الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(13) بَابٌ: في "أَمْرُكِ بِيَدِكِ
"
2204 -
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، نَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ،
===
وبين أن يظهرن بأنهن إن يردن الله ورسوله والدار الآخرة، فإنهن في عصمة رسول الله صلى الله عليه وسلم فيستحققن الأجر العظيم، مصرحة بأنهن إذا اخترن الحياة الدنيا وزينتها، فيطلقهن رسول الله صلى الله عليه وسلم ويمتعهن، لا أنه يقع الطلاق بمجرد اختيارهن الحياة الدنيا، فلا يستدل بهذه الآية على التخيير بين الطلاق والبقاء في النكاح، والله تعالى أعلم.
(13)
(بَابٌ: في "أَمْرُكِ بِيَدِكِ")(1)
2204 -
(حدثنا الحسن بن علي، نا سليمان بن حرب،
(1) اعلم أولًا أنهم يسمون هذا تمليكًا، والأول تخييرًا، ويفرق عندهم فيهما في فروع، كما يظهر من كتبهم، ولا فرق بينهما عند الحنفية، غير أن نية الثلاث تصح في التمليك دون التخيير، قاله ابن الهمام، انتهى (انظر:"فتح القدير" 4/ 71).
ثم قول الرجل لامرأته: "أمرك بيدك" كناية في حق الزوج، فيفتقر إلى نيته أو دلالة الحال، فإن عدما فلا طلاق عند الثلاثة، خلافًا للمالكية، إذ قالوا: هو كناية ظاهرة لا تحتاج إلى النية كالصريح.
ثم الطلاق بيدها بعد ذلك ما لم يفسخ، ولا يتقيد بالمجلس عند أحمد، خلافًا للثلاثة، إذ قالوا: يتقيد بالمجلس.
وأما التخيير فالأربعة متفقة على أنه الفور، ثم إن رجع الزوج فيما جعل إليها، أو قال:"فسخت ذلك" بطل اختيارها عند أحمد، وقال مالك والحنفية: ليس له الرجوع.
ثم المرأة إن ردت الأمر الذي جعل إليها، فلا شيء عند الأربعة، خلافًا لبعض السلف، إذ قالوا: واحدة. ولو ردت رجعية أو بائنة، قولان، وإن قالت:"اخترت نفسي" فواحدة رجعية عند الثلاثة، وعند الحنفية واحدة بائنة، هذا إذا لم تنو أكثر منها، فإن نوت أكثر منها وقع ما نوت عند الثلاثة، وعند الحنفية لا تقع إلَّا واحدة، أو ثلاثة، فإن طلقت ثلاثًا، وقال الزوج:"لم أجعل إليها إلَّا واحدة"، فالقضاء ما قضت عند أحمد، وعند الثلاثة أنها تطليقة لا تقدر على أكثر مما نوى الزوج، كذا في "الأوجز"(11/ 73)، انتهى. وبسط الحافظ في "الدراية"(2/ 101 - 102) في كتاب الحدود الآثار في ذلك. (ش).
عن حَمَّادِ بْنِ زيدٍ قَالَ: قُلْتُ لأَيُّوبَ: هَلْ تَعَلمُ أَحَدًا قَالَ بِقُولُ الْحَسَنِ في: "أَمْرُكِ بِيَدِكِ؟ " قَالَ: لَا، إِلَّا شَيءٌ حَدَّثَنَاهُ قَتَادَةُ، عن كَثِيرٍ مَوْلَى ابْنِ سَمُرَةَ، عن أَبِي سَلَمَةَ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ، عن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِنَحْوِهِ، قَالَ أَيُّوبُ: فَقَدِمَ عَلَيْنَا كَثِيرٌ فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ: مَا حَدَّثْتُ بِهَذَا قَطُّ. فَذَكَرْتُهُ لِقَتَادَةَ فَقَالَ: بَلَى، وَلَكِنَّهُ نَسِيَ. [1178، ن 3410]
===
عن حماد بن زيد قال: قلت لأيوب: هل تعلم أحدًا قال بقول الحسن في: أمرك بيدك؟ ) إنه قال: إذا قال رجل لامرأته: "أمرك بيدك" فهي ثلاث (قال: لا)، أي لا أعلم أحدًا قال ذلك (إلَّا شيء حدثناه قتادة، عن كثير مولى ابن سمرة) هو كثير بن أبي كثير مولى عبد الرحمن بن سمرة، قال العجلي. تابعي ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات".
قلت: ذكره ابن الجوزي في "الصحابة"، وقال الحافظ في "التقريب": ووهم من عدَّه صحابيًّا، انتهى. وزعم عبد الحق تبعًا لابن حزم أنه مجهول، فتعقب ذلك عليه ابن القطان بتوثيق العجلي، وذكره العقيلي في "الضعفاء"، وما قال فيه شيئًا.
(عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه) أي بنحو ما قال الحسن في "أمرك بيدك"، (قال أيوب: فقدم علينا كثير، فسألته) أي أنك حدثت قتادة في "أمرك بيدك" أنها ثلاث، (فقال: ما حدثت بهذا قط، فذكرته لقتادة فقال: بلى) أي حدثني ذلك، (ولكنه نسي).
وقد أخرج الترمذي (1) هذا الحديث فقال: حدثنا علي بن نصر بن علي، نا سليمان بن حرب، نا حماد بن زيد قال: قلت لأيوب: هل علمت أحدًا قال في "أمركِ بيدكِ" إنها ثلاث إلَّا الحسن؟ فقال: لا، إلَّا الحسن، ثم قال: اللَّهُمَّ غَفْرًا إلَّا ما حدثني قتادة، عن كثير مولى بني سمرة، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"ثلاث"، قال أيوب: فلقيت كثيرًا مولى بني سمرة، فسألته فلم يعرفه، فرجعت إلى قتادة فأخبرته فقال: نسي.
(1) انظر: "سنن الترمذي"(3/ 481) رقم (1178).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
هذا حديث لا نعرفه إلَّا من حديث سليمان بن حرب، عن حماد بن زيد، وسألت محمدًا عن هذا الحديث، فقال: نا سليمان بن حرب، عن حماد بن زيد بهذا، وإنما هو عن أبي هريرة موقوف، ولم يعرف حديث أبي هريرة مرفوعًا، وكان علي بن نصرٍ حافظًا صاحبَ حديث.
واختلف أهل العلم في "أمرك بيدك"، فقال بعض أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، منهم عمر بن الخطاب، وعبد الله بن مسعود: وهي واحدة، وهو قول غير واحد من أهل العلم من التابعين، ومن بعدهم.
وقال عثمان بن عفان، وزيد بن ثابت: القضاء ما قضت.
وقال ابن عمر رضي الله عنه: إذا جعل أمرَها بيدها، وطلقت نفسها ثلاثًا، وأنكر الزوج، وقال: لم أجعل أمرها بيدها إلَّا في واحدة، استُحْلِف الزوج، وكان القول قوله مع يمينه.
وذهب سفيان وأهل الكوفة إلى قول عمر وعبد الله، وأما مالك (1) بن أنس، فقال: القضاء ما قضت، وهو قول أحمد، وأما إسحاق فذهب إلى قول ابن عمر، انتهى.
ومذهب الحنفية في ذلك أن الرجل إذا قال لامرأته: "أمرك بيدك"، فهو تمليك من جانب الزوج، حتى لا يملك الرجوع عنه، ولا فسخ ذلك، لأنه ملَّكها الطلاق، ومن ملك غيره شيئًا زالت ولايته من الملك، فلا يملك
(1) وقال ابن رسلان: قال أبو حنيفة والشافعي وأحمد: هو كناية نفتقر إلى النية ككل الكنايات. وقال مالك: لا يفتقر إلى النية، لأنه من الكنايات الظاهرة، انتهى. وفي "التعليق الممجد"(ص 527، 528) وإن نوى ثلاثًا فثلاث، وإلَّا فواحدة، هذا عندنا، وعند مالك ثلاث، لأنها أعلى الاختيار، وعندهما واحدة، لأنها أدنى الاختيار، انتهى. هكذا ذكر المذاهب في "المغني"(10/ 383، 384)، والصحيح من المذاهب ما تقدم قريبًا عن "الأوجز". (ش).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
إبطاله بالرجوع والفسخ، فيصير الأمر بيدها في الطلاق بشرط أن ينوي الزوج الطلاق، لأنه من كنايات الطلاق، فلا يصح من غير نية، إلَّا إذا كان الحال حال الغضب والخصومة، أو حال مذاكرة الطلاق، فلا يصدق في القضاء، لأن الحال تدل على إرادة الطلاق ظاهرًا، فلا يصدق في العدول عن الظاهر.
والشرط الثاني: علم المرأة بجعل الأمر بيدها وهي غائبة أو حاضرة لا تسمع، فلو لم تعلم به لا يصير الأمر بيدها ما لم تسمع أو يبلغها الخبر، وشرط بقاء حكمه- إذا كان مطلقًا غيرَ معلق ولا موقت- بقاءُ المجلس، وهو مجلس علمها بالتفويض، فما دامت في مجلسها فالأمر بيدها، فيبقى الأمر في يدها ما بقي المجلس، فإن قامت عن مجلسها بطل، لأن القيام عن المجلس دليل الإعراض، فكان ردًا للتمليك، وكذلك إذا وجد منها قول أو فعل يدل على إعراضها عن الجواب، بأن دعت بطعام لتأكل، أو أمرت وكيلها بشيء إلى غير ذلك.
والحكم الثابت لها بالتفويض غير لازم في حق المرأة، حتى تملك رده صريحًا أو دلالة؛ لأن التخيير ينافي اللزوم، وليس لها أن تختار إلَّا مرة واحدة، لأن قوله:"أمرك بيدك" لا يقتضي التكرار، إلَّا إذا قرن به ما يقتضي التكرار، بأن قال:"أمرك بيدك كلما شئت"، فلها أن تطلق نفسها في كل مجلس تطليقة واحدة حتى تبين بثلاث، إلَّا أنها لا تملك أن تطلق نفسها في كل مجلس إلَّا تطليقة واحدة، لأنه يصير قائلًا لها في كل مجلس "أمرك بيدك"، فإذا اختارت فقد انتهى موجب ذاك التمليك.
وأما بيان ما يصلح جواب جعل الأمر باليد من الألفاظ، وما لا يصلح، فالأصل فيه: أن كل ما يصلح من الألفاظ طلاقًا من الزوج يصلح جوابًا من المرأة، وما لا فلا.
فإذا قالت في جوابه: "طلقت نفسي"، أو "أبنت نفسي"، أو "حرمت نفسي"، يكون جوابًا، فالواقع بهذه الألفاظ التي تصلح جوابًا طلاق واحد بائن
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
عندنا، إن كان التفويض مطلقًا عن قرينة الطلاق، بأن قال لها:"أمرك بيدك"، ولم ينو الثلاث، أما وقوع الطلقة الواحدة؛ فلأنه ليس في التفويض ما ينبئ عن العدد.
وأما كونها بائنة؛ فلأن هذه الألفاظ جواب الكناية، والكنايات على أصلنا مبينات.
ولو قال: "أمرك بيدك" ونوى الثلاث، فطلقت نفسها ثلاثًا كان ثلاثًا؛ لأنه جعل أمرها بيدها مطلقًا، فيحتمل الواحد، ويحتمل الثلاث، فإذا نوى الثلاث فقد نوى ما يحتمله مطلق الأمر، فصحت نيته، وإن نوى اثنتين، فهي واحدة عند أصحابنا الثلاثة، خلافًا لزفر رضي الله عنه، ملخص ما في "البدائع"(1).
وسند هذا الحديث من قبيل "مَنْ حدَّث ونسِي"، ومذهب المحدثين فيه ما قال الحافظ في "شرح النخبة" (2): وإن روى عن شيخ حديثًا، وجحد الشيخ مرويه، فإن كان جزْمًا كأن يقول: كذب عليَّ، أو ما رويتُ له هذا، أو نحو ذلك، فإن وقع منه ذلك رُدَّ ذلك الخبر، لكذب واحد منهما، لا بعينه، ولا يكون ذلك قادحًا في واحد منهما للتعارض، أو كان جحدُه احتمالًا كأن يقول: ما أذكر هذا، أو: لا أعرفُه، قُبلَ ذلك الحديث في الأصح؛ لأن ذلك يُحمل على نسيان الشيخ، وقيل: لا يقبل؛ لأن الفرع تبع للأصل في إثبات الحديث، بحيث إذا ثبت أصلُ الحديث تَثبتُ روايةُ الفرع، وكذلك ينبغي أن يكون فرعًا عليه وتبعًا له في التحقيق، وهذا متعقَّب بأن عدالة الفرع تقتضي صدقه، وعدمُ علم الأصل لا ينافيه، فالمثبت مقدم على النافي، انتهى.
قلت: وفي الحديث كذلك، فإن أيوب السختياني يقول: قدم علينا كثير فسألته، فقال: ما حدثت بهذا قط، فإنه أنكر جزمًا، فعلى قاعدة المحدثين يرد
(1)"بدائع الصنائع"(3/ 180 - 187).
(2)
انظر: "شرح شرح نخبة الفكر" لملا علي القاري (ص 651 - 654).