المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌(34) باب الصائم يبلع الريق - بذل المجهود في حل سنن أبي داود - جـ ٨

[خليل أحمد السهارنفوري]

فهرس الكتاب

- ‌(26) بَابٌ في الاكْفَاءِ

- ‌(27) بَابٌ: في تَزْوِيجِ مَنْ لَمْ يُولَدْ

- ‌(28) بَابُ الصَّدَاقِ

- ‌(29) بَابُ قِلَّةِ الْمَهْرِ

- ‌(30) بَابٌ: في التَّزْوِيجِ عَلَى الْعَمَلِ يُعْمَلُ

- ‌(31) بابٌ: فِيمَنْ تَزَوَّجَ وَلَمْ يُسَمِّ صَدَاقًا حَتَّى مَاتَ

- ‌(32) بَابٌ: في خُطْبَةِ النِّكَاحِ

- ‌(33) بابٌ: فِى تَزْوِيجِ الصِّغَارِ

- ‌(34) بابٌ: فِى الْمَقَامِ عِنْدَ الْبِكْرِ

- ‌(35) بَابٌ: في الرَّجُلِ يَدْخُلُ بِامْرَأَتِهِ قَبْلَ أَنْ يَنْقُدَهَا

- ‌(36) بَابٌ: في مَا يُقَالُ لِلْمُتَزَوِّج

- ‌(37) بَابُ الرَّجُلِ يَتَزَوَّجُ الْمَرْأَة فيَجِدُهَا حُبْلَى

- ‌(38) بَابٌ: في الْقَسْمِ بَيْنَ النِّسَاءِ

- ‌(39) (بَابٌ: في الرَّجُلِ يَشْتَرِطُ لَهَا دَارَهَا)

- ‌(40) بَابٌ: في حَقِّ الزَّوْجِ عَلَى الْمَرْأَةِ

- ‌(41) بَابٌ: في حَقِّ الْمَرْأَةِ عَلَى زَوْجِهَا

- ‌(42) بَابٌ: في ضَرْبِ النِّسَاءِ

- ‌(43) بَابُ مَا يُؤْمَرُ بِهِ مِنْ غَضِّ الْبَصَرِ

- ‌(44) بَابٌ: في وَطْءِ السَّبَايَا

- ‌(45) بَابٌ: في جَامِعِ النِّكَاح

- ‌(46) بَابٌ: في إِتْيَانِ الْحَائِضِ وَمُبَاشَرَتِهَا

- ‌(47) بَابٌ: في كفَّارَةِ مَنْ أَتَى حَائِضًا

- ‌(48) بَابُ مَا جَاءَ فِي الْعَزْلِ

- ‌(49) بَابُ مَا يُكْرَهُ مِنْ ذِكْرِ الرَّجُل مَا يَكُونُ مِنْ إِصَابَتِهِ أَهْلَهُ

- ‌(7) أَوَّلُ كِتاَبِ الطَّلَاق

- ‌(1) بَابٌ: فِيمَنْ خَبَّبَ امْرَأَةً عَلَى زَوْجِهَا

- ‌(2) بَابٌ: في الْمَرْأَةِ تَسْاَلُ زَوْجَهَا طَلَاقَ امْرَأَةٍ لَهُ

- ‌(3) بَابٌ: في كَرَاهِيَّةِ الطَّلَاقِ

- ‌(4) بَابٌ: في طَلَاقِ السُّنَّةِ

- ‌(5) بَابٌ: في نَسْخِ الْمُرَاجَعَةِ بَعْدَ التَّطْلِيقَاتِ الثَّلاثِ

- ‌(6) بَابٌ: في سُنَّةِ طَلَاقِ الْعَبْدِ

- ‌(7) بَابٌ: في الطَّلَاقِ قَبْلَ النِّكَاحِ

- ‌(8) بَابٌ: في الطَّلَاقِ عَلَى غَلَطٍ

- ‌(9) بَابٌ: في الطَّلَاقِ عَلَى الْهَزْلِ

- ‌(10) بَابُ بَقِيَّة نَسْخِ الْمُرَاجَعَة بَعْدَ التَّطْلِيقَاتِ الثَّلَاثِ

- ‌(11) بَابٌ: فِيمَا عُنِيَ بِهِ الطَّلَاقُ، وَالنِّيَّاتُ

- ‌(12) بَابٌ: في الْخَيَارِ

- ‌(13) بَابٌ: في "أَمْرُكِ بِيَدِكِ

- ‌(14) بَابٌ: في الْبَتَّةِ

- ‌(15) بَابٌ: في الْوَسْوَسَةِ بِالطَّلَاقِ

- ‌(16) بَابٌ: في الرَّجُلِ يَقُولُ لاِمْرَأَتِهِ: "يَا أُخْتِي

- ‌(17) بَابٌ: في الظِّهَارِ

- ‌(18) بَابٌ: في الْخُلْعِ

- ‌(19) بَابٌ: في الْمَمْلُوكَةِ تُعْتَقُ وَهِيَ تَحْتَ حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ

- ‌(20) بَابُ مَنْ قَالَ: كَانَ حُرًّا

- ‌(21) (بَابٌ: حَتَّى مَتَى يَكُونُ لَهَا الْخِيَارُ

- ‌(22) بَاب: في المَمْلُوكيْن يُعْتَقَانِ مَعًا، هَلْ تُخَيَّرُ امْرَأَتُهُ

- ‌(23) بَابٌ: إِذَا أَسْلَمَ أَحَدُ الزَّوْجَينِ

- ‌(24) بَابٌ: إِلَى مَتَى تُرَدُّ عَلَيْهِ امْرَأَتُهُ إِذَا أَسْلَمَ بَعْدَهَا

- ‌(25) بَابٌ: في مَنْ أَسْلَمَ وَعِنْدَهُ نِسَاءٌ أَكثَرُ مِنْ أَرْبَعٍ

- ‌(27) بَابٌ: في اللِّعَانِ

- ‌(28) بَابٌ: إِذَا شَكَّ في الْوَلَدِ

- ‌(29) بَابُ التَّغْلِيظِ في الانْتِفَاءِ

- ‌(30) بَابٌ: في ادِّعَاءِ وَلَدِ الزِّنَا

- ‌(31) بَابٌ: في الْقَافَةِ

- ‌(32) بَابُ مَنْ قَالَ بِالْقُرْعَةِ إِذَا تَنَازَعُوا في الْوَلَدِ

- ‌(33) بَابٌ: في وُجُوهِ النِّكَاحِ الَّتِي كَانَ يَتَنَاكَحُ بِهَا أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ

- ‌(34) بَابٌ "الْوَلَدُ لِلفِرَاش

- ‌(35) بَابُ مَنْ أَحَقُّ بِالْوَلَدِ

- ‌(36) بَابٌ: في عِدَّةِ الْمُطَلَّقَةِ

- ‌(37) بَابٌ: في نَسْخِ مَا اسْتُثْنِي بِهِ مِنْ عِدَّةِ الْمُطَلَّقَاتِ

- ‌(38) بَابٌ: في الْمُرَاجَعَةِ

- ‌(39) بَابٌ: في نَفَقَةِ الْمَبْتُوتَةِ

- ‌(40) بَابُ مَنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَى فَاطِمَة

- ‌(41) بَابٌ: في الْمَبْتُوتَة تَخْرُجُ بِالنَّهارِ

- ‌(42) (بَابُ نَسْخِ مَتَاعِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا بِمَا فُرِضَ لَهَا مِنَ الْمِيرَاثِ)

- ‌(43) بَابُ إِحْدَادِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا

- ‌(44) بَابٌ: في الْمُتَوَفَّى عَنْهَا تَنْتقِل

- ‌(45) بَابُ مَنْ رَأَى التَّحَوُّلَ

- ‌(46) بَابٌ: فِيمَا تَجْتَنِبُ الْمُعْتَدَّة في عِدَّتِهَا

- ‌(47) بَابٌ: في عِدَّةِ الْحَامِلِ

- ‌(48) بَابٌ: في عِدَّةِ أُمِّ الْوَلَدِ

- ‌(49) بَابُ الْمَبْتُوتَةِ لَا يَرْجِع إِلَيْهَا زَوْجُهَا حَتَّى تَنْكِحَ غَيْرَهُ

- ‌(50) بَابٌ: في تَعْظِيمِ الزِّنا

- ‌(8) أَوَّلُ كتَابِ الصِّيَامِ

- ‌(1) مَبْدَأُ فَرْضِ الصِّيَامِ

- ‌(2) بَابُ نَسْخِ قَوْله تَعَالَى: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ}

- ‌(3) بَابُ مَنْ قَالَ: هِيَ مُثْبَتَةٌ للشَّيْخِ وَالْحُبْلَى

- ‌(4) بَابُ الشَّهْرِ يَكُونُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ

- ‌(5) بَابٌ: إِذَا أَخْطَأَ القَوْمُ الْهِلَال

- ‌(6) بَاب: إِذَا أُغْمِيَ الشَّهْرُ

- ‌(7) (بَابُ مَنْ قَالَ: فَإنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَصُومُوا ثَلَاثينَ)

- ‌(8) بَابٌ: في التَّقَدُّم

- ‌(9) بَابٌ: إِذا رُؤي الْهِلَالُ في بَلَدٍ قَبْلَ الآخَرِينَ بِلَيْلَةٍ

- ‌(10) (بَابٌ كَرَاهِيَّةِ صَوْمِ يَوْمِ الشَّكِّ)

- ‌(11) بَابٌ: فِيمَنْ يَصِلُ شَعْبَانَ بِرَمَضَانَ

- ‌(12) بَابٌ: في كَرَاهِيَّةِ ذَلِكَ

- ‌(13) بَابُ شَهَادَةِ رَجُلَيْنِ عَلَى رُؤْيَةِ هِلَالِ شَوَّال

- ‌(15) بَابٌ فِى تَوْكِيدِ السُّحُورِ

- ‌(16) (بَابٌ مَنْ سَمَّى السَّحُورَ غَدَاءً)

- ‌(17) بَابُ وَقْتِ السَّحُورِ

- ‌(19) (بَابُ وَقْتِ فِطْرِ الصَّائِمِ)

- ‌(20) بَابُ مَا يُسْتَحَبُّ مِنْ تَعْجِيلِ الفِطْرِ

- ‌(21) بَابٌ مَا يُفْطَرُ عَلَيْهِ

- ‌(22) (بَابُ الْقَوْلِ عِنْدَ الإفْطَارِ)

- ‌(23) (الفِطْر قَبْلَ غُرُوبِ الشَمْسِ)

- ‌(24) (فِي الْوِصَالِ)

- ‌(26) بابُ السِّوَاكِ لِلصَّائِمِ

- ‌(27) بَابُ الصَّائِمِ يَصُبُّ عَلَيْهِ الْمَاء مِنَ الْعَطَشِ وَيُبَالِغُ في الاسْتِنْشَاقِ

- ‌(28) (في الصائِمِ يَحْتَجِمُ)

- ‌(29) (في الرُّخْصَةِ)

- ‌(31) بَابٌ: في الكُحْلِ عِنْدَ النَّوْمِ

- ‌(32) (بَابُ الصَّائِمِ يَسْتَقِيءُ عَامِدًا)

- ‌(33) بَابُ الْقُبْلَةِ لِلصَّائِمِ

- ‌(34) بَابُ الصَّائِمُ يَبْلَعُ الرِّيقَ

- ‌(38) بَابُ التَّغْلِيظِ فِيمَنْ أَفْطَرَ عَمْدًا

- ‌(39) بَابُ مَنْ أَكَلَ نَاسِيًا

- ‌(40) بَابُ تَأْخِيرِ قَضَاءِ رَمَضَان

- ‌(41) بَابٌ: فِيمَنْ مَاتَ وَعَلِيهِ صِيَامٌ

- ‌(42) بَابُ الصَّوْمِ في السَّفَرِ

- ‌(43) بَابُ اخْتِيَارِ الْفِطْرِ

- ‌(44) بَابٌ: فِيمَنْ اخْتَارَ الصِّيَامَ

- ‌(45) بَابٌ: مَتَى يُفْطِر الْمُسَافِر إِذَا خَرَجَ

- ‌(46) (بَابُ مَسِيرَةِ مَا يُفْطِرُ فِيهِ)

- ‌(47) بَابٌ: فِيمَنْ يَقُولُ: صُمْتُ رَمَضَان كلَّهُ

- ‌(48) (بَابٌ: في صَوْمِ العِيدَيْنِ)

- ‌(49) بَابُ صِيَامِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ

- ‌(50) بَابُ النَّهْي أَنْ يُخَصَّ يَوْمُ الْجُمُعَةِ بِصَوْمٍ

- ‌(51) (بَابُ النَّهْي أَنْ يُخَصّ يَوْمُ السَّبْتِ بِصَوْمٍ)

- ‌(52) الرُّخْصَةُ في ذَلِكَ

- ‌(53) بَابٌ: في صَوْمِ الدَّهْرِ

- ‌(54) بَابٌ: في صَوْمِ أَشْهُرِ الْحُرُمِ

- ‌(55) بَابٌ: في صَوْمِ الْمُحَرَّمِ

- ‌(56) (بَابٌ: في صَوْمِ شَعْبَانَ)

- ‌(57) بَابٌ: في صَوْمِ سِتَّةِ أَيَّامٍ مِنْ شَوَّال

- ‌(58) بَابٌ: كَيْفَ كَانَ يَصُومُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم

- ‌(59) بَابٌ: في صَوْمِ الاثْنينِ وَالْخَمِيس

- ‌(60) بَابٌ: في صَوْمِ الْعَشْرِ

- ‌(61) (في فِطْرِهِ)

- ‌(62) (في صَوْمِ عَرَفَةَ بِعَرَفَةَ)

- ‌(63) بَابٌ: في صَوْمِ يَوْم عَاشُورَاء

- ‌(64) (مَا رُوِيَ أَنَّ عَاشُورَاءَ اليَوْمُ التَّاسِعُ)

- ‌(65) بَابٌ: في فَضْلِ صَوْمِهِ

- ‌(66) (في صَوْمِ يَوْمٍ وَفِطْرِ يَوْمٍ)

- ‌(67) (بَابٌ: في صَوْمِ الثَّلاثِ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ)

- ‌(68) بَابُ مَنْ قَالَ: الاثْنين وَالْخَمِيس

- ‌(69) بَابُ مَنْ قَالَ: لَا يُبَالِي مِنْ أَيّ الشَّهْرِ

- ‌(70) بَابٌ: في النِّيَّةِ في الصَّوْمِ

- ‌(71) بَابٌ: في الرُّخْصَةِ فِيهِ

- ‌(72) بَابُ مَنْ رَأَى عَلَيْهِ الْقَضَاء

- ‌(73) بَابُ الْمَرْأَةِ تَصُومُ بِغَيْرِ إِذْنِ زَوْجِهَا

- ‌(74) في الصَّائِمِ يُدْعَى إِلَى وَليمَةٍ

- ‌(75) الاعْتِكَافِ

- ‌(76) بَاب: أَيْنَ يَكُونُ الاعْتِكَاف

- ‌(77) الْمُعْتَكِفُ يَدْخُلُ البَيْتَ لِحَاجَتِهِ

- ‌(78) الْمُعْتَكِفُ يَعُودُ الْمَرِيضَ

- ‌(79) بَابٌ: فِي الْمُسْتَحَاضَةِ تَعْتَكِفُ

الفصل: ‌(34) باب الصائم يبلع الريق

(34) بَابُ الصَّائِمُ يَبْلَعُ الرِّيقَ

(1)

2386 -

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى، نَا مُحَمَّدُ بْنُ دِينَارٍ، نَا سَعْدُ بْنُ أَوْسٍ الْعَبْدِىُّ، عَنْ مِصْدَعٍ أَبِى يَحْيَى، عَنْ عَائِشَةَ:"أَنَّ النَّبِىَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يُقَبِّلُهَا وَهُوَ صَائِمٌ وَيَمُصُّ لِسَانَهَا"(2). [حم 6/ 123، خزيمة 2003]

===

(34)

(بَابُ الصَّائِمِ يَبْلَعُ الرِّيقَ)

2386 -

(حدثنا محمد بن عيسى، نا محمد بن دينار) الأزدي ثم الطاحي بمهملتين، هذه النسبة إلى بني طاحية، وهي محلة بالبصرة، أبو بكر بن أبي الفرات البصري، عن ابن معين: ليس به بأس، وعنه: ضعيف، وقال أبو حاتم: لا بأس به، وقال: أبو داود: تَغَيَّرَ قبل أن يموت، وقال النسائي: ليس به بأس، وقال في موضع آخر: ضعيف، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال ابن عدي: هو مع هذا كله حسن الحديث، وقال البرقاني عن الدارقطني: ضعيف، وقال مرة: متروك، وقال العقيلي: في حديثه وهن، وقال العجلي: لا بأس به، وقال النسائي في حديث عائشة:"كان يقبلها ويمص لسانها": هذه اللفظة لا توجد إلَّا في رواية محمد بن دينار.

(نا سعد بن أوس العبدي) قال في "التقريب": أو العدوي، صدوق، له أغاليط، (عن مصدع أبي يحيى، عن عائشة: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبلها وهو صائم ويَمَصُّ)(3) أي: يرشف (لسانها).

(1) في نسخة: "ريقه".

(2)

زاد في نسخة: "قال ابن الأعرابي: بلغني عن أبي داود أنه قال: هذا الإسناد ليس بصحيح"، [انظر:"تحفة الأشراف"(11/ 748) رقم (17663)].

(3)

وبسط العيني (8/ 87) الكلام على ضعف هذا اللفظ، ثم قال: وعلى تقدير صحته يجوز أن يكون التقبيل في وقت، والمصُّ في وقت آخر، ويجوز أن يمَصَّه ولا يبتلعه

إلخ، وحمل صاحب "شرح الإقناع"(1/ 484) ذلك على الخصوصية، وقال صاحب "شرح المنهاج": واقعة حال، لها احتمالات. (ش).

ص: 541

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

===

قال القاري (1): قال ميرك: اعلم أن في إسناد هذا الحديث محمد بن دينار، قال ابن معين: ضعيف، وقال مرة: ليس به بأس، ولم يكن له كتاب، وقال غيره: ضعيف، وفي إسناده أيضًا سعد بن أوس، قال ابن معين: بصري ضعيف، فإن قيل: إن ابتلاع ريق الغير يفطر إجماعًا، وأجيب على تقدير صحة الحديث أنه واقعة حال فعلية محتملة أنه عليه الصلاة والسلام كان يبصقه ولا يبتلعه، وكان يمصه ويلقي جميع ما في فمه في فمها، والواقعة الفعلية إذا احتملت لا دليل فيها، انتهى. ولا يخفى أن الوجه الثاني مع بُعده إنما يتصور فيما إذا كانت غير صائمة.

ونقل في الحاشية عن "فتح الودود": إن صح يحمل على غير حالة الصوم، أو على أنه يخرج ذلك الريق.

وكتب مولانا محمد يحيى من تقرير شيخه رحمه الله: قوله: "يمص لسانها"، ليس فيه حجة لمن لم يذهب إلى فساد الصوم بابتلاع ريق الحبيب والحبيبة، إذ لا تصريح فيه بفعله هذا في الصوم، ولو سلِّم كونه في الصوم، فلا يلزم بلوغه قدرًا يتحقق فيه الابتلاع، ولو سلِّم فليس فيه نص بأنه كان يبتلعه، بل المقصود منه بيان ما لعائشة من الوقوع في قلبه صلى الله عليه وسلم، ذكره استطرادًا بذكر تقبيله إياها في الصوم، فإن تقبيله إياها وهما صائمان كما يدل على محبته لها، فكذلك مص لسانها، وإن كان الأخير حالة الإفطار لا الصوم، والمذهب عندنا وجوب الكفارة إذا ابتلع ريق حبيب أو حبيبة لما أنه مرغوب فيه طبعًا، ولا شيء إذا بلع ريق نفسه، والقضاء دون الكفارة إن بلع ريق غيرهما أو نخامته.

(1)"مرقاة المفاتيح"(4/ 500).

ص: 542

(35)

كَرَاهِيَّتُهُ (1) لِلشَّاب

2387 -

حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِىٍّ، أَنَا أَبُو أَحْمَدَ - يَعْنِى الزُّبَيْرِىَّ -، أَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِى الْعَنْبَسِ، عَنِ الأَغَرِّ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ:"أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِىَّ صلى الله عليه وسلم عَنِ الْمُبَاشَرَةِ لِلصَّائِمِ، فَرَخَّصَ لَهُ، وَأَتَاهُ آخَرُ (2) فَنَهَاهُ، فَإِذَا الَّذِى رَخَّصَ لَهُ شَيْخٌ، وَالَّذِى نَهَاهُ شَابٌّ". [حم 2/ 185 - 229]

===

(35)

(كَرَاهِيتُه)، أي: التقبيل والمباشرة (لِلشَّابِ)(3)

2387 -

(حدثنا نصر بن علي، نا أبو أحمد -يعني الزبيري-، أنا إسرائيل، عن أبي العنبس) العدوي الكوفي، اسمه الحارث بن عبيد بن كعب، من بني عدي، ذكره ابن حبان في "الثقات"، (عن الأغر) أبي مسلم، (عن أبي هريرة: أن رجلًا) لم أقف على تسميته (سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن المباشرة للصائم)، قيل: هي مس الزوج المرأة فيما دون الفرج، وقيل: هي القبلة واللمس باليد (فرخص له، وأتاه آخر) فسأله- كما في نسخة- عن المباشرة (فنهاه)، قال أبو هريرة: فتأملنا حالهما (فإذا الذي رخص له) في المباشرة (شيخ، والذي نهاه) أي عنها (شاب).

فيه إشارة إلى أنه صلى الله عليه وسلم أجابهما بمقتضى الحكمة، إذ الغالب على الشيخ سكون الشهوة وأمن الفتنة، فأجاز له، بخلاف الشاب فنهاه اهتمامًا له، واختلف في أن هذا النهي للتنزيه أو للتحريم، "علي القاري"(4).

(1) في نسخة: "من كره".

(2)

زاد في نسخة: "فسأله".

(3)

قال الحافظ (4/ 150): جاء فيه حديثان مرفوعان: أحدهما عند أبي داود من رواية أبي هريرة، والآخر عند أحمد من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، وفيهما ضعف، ثم رجح الفرق بين من يملك نفسه ومن لا يملك، انتهى. وأنت خبير بأن لا فرق بين العلتين، إذ الشيخ يملك نفسه لا سيما، وقد ورد التصريح بذلك كما روي في "المدونة"(2/ 14). (ش).

(4)

"مرقاة المفاتيح"(4/ 500).

ص: 543

(36)

(1) مَنْ أَصْبَحَ جُنُبًا في شَهْرِ رَمَضَانَ

2388 -

نَا الْقَعْنَبِيُّ، عن مَالِكٍ. (ح): وَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاق الأَذْرَمِيُّ، نَا عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ مَهْدِيٍّ (2)، عن مَالِكٍ، عن عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ سَعِيدٍ، عن أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَام، عن عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَة زَوْجَي النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُمَا قَالَتَا: كَانَ رَسُول اللهِ (3) صلى الله عليه وسلم يُصْبِحُ جُنُبًا

===

كتب مولانا محمد يحيى المرحوم من تقرير شيخه: قوله: "والذي نهاه شاب"، فعلم أن القبلة نفسها غير مكروهة، وإنما الكراهة لأجل إفضائها إلى الحرام، وكذلك كثير من المباحات ينهى عنه لأجل كونه سببًا لحرام، ومن ذلك تنشأ قاعدة:"المفضي إلى الحرام حرام".

(36)

(مَنْ أَصْبَحَ (4) جُنُبًا في شَهْرِ رَمَضَانَ)

هل يسلم له صومه؟

2388 -

(حدثنا القعنبي، عن مالك، ح: ونا عبد الله بن محمد بن إسحاق الأذرمي) بفتح الهمزة وسكون المعجمة وفتح الراء، وفي "لب اللباب": أنه نسبة إلى أذرمة قرية بنصيبين، (نا عبد الرحمن بن مهدي) كلاهما أي القعنبي وابن مهدي رويا (عن مالك، عن عبد ربه بن سعيد، عن أبي بكر (5) بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، عن عائشة وأم سلمة زوجي النبي صلى الله عليه وسلم أنهما قالتا: كان رسول الله منهم يصبح جنبًا) أي يدخل في الصباح في حالة الجنابة.

(1) زاد في نسخة: "باب".

(2)

زاد في نسخة: "جميعًا".

(3)

في نسخة: "النبي".

(4)

فيه سبعة مذاهب ثم صار إجماعًا، كذا في "الأوجز"(5/ 63، 64). (ش).

(5)

اختلف في هذا الحديث على أبي بكر اختلافًا جدًا شديدًا، ذكره العيني (8/ 78). (ش).

ص: 544

- قَالَ عَبْدُ اللهِ الأَذْرَمِيُّ في حَدِيثِهِ: في رَمَضَانَ- مِنْ جِمَاعٍ غَيْرِ احْتِلَامٍ، ثُمّ يَصُومُ. [خ 1925، م 1109، السنن الكبرى للنسائي 2975، حم 6/ 36]

===

(قال عبد الله الأذرمي في حديثه: في رمضان) أي زاد عبد الله الأذرمي في حديثه لفظ "في رمضان" فقط، ثم اتفقا في قوله:(من جماع غير احتلام، ثم يصوم).

فالاختلاف الواقع في حديث القعنبي وفي حديث الأذرمي في ذكر لفظ: "في رمضان" فقط، وفي عدم ذكره، فإن الأذرمي زاد هذا اللفظ في حديثه ولم يذكره القعنبي، وأشار مسلم بن الحجاج في "صحيحه"(1) إلى هذا، فقال: قلت لعبد الملك: أقالتا في رمضان؟ قال: كذلك، [كان] يصبح جنبًا من غير حلم.

قلت: وأصل القصة في ذلك أن أبا هريرة (2) رضي الله عنه كان يقول: من أصبح جنبًا ويريد الصوم ليس له صوم بل يفطر، أخرج الطحاوي (3): حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا حماد، قال: ثنا عبد الله بن عون، عن رجاء بن حيوة، عن يعلي بن عقبة قال: أصبحت جنبًا وأنا أريد الصوم، فأتيت أبا هريرة فسألته فقال لي: أفطر.

وأخرج البخاري (4) تعليقًا: قال همام وابن عبد الله بن عمر، عن أبي هريرة:

(1)"شرح صحيح مسلم"(1109).

(2)

وأجاب الأبي في "شرح مسلم"(3/ 239) عن حديث أبي هريرة بأن المراد من الجنب المجامع، أو الحكم لبيان الأولى، وكان فعله عليه السلام لبيان الجواز، فكان أولى في حقه عليه السلام خاصة، وقيل: كان في أول الأمر حين كان الجماع محرمًا بعد النوم، ثم نسخ ولم يعلم أبو هريرة بالناسخ، قال ابن المنذر: هو أحسن ما سمعت، انتهى، وقرره الحافظ، وأورد على الجوابين الأولين، وأجيب بأجوبة أخر في "الأوجز"(5/ 80). (ش).

(3)

"شرح معاني الآثار"(2/ 103).

(4)

"صحيح البخاري"، 30 - كتاب الصوم، 22 - باب الصائم يصبح جنبًا.

ص: 545

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

===

كان النبي صلى الله عليه وسلم يأمر (1) بالفطر، فذكر قول أبي هريرة هذا عند مروان وهو أمير المدينة، فأرسل مروان عبد الرحمن بن الحارث إلى عائشة وأم سلمة، فذهب إليهما ومعه ابنه أبو بكر، فسألهما عن المسألة، فأجابتا بالاتفاق: أن الجنابة في الصبح غير مفطر، لأنه كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصبح جنبًا من جماع غير احتلام، ثم يصوم ذلك اليوم، فرجع إلى مروان فأخبره بذلك، ثم أرسله مروان إلى أبي هريرة، فأخبره بذلك، فرجع أبو هريرة عن قوله.

قال الحافظ (2): قال القرطبي: في هذا فائدتان، إحداهما: أنه كان يجامع في رمضان، ويؤخر الغسل إلى بعد طلوع الفجر بيانًا للجواز، والثاني: أن ذلك كان من جماع لا من احتلام، لأنه كان لا يحتلم (3)، إذ الاحتلام من الشيطان، وهو معصوم منه.

وقال غيره: في قولها: "من غير احتلام"، إشارة إلى جواز الاحتلام عليه، وإلَّا لما كان للاستثناء معنى، ورُدَّ بأن الاحتلام من الشيطان، وهو معصوم منه، وأجيب (4) بأن الاحتلام يطلق على الإنزال، وقد يقع (5) الإنزال بغير روية شيء في المنام، وأرادت بالتقييد بالجماع المبالغة في الرد على من زعم أن فاعل ذلك عمدًا يفطر، وإذا كان الفاعل عمدًا لا يفطر، فالذي ينسى الاغتسال، أو ينام عنه أولى بذلك.

(1) ولفظ النسائي على ما ذكر الأبي: "أمرنا بالفطر"، ومع ذلك فالحديث مرسل، لأنه لم يسمعه عنه صلى الله عليه وسلم، كما صرح في روايات مسلم وغيره، فهو نص في أن صيغة المتكلم في الروايات، كما في قصة السهو ليس بنص في الحضور. (ش).

(2)

"فتح الباري"(4/ 144).

(3)

وأجيب في "التقرير": المعتمد أنهم معصومون عن رؤية شيء في المنام، لا خروج المني لامتلاء الظرف، انتهى. (ش).

(4)

وبه جزم في "تحفة المحتاج"(1/ 350). (ش).

(5)

وقال العيني (11/ 41): جاء في الحديث امتناع الاحتلام على الأنبياء، انتهى. وذكره السيوطي في "الخصائص الكبرى"(1/ 70)، وقال النووي في "تهذيب الأسماء" (1/ 42): اختلفوا في جوازه، والأشهر امتناعه، انتهى. (ش).

ص: 546

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

===

قال ابن دقيق العيد: لما كان الاحتلام يأتي للمرء على غير اختياره، فقد يتمسك به من يرخص لغير المتعمد الجماع، فبين في هذا الحديث أن ذلك كان من جماع لإزالة هذا الاحتمال.

قلت: وهذا المذهب هو الذي أجمع عليه الأئمة وارتضاه الجمهور، وقد بقي على العمل بحديث أبي هريرة بعض التابعين، كما نقله الترمذي، ويقوي قول الجمهور أن قوله تعالى:{أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ} (1)، يقتضي إباحة الوطء في ليلة الصوم، ومن جملتها الوقت المقارن لطلوع الفجر فيباح الجماع فيه. ومن ضرورته أن يصبح فاعل ذلك جنبًا، ويؤيد دعوى النسخ رجوع أبي هريرة عن الفتوى بذلك، كما في رواية البخاري:"أنه لما أخبر بما قالت أم سلمة وعائشة فقال: هما أعلم برسول الله صلى الله عليه وسلم"، وفي رواية ابن جريج:"رجع أبو هريرة عما كان يقول في ذلك".

وكتب في الحاشية بطريق النسخة: قال أبو داود: وما أقل من يقول هذه الكلمة، يعني يصبح جنبًا في رمضان، أي لفظ "في رمضان" فقط، وإنما الحديث "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصبح جنبًا وهو صائم".

حاصل هذا الكلام أن رواة هذا الحديث لم يذكروا في حديثهم لفظ: "في رمضان" إلَّا القليل منهم.

قلت: وقد ذكر الأذرمي في حديثه هذا اللفظ، كما أخرجه أبو داود، وقد أخرج مسلم (2) هذا الحديث من طريق يونس عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير وأبي بكر بن عبد الرحمن، عن عائشة، وفيه:"قد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدركه الفجر في رمضان وهو جنب" الحديث، وأخرج أيضًا من طريق مالك عن عبد ربه بن سعيد، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام،

(1) سورة البقرة: الآية 187.

(2)

"صحيح مسلم"(1109).

ص: 547

2389 -

حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ - يَعْنِى الْقَعْنَبِىَّ -، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَعْمَرٍ الأَنْصَارِىِّ، عَنْ أَبِى يُونُسَ مَوْلَى عَائِشَةَ رضي الله عنها، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم، أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ وَاقِفٌ عَلَى الْبَابِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّى أُصْبِحُ جُنُبًا وَأَنَا أُرِيدُ الصِّيَامَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم "وَأَنَا أُصْبِحُ جُنُبًا وَأَنَا أُرِيدُ الصِّيَامَ، فَأَغْتَسِلُ وَأَصُومُ".

فَقَالَ الرَّجُلُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّكَ لَسْتَ مِثْلَنَا، قَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ، فَغَضِبَ

===

عن عائشة وأم سلمة، ولفظه:"إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصبح جنبًا من جماع غير احتلام في رمضان ثم يصوم".

2389 -

(حدثنا عبد الله بن مسلمة -يعني القعنبي-، عن مالك، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن معمر) بن حزم (الأنصاري)، قال البخاري: أبو طوالة بضم الطاء وفتح الواو، المدني، كان قاضي المدينة، ثقة. وقال الدقاق: لا يعرف في المحدثين من يكنى أبا طوالة سواه.

(عن أبي يونس مولى عائشة رضي الله عنها، عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، أن رجلًا) لم أقف على تسميته (قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو) أي الرجل (1)(واقف على الباب: يا رسول الله، إني أصبح جنبًا وأنا أريد الصيام) فهل أصوم ذلك اليوم؟ (فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وأنا أصبح جنبًا، وأنا أريد الصيام، فأغتسل وأصوم، فقال الرجل: يا رسول الله إنك لست مثلنا، قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر) فتفعل ما تشاء لا مؤاخذة عليك (فغضب (2)

(1) وكتب مولانا أسعد الله: الظاهر بدله: أي رسول الله صلى الله عليه وسلم. (ش).

(2)

وجه الغضب أن جوابه صلى الله عليه وسلم في سؤاله نص على عدم الاختصاص، فسؤال الرجل بعد ذلك كأنه موهم، لأن فعله مما لا يتبع، وأيضًا: أنه عليه السلام يحتمل أن يرتكب المحظور للمغفرة، كذا في "الأوجز" (5/ 68). وفي "التقرير": وجه الغضب ما يتوهم من كلامه قياسه على ملوك الدنيا أن التقرب يكون سببًا للجراءة، وليس كذلك عنده تعالى، انتهى. وأجاد الكلام، ولله دره. (ش).

ص: 548

رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَقَالَ: "وَاللَّهِ إِنِّي لأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَخْشَاكُمْ للهِ وَأَعْلَمَكُم بِمَا أَتَّبعُ". [م 1110، ط 1/ 289/ 9، خزيمة 2014، حم 6/ 67]

(37)

بَابُ كَفَّارَة مَنْ أَتَى أَهْلَه في (1) رَمَضَانَ

2390 -

حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ وَمُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى، الْمَعْنَى، قَالَا، نَا سُفْيَانُ، قَالَ مُسَدَّدٌ: قَالَ: نَا الزُّهْرِيُّ، عن حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: أَتَى رَجُلٌ

===

رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: والله إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله وأعلمكم بما أتبع) بصيغة المتكلم، أي: بما أعمل من وظائف العبودية.

نقل في الحاشية عن "الفتح": قوله: "لأرجو"، ولعل استعماله الرجاء من جملة الخشية، وإلَّا فكونه أخشى وأعلم متحقق قطعًا، وهذا الحديث يدل على أن الجنابة في فجر الصيام لا يضر الصوم لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا في حق أمته.

(37)

(بَابُ كفَّارَةِ مَنْ أَتَى أَهْلَه) أي متعمدًا (2)(في رَمَضَانَ) أي صومه

2390 -

(حدثنا مسدد ومحمد بن عيسى المعنى) أي معنى حديثهما واحد (قالا: نا سفيان، قال مسدد: قال: نا الزهري) أي قال مسدد: قال نا سفيان، قال -أي سفيان-: حدثنا الزهري بصيغة التحديث لئلا يتوهم التدليس، أو للفرق بين لفظ مسدد ولفظ محمد بن عيسى، فلعل ابن عيسى حدث بلفظ "عن"، (عن حميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة (3) قال: أتى رجل).

(1) زاد في نسخة: "صوم".

(2)

ظاهر تبويب المصنف اختصاص الكفارة بالجماع، كما قال به الشافعي وأحمد. (ش).

(3)

اختلفت الرواة في هذا الحديث في عدة مواضع، ذكرها الحافظ في "الفتح"(4/ 164). (ش).

ص: 549

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

===

قال الحافظ (1): قيل هو سلمة بن صخر البياضي (2)، ولا يصح ذلك كما سيأتي، ثم قال في محل آخر (3): لم أقف على تسميته إلَّا أن عبد الغني في "المبهمات"- وتبعه ابن بشكوال- جزما بأنه سلمان، أو سلمة بن صخر البياضي، واستند إلى ما أخرجه ابن أبي شيبة وغيره عن سلمة بن صخر، أنه ظاهر من امرأته في رمضان، وأنه وطئها، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم، الحديث.

والظاهر أنهما واقعتان، فإن في قصة المجامع أنه كان صائمًا، وفي قصة سلمة بن صخر أن ذلك كان ليلًا فافترقا، ولا يلزم من اجتماعهما في كونهما من بني بياضة وفي صفة الكفارة وكونها مرتبة، وفي كون كل منهما كان لا يقدر على شيء من خصالها اتحاد القصتين، وسنذكر أيضًا ما يؤيد المغايرة بينهما.

وأخرج ابن عبد البر في ترجمة عطاء الخراساني من "التمهيد" عن سعيد بن المسيب: أن الرجل الذي وقع على امرأته في رمضان في عهد النبي صلى الله عليه وسلم هو سلمان بن صخر، قال ابن عبد البر: أظن هذا وهمًا، لأن المحفوظ أنه ظاهر من امرأته، ووقع عليها في الليل، لا أن كان ذلك منه بالنهار، انتهى.

ويحتمل أن يكون قوله في الرواية المذكورة: "وقع على امرأته في رمضان"، أي ليلًا بعد أن ظاهر، فلا يكون وهمًا، ولا يلزم الاتحاد، ووقع في مباحث العام من "شرح ابن الحاجب" ما يوهم أن هذا الرجل هو أبو بردة بن يسار، وهو وهم، يظهر من تأمل بقية كلامه.

(1)"فتح الباري"(4/ 162).

(2)

وبه جزم جماعة، وقيل: وقع الأمران له. (ش).

(3)

"فتح الباري"(4/ 164).

ص: 550

النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَقَال: هَلَكْتُ، قَالَ:"وَمَا شَأنُكَ؟ " قَال: وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي في رَمَضَانَ، قَالَ:"فَهَلْ تَجِدُ مَا تُعْتِقُ رَقَبَةً؟ " قَالَ: لَا، قَالَ:"فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ؟ " قَالَ: لَا،

===

(النبي صلى الله عليه وسلم فقال) أي الرجل: (هلكت (1)، قال: وما شأنك؟ ) أي: حالك، لأي شيء هلكت (قال) ذلك الرجل:(وقعت على امرأتي) أي جامعتها (في رمضان) أي في نهار رمضان في حال الصوم (قال: فهل تجد ما) أي شيئًا من المال (تعتق به رقبة؟ (2) قال) الرجل: (لا، قال: فهل (3) تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ (4) قال: لا) (5)، فإنه لما لم يستطع أن يصوم شهرًا لا يستطيع أن يصوم شهرين.

قال الحافظ (6): وفي حديث سعد: "قال: لا أقدر"، وفي رواية ابن إسحاق:"وهل لقيت ما لقيت إلَّا من الصيام؟ "، قال ابن دقيق العيد: لا إشكال في الانتقال عن الصوم إلى الإطعام، لكن رواية ابن إسحاق هذه اقتضت أن عدم استطاعته لشدة شبقه وعدم صبره عن الوقاع، فنشأ للشافعية نظر،

(1) استدل به على العمد، وتجب الكفارة عند أحمد على الناسي أيضًا، خلافًا للثلاثة، كما في "الأوجز"(5/ 161)، وزيد في بعض الروايات بعدها: أهلكت، واستدل به على الكفارة على المرأة، كما قاله الثلاثة خلافًا للشافعي، كذا في "الأوجز"(5/ 152). (ش).

(2)

قال القرطبي: بالنصب على بدل ما الموصوفة، "ابن رسلان"، وبإطلاقه استدل الحنفية، وقيدها الثلاثة بالمؤمنة، كذا في "الأوجز"(5/ 141). (ش).

(3)

بالفاء، استدل الثلاثة على الترتيب خلافًا للمالكية. (ش).

(4)

وبه قال الأربعة، خلافًا لابن أبي ليلى، كذا في "الأوجز"(5/ 143). (ش).

(5)

قال الأبِّي: أحسن ما يحمل عليه الحديث عندنا أنه أباح له التأخير إلى وقت اليسر، لا أنه أسقطها عنه جملة. وقال ابن العربي (3/ 250): كانت رخصة لهذا الرجل خاصة، وأما اليوم فلا بد من الكفارة وسيأتي البسط. وهل يجب على المرأة أيضًا؟ قيل: لا، لأنه لم يذكر في الحديث، وقيل: نعم، والحديث يحتمل أن تكون مكرهة أو ناسية، انتهى. (ش).

(6)

"فتح الباري"(4/ 166).

ص: 551

قَالَ: "فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تُطْعِمَ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟ " قَالَ: لَا، قَالَ:"اجْلِسْ"(1)، فَأُتِيَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِعَرَقٍ

===

هل يكون ذلك عذرًا -أي شدة الشبق- حتى يعد صاحبه غير مستطيع للصوم أو لا؟ والصحيح عندهم اعتبار ذلك، ويلتحق به من لا يجد رقبة لا غنى به عنها، فإنه يسوغ له الانتقال إلى الصوم مع وجودها لكونه في حكم غير الواجد (2).

(قال) أي رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فهل تستطيع أن تطعم ستين مسكينًا؟ )(3) قال الحافظ (4): ذكر في حكمة هذه الخصال من المناسبة: أن من انتهك حرمة الصوم بالجماع فقد أهلك نفسه بالمعصية، فناسب أن يعتق رقبة فيفدي نفسه، وقد صح أن من أعتق رقبة أعتق الله بكل عضو منها عضوًا منه من النار، وأما الصيام فمناسبته ظاهرة، لأنه كالمقاصة بجنس الجناية، وأما كونه شهرين فلأنه لما أمر بمصابرة النفس في حفظ كل يوم من شهر رمضان على الولاء، فلما أفسد منه يومًا كان كمن أفسد الشهر كله من حيث أنه عبادة واحدة بالنوع، فكلف بشهرين مضاعفة على سبيل المقابلة لنقيض قصده، وأما الإطعام فمناسبته ظاهرة، لأنه مقابلة كل يوم بإطعام مسكين.

(قال) أي الرجل: (لا، قال) أي رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اجلس)(5) وانتظر فرج الله تعالى، (فأتي النبي صلى الله عليه وسلم بعَرَق)، هو زنبيل منسوج من نسائج الخوص

(1) زاد في نسخة: "قال".

(2)

وقال أيضًا: أما ما رواه الدارقطني أنه قال في الجواب: "إني لأدع الطعام ساعة فما أطيق ذلك"، ففي إسناده مقال، وعلى تقدير صحته فلعله اعتل بالأمرين، انظر:"فتح الباري"(4/ 166). (ش).

(3)

وفي "شرح الإقناع"(2/ 392): (فرع): وقع السؤال في الدرس عن دفع الكفارة للجن هل يجزئ ذلك أم لا؟ والجواب أن الظاهر عدم الإجزاء أخذًا من قوله صلى الله عليه وسلم: "يؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم"، إذ الظاهر فقراء بني آدم إلى آخر ما قال. (ش).

(4)

"فتح الباري"(4/ 166).

(5)

والظاهر أنه كان قائمًا، فيؤخذ منه الأدب في مخاطبة العالم، انتهى. "ابن رسلان". (ش).

ص: 552

فِيهِ تَمْرٌ، فَقَالَ:"تَصَدَّقْ بِهِ"، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، مَا بَيْنَ لابَتَيْهَا أَهْلُ بَيْتٍ أَفْقَرُ مِنَّا، قَالَ: فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حَتَّى بَدَتْ (1) ثنَايَاهُ، قَالَ:"فَأَطْعِمْهُ إِيَّاهُمْ".

وَقَالَ مُسَدَّدٌ في مَوْضِعٍ آخَرَ: "أَنْيَابُهُ". [خ 1936، م 1111، ت 724، جه 1671، حم 2/ 208]

===

(فيه تمر، فقال) أي رسول الله صلى الله عليه وسلم: (تصدق به) عن كفارة إفساد الصوم.

(فقال) أي الرجل: (يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما بين لابتيها) أي حَرَّتَي المدينة (أهل بيت أفقر) أي أحوج (منا، قال) أي أبو هريرة: (فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بدت ثناياه) وهي الأسنان المتقدمة اثنتان فوق واثنتان تحت (قال) أي رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فأطعمه) أي التمر (إياهم)(2) أي أهلك (وقال مسدد في موضع آخر: أنيابه).

واختلف العلماء (3) في من أفطر بجماع متعمدًا في رمضان، فإن الجمهور على أن الواجب عليه القضاء والكفارة، وشذَّ قومٌ فلم يوجبوا على المفطر عمدًا بالجماع إلَّا القضاء فقط، إما لأنه لم يبلغهم هذا الحديث، وإما لأنه لم يكن الأمر عزمة في هذا الحديث، لأنه لو كان عزمة لوجب إذا لم يستطع الإعتاق أو الإطعام أن يصوم، ولا بُدَّ إذا كان صحيحًا على ظاهر الحديث.

وأيضًا لو كان عزمة لأعلمه عليه الصلاة والسلام أنه إذا صح أنه يجب عليه الصيام أن لو كان مريضًا، وكذلك شذَّ قوم أيضًا، فقالوا: ليس عليه إلا الكفارة فقط، إذ ليس في الحديث ذكر القضاء، والقضاء الواجب بالكتاب إنما هو لمن أفطر ممن يجوز له الفطر، أو ممن لا يجوز له الصوم على

(1) في نسخة: "بدا".

(2)

الثلاثة على تأخير الكفارة أو الخصيصة، وقال الأوزاعي وأحمد في أصح الروايتين عنه: تسقط عن المعسر لهذا الحديث، كذا في "الأوجز"(5/ 155). (ش).

(3)

هذا البحث أكثره مأخوذ من "البداية"(1/ 302 - 307) لابن رشد و"البدائع"(2/ 254) للكاساني. (ش).

ص: 553

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

===

الاختلاف المتقدم، فأما من أفطر متعمدًا، فليس في إيجاب القضاء عليه نص.

ثم اختلفوا من ذلك في مواضع، منها: هل الإفطار متعمدًا بالأكل والشرب، حكمه حكم الإفطار بالجماع في القضاء والكفارة أم لا؟ ومنها: إذا جامع ساهيًا ماذا عليه؟ ومنها: ماذا على المرأة إذا لم تكن مكرهة؟ ومنها: هل الكفارة الواجبة فيه مترتبة أو على التخيير؟ ومنها: كم المقدار الذي يجب أن يعطى كل مسكين إذا كفر بالإطعام؟ ومنها هل الكفارة متكررة بتكرر الجماع أم لا؟ ومنها: إذا لزمه الإطعام وكان معسرًا هل يلزمه الإطعام إذا أثري أم لا؟

أما المسألة الأولى: وهي: هل تجب الكفارة بالإفطار بالأكل والشرب متعمدًا؟ فإن مالكًا وأصحابه وأبا حنيفة وأصحابه والثوري وجماعة ذهبوا إلى أن من أفطر متعمدًا بأكل أو شرب أن عليه القضاء والكفارة، وذهب الشافعي وأحمد وأهل الظاهر إلى أن الكفارة إنما تلزم في الإفطار من الجماع فقط، وجه قول الشافعي وأحمد وغيرهما أن وجوب الكفارة ثبت معدولًا به عن القياس، لأن وجوبها لدفع الذنب، والتوبة كافية لدفع الذنب، ولأن الكفارة من باب المقادير، والقياس لا يهتدي إلى تعيين المقادير، وإنما عرف وجوبها بالنص، والنص ورد في الجماع، والأكل والشرب ليسا في معناه، لأن الجماع أشد حرمة منهما، حتى يتعلق به وجوب الحد دونهما، فالنص الوارد في الجماع لا يكون واردًا في الأكل والشرب، فيقتصر على مورد النص.

واحتجَّ أبو حنيفة ومالك وغيرهما بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من أفطر في رمضان متعمدًا فعليه ما على المُظاهر"(1)، وعلى المُظاهر الكفارة بنصِّ الكتاب، فكذا على المفطر متعمدًا.

واحتجُّوا أيضًا بالاستدلال بالمواقعة والقياس عليها، أما الاستدلال بها

(1) أخرجه الدارقطني (2/ 190).

ص: 554

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

===

فهو أن الكفارة في المواقعة وجبت لكونها إفسادًا لصوم رمضان من غير عذر ولا سفر على ما نطق به الحديث، والأكل والشرب إفساد لصوم رمضان متعمدًا من غير عذر ولا سفر، فكان إيجاب الكفارة هناك إيجابًا ها هنا دلالة.

والدليل على أن الوجوب في المواقعة لما ذكرنا وجهان، أحدهما مجمل، والآخر مفسر، أما المجمل فاستدلال بحديث الأعرابي، وأما المفسر فلأن إفساد صوم رمضان ذنب، ورفع الذنب واجب عقلًا وشرعًا لكونه قبيحًا، والكفارة تصلح رافعة له، لأنها حسنة، وقد جاء الشرع بكون الحسنات ذاهبة للسيئات، إلا أن الذنوب مختلفة المقادير، وكذا الروافع لها لا يعلم مقاديرها إلَّا الشارع للأحكام، وهو الله تعالى، فمتى ورد الشرع في ذنب خاص بإيجاب رافع خاص، ووجد مثل ذلك الذنب في موضع آخر، كان ذلك إيجابًا لذلك الرافع فيه، ويكون الحكم فيه ثابتًا بالنص لا بالتعليل والقياس (1).

وقال الإمام السرخسي في "المبسوط"(2): ولنا حديث أبي هريرة: أن رجلًا قال: يا رسول الله أفطرت في رمضان فقال: "من غير مرض ولا سفر؟ "، فقال: نعم، فقال:"أعتق رقبة"، وذكر أبو داود أن الرجل قال: شربت في رمضان، وقال علي رضي الله عنه: إنما الكفارة في الأكل والشرب والجماع.

ثم نحن لا نوجب الكفارة بالقياس، وإنما نوجبها استدلالًا بالنص، لأن السائل ذكر المواقعة، وعينها ليس بجناية، بل هو فعل في محل مملوك، وإنما الجناية الفطرية، فتبين أن الموجب للكفارة فطر وهو جناية، ألا ترى أن الكفارة تضاف إلى الفطر، والواجبات تضاف إلى أسبابها؟ والدليل عليه أنه لا تجب على الناسي لانعدام الفطر، والفطر الذي هو جناية متكاملة يحصل بالأكل كما يحصل بالجماع، ولأنه آلة له، ويتعلق الحكم بالسبب لا بالآلة.

(1) ذكر صاحب "البدائع" بعد ذلك القياس، تركه الشيخ اختصارًا. (ش).

(2)

(3/ 75).

ص: 555

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

===

ثم إيجابه في الأكل أولى، لأن الكفارة وجبت زاجرة، ودعاء الطبع في وقت الصوم إلى الأكل أكثر منه إلى الجماع، والصبر عنه أشد، فإيجاب الكفارة فيه أولى، كما أن حرمة التأفيف يقتضي حرمة الشتم بطريق الأولى، ثم لأجل العبادة استوى حرمة الجماع وحرمة الأكل بخلاف حال عدم الملك، فإن حرمة الجماع أغلظ حتى تزيد حرمة الجماع على حرمة الأكل، وبخلاف الحج فإن حرمة الجماع فيه أقوى، حتى لا يرتفع بالحلق، والدليل على المساواة هنا فصل الناسي، فقد جعلنا النص الوارد في الأكل حال النسيان كالوارد في الجماع، فكذلك يجعل النص الوارد في إيجاب الكفارة بالمواقعة كالوارد في الأكل، انتهى.

ثم استدلوا بالقياس على المواقعة وهو أن الكفارة هناك وجبت للزجر عن إفساد صوم رمضان صيانة له في الوقت الشريف، لأنها تصلح زاجرة، والحاجة مست إلى الزاجر، أما الصلاحية فلأن من تأمل أنه لو أفطر يومًا من رمضان لزمه إعتاق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكينًا لامتنع منه.

وأما الحاجة إلى الزجر فلوجود الداعي الطبعي إلى الأكل والشرب والجماع، وهو شهوة الأكل والشرب والجماع، وهذا في الأكل والشرب أكثر، لأن الجوع والعطش يقلل الشهوة، فكانت الحاجة إلى الزجر عن الأكل والشرب أكثر، فكان شرع الزاجر هناك شرعًا ها هنا من طريق الأولى، وعلى هذه الطريقة يمنع عدم جواز إيجاب الكفارة بالقياس.

وأما المسألة الثانية: وهو إذا جامع ناسيًا لصومه، فإن الشافعي وأبا حنيفة يقولان: لا قضاء عليه ولا كفارة، وقال مالك: عليه القضاء دون الكفارة، وقال أحمد وأهل الظاهر: عليه القضاء والكفارة، واحتج الشافعي وأبو حنيفة بما أخرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه، فإنما

ص: 556

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

===

أطعمه الله وسقاه" (1)، ويشهد له عموم قوله عليه الصلاة والسلام: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان".

وأما المسألة الثالثة: وهو اختلافهم في وجوب الكفارة على المرأة إذا طاوعته على الجماع، فإن أبا حنيفة وأصحابه ومالكًا وأصحابه أوجبوا عليها الكفارة، وقال الشافعي وداود: لا كفارة عليها.

قلت: وللشافعي قولان (2): في قول: لا يجب عليها أصلًا، وفي قول: يجب عليها ويتحملها الرجل.

وجه قوله الأول: أن وجوب الكفارة عرف نصًا بخلاف القياس، والنص ورد في الرجل دون المرأة، وكذا ورد بالوجوب بالوطء، وأنه لا يتصور من المرأة، فإنها موطوءة، وليست بواطئة، فبقي الحكم فيها على أصل القياس.

وجه قوله الثاني: أن الكفارة إنما وجبت عليها بسبب فعل الرجل فوجب عليه التحمل كثمن ماء الاغتسال.

ولهما: أن النص وإن ورد في الرجل لكنه معلول بمعنى يوجد فيهما، وهو إفساد صوم رمضان بإفطار كامل حرام محض متعمدًا، فتجب الكفارة عليها بدلالة النص، وبه تبين أنه لا سبيل إلى التحمل؛ لأن الكفارة إنما وجبت عليها بفعلها، وهو إفساد الصوم.

ويجب مع الكفارة القضاء عند عامة العلماء.

وقال الأوزاعي: إن كفر بالصوم فلا قضاء عليه، وزعم أن الصومين يتداخلان، وهذا غير سديد، لأن صوم الشهرين يجب تكفيرًا زجرًا عن جناية الإفساد، أو رفعًا لذنب الإفساد، وصوم القضاء يجب جبرًا للفائت، فكل واحد

(1) أخرجه البخاري (1933، 6669)، ومسلم (1155).

(2)

انظر: "بدائع الصنائع"(2/ 253).

ص: 557

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

===

منهما شرع لغير ما شرع له الآخر، فلا يسقط صوم القضاء بصوم شهرين كما لا يسقط بالإعتاق، وقد روي عن أبي هريرة:"أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر الذي واقع امرأته أن يصوم يومًا".

وأمّا المسألة الرابعة: وهي هل هذه الكفارة مرتبة، ككفارة الظهار، أو على التخيير؟ والمراد بالترتيب أن لا ينتقل المكلف إلى واحد من الواجبات المخيرة إلَّا بعد العجز عن الذي قبله، وبالتخيير أن يفعل منها ما شاء ابتداء من غير عجز عن الآخر، فاختلفوا في ذلك، فقال الشافعي وأبو حنيفة والثوري وسائر الكوفيين: هي مرتبة، فالعتق أولًا، فإن لم يجد فالصيام، فإن لم يستطع فالإطعام.

وقال مالك: هي على التخيير، ولكن وقع في "المدونة": ولا يعرف مالك غير الإطعام، ولا يأخذ بعتق ولا صيام، قال ابن دقيق العيد: وهي معضلة لا يهتدى إلى توجيهها مع مصادمة الحديث الثابت، غير أن بعض المحققين من أصحابه حمل هذا اللفظ، وتأوله (1) على الاستحباب في تقديم الطعام على غيره من الخصال.

وأما المسألة الخامسة: وهو اختلافهم في مقدار الإطعام (2)، فإن مالكًا والشافعي وأصحابهما قالوا: يطعم لكل مسكين مدًا بمد النبي صلى الله عليه وسلم، وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا يجزئ أقل من مُدَّين بمُد النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك نصف صاع لكل مسكين، فالحنفية يقيسونها على صدقة الفطر بعلة أنه أوجب كفاية للمسكين في يومه.

(1) هكذا أوله الزرقاني وهو مختار الباجي. (ش)، (انظر:"شرح الزرقاني"(2/ 172) و"المنتقى"(2/ 54).

(2)

وعند أحمد مُدٌّ من بر، أو مدان من تمر، وعندنا الحنفية صاع من شعير أو تمر، أو نصف صاع من بر كما في صدقة الفطر، وعند مالك والشافعي مد من كل شيء، كذا في "الأوجز"(5/ 392).

ص: 558

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

===

وأما المسألة السادسة: وهي تكرر الكفارة بتكرر الإفطار، فإنهم أجمعوا على أن من وطئ في رمضان ثم كفَّر ثم وطئ في يوم آخر أن عليه كفارة أخرى، وأجمعوا على أنه من وطئ مرارًا في يوم واحد أنه ليس عليه إلَّا كفارة واحدة، واختلفوا فيمن وطئ في يوم من رمضان ولم يكفر حتى وطئ في يوم ثان، فقال مالك والشافعي وجماعة: عليه لكل يوم كفارة، وقال أبو حنيفة وأصحابه: عليه كفارة واحدة، ما لم يكفِّر عن الجماع الأول.

وأما المسألة السابعة: وهي هل يجب عليه الإطعام إذا أيسر، وكان معسرًا في وقت الوجوب؟ فإن الأوزاعي قال: لا شيء عليه إن كان معسرًا، وأما الشافعي فتردد في ذلك، والسبب في اختلافهم في ذلك أنه حكم مسكوت عنه، فيحتمل أن يشبه بالديون، فيعود الوجوب عليه في وقت الإثراء، ويحتمل أن يقال: لو كان ذلك واجبًا عليه لبينه له عليه الصلاة والسلام.

قال العيني في "شرح البخاري"(1): إن قلت: لم يبين في هذا الحديث مقدار ما في المكتل من التمر؟

قلت: وقع في رواية ابن أبي حفصة: "فيه خمسة عشر صاعًا"، وفي رواية مؤمل عن سفيان:"فيه خمسة عشر أو نحو ذلك"، وفي رواية مهران بن أبي عمرو عن الثوري عند ابن خزيمة:"فيه خمسة عشر أو عشرون"، وكذا هو عند مالك، وفي مرسل سعيد بن المسيب عند الدارقطني الجزم بعشرين صاعًا، ووقع في حديث عائشة عند ابن خزيمة:"فأتي بعرق فيه عشرون صاعًا".

وقال بعضهم: فيه رد على الكوفيين في قولهم: إن واجبه من القمح ثلاثون صاعًا، ومن غيره ستون صاعًا.

(1)"عمدة القاري"(8/ 17).

ص: 559

2391 -

حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِىٍّ، نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِىِّ بِهَذَا الْحَدِيثِ بِمَعْنَاهُ. زَادَ (1) الزُّهْرِىُّ: وَإِنَّمَا كَانَ هَذَا رُخْصَةً لَهُ خَاصَّةً،

===

قلت: ليت شعري كيف فيه رد على الكوفيين، وهم قد احتجُّوا بما رواه مسلم من حديث عائشة:"فجاءه عَرْقان فيهما طعام"، وقد ذكرنا فيما مضى أن [ما في] العرقين يكون ثلاثين صاعًا، فيعطى لكل مسكين نصف صاع، بل الرد على أئمتهم حيث احتجوا فيما ذهبوا إليه بالروايات المضطربة، وفي بعضها الشك.

قلت: وقال في "الجوهر النقي"(2): قال الخطابي ما ملخصه: ظاهر الحديث أن خمسة عشر صاعًا كاف لكفارة، لكل مسكين مد، وجعله الشافعي أصلًا في أكثر المواضع التي فيها الإطعام، إلا أنه روي في خبر سلمة وأوس في كفارة الظهار في أحدهما أطعم وسقًا، والوسق ستون صاعًا، وفي الآخر "أتي بعرق"، وفسره ابن إسحاق في روايته ثلاثين صاعًا، فالاحتياط أن لا يقتصر على مد، لجواز أن يكون التقدير بخمسة عشر صاعًا أمر بأن يتصدق به، وتمام الكفارة باق عليه إلى زمن السعة، كمن عليه ستون درهمًا، فيعطي صاحب الحق خمسة عشر درهمًا، وليس فيه إسقاط ما وراءه من حقه ولا براءة ذمته منه.

قلت: ألا ترى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أذن له بإطعامه ذلك أهله، فكما بقي جميع الكفارة في ذمته في هذه الصورة، فكذلك بقي في ذمته بعض الكفارة في صورة إطعام العرق المساكين.

2391 -

(حدثنا الحسن بن علي، نا عبد الرزاق، أنا معمر، عن الزهري بهذا الحديث بمعناه) أي حدث معمر عن الزهري نحو ما حدث سفيان عنه موافقًا له في معناه (زاد الزهري) أي في حديث معمر: (وإنما كان هذا رخصة له خاصة)

(1) زاد في نسخة: "قال".

(2)

(4/ 223).

ص: 560

فَلَوْ أَنَّ رَجُلًا فَعَلَ ذَلِكَ الْيَوْمَ لَمْ يَكُنْ لَهُ بُدٌّ مِنَ التَّكْفِيرِ.

قَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، وَالأَوْزَاعِيُّ، وَمَنْصُورُ بْنُ الْمُعْتَمِرِ،

===

وحاصل معنى هذا القول: أنها لما وجبت عليه الكفارة بإفساد الصوم بالجماع، ثم أمره صلى الله عليه وسلم بأدائها بإعطاء العَرَق له، فاعتذر بالفقر والجوع، فأباحه رسول الله صلى الله عليه وسلم بإطعامه إياهم، فكأنه أسقط عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم الكفارة الواجبة عليه بإطعامه أهله، فهذا الحكم مختص به.

(فلو أن رجلًا فعل ذلك) أي إفساد الصوم (اليوم) أي بعد زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم (لم يكن له بد من التكفير) أي من أداء الكفارة، فلو أطعم اليوم قدر الكفارة من التمر وغيره أهله لا يكون مؤديًا لها بل يكون دينًا عليه، ويجب عليه أداؤها.

قال في "نصب الراية"(1): قال المنذري في حواشيه: وقول الزهري: "إنما كان هذا رخصة له خاصة" دعوى لم يكن (2) له عليها برهان، وقال غيره: إنه منسوخ، وهو أيضًا دعوى.

(قال أبو داود: رواه الليث بن سعد)، أخرجه مسلم في "صحيحه"(3)، وأخرجه أيضًا الطحاوي في "شرح معاني الآثار"(4)، وخالفه في السند فقال: حدثني الليث، قال حدثني عبد الرحمن بن خالد بن مسافر، عن ابن شهاب، عن حميد بن عبد الرحمن، فزاد بين الليث والزهري عبد الرحمن بن خالد، ولم يزده مسلم.

(والأوزاعي (5)، ومنصور بن المعتمر)، أخرج البخاري حديث منصور في

(1)(2/ 453).

(2)

في "نصب الراية"(2/ 453): "لم يقم".

(3)

"صحيح مسلم"(1111)، وأخرجه أيضًا النسائي في "الكبرى"(3117)، والبخاري في "صحيحه"(6821).

(4)

(2/ 60).

(5)

أخرج روايته البخاري في "صحيحه"(6164)، والطحاوي في "معاني الآثار"(2/ 61)، وابن حبان في "صحيحه"(3526، 3527)، والدارقطني في "سننه"(2/ 190)، والبيهقي في "سننه"(4/ 227).

ص: 561

وَعِرَاكُ بْنُ مَالِكٍ، عَلَى مَعْنَى ابْنِ عُيَيْنَةَ، زَادَ فِيهِ الأَوْزَاعِيُّ:"وَاسْتَغْفِر اللَّه".

2392 -

حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عن مَالِكٍ، عن ابْنِ شِهَابٍ، عن حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَجُلًا أَفْطَرَ في رَمَضَانَ، فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أنْ يُعْتِقَ رَقَبَةً، أَوْ يَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ، أَوْ يُطْعِمَ سِتِّينَ مِسْكِينًا

===

"صحيحه"(1)، وذكر حديثهما الطحاوي (2)، فأخرج بسنده عن منصور، عن الزهري، وقال: فذكر بإسناده مثله، ثم أخرج حديث الأوزاعي قال: سألت الزهري عن رجل جامع امرأته في شهر رمضان، فقال: حدثني حميد بن عبد الرحمن بن عوف، قال: حدثني أبو هريرة، فذكره نحوه.

(وعراك بن مالك) ولم أجد رواية عراك بن مالك فيما عندي من كتب الحديث (3)، ولكن قال العيني (4): وعراك بن مالك عند النسائي (على معنى) حديث (ابن عيينة، زاد فيه) أي الحديث (الأوزاعي: واستغفر الله) أي عما فعلت، والأمر بالاستغفار بعد الأمر بالكفارة دليل على أن الكفارات ليست رافعة للذنب، بل هي زواجر، والرافع للذنب التوبة والاستغفار.

2392 -

(حدثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن ابن شهاب، عن حميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، أن رجلًا أفطر في رمضان، فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعتق رقبة، أو يصوم شهرين متتابعين، أو يطعم ستين مسكينًا) واحتج مالك بهذا السياق على التخيير في هذه الخصال، وإلى القول بالترتيب ذهب الجمهور.

(1)"صحيح البخاري"(1937)، وأيضًا أخرجه مسلم في "صحيحه"(1111)، والنسائي في "الكبرى"(3118)، وابن خزيمة في "صحيحه"(1945 - 1950).

(2)

"شرح معاني الآثار"(2/ 61).

(3)

أخرج روايته النسائي في "الكبرى"(3119)، وابن عبد البر في "التمهيد"(7/ 166).

(4)

"عمدة القاري"(8/ 113).

ص: 562

قَالَ: لَا أَجِدُ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:"اجْلِسْ"، فَأُتيَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِعَرَقٍ فِيهِ تَمْرٌ فَقَالَ:"خُذْ هَذَا فَتَصَدَّقْ بِهِ"، فَقَالَ: يَا رَسولَ اللَّهِ، مَا أَحَدٌ أَحْوَجَ مِنِّي، فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حَتَّى بَدَتْ أَنْيَاُبهُ، وَقَالَ لَهُ:"كُلْهُ". [ط 1/ 296/ 28]

===

قال الشوكاني (1): وقد وقع في الروايات ما يدل على الترتيب والتخيير، والذين رووا الترتيب أكثر، ومعهم الزيادة، وجمع المهلب والقرطبي بين الروايات بتعدد الواقعة، قال الحافظ (2): وهو بعيد، لأن القصة واحدة، والمخرج متحد، والأصل عدم التعدد، وجمع بعضهم يحمل (3) الترتيب على الأولوية، والتخيير على الجواز، وعكسه بعضهم.

(قال: لا أجد، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: اجلس، فأتي) بضم الهمزة على البناء للمجهول، والرجل الآتي لم يسم، ووقع في روايةٍ للبخاري:"فجاء رجل من الأنصار"، وفي أخرى للدارقطني:"رجل من ثقيف"(رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرق) بفتح المهملة والراء وهو الزنبيل، والزنبيل المكتل (فيه تمر، فقال: خذ هذا فتصدق به، فقال: يا رسول الله ما أحد أحوج مني، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بدت أنيابه، وقال له: كله)، وفي رواية:"أطعمه أهلك".

قيل: إنه دل على سقوط الكفارة بالإعسار المقارن لوجوبها، لأن الكفارة لا تصرف إلى النفس ولا إلى العيال، ولم يبين النبي صلى الله عليه وسلم استقرارها في ذمته إلى حين يساره، وقال الأوزاعي: يستغفر الله ولا يعود، وليس في الخبر ما يدل على إسقاطها، بل فيه ما يدل على استمرارها على العاجز، وقال الجمهور: لا تسقط الكفارة بالإعسار، والذي أذن له في التصرف فيه ليس على سبيل الكفارة.

(1)"نيل الأوطار"(3/ 189).

(2)

"فتح الباري"(4/ 168).

(3)

وفي "التقرير": أن "أو" للترتيب لا للتخيير. (ش).

ص: 563

قَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ ابْنُ جُرَيْج عن الزُّهْرِيِّ عَلَى لَفْظِ مَالِكٍ: أَنَّ رَجُلًا أَفْطَرَ، وَقَالَ فِيهِ:"أَوْ (1) تعْتِقَ رَقَبَةً، أَوْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ، أَوْ تُطْعِمَ سِتِّينَ مِسْكِينًا".

===

ثم اختلفوا فقال الزهري: هو خاص بهذا الرجل، وإلى هذا نحا إمام الحرمين، ورُدُّ بأن الأصل عدم الخصوصية، وقال بعضهم: هو منسوخ، ولم يبين قائله ناسخه، وقيل: المراد بالأهل الذين أمر بصرفها إليهم من لا تلزمه نفقته من أقاربه، وضعف بالرواية الأخرى التي فيها عيالك، وبالرواية المصرحة بالإذن له في الأكل من ذلك، وقيل: لما كان عاجزًا عن نفقة أهله جاز له أن يصرف الكفارة لهم، وهذا هو ظاهر الحديث.

قال الشيخ تقي الدين: وأقوى من ذلك أن يجعل الإعطاء لا على جهة الكفارة، بل على جهة التصدق عليه وعلى أهله بتلك الصدقة لما ظهر من حاجتهم، وأما الكفارة فلم تسقط بذلك، ولكن ليس استقرارها في ذمته مأخوذًا من هذا الحديث (2)، انتهى.

(قال أبو داود: رواه ابن جريج عن الزهري على لفظ مالك: أن رجلًا أفطر)(3) أي متعمدًا في رمضان (وقال) أي ابن جريج (فيه) أي في حديثه: (أو تعتق رقبة، أو تصوم شهرين، أو تطعم ستين مسكينًا) بلفظة "أو" الدالة على التخيير كما هو في حديث مالك بلفظة "أو"، أخرج مسلم في "صحيحه"(4) حديث ابن جريج بلفظة "أو" في الخصال الثلاثة.

(1) في نسخة: "أن".

(2)

انظر: "فتح الباري"(4/ 171).

(3)

بإطلاقه استدل المالكية على العموم في الأكل والشرب والجماع، وكذا الحنفية لكن بدلالة النص والمناط خلافًا للشافعي وأحمد، كذا في "الأوجز"(5/ 137). (ش).

(4)

"صحيح مسلم"(84/ 1111).

ص: 564

2393 -

حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُسَافِرٍ (1)، نَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ، نَا هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ، عن ابْنِ شِهَابٍ، عن أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النبي صلى الله عليه وسلم أفْطَرَ في رَمَضَانَ، بِهَذَا الْحَدِيثِ، قَالَ: فَأُتِيَ بِعَرَقٍ فِيهِ تَمْرٌ قَدْرَ خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا، وَقَالَ فِيهِ:"كُلْهُ أَنْتَ وَأَهْلُ بَيْتِكَ، وَصُمْ يَوْمًا وَاسْتَغْفِرِ اللَّه". [خزيمة 1954، ق 4/ 226]

===

2393 -

(حدثنا جعفر بن مسافر، نا ابن أبي فديك، نا هشام (2) بن سعد، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم أفطر في رمضان، بهذا الحديث) المتقدم (قال) أي أبو هريرة:(فأتي) بصيغة المجهول، رسول الله صلى الله عليه وسلم (بعرق فيه تمر قدر خمسة عشر صاعًا، وقال) أي هشام بن سعد (فيه: كله) أي ما في العرق (أنت وأهل بيتك، وصم (3) يومًا) أي بدل صوم اليوم الذي أفسدت فيه صومك (واستغفر (4) الله).

قال الزيلعي في "نصب الراية"(5): قال ابن القطان: وعلة (6) هذا الحديث ضعف هشام بن سعد، انتهى، وقال عبد الحق في "أحكامه": طرق مسلم في هذا الحديث أصح وأشهر، وليس فيها صم يومًا ولا مكتلة التمر ولا الاستغفار، وإنما يصح القضاء مرسلًا، انتهى كلامه، وهذا المرسل في "موطأ مالك"

(1) زاد في نسخة: "التنيسي".

(2)

قال البزار وابن خزيمة وأبو عوانة: أخطأ فيه هشام (يعني الصواب: عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن)، قال الحافظ: وتابعه عبد الوهاب، فلعل الرواية عنهما معًا. كذا في "الفتح"(4/ 163). (ش).

(3)

به قال الأربعة، وفيه خلاف شذوذ، كذا في "الأوجز"(5/ 164). (ش).

(4)

فيه دليل على أن الحدود والكفارات ليست فيها كفاية لرفع الإثم

إلخ. "تقرير". (ش).

(5)

"نصب الراية"(2/ 453).

(6)

وقد بسط ابن القيم في "كتاب الصلاة" له الكلام على هذا الحديث وضعَّفه. (ش).

ص: 565

2394 -

حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْمَهْرِيُّ، أَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمنِ بْنَ الْقَاسِمِ حَدَّثَهُ، أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ حَدَّثَهُ، أَنَّ عَبَّادَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، حَدَّثَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم تَقُولُ: أَتَى رَجُلٌ (1) النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم في الْمَسْجِدِ في رَمَضَانَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، احْتَرَقْتُ، فَسَأَلَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مَا شأْنهُ؟ فَقَالَ: أَصَبْتُ أَهْلِي، قَالَ:"تَصَدَّقْ"، قَالَ:

===

عن [عطاء بن] عبد الله الخراساني، عن سعيد بن المسيب قال: جاء أعرابي، فذكره، وفي آخره: فقال له عليه السلام: "كله وصم يومًا مكان ما أصبت"، مختصر.

وقال العيني في "شرحه على الصحيح"(2): وقد رواه هشام بن سعد، عن الزهري فخالف الجماعة في إسناده، فرواه [عنه] عن أبي سلمة عن أبي هريرة، وزاد فيه:"وصم يومًا مكانه"، رواه أبو داود وسكت عليه، وقال أبو عوانة الإسفرائني: غلط فيه هشام بن سعد.

2394 -

(حدثنا سليمان بن داود المهري، أنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، أن عبد الرحمن بن القاسم حدثه، أن محمد بن جعفر بن الزبير حدثه، أن عباد بن عبد الله بن الزبير حدثه، أنه سمع عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم تقول: أتى رجل (3) النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد في رمضان، فقال: يا رسول الله احترقت) أي: ارتكبت معصية توجب الاحتراق بالنار، وفي رواية:"هلكت"، وهذا يدل على أن ذلك الفعل صدر منه متعمدًا ذاكرًا صومه.

(فسأله النبي صلى الله عليه وسلم ما شأنه؟ فقال) الرجل: (أصبت أهلي) أي جامعتها متعمدًا في نهار رمضان (قال) أي رسول الله صلى الله عليه وسلم: (تصدق، قال) أي الرجل:

(1) زاد في نسخة: "إلى".

(2)

"عمدة القاري"(8/ 113).

(3)

قال الحافظ في "الفتح"(4/ 163): قيل: هو سلمة بن صخر، ولا يصح. (ش).

ص: 566

وَاللَّهِ مَا لِي شَيْءٌ، وَلَا (1) أَقْدِرُ عَلَيْهِ، قَالَ:"اجْلِسْ" فَجَلَسَ، فَبَيْنَمَا هُوَ عَلَى ذَلِكَ أَقْبَلَ رَجُلٌ يَسُوقُ حِمَارًا عَلَيْهِ طَعَامٌ، فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم:"أَيْنَ الْمُحْتَرِقُ آنِفًا؟ " فَقَامَ الرَّجُلُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"تَصَدَّقْ بِهَذَا"، فَقَالَ: يَا رَسُولُ اللَّهِ، أَعَلَى غَيْرِنَا؟ فَوَاللَّةِ إِنَّا لَجِيَاعٌ، مَا لنَا شَيئٌ، قَالَ:"كُلُوهُ". [م 1112، خ 1935]

2395 -

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَوْفٍ، نَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، نَا ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ، عن عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ الْحَارِثِ، عن مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عن عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عن عَائِشَةَ بِهَذِهِ الْقِصَّةِ، قَالَ:"فَأتيَ بِعَرَقٍ فِيهِ عِشْرُونَ صَاعًا". [خزيمة 1947، ق 4/ 223]

===

(والله ما لي شيء) أي من المال (ولا أقدر عليه) أي على المال حتى أتصدق به (قال) أي رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اجلس فجلس، فبينما هو على ذلك أقبل رجل يسوق حمارًا عليه طعام)، والظاهر أن هذا الطعام هو ما وقع في حديث مسلم من حديث عائشة رضي الله عنها:"فجاءه عرقان فيهما طعام".

(فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أين المحترق آنفًا؟ ) أي أين الذي يخبرنا باحتراقه آنفًا (فقام الرجل) أي المحترق، (فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تصدق بهذا) أي بهذا الطعام على ستين مسكينًا (فقال: يا رسول الله، أعلى غيرنا؟ ) أي أتصدق على غيرنا وإنا لمحتاجون إليه (فوالله إنا لجياع) أي: أنا وأهلي (ما لنا شيء، قال) أي رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كلوه) أي كلوا أنتم ذلك الطعام.

2395 -

(حدثنا محمد بن عوف، نا سعيد بن أبي مريم، ثنا ابن أبي الزناد، عن عبد الرحمن بن الحارث، عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عباد بن عبد الله، عن عائشة بهذا القصة) المتقدمة، وخالفه فيما أتى به من الطعام (قال) أي عبد الرحمن بن الحارث:(فأتي بعرق فيه عشرون صاعًا)

(1) في نسخة: "ما".

ص: 567