الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(الخبر عن حصار تلمسان وتغلب السلطان أبي الحسن عليها وانقراض أمر بني عبد الواد بمهلك أبي تاشفين)
لما تغلّب السلطان على أخيه وحسم علّة انتزائه ومنازعته وسدّ ثغور المغرب، وعظمت لديه نعمة الله بظهور عسكره على النصرانية، وارتجاع جبل الفتح من أيديهم بعد أن أقام في ملكة الطاغية نحوا من عشرين سنة. فرغ لعدوه وأجمع على غزو تلمسان.
ووفد عليه رسل السلطان أبي يحيى في سبيل التهنئة بالفتح والأخذ بحجزة أبي تاشفين على الثغور. وأوفد السلطان إلى أبي تاشفين شفعاء في أن يتخلى عن عمل الموحّدين جملة، ويتراجع لهم عن تدلس، ويرجع إلى تخوم عمله منذ أوّل الأمر، ولو عامئذ ليعلم الناس جاه السلطان عند الملوك، ويقدّروه حقّ قدره، واستنكف أبو تاشفين مع ذلك وأغلظ للرسل في القول، وأفحش بمجلسه بعض السفهاء من العبيد في الردّ عليهم والنيل من مرسلهم، فانقلبوا إليه بما أحفظه، فانبعثت عزائم السلطان للصمود إليهم. وعسكر بساحة البلد الجديد، وبعث وزراءه إلى قاصية البلاد المراكشيّة لحشد القبائل والعساكر. ثم تعجّل فاعترض جنوده وأزاح عللهم وعبّى مواكبه، وسار في التعبية. وفصل بمعسكره من فاس أواسط خمس وثلاثين وسبعمائة وسار يجرّ الشوك والمدر من أمم المغرب وجنوده. ومرّ بوجدة، فجمّر الكتائب لحصارها. ثم مرّ بند رومة فقاتلها بعض يوم واقتحمها، فقتل حاميتها واستولى عليها آخر سنة خمس وثلاثين وسبعمائة ثم سار على تعبيته حتى أناخ على تلمسان، وبلغه الخبر بتغلّب عساكره على وجدة سنة ست وثلاثين وسبعمائة فأوعز إليه بتخريب أسوارها، فأضرعوها بالأرض.
وتوافت إليه إمداد النواحي وجهاتها وحشودها، وربض على فريسته. ووفدت إليه قبائل مغراوة وبني توجين فآتوه طاعتهم. ثم سرّح عساكره إلى الجهات فتغلّب على وهران وهنين، ثم على مليانة وتنس والجزائر كذلك سنة ست وثلاثين وسبعمائة ونزع إليه يحيى بن موسى صاحب القاصية الشرقية من عمله، والمتاخم كان لعمل الموحّدين، والقائم بحصار بجاية بعد نكبة موسى بن علي فلقاه مبرّة وتكريما، ورفع بساطه ونظمه في طبقات وزرائه وجلسائه. وعقد على فتح البلاد الشرقيّة ليحيى
ابن سليمان العسكري كبير بني عسكر بن محمد وشيخ بني مرين، وصاحب شوراهم بمجلس السلطان، والمخصوص بصهر من السلطان. عقد له على ابنته فسار في الألوية والجنود وطوّع ضاحية الشرق وقبائله، وافتتح أمصاره حتى انتهى إلى المريّة [1] . ونظّم البلاد في طاعة السلطان، وأحشد مقاتلتها إلى معسكره فلحقوا له وكاثروا جنوده. واستعمل السلطان على وانشريش وعمل الحشم من بني توجين.
وعقد لسعد بن سلامة بن علي على بني يدللتين. وجعل الوالي بالقلعة إلى نظره. وكان خلص إليه بالمغرب قبل فصوله نازعا عن أبي تاشفين لمكان أخيه قريعة محمد من الدولة.
واستعمل السلطان أيضا على شلف وسائر أعمال المغرب الأوسط. واختطّ السلطان بغربي [2] تلسمان البلد الجديد لسكناه، ونزل عساكره وسماه المنصورية [3] . وأدار على البلد المخروب سياجا من السور ونطاقا من الخندق. ونصب المجانيق والآلات من وراء خندقه وشيّد قبالة كل برج من أبراج البلد برجا على ساقة خندقه ينضح رماته بالنبل رماتهم، ويشغلونهم بأنفسهم حتى شيّد برجا آخر أقرب منه، وترتفع شرفاته فوق خندقهم. ولم يزل يتقرّب بوضع الأبراج من حدّ إلى ما بعده، حتى اختطها من قرب على ساقه خندقهم. وتماصع المقاتلة بالسيوف من أعيالها، ورتّب المجانيق إلى رجمها ودكّها، فنالت من ذلك فوق الغاية. واشتدّ الحرب وضاق نطاق الحصار. وكان السلطان يصحبهم كل يوم بالبكور والتطواف على البلد من جميع جهاته لتفقّد المقاتلة في مراكزهم، وربما ينفرد في طوافه بعض الأيام عن حاشيته، فاهتبلوا الأمر يحسبونه غرّة. وصفّوا جيوشهم من وراء السور مما يلي الجبل المطلّ على البلد، حتى إذا حاذاه السلطان في تطوافه فتحوا أبوابهم، وأرسلوا عليه عقبان جنودهم، واضطرّوه إلى سفح الجبل حتى لحق بأوعاره، وكاد أن ينزل عن فرسه هو وولّيه عريف بن يحيى أمير سويد. ووصل الصائح إلى المعسكر فركب الأميران ابناه:
ابو عبد الرحمن وأبو مالك، في جموع بني مرين، وتهاوت فرسان المعسكر من كلّ جانب، فشمّر جنود بني عبد الواد إلى مراكزهم. ثم دفعوهم عنها، وحملوهم على
[1] وفي نسخة ثانية: المدية.
[2]
وفي نسخة ثانية: بقرب تلسمان.
[3]
كذا في النسخة الباريسية وفي نسخة ثانية المنصورة.
هوّة الخندق فتطارحوا فيه وترادفوا وهلك بالكظيظ أكثر ممن هلك بالقتل. واستلحم في ذلك اليوم زعماء ملئهم [1] مثل عمر بن عثمان كبير الحشم من بني توجين، ومحمد بن سلامة بن عليّ كبير بني يدللتن منهم أيضا وغيرهم. وكان يوما له ما بعده. واعتز بنو مرين عليهم من يومئذ. ونذر بنو عبد الواد بالتغلّب عليهم، واتصلت الحرب مدّة عامين. ثم اقتحمها السلطان غلابا لسبع وعشرين من رمضان سنة سبع وثلاثين وسبعمائة. ووقف أبو تاشفين بساحة قصره مع خاصّته، وقاتل هنالك حتى قتل ابناه عثمان ومسعود ووزيره موسى بن عليّ ووليّه عبد الحق بن عثمان من أعياص عبد الحق. نزع إليه من جملة الموحّدين كما أشرنا إليه ونستوفي خبره. فهلك هو وابنه وابن أخيه، وأثخنت السلطان أبا تاشفين الجراحة ووهن لها، فتقبّض عليه. واختبنه [2] بعض الفرسان إلى السلطان فلقيه الأمير أبو عبد الرحمن صالي تلك الحروب وأورد غمرتها بنفسه، فاعترضه وقد غضّ الطرف بموكبه، فأمر به في الحين فقتل، واحتزّ رأسه، وسخط ذلك السلطان من فعله لحرصه على توبيخه وتفريعه، وذهب مثلا في الغابرين. واقتحم السلطان بكافّة عساكره، وتواقع الناس بباب كشوط [3] لجنوبهم من كظيظ الزحام، فهلك منهم أمم.
وانطلقت أيدي النهب على البلد فلحقت الكثير من أهله معرّات في أموالهم وحرمهم.
وخلص السلطان إلى المسجد الجامع مع لمّة من خواصه وحاشيته. واستدعى شيوخ الفتيا بالبلد أبو زيد وأبو موسى ابنا الإمام، وفاء بحق العلم وأهله، فخلصوا إليه بعد الجهد ووعظوه وذكروه بما نال الناس من النهب، فركب لذلك بنفسه وسكن وأوزع جنوده وأشياعه من الرعيّة، وقبض أيديهم عن الفساد وعاد إلى معسكره بالبلد الجديد. وقد كمل الفتح وعزّ النصر، وشهد ذلك اليوم أبو محمد بن تافراكين، وافاه رسولا عن مولانا السلطان أبي يحيى مجدّدا للعهد، فأعجله السلطان إلى مرسلة بالخبر وسابق السابقين. ودخل تونس لسبع عشرة ليلة من نوبة الفتح، فعظم السرور عند السلطان أبي يحيى بمهلك عدوّه والانتقام منه بشارة، واعتدّها بمساعيه. ورفع السلطان أبو الحسن القتل عن بني عبد الواد أعدائهم، وشفى نفسه
[1] وفي نسخة ثانية: ملاحمهم.
[2]
اختبن الشيء: اخذه في خبنة ثيابه (قاموس) .
[3]
وفي نسخة ثانية: كشوك.