الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
العزّة بالإثم، وأدركتهم النعرة، فأجمع بنو كندوز هؤلاء الخلاف والخروج على السلطان ولحقوا بحاجة سنة ثلاث وسبعمائة. واحتفل الأمير بمراكش يعيش بن يعقوب لغزوهم سنة أربع وسبعمائة، فناجزوه الحرب بتادرت، واستمروا على خلافهم. ثم قاتلهم يعيش وعساكره ثانية بتامطريت سنة أربع وسبعمائة فهزمهم الهزيمة الكبرى التي قصّت جناحهم وأوهت من رياستهم [1] . وقتل جماعة من بني عبد الواد بأزعار وتاكما [2] ، وأثخن يعيش بن يعقوب في بلاد السوس، وهدم تارودانت قاعدة أرضها وأمّ قراها، كان بها عبد الرحمن بن الحسن بن يدّر من بقية الأمراء على السوس من قبل بني عبد المؤمن، وقد مرّ ذكرهم. وكانت بينه وبين عرب المعقل من الشبانات وبني حسّان منذ انقرضت دولة الموحّدين حرب سجال هلك في بعضها عمه عليّ بن يدّر سنة ثمان وستين وستمائة وصارت إمارته بعد حين إلى عبد الرحمن هذا، ولم يزالوا في حربه إلى أن تملّك السوس يعيش بن يعقوب، وهدم تارودانت قاعدة أرضها. ثم راجع عبد الرحمن أمره وبنى بلده تارودانت هذه سنة ست بعدها. ويزعم بنو يدر هؤلاء أنهم مستقرّون بذلك القصر من لدن عهد الطوالع من العرب، وأنهم لم يزالوا أمراء به تعقد لهم ولايته كابرا عن كابر، ولقد أدركت على عهد السلطان أبي عنّان وأخيه أبي سالم من بعده شيخا كبيرا من ولد عبد الرحمن، فحدّثني بمثل ذلك، وأنهم من ولد أبي بكر الصدّيق رضي الله عنه، والله أعلم. ولم يزل بنو كندوز مشرّدين بصحراء السوس إلى أن هلك السلطان، وراجعوا طاعة الملوك من بني مرين من بعده وعفوا لهم عما سلف من هذه الجريمة، وأعادوهم إلى مكانهم من الولاية، فأمحضوا النصيحة والمخالصة إلى هذا العهد كما سنذكره إن شاء الله تعالى.
(الخبر عن مهلك المشيخة من المصامدة بتلبيس أبي الملياني)
قد ذكرنا شأن أبي علي الملياني وأوليته في أخبار مغراوة الثانية، وما كان من ثورته
[1] وفي نسخة ثانية: وأوهنت بأسهم
[2]
كذا في النسخة الباريسية وفي نسخة ثانية: بارعارن بامكا.
بمليانة وانتزائه عليها. ثم إزعاج العسكر إيّاه منها ولحاقه بيعقوب بن عبد الحق سلطان بني مرين، وما أحلّه من مراتب التكرمة والمبرّة. وأقطعه بلد أغمات طعمة، فاستقرّ بها، وما كان منه في العبث بأشلاء الموحّدين ونبش أجداثهم، وموجدة السلطان والناس عليه لذلك. وأرصد له المصامدة الغوائل لما كان منه في ذلك، ولمّا هلك يعقوب بن عبد الحق استعمله يوسف بن يعقوب على جباية المصامدة، فلم يضطلع بها وسعى به مشيختهم عند السلطان أنه احتجز المال لنفسه، وحاسبوه فصدقوه السعاية، فاعتقله السلطان وأقصاه، وهلك سنة ست وثمانين وستمائة واصطنع السلطان أحمد ابن أخيه واستعمله في كتابته، وأقام على ذلك ببابه وفي جملته.
وكان السلطان سخط على مشيخة المصامدة عليّ بن محمد كبير هنتاتة، وعبد الكريم بن عيسى كبير كدميوة، وأوعز إلى ابنه الأمير علي بمراكش باعتقالهما، فاعتقلهما فيمن لهما من الولد والجاشية. وأحسن بذلك أحمد بن الملياني فاستعجل الثأر. وكانت العلامة السلطانية على الكتاب في الدولة لم تختص بكاتب واحد، بل كل منهم يضع العلامة بخطّه على كتابه إذا أكمله، لما كانوا كلّهم ثقاتا أمناء، وكانوا عند السلطان كأسنان المشط. فكتب أحمد بن الملياني إلى ابن السلطان الأمير بمراكش سنة سبع وتسعين وستمائة كتابا عن أمر أبيه، يأمره فيه بقتل مشيخة المصامدة ولا يمهلهم طرفة عين. ووضع عليها العلامة التي تنفّذ بها الأوامر، وختم الكتاب. وبعث به مع البريد ونجا بنفسه إلى البلد الجديد. وعجب الناس بشأنه. ولما وصل الكتاب إلى ابن السلطان بمراكش أخرج أولئك الرهط المعتقلين من المصامدة إلى مصارعهم، وقتل علي بن محمد وولده، وعبد الكريم بن عيسى وولده عيسى، وعلي ومنصور وابن أخيه عبد العزيز. وطيّر الأمير وزيره إلى أبيه بالخبر فقتله لحينه حنقا عليه، وأنفذ البريد باعتقال ابنه، وجرّد على ابن الملياني ففقد ولحق بتلمسان.
ونزل على آل زيّان. ثم لحق من بعدها بالأندلس عند إفراج السلطان عنها في تلك السنة كما ذكرناه. وبها هلك. واقتصر السلطان من يومئذ في علامته على من يختاره من صنائعه ويثق بأمانته. وجعلها لذلك العهد لعبد الله بن أبي مدين خالصته المضطلع بأمور مملكته، فاختصّت من بعده لهذا العهد، والله تعالى أعلم
.