الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(7) بَابٌ: في الطَّلَاقِ قَبْلَ النِّكَاحِ
2191 -
حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ. (ح): وَنَا ابْنُ الصَّبَّاحِ، نَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ قَالَا: نَا مَطَرٌ الْوَرَّاقُ، عن عَمْرِو بْنِ
===
(7)
(بَابٌ: في الطَّلَاقِ قَبْلَ النِّكَاحِ)
وهذا على نوعين: إما أن ينجز الطلاق، وإما أن يعلقها بالنكاح، فإن كان الأول، فهو متفق على أنه لا يقع الطلاق فيه أصلاً. وإن كان الثاني، فهو الذي اختلف فيه الأئمة، فالجمهور على أنه لا يقع الطلاق فيه، وقال أبو حنيفة وأصحابه: يقع الطلاق
2191 -
(حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا هشام) الدستوائي، (ح، ونا ابن الصباح) لم أقف على تعيين اسمه (1)، فإن ابن الصباح في شيوخه ثلاثة، أحدهم: محمد بن الصباح بن سفيان الجرجرائي أبو جعفر التاجر. والثاني: محمد بن الصباح الدولابي أبو جعفر البغدادي. والثالث: الحسن بن الصباح البزار-آخره راء- أبو علي الواسطي.
(نا عبد العزيز بن عبد الصمد) العمي أبو عبد الصمد البصري الحافظ، قال أحمد: كان ثقة، وقال ابن معين: لم يكن به بأس، وقال القواريري: كان حافظًا، وقال أبو زرعة وأبو داود والنسائي: ثقة، وقال أبو حاتم: صالح، وقال العجلي: ثقة، وقال عبد الرحمن بن مهدي يوم مات: ما مات لكم منذ ثلاثين شبهه، أو مثله، أو أوثق منه، وذكره ابن حبان في "الثقات".
(قالا) أي هشام وعبد العزيز: (نا مطر الوراق) ابن طهمان، (عن عمرو بن
(1) قلت: وقد صرح المزي في "تحفة الأشراف"(6/ 82) رقم (8804)، بأنه:"عبد الله بن الصباح العطار"، فظهر أنه الشيخ الرابع للإمام أبي داود، فليتنبه. انظر ترجمته في:"تهذيب الكمال"(4/ 3328).
شُعَيبٍ، عن أَبِيهِ، عن جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "لَا طَلَاقَ إِلَّا فِيمَا تَمْلِكُ، وَلَا عِتْقَ إِلَّا فِيمَا تَمْلِكُ،
===
شعيب، عن أبيه، عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا طلاقَ إلَّا فيما تملك، ولا عتقَ إلَّا فيما تملك).
قال القاري (1): وهو متمسك الشافعي، وبه قال أحمد (2)، وهو منقول عن علي وابن عباس وعائشة رضي الله عنهم.
ومذهبنا أنه إذا أضاف الطلاق إلى سببية الملك صح، كما إذا قال لأجنبية: إن نكحتك فأنت طالق، فإذا وقع النكاح وقع الطلاق، وكذا إذا أضاف العتق إلى الملك، نحو: إن ملكت عبدًا فهو حر، لأن هذا تعليق لما يصح تعليقه، وهو الطلاق كالعتق والوكالة والإبراء.
وقال مالك: إن خصَّ بلدًا أو قبيلة أو صنفًا أو امرأة صح، وإن عمَّ مطلقًا لا يجوز، إذ فيه سدُّ باب النكاح، وبه قال ربيعة والأوزاعي وابن أبي ليلى.
وعندنا لا فرق بين العموم، وذلك الخصوص، إلَّا أنَّ صحته في العموم مطلق، يعني لا فرق بين أن يعلق بأداة الشرط أو بمعناه، وفي المعينة يشترط أن يكون بصريح الشرط، فلو قال:"هذه المرأة التي أتزوجها طالق"، فتزوجها لم تطلق؛ لأنه عرفها بالإشارة، فلا تؤثر فيها الصفة، أعني "أتزوجها"، بل الصفة فيها لغو، فكأنه قال: هذه طالق، بخلاف قوله:"إن تزوجت هذه" فإنه يصح.
ولا بد من التصريح بالسبب. في "المحيط": لو قال: "كل امرأة أجتمع معها في فراشي فهي طالق"، فتزوج امرأة لا تُطَلَّقُ، وكذا: "كل جارية أطأها
(1)"مرقاة المفاتيح"(6/ 423 - 425).
(2)
في رواية اختارها الموفق، والثانية له مثل الحنفية، والثالثة له يصح العتق دون الطلاق، وهي مختارة الخرقي، انتهى. (ش). (انظر:"المغني" 13/ 489 و 14/ 400).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
حرة"، فاشترى جارية فوطئها لا تعتق؛ لأن العتق لم يُضِفْ إلى الملك. ومذهبنا مروي عن عمر وابن مسعود وابن عمر.
والجواب عن الأحاديث المذكورة أنها محمولة على نفي التنجيز؛ لأنه هو الطلاق، وأما المعلق به فليس به، بل عرضية أن يصير طلاقًا، وذلك عند الشرط، والحمل مأثور عن السلف كالشعبي والزهري.
قال عبد الرزاق في "مصنفه"(1): أنا معمر، عن الزهري أنه قال في رجل: قال: "كل امرأة أتزوجها فهي طالق" و"كل أمة أشتريها فهي حرة"، هو كما قال، فقال له معمر: أو ليس قد جاء: "لا طلاق قبل النكاح، ولا عتاقة إلَّا بعد الملك"؟ قال: إنما ذلك أن يقول: امرأة فلان طالق، وعبد فلان حر.
وأخرج ابن أبي شيبة في "مصنفه" عن سالم بن محمد، وعمر بن عبد العزيز، والشعبي، والنخعي، والزهري، والأسود، وأبي بكر بن عمرو بن حزم، وعبد الله بن عبد الرحمن، ومكحول الشامي في رجل قال:"إن تزوجت فلانة فهي طالق"، أو "كل امرأة أتزوجها فهي طالق". قالوا: هو كما قال، وفي لفظ يجوز عليه ذلك.
وقد نُقل مذهبنا أيضًا عن سعيد بن المسيب، وعطاء، وحماد بن أبي سليمان، وشريح رحمهم الله أجمعين.
وأما ما أخرج الدارقطني عن ابن عمر: أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن رجل قال: يوم أتزوج فلانة فهي طالق ثلاثًا، قال:"طلق ما لا يملك".
وما أخرج أيضًا عن أبي ثعلبة الخشني قال: قال عمر لي: اعمل لي عملاً حتى أزوجك ابنتي، فقلت: إن تزوجتها فهي طالق ثلاثًا، ثم بدا لي أن أتزوجها،
(1)(6/ 421) رقم (11475).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألته، فقال لي:"تزوجها، فإنه لا طلاق إلَّا بعد النكاح"، قال: فتزوجتها فولدت لي سعدًا وسعيدًا، فلا شك في ضعفهما.
قال صاحب "تنقيح التحقيق": إنهما باطلان. ففي الأول أبو خالد الواسطي، وهو عمرو بن خالد. قال: وضاع، وقال أحمد وابن معين: كذاب، وفي الأخير: علي بن قرين، كذَّبه ابن معين وغيره.
فإن قيل: لا معنى لحمله على التنجيز، لأنه ظاهر يعرفه كل أحد، فوجب حمله على التعليق.
فالجواب صار ظاهرًا بعد اشتهار الشرع فيه لا قبله، فقد كانوا في الجاهلية يطلقون قبل التزوج تنجيزًا، ويعدون ذلك طلاقًا إذا وجد النكاح، فنفى ذلك صلى الله عليه وسلم في الشرع.
ومما يؤيد ذلك ما في "موطأ مالك": أن سعيد بن عمر بن سليم الزرقي، سأل قاسم بن محمد، عن رجل طلق امرأته إن هو تزوجها؟ فقال القاسم: إن رجلاً جعل امرأته عليه كظهر أمه إن هو تزوجها، فأمر عمر إن هو تزوجها أن لا يقربها حتى يكفِّر كفارة المظاهر، فقد صرح عمر رضي الله عنه بصحة تعليق الظهار بالملك، ولم ينكر عليه أحد، فكان إجماعًا، والكل واحد، والخلاف فيه أيضًا وكذا في الإيلاء إذا قال:"إن تزوجتك فوالله لا أقربك أربعة أشهر" يصح، فمتى تزوجها يصير موليًا، انتهى.
قال الحافظ (1): وعورض من ألزم الطلاق بذلك بالاتفاق على أن من قال لامرأة: إذا قدم فلان فأْذني لوليك أن يزوجنيك، فقالت: إذا قدم فلان فقد أذنت لوليي في ذلك، أن فلانًا إذا قدم لم ينعقد التزويج حتى تنشئ عقدًا جديدًا.
(1)"فتح الباري"(9/ 386، 387).
وَلَا بَيْعَ إِلا فِيمَا تَمْلِكُ". [ت 1181، جه 2047، حم 2/ 185، ق 7/ 318، ك 2/ 205]
===
وعلى أن من باع سلعة لا يملكها، ثم دخلت في ملكه لم يلزم ذلك البيع. ولو قال لامرأته: إن طلقتك فقد راجعتك، فطلقها لا تكون مرتجعة، فكذلك الطلاق.
قلت: وهذه معارضة فاسدة، أما الأول فإنه علَّق الإذن بالشرط، وبالإذن لا ينعقد النكاح، بل ينعقد بالإيجاب والقبول، ولم يتحققا، فكيف ينعقد النكاح على أن النكاح من الأمور التي لا يصح تعليقها بالشرط؟ ! فلو علق النكاح بالشرط، لم ينعقد لتعليقه بالحظر، وكذلك الثاني، أي مسألة البيع، فإن البيع أيضًا لا يصح تعليقه بالشرط، وكذلك الرجعة لا يصح تعليقها بالشرط.
(ولا بيع إلَّا فيما تملك)، فإذا باع شيئًا لا يملكه لا ينعقد البيع.
واختلف في بيع الفضولي، فإذا باع الفضولي، فعند الحنفية لا ينفذ بيعه لانعدام الملك، لكنه ينعقد موقوفًا على إجازة المالك، وعند الشافعي رحمه الله هو شرط الانعقاد أيضًا، حتى لا ينعقد بدونه. وأصل هذا أن تصرفات الفضولي التي لها مجيز حالة العقد منعقدة موقوفة على إجازة المجيز من البيع، والإجارة، والنكاح، والطلاق، ونحوها، فعندنا إن أجاز ينفذ، وإلَّا فيبطل، وعند الشافعي رحمه الله تصرفاته باطلة، واستدل بهذا الحديث، وفي سنده مطر الوراق، وهو متكلم فيه، وكذلك عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده تكلموا فيه.
واستدل الحنفية بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: "أنه دفع دينارًا إلى حكيم ابن حزام رضي الله عنه، وأمره أن يشتري له أضحية، فاشترى شاتين، ثم باع إحداهما بدينار، وجاء بدينار وشاة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فدعا له بالبركة"، وقال عليه السلام:"بارك الله في صفقة يمينك"، ومعلوم أنه لم يكن حكيم مأمورًا ببيع الشاة، فلو لم ينعقد تصرفه لما باع، ولما دعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم -
(1)
زَادَ ابْنُ الصَّبَّاحِ: "وَلَا وَفَاءَ نَذْرٍ إِلَّا فِيمَا (2) تَمْلِكُ".
===
بالخير والبركة على ما فعل، ولأنكر عليه، لأن الباطل ينكر.
أخرج أبو داود (3) هذه القصة من حديث حكيم بن حزام، ومن حديث عروة بن الجعد البارقي، وفي سند حديث حكيم رجل مجهول، وهو "شيخ من أهل المدينة"، ولكن لفظ "شيخ من أهل المدينة" يدل على توثيقه.
وأخرج الترمذي (4) حديث حكيم بن حزام فسمَّاه، وقال: عن أبي حصين، عن حبيب بن أبي ثابت، عن حكيم بن حزام، ولكن قال الترمذي فيه: وحبيب بن أبي ثابت لم يسمع عندي من حكيم بن حزام. قلت: وهذا على مذهب البخاري، وأما على مذهب مسلم فالسماع ممكن، فلا يكون الحديث مرسلاً، ولو سلم، فالمرسل عندنا محتج به.
وأما حديث عروة البارقي، فأخرجه أبو داود بطريقين: أحدهما: عن شبيب بن غرقدة قال: حدثني الحي، عن عروة، والثاني: حدثنا الزبير بن الخريت، عن أبي لبيد، حدثني عروة البارقي، وكذلك أخرجه أحمد في "مسنده"(5) بهذين الطريقين، ففي الأول أبهم الراوي عن عروة، ولكنه جماعة، وهي الحي، ولهذا أبهمه، وفي الثاني أبو لبيد، وهو ثقة.
(زاد ابن الصباح: ولا وفاءَ نذرٍ إلَّا فيما تملك)، قال في "البدائع" (6): ومنها أن يكون المنذور به إذا كان مالاً مملوك الناذر وقت النذر، أو كان النذر مضافًا إلى الملك، أو سبب الملك، حتى لو نذر بهدي ما لا يملكه، أو بصدقة ما لا يملكه للحال، لا يصح لقوله عليه الصلاة والسلام:
(1) زاد في نسخة: "قال أبو داود".
(2)
في نسخة بدله: "فيما لا تملك".
(3)
"سنن أبي داود"(3384، 3386).
(4)
"سنن الترمذي"(1257).
(5)
(4/ 375، 376) رقم (19356 - 19362).
(6)
"بدائع الصنائع"(4/ 240).
2192 -
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، أَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عن الْوَليدِ بْنِ كَثيرٍ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ الْحَارِثِ، عن عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، بِإِسْنَادِهِ وَمَعْنَاهُ، زَادَ:"وَمَنْ حَلَفَ عَلَى مَعْصِيَةٍ فَلَا يَمِينَ لَهُ، وَمَنْ حلَفَ عَلَى قَطِيعَةِ رَحِمٍ فَلَا يَمِينَ لَهُ". [انظر سابقه]
===
"لا نذر فيما لا يملكه ابن آدم"، إلَّا إذا أضاف إلى الملك، أو إلى سبب الملك، بأن قال: كل مال أملكه فيما أستقبل فهو هدي، أو قال: فهو صدقة، أو قال: كل ما اشتريته أو أرثه، فيصح عند أصحابنا خلافًا للشافعي رحمه الله.
والصحيح قولنا لقوله عز وجل: {وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ} إلى قوله تعالى: {فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ} (1)، دلت الآية الشريفة على صحة النذر المضاف؛ لأن الناذر بنذره عاهد الله تعالى الوفاء بنذره، وقد لزمه الوفاء بما عهد، والمؤاخذة على ترك الوفاء به، ولا يكون ذلك إلَّا في النذر الصحيح، انتهى.
2192 -
(حدثنا محمد بن العلاء، أنا أبو أسامة، عن الوليد بن كثير، حدثني عبد الرحمن بن الحارث، عن عمرو بن شعيب، بإسناده ومعناه، زاد) أي محمد بن العلاء: (من حلف على معصية فلا يمين له، ومن حلف على قطيعة رحم فلا يمين له)، وهذا تخصيص بعد تعميم، فإن قطيعة الرحم معصية كبيرة.
نقل في الحاشية عن "مرقاة الصعود": قال الخطابي (2): يحتمل وجهين، أحدهما: أن يكون أراد به اليمين المطلق، فيكون معناه فلا يبر في يمينه، لكن يحنث ويكفر. والآخر: أن يكون أراد به النذر الذي مخرجه مخرج اليمين،
(1) سورة التوبة: الآية 75.
(2)
"معالم السنن"(3/ 242).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
كقوله: إن فعلت كذا فللَّه عليَّ أن أذبح ولدي، فإن هذه باطلة، لا يلزمه الوفاء، ولا كفارة فيها ولا فدية، انتهى.
قلت: ومذهب الحنفية في ذلك ما قال في "البدائع"(1): وأما حكم اليمين المعقودة، وهي اليمين على المستقبل، فاليمين على المستقبل لا يخلو إما أن يكون على فعل واجب، وإما أن يكون على ترك المندوب، وإما أن يكون على ترك المباح أو فعله.
فإن كان على فعل واجب بأن قال: والله لأصلين صلاة ظهر اليوم، أو لأصومن رمضان، فإنه يجب عليه الوفاء به، ولا يجوز له الامتناع عنه؛ لقوله صلى الله عليه وسلم:"من حلف أن يطيعَ الله فليطعْه"(2)، ولو امتنع يأثم ويحنث، ويلزمه الكفارة.
وإن كان على ترك الواجب، أو على فعل معصية، بأن قال: والله لا أصلي صلاة الفرض، أو لا أصوم رمضان، أو قال: والله لأشربن الخمر، أو لأزنيَن، أو لأقتلن فلانًا، أو لا أكلم والدي، أو نحو ذلك، فإنه يجب عليه للحال الكفارة بالتوبة والاستغفار، ثم يجب عليه أن يحنث نفسه، ويكفر بالمال؛ لأن عقد هذا اليمين معصية، فيجب تكفيرها بالتوبة والاستغفار في الحال، كسائر الجنايات التي ليس فيها كفارة معهودة.
وعلى هذا يحمل ما رويَ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من حلف على يمين، فرأى غيرها خيرًا منها، فليكفر عن يمينه، ثم ليأتِ الذي هو خير"(3)، أي عليه أن يحنث نفسه لقوله صلى الله عليه وسلم:"من حلف أن يعصيَ الله تعالى فلا يعصه"،
(1)"بدائع الصنائع"(3/ 30 - 31).
(2)
أخرجه بلفظ: "من نذر
…
"، مالك في "الموطأ" (2/ 476)، كتاب النذور والأيمان، باب ما لا يجوز من النذور، والبخاري في "صحيحه" (6696).
(3)
أخرجه أحمد في "مسنده"(2/ 361)، والترمذي في "سننه"(1530).
2193 -
حَدَّثَنَا ابْنُ السَّرْحِ، نَا ابْنُ وَهْبٍ، عن يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الله بْنِ سَالِمِ، عن عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ الْحَارِثِ الْمَخْزُومِيِّ، عن عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عن أَبِيهِ، عن جدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ في هَذَا الْخَبَرِ، زَادَ:
===
وترك المعصية بتحنيث نفسه فيها، فيحنث به ويكفِّر بالمال، وهذا قول عامة العلماء.
وقال الشعبي: لا تجب الكفارة المعهودة في اليمين على المعاصي، وإن حنث نفسه لما رُويَ عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه قال:"إذا حلف أحدُكم على يمين، فرأى ما هو خير منها، فليأته، فإنه لا كفارة فيهما"(1)، ولأن الكفارة شرعت لرفع الذنب، والحنث في هذا اليمين ليس بذنب؛ لأنه واجب، فلا تجب الكفارة لرفع الذنب، ولا ذنب.
ولنا قوله تعالى: {وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ} إلى قوله: {ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ} (2) من غير فصل بين اليمين على المعصية وغيرها.
والحديث المعروف وهو ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها، فليأت الذي هو خير، وليكفِّر عن يمينه"، وما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه فقد روي عنه خلافه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا حلف أحدكم بيمين، ثم رأى خيرًا مما حلف عليه، فليكفِّر عن يمينه، وليفعل الذي هو خير"، فوقع التعارض بين حديثيه، فبقي الحديث المعروف لنا بلا تعارض إلى آخره.
2193 -
(حدثنا ابن السرح، نا ابن وهب، عن يحيى بن عبد الله بن سالم، عن عبد الرحمن بن الحارث المخزومي، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في هذا الخبر، زاد) ابن السرح في هذا الخبر:
(1) أخرجه البيهقي في "السنن الكبرى"(10/ 34).
(2)
سورة المائدة: الآية 89.