عبيد وابن العربي وابن الجوزي وابن التركماني وابن حزم والجصَّاص في "أحكام القرآن" وغيرهم.