الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(1) مَبْدَأُ فَرْضِ الصِّيَامِ
(1)
===
(1)
(مَبْدَأُ (2) فَرْضِ الصِّيَامِ)
قال القاري (3): ثم كانت فرضية صوم رمضان بعد ما صرفت القبلة إلى الكعبة في شعبان على رأس ثمانية عشر شهرًا من الهجرة، كذا ذكره الشُمُنِّي، وقيل: لم يفرض قبله صوم، وقيل: كان، ثم نسخ، فقيل: عاشوراء، وقيل: الأيام البيض، انتهى.
قال الحافظ في "الفتح"(4): قد اختلف السلف هل فرض على الناس صيام قبل رمضان أو لا؟ فالجمهور -وهو المشهور عند الشافعية- أنه لم يجب صوم قط قبل صوم رمضان، وفي وجه -وهو قول الحنفية- أول ما فرض صيام عاشوراء، فلما نزل رمضان نسخ.
فمن أدلة الشافعية حديث معاوية مرفوعًا: "لم يكتب الله عليكم صيامه"، وسيأتي في أواخر الصيام.
ومن أدلة الحنفية ظاهر حديثَي ابن عمر وعائشة المذكورين في هذا الباب (5) بلفظ الأمر، وحديث الربيع بنت معوِّذ الآتي، وهو أيضًا عند مسلم:"من أصبح صائمًا فليتم صومه، قالت: فلم نزل نصومه ونُصَوِّم صبيانَنا وهم صغار"(6) الحديث، وحديث مسلمة مرفوعًا:"من أكل فليصم بقية يومه، ومن لم يكن أكل فليصم"(7) الحديث، انتهى.
(1) في نسخة: "باب مبدأ فرض الصوم".
(2)
قال ابن رسلان: أول من صام رمضان نوح عليه الصلاة والسلام، وفي "الأوجز" (5/ 9): قال علي: أول من صام آدم عليه السلام. (ش).
(3)
"مرقاة المفاتيح"(4/ 441).
(4)
"فتح الباري"(4/ 103).
(5)
انظر: "صحيح البخاري" باب وجوب صوم رمضان، رقم الحديث (1892 - 1893).
(6)
أخرجه البخاري (1960)، ومسلم (1136).
(7)
أخرجه أحمد في "مسنده"(4/ 50)، وابن خزيمة في "صحيحه"(3/ 290).
2313 -
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شَبُّويَةَ، حَدَّثَنِى عَلِىُّ بْنُ حُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ يَزِيدَ النَّحْوِىِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} (1)، فَكَانَ النَّاسُ عَلَى عَهْدِ النَّبِىِّ (2) صلى الله عليه وسلم إِذَا صَلَّوُا الْعَتَمَةَ حَرُمَ عَلَيْهِمُ الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ وَالنِّسَاءُ وَصَامُوا إِلَى الْقَابِلَةِ، فَاخْتَانَ رَجُلٌ نَفْسَهُ فَجَامَعَ امْرَأَتَهُ وَقَدْ صَلَّى الْعِشَاءَ وَلَمْ يُفْطِرْ،
===
2313 -
(حدثنا أحمد بن محمد بن شبويه، حدثني علي بن حسين بن واقد، عن أبيه) حسين بن واقد، (عن يزيد النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ (3) عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} (4) فكان الناس) أي المسلمون (على عهد النبي صلى الله عليه وسلم إذا صلوا العتمة) أي فرغوا من صلاة العشاء (5)(حرم عليهم الطعام والشراب والنساء وصاموا إلى) الليلة (القابلة، فاختان رجل نفسه، فجامع امرأته، وقد صلَّى العشاء ولم يفطر).
أخرج ابن جرير (6)، عن ابن عباس في قوله:{أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ} (7) الآية: كان الناس أول ما أسلموا إذا صام أحدهم يصوم يومه، حتى إذا أمسى طعم من الطعام فيما بينه وبين العتمة، حتى إذا صُلِّيت، حرم عليهم الطعام، حتى يمسي من الليلة القابلة، وأن عمر بن الخطاب بينما هو قائم إذ سوَّلت له نفسه، فأتى أهله لبعض حاجته، فلما اغتسل أخذ يبكي ويلوم نفسه، الحديث.
(1) زاد في نسخة: "قال".
(2)
في نسخة: "رسول الله".
(3)
قال ابن رسلان: أصل الكتابة الخط الذي يقرأ، وعُبِّر به ههنا الإثبات، لأن الذي يكتب يثبت، وقيل: على حقيقته عبارة عما كتب في اللوح المحفوظ. (ش).
(4)
سورة البقرة: الآية 183.
(5)
وسيأتي في الحديث الآتي: التقيد بالنوم "ابن رسلان". (ش).
(6)
"جامع البيان"(2/ 96).
(7)
سورة البقرة: الآية 187.
فَأَرَادَ اللَّهُ عز وجل أَنْ يَجْعَلَ ذَلِكَ يُسْرًا لِمَنْ بَقِىَ وَرُخْصَةً وَمَنْفَعَةً، فَقَالَ:{عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ} الآية. وَكَانَ هَذَا مِمَّا نَفَعَ اللَّهُ بِهِ النَّاسَ وَرَخَّصَ لَهُمْ وَيَسَّرَ". [ق 4/ 201]
2314 -
حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِىِّ بْنِ نَصْرٍ الْجَهْضَمِىُّ، أَنَا أَبُو أَحْمَدَ، أَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِيِ إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: "كَانَ الرَّجُلُ إِذَا صَامَ فَنَامَ لَمْ يَأْكُلْ إِلَى مِثْلِهَا،
===
وفي رواية: "وكان منهم رجال يختانون أنفسهم، وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه ممن اختان نفسه فعفا الله عنهم؛ وأحل ذلك لهم بعد الرقاد وقبله وفي الليل كله".
(فأراد الله عز وجل أن يجعل ذلك يسرًا لمن بقي) من الصحابة الذين لم يختانوا أنفسهم (ورخصة) أي لهم (ومنفعة) أي عليهم، (فقال:{عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ} ) (1) أي بالجماع والأكل والشرب (وكان هذا) أي الحكم (مما نفع الله به الناس ورخص لهم) في الطعام والشراب والجماع (ويسر) عليهم.
وهذا يشير إلى أن ميل المصنف إلى ترجيح القول بأن الصيام لم يفرض على المسلمين قبل رمضان، فإنه جعل مبدأ فرض الصيام رمضان بهذه الآية.
2314 -
(حدثنا نصر بن علي بن نصر الجهضمي، أنا أبو أحمد) الزبيري محمد بن عبد الله بن الزبير، (أنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء قال: كان) الحكم في ابتداء الإِسلام (الرجل إذا صام فنام) بعد المغرب ولم يفطر قبل النوم (لم يأكل إلى مثلها) أي: لم يحل له أن يأكل إلى الليلة المستقبلة.
قال الحافظ (2): اتفقت الروايات في حديث البراء على أن المنع من ذلك كان مقيدًا بالنوم، وهذا هو المشهور في حديث غيره، وقيد المنع من ذلك في
(1) سورة البقرة: الآية 183.
(2)
"فتح الباري"(4/ 130).
وَإِنَّ صِرْمَةَ بْنَ قَيْسٍ الأَنْصَارِىَّ أَتَى امْرَأَتَهُ وَكَانَ صَائِمًا فَقَالَ: عِنْدَكِ شَىْءٌ؟ قَالَتْ: لَا، لَعَلِّى أَذْهَبُ فَأَطْلُبُ لَكَ (1)،
===
حديث ابن عباس بصلاة العتمة، ونحوه في حديث أبي هريرة كما سأذكره قريبًا، وهذا أخص من حديث البراء من وجه آخر، ويحتمل أن يكون ذكر صلاة العشاء لكون ما بعدها مظنة النوم غالبًا، والتقييد في الحقيقة إنما هو بالنوم كما في سائر الأحاديث.
وبَيَّنَ السدِّي وغيره أن ذلك الحكم كان على وفق ما كتب على أهل الكتاب، كما أخرجه ابن جرير (2) من طريق السدي ولفظه:"كتب على النصارى الصيام، وكتب عليهم: أن لا يأكلوا ولا يشربوا ولا ينكحوا بعد النوم، وكتب على المسلمين أولًا مثل ذلك حتى أقبل رجل من الأنصار" فذكر القصة، انتهى.
ونقل في الحاشية عن "فتح الودود": قوله: "فنام ولم يأكل إلى مثلها"، ولا يخفى أن هذا الحديث يفيد أن المنع مقيد بالنوم، وما سبق من حديث ابن عباس يفيد أن المنع مقيد بصلاة العشاء، وقد يقال: لا منافاة بينهما، فيجوز تقييد المنع بكل منهما، فأيهما تحقق أولًا تحقق المنع، وقيل: يحتمل أن يكون ذكر صلاة العشاء في حديث ابن عباس لكون ما بعدها مظنة النوم غالبًا، والتقييد في الحقيقة بالنوم.
(وإن صرمة بن قيس الأنصاري)، وقد تقدم في كتاب الصلاة ذكر الاختلاف في اسمه (أتى امرأته) (3) لم أقف على تسميتها (وكان صائمًا فقال: عندك شيء؟ قالت: لا، لعلي أذهب (4) فأطلب لك)، ولفظ حديث البخاري:
(1) في نسخة "شيئًا".
(2)
"تفسير الطبري"(2/ 75).
(3)
قال ابن رسلان: جامع امرأته، انتهى، وهو بعيد. (ش).
(4)
وأجاد في "الكوكب"(4/ 73) ها هنا بحثًا، وهو: أنها كيف انتظرت وهي تعلم أنه صائم؟ وأجاب: بأنها لعلها أرادت الاستدانة عليه، فانتظرت لما أن الاستدانة لو لم تكن بأمره كان عليها الأداء، وإذ ذاك عليه فلعله يصوم بدون شيء ولا يستدين. (ش).
فَذَهَبَتْ وَغَلَبَتْهُ عَيْنُهُ، فَجَاءَتْ فَقَالَتْ: خَيْبَةً لَكَ، فَلَمْ يَنْتَصِفِ النَّهَارُ حَتَّى غُشِىَ عَلَيْهِ، وَكَانَ يَعْمَلُ يَوْمَهُ فِى أَرْضِهِ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لِلنَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم فَنَزَلَتْ:{أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ} - قَرَأَ إِلَى قَوْلِهِ - {مِنَ الْفَجْرِ} ". [خ 1915، ت 2968، ن 2168، حم 4/ 295]
===
"ولكن أنطلق فأطلب لك"، قال الحافظ (1): ظاهره أنه لم يجئ معه بشيء، لكن في "مرسل السدِّي":"أنه أتاها بتمر فقال: استبدلي به طحينًا واجعليه ثخينًا، فإن التمر أحرق جوفي".
(فذهبت) أي خرجت من البيت لطلب الطعام (وغلبته عينه) أي نام (فجاءت) أي رجعت بالطعام فرأته نائمًا (فقالت: خيبة لك) بالنصب مفعول مطلق محذوف العامل، والخيبة الحرمان، يقال: خاب يخيب: إذا لم ينل ما طلب.
(فلم ينتصف النهار حتى غشي عليه)، ولفظ البخاري:"فلما انتصف النهار غشي عليه"، فيحمل على أن الغشي في آخر النصف الأول من النهار، [و] في "مرسل السدِّي":"فأيقظته فكَرِهَ أن يعصي الله وأبى أن يأكل"، (وكان يعمل يومه) بالنصب (في أرضه)، وفي "مرسل السدي":"كان يعمل في حيطان المدينة بالأجرة"، فعلى هذا قوله:"في أرضه" إضافة اختصاص.
(فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فنزلت: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ} (2)، قرأ) أبو أحمد أو نصر بن علي (إلى قوله:{مِنَ الْفَجْرِ} )، قال الحافظ (3): قلت: وقد وقع في رواية أبي داود: فنزلت (4): {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ
(1)"فتح الباري"(4/ 131).
(2)
سورة البقرة: الآية 187.
(3)
"فتح الباري"(4/ 131).
(4)
في رواية البخاري: فنزلت هذه الآية: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ} ففرحوا بها فرحًا شديدًا، ونزلت:{وَكُلُوا وَاشْرَبُوا} ، قال الحافظ: كذا في هذه الرواية، قال الكرماني: لما صار الرفث وهو الجماع هنا حلالًا بعد أن كان حرامًا كان الأكل والشرب بطريق الأولى، فلذلك فرحوا بنزولها وفهموا منها الرخصة، ثم لما كان حلهما =