الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ترك من عياله وولده بفاس، خير خلف في قضاء حاجاتهم وإدرار أرزاقهم، من المتولّين لها، والاستخدام لهم. ثم فسد ما بين الطاغية وبينه، قبل ظفره بملكه، برجوعه عما اشترط له من التجافي عن حصون المسلمين التي تملّكها بالإجلاب، ففارقه إلى بلاد المسلمين باستجة [1] وكتب إلى عمر بن عبد الله يطلب مصرا ينزله من أمصار الأندلس الغربيّة التي كانت ركابا لملوك المغرب في جهادهم. وخاطبني أنا في ذلك، فكنت له نعم الوسيلة عند عمر، حتى تمّ قصده من ذلك، وتجافى له عن رندة وأعمالها، فنزلها وتملّكها، وكانت دار هجرته، وركاب فتحه، وملك منها الأندلس أواسط ثلاث وستين وسبعمائة واستوحشت أنا من عمر إثر ذلك كما مرّ، وارتحلت إليه معوّلا على سوابقي عنده، فقرّب في المكافآت كما نذكره إن شاء الله تعالى.
(الرحلة الى الأندلس)
ولما أجمعت الرحلة إلى الأندلس بعثت بأهلي وولدي إلى أخوالهم بقسنطينة، وكتبت لهم إلى صاحبها السلطان أبي العبّاس من حفدة السلطان أبي يحيى، وبأني أمرّ على الأندلس وأجيز عليه من هنالك. وسرت إلى سبتة فرضة المجاز، وكبيرها يومئذ الشريف أبو العبّاس أحمد بن الشريف الحسني، ذو النسب الواضح السالم من الريبة عند كافة أهل المغرب، انتقل سلفه إلى سبتة من صقلّيّة. وأكرمهم بنو العزفي أوّلا وصاهروهم. ثم عظم صيتهم في البلد فتنكّروا لهم وغرّبهم يحيى العزفي آخرهم إلى الجزيرة، فاعترضتهم مراكب النصارى في الزقاق [2] فأسروهم. وانتدب السلطان أبو سعيد إلى فديتهم رعاية لشرفهم، فبعث إلى النصارى في ذلك فأجابوه. وفادى هذا الرجل وأباه على ثلاثة آلاف دينار، ورجعوا إلى سبتة، وانقرض بنو العزفي
[1] وفي نسخة أخرى اسجه. وقد سجّلها ابن خلدون بخط يده بفتح الهمزة وكسر السين المخففة. وفي معجم البلدان إستيجة: بالكسر ثم السكون وكسر التاء وجيم وهاء، اسم لكورة بالأندلس متصلة بأعمال ريّة بين القبلة والمغرب من قرطبة. وهي كورة قديمة واسعة الرساتيق والأراضي على نهر سنجل. وهو نهر غرناطة بينها وبين قرطبة عشرة فراسخ وأعمالها متصلة باعمال قرطبة (معجم البلدان) .
[2]
هو مضيق يقع بين طنجة وجبل طارق.
ودولتهم، وهلك والد الشريف وصدر هو إلى رياسة الشورى. لما كانت واقعة القيروان، وخلع أبو عنان أباه واستولى على المغرب، وكان بسبتة عبد الله بن علي الوزير واليا من قبل السلطان أبي الحسن، فتمسّك بدعوته، ومال أهل البلد إلى السلطان أبي عنان وبثّ فيهم الشريف دعوته، فثاروا بالوزير وأخرجوه، ووفدوا على أبي عنان وأمكنوه من بلدهم، فولّى عليها من عظماء دولته سعيد بن موسى العجيسي، كان كافل تربيته في صغره. وأفرد هذا الشريف برياسة الشورى في سبتة، فلم يكن يقطع أمرا دونه، ووفد على السلطان بعض الأيام فتلقّاه من المبرة بما لا يشاركه فيه أحد من وفود الملوك والعظماء. ولم يزل على ذلك سائر أيام السلطان وبعد وفاته، وكان معظّما وقور المجلس، هشّ اللقاء، كريم الوفادة، متحلّيا بالعلم والأدب، منتحلا للشعر غاية في الكرم وحسن العهد، وسذاجة النفس، ولمّا مررت به سنة أربع وستين وسبعمائة أنزلني ببيته إزاء المسجد الجامع، ورأيت منه ما لا يقدّر مثله من الملوك، وأركبني الحرّاقة [1] ليلة سفري يباشر دحرجتها إلى الماء بيده، إغرابا في الفضل والمساهمة، وحططت بجبل الفتح وهو يومئذ لصاحب المغرب، ثم خرجت منه إلى غرناطة وكتبت للسلطان ابن الأحمر ووزيره ابن الخطيب بشأني، وليلة بتّ بقرب غرناطة على بريد منها، لقيني كتاب ابن الخطيب يهنيني بالقدوم، ويؤنسني ونصّه:
حللت حلول الغيث في البلد المحل
…
على الطائر الميمون والرّحب والسهل
يمينا بمن تعنو الوجوه لوجهه
…
من الشيخ والطفل المعصب [2]
لقد نشأت عندي للقياك غبطة
…
تنسّي اغتباطي بالشبيبة والأهل
وودّي لا يحتاج فيه لشاهد
…
وتقريري المعلوم ضرب من الجهل
أقسمت بمن حجّت قريش لبيته، وقبر صرفت أزمّة الأحياء لميته ونور ضربت الأمثال بمشكاته وزيته. لو خيّرت أيها المحبّ الحبيب الّذي زيارته الأمنيّة السنيّة، والعارفة الوارفة، واللطيفة المطيفة بين رجع الشباب يقطر ماؤه، ويرف نماؤه، ويغازل عيون الكواكب، فضلا عن الكواعب، إشارة وإيماء، بحيث لا آلو في
[1] الحراقة: نوع من السفن الصغيرة فيها مرامي نيران يرمى بها العدو، ومنهم من كان يستعملها للنزهة.
[2]
وفي نسخة ثانية: المهدّاء.
حظ يلمّ بسياج لمّته، أو يقدح ذباله في ظلمته، أو يقدّم حواريه في ملمته [1] . من الأحابش وأمّته. وزمانه روح وراح، ومغدى في النعيم مراح، وخصب صراح، ورنى وجراح [2] ، وانتخاب واقتراح، وصدر ما به إلا انشراح، ومسرّات يردفها أفراح، وبين قدومك خليع الرسن ممتّعا، والحمد للَّه باليقظة والوسن، محكما في نسك الجنيد أو فتك الحسن، ممتّعا بظرف المعارف، مالئا آلف الصيارف، ماحيا بأنوار البراهين شبه الزخارف، لما اخترت الشباب وإن شاقني زمنه، وأعياني ثمنه، وأجرت سحاب دمعي دمنه. فالحمد للَّه الّذي رفأ حنوّه اغترابي [3] وملّكني أزمّة آرابي، وغبّطني بمالي وترابي، ومألف أترابي، وقد أغصّني بلذيذ شرابي، ووقع على سطوره المعتبرة إضرابي. وعجّلت هذه مغبطّة بمناخ المطيّة، وملتقى للسعود غير البطيّة، وتهنّي الآمال الوثيرة الوطية، فما شئت من نفوس عاطشة إلى ربّك، متجمّلة بزيّك، عاقلة خطيّ سمهريك [4] ، ومولى مكارمه، مشيدة لأمثالك، ومضان منالك، وسيصدق الخبر ما هنالك، ويسع فضل مجدك في التخلّف عن الإصحار لا بل اللقاء من وراء البحار والسلام.
ثم أصبحت من الغد قادما على البلد وذلك ثامن ربيع الأول عام أربعة وستين وسبعمائة وقد اهتز السلطان لقدومي، وهيّأ لي المنزل من قصوره بفرشه وما عونه، وأركب خاصّته للقائي تحفّيا وبرّا ومجازاة بالحسنى. ثم دخلت عليه فقابلني بما يناسب ذلك، وخلع عليّ وانصرفت. وخرج الوزير ابن الخطيب فشيّعني إلى مكان نزلي، ثم نظمني في علية أهل مجلسه، واختصّني بالنجاء في خلوته، والمواكبة في ركوبه والمواكلة والمطايبة والمفاكهة في خلوات أنسه، وأقمت عنده، وسفرت عنه سنة خمس وستين وسبعمائة إلى الطاغية ملك قشتالة يومئذ، بطرة بن الهنشة بن أدفونش لإتمام عقد الصلح ما بينه وبين ملوك العدوة بهديّة فاخرة من ثياب الحرير والجياد والمقرّبات بمراكب الذهب الثقيلة، فلقيت الطاغية بإشبيليّة وعاينت آثار سلفي بها، وعاملني من الكرامة بما لا مزيد عليه، وأظهر الاغتباط بمكاني، وعلم أوليّة
[1] وفي نسخة ثانية: ملّته.
[2]
وفي نسخة ثانية: وفصف وصراح، ودقى وجراح.
[3]
وفي نسخة ثانية: الّذي رقى جنون اغترابي.
[4]
وفي نسخة ثانية: عامله خطا مهريك.
سلفنا بإشبيليّة وأثنى عليّ عنده طبيبه إبراهيم ابن زرور [1] اليهودي المقدّم في الطب والنجامة، وكان لقيني بمجلس السلطان أبي عنان وقد استدعاه يستطبّه، وهو يومئذ بدار ابن الأحمر بالأندلس. ثم نزع بعد مهلك رضوان بن القائم بدولتهم إلى الطاغية، فأقام عنده ونظّمه في أطبائه، فلمّا قدمت أنا عليه أثنى عليّ عنده، فطلب الطاغية حينئذ المقام عنده، وأن يردّ عليّ تراث سلفي بإشبيليّة، وكان بيد زعماء دولته، فتفاديت من ذلك بما قبله. ولم يزل على اغتباطه إلى أن انصرفت عنه، فزوّدني وحملني [2] واختصّني ببغلة فارهة، بمركب ثقيل ولجام ذهبيّين، أهديتهما إلى السلطان فأقطعني قرية البيرة من أراضي السقي بمرج غرناطة، وكتب لي بها منشورا كان نصّه [3] ثم حضرت ليلة المولد النبويّ لخامسة قدومي، وكان يحتفل في الصنيع فيها والدعوة وإنشاد الشعر اقتداء بملوك المغرب، فأنشدته ليلتئذ:
حيّ المعاهد كانت قبل تحييني
…
بواكف الدمع يرويها ويظميني
إنّ الألى نزحت داري ودارهم
…
تحمّلوا القلب في آثارهم دوني
وقفت أنشد صبرا ضاع بعدهم
…
فيهم وأسأل رسما لا يناجيني
أمثّل الرّبع من شوقي فألثمه
…
وكيف والفكر يدنيه ويقصيني
وينهب الوجد مني كل لؤلؤة
…
ما زال قلبي عليها غير مأمون
سقت جفوني مغاني الرّبع بعدهم
…
بالدّمع وقف على أطلاله الجوني [4]
[1] وفي نسخة ثانية: زرزر.
[2]
بمعنى اعطاني ظهرا لأركبه.
[3]
بياض بالأصل في جميع النسخ لعلّ ابن خلدون ترك هذا الفراغ عن قصد ليثبت نصّ هذا المنشور ولكن الموت عاجله قبل إتمام عمله هذا.
[4]
الجون: السود.
قد كان للقلب عن داعي الهوى شغل
…
لو أنّ قلبي إلى السلوان يدعوني
أحبابنا هل لعهد الوصل مدّكر
…
منكم وهل نسمة عنكم تحييني
ما لي وللطّيف لا يعتاد زائره
…
وللنّسيم عليلا لا يداويني
يا أهل نجد وما نجد وساكنها
…
حسنا سوى جنّة الفردوس والعين
أعندكم أنّني ما مرّ ذكركم
…
إلّا انثنيت كأنّ الرّاح تثنيني
أصبو إلى البرق من أنحاء أرضكم
…
شوقا ولولاكم ما كان يصبيني
يا نازحا والمنى تدنيه من خلدي [1]
…
حتى لأحسبه قربا يناجيني
أسلى هواك فؤادي عن سواك وما
…
سواك يوما بحال عنك يسليني
ترى الليالي أنستك ادّكاري يا
…
من لم تكن ذكره الأيام تنسيني
ومنها في وصف الإيوان الّذي بناه لجلوسه بين قصوره:
يا مصنعا شيّدت منه السّعود حمى
…
لا يطرق الدّهر مبناه بتوهين
صرح يحار لديه الطرف مفتتنا
…
فيما يروقك من شكل وتلوين
بعدا لإيوان كسرى إنّ مشورك [2]
…
السامي لأعظم من تلك الأواوين
ودع دمشق ومغناها فقصرك ذا
…
«أشهى إلى القلب من أبواب جيرون» [3]
ومنها في التّعريض بمنصرفي من العدوة:
من مبلغ عنّي الصّحب الألى تركوا
…
ودّي وضاع حماهم إذ أضاعوني
أني أويت من العليا إلى حرم
…
كادت مغانيه بالبشرى تحيّيني
وأنني ظاعنا لم ألق بعدهم
…
دهرا أشاكي ولا خصما يشاكيني
لا كالتي أخفرت عهدي ليالي إذ
…
أقلّب الطّرف بين الخوف والهون
سقيا ورعيا لأيامي التي ظفرت
…
يداي منها بحظّ غير مغبون
أرتاد منها مليّا لا يماطلني
…
وعدا وأرجو كريما لا يعنّيني
وهاك منها قواف طيّها حكم
…
مثل الأزاهر في طيّ الرياحين
[1] الخلد: البال.
[2]
مشورك: كلمة مغربية تعني مكان جلوس السلطان ومن دونه الحكام ولا تزال تستعمل في مثل هذا المعنى بالمغرب.
[3]
جيرون: عند باب دمشق من بناء سليمان بن داود عليه السلام. يقال إن الشياطين بنته وهي سقيفة مستطيلة على عمد وسقائف وحولها مدينة تطيف بها. يقال واسم الشيطان الّذي بناه جيرون فسمّي به
…
(معجم البلدان) .
تلوح إن جليت درا وإن تليت
…
تثني عليك بأنفاس البساتين
عانيت منها بجهدي كلّ شاردة
…
لولا سعودك ما كانت تواتيني
يمانع الفكر عنها ما تقسّمه
…
من كلّ حزن بطيّ الصدر مكنون
لكن بسعدك ذلّت لي شواردها
…
فرضت منها بتحبير وتزيين
بقيت دهرك في أمن وفي دعة
…
ودام ملكك في نصر وتمكين
وأنشدته سنة خمس وستين وسبعمائة في إعذار ولده، والصّنيع الّذي احتفل لهم فيه، ودعا إليه الجفلى [1] من نواحي الأندلس ولم يحضرني منها إلّا ما أذكره:
صحا الشوق لولا عبرة ونحيب
…
وذكرى تجدّ الوجد حين تثوب [2]
وقلب أبى إلّا الوفاء بعهده
…
وإن نزحت دار وبان حبيب
وللَّه مني بعد حادثة النّوى
…
فؤاد لتذكير [3] العهود طروب
يؤرّقه طيف الخيال إذا سرى
…
وتذكي حشاه نفحة وهبوب
خليليّ لا تستعديا قد دعا الأسى [4]
…
فإنّي لما يدعو الأسى لمجيب
ألمّا على الأطلال نقض حقوقها
…
من الدمع فيّاض الشؤون سكوب
ولا تعذلاني في البكاء فإنّها
…
حشاشة نفسي في الدموع تذوب
ومنها في تقدّم ولده للاعذار من غير نكول:
فيمّم منه الحفل لا متقاعس
…
ولا نكس [5] عند اللقاء هيوب
وراح كما راح الحسام من الوغى
…
تروق حلاه والفرند خضيب
شواهر [6] أهدتهنّ منك شمائل
…
وخلق بصفوف المجد منك مشوب
ومنها في الثناء على ولديه:
هما النّيّران الطالعان على الهدى
…
بآيات فتح شأنهنّ عجيب
[1] الجفلي: هي أن تدعو الناس الى طعامك دعوة عامة من غير اختصاص. يقال «دعي فلان في النقرى لا في الجفلى» أي في الدعوة الخاصة لا العامة (قاموس) .
[2]
النحيب: البكاء وفي النسخة الباريسية تئوب وكذلك تثوب يجمعان نفس المعنى أي ترجع وتعود.
[3]
وفي نسخة ثانية: لتذكار.
[4]
وفي نسخة ثانية: خليلي إلا تسعدا فدعا الأسى
…
[5]
وفي نسخة ثانية: لخطب ولا نكس، والنكس: الرجل الضعيف والمقصّر عن غاية النجدة والكرم.
[6]
وفي نسخة ثانية: شواهد.
شهابان في الهيجا نعامان في الثوى [1]
…
تسحّ المعالي منهما وتصوب
يدان لبسط المكرّمات نماهما
…
إلى المجد فيّاض اليدين وهوب
وأنشدته ليلة المولد الكريم من هذه السنة:
أبى الطيف أن يعتاد إلا توهّما
…
فمن لي ألقى الخيال المسلّما
وقد كنت أستهديه لو كان نافعي
…
واستمطر الأجفان لو تمطر الظما [2]
ولكن خيال كاذب وطماعة
…
تعلّل قلبا بالأماني متيّما
أيا صاحبي نجواي والحبّ لوعة
…
يبيح بشكواها الضمير المكتما
خذا لفؤادي العهد من نفس الصّبا
…
وطيّ النّقا [3] والبان من أجرع الحمى
الأصنع الشوق الّذي هو صانع
…
فحبّي مقيم أقصّر الشوق أوسما
وإني ليدعوني السلوّ تعلّلا
…
وتنهاني الأشجان أن أتقدّما
لمن دمن أقفرن إلّا هواتف
…
تردّد في أطلالهنّ الترنّما
عرفت بها سيّما الهوى وتنكّرت
…
فعجت على آياتها متوسّما
وذو الشّوق يعتاد الربوع دوارسا
…
ويعرف آثار الديار توهّما
تؤوّبني والليل بيني وبينه
…
وميض بأطراف الثنايا تضرّما
أجدّ لي العهد القديم كأنّه
…
أشار بتذكار العهود فأفهما
عجبت لمرتاع الجوانح خافق
…
بكيت له خلف الدّجا وتبسّما
وبتّ أروّيه كؤوس مدامعي
…
وبات يعاطيني الحديث عن الحمى
وصافحته عن رسم دار بذي الغضي
…
لبست بها ثوب الشبيبة معلما
لعهدي بها تدني الظّباء أوانسا
…
وتطلع في آفاقها الغيد أنجما
أحنّ إليها حيث سار بي الهوى
…
وأنجد رحلي في البلاد وأتهما
ولما استقرّ القرار، واطمأنّت الدار، وكان من السلطان الاغتباط والاستبشار، وكثر الحنين إلى الأهل والتذكار، أمر لاستقدام [4] أهلي من مطرح اغترابهم من
[1] وفي نسخة ثانية: شهابان في الهيجا غمامان في الندى.
[2]
وفي نسخة ثانية: لو تنقع الظما أي لو تروي العطشان.
[3]
وفي نسخة ثانية: ظبي النقا، والنقا: الكثيب من الرمل.
[4]
وفي نسخة ثانية: استقدام.
قسنطينة، بعث إليهم من جاء بهم إلى تلمسان. وأمر قائد الأسطول بالمريّة، فسار في إجازتهم في أسطوله، واحتلّوا بالمريّة. واستأذنت السلطان في تلقّيهم، وقدمت بهم على الحضرة بعد أن هيّأت لهم المنزل والبستان ودمنة الفلح، وسائر ضروريات المعاش.
وكتبت الى الوزير ابن الخطيب عند ما قاربت الحضرة، وقد كتبت إليه أستأذنه في القدوم، وما أعتمده في أحواله.
سيّدي، قدمت بالطّير اليمانين، على البلد الأمين، واستضفت الرفّاء إلى البنين، ومتعت بطول السنين. وصلتني البراءة المعرّبة عن كتب اللقاء، ودنوّ المزار، وذهاب البعد، وقرب الديار، وأستفهم سيدي عمّا عندي في القدوم على المخدوم، وأحبّ أن يستقدمني سيدي إلى الباب الكريم [1] في الوقت الّذي يجد المجلس الجمهوري لم يقض حجيجه، ولم يصخ [2] بهيجه، ويصل الأهل بعده إلى المحل الّذي هيأته السعادة لاستقرارهم، واختاره اليمن قبل اختيارهم والسلام.
ثم لم يلبث الأعداء وأهل السعايات أن حملوا الوزير ابن الخطيب من ملابستي للسلطان، واشتماله عليّ، وحرّكوا له جواد الغيرة فتنكّر. وشممت منه رائحة الانقباض مع استبداده بالدولة، وتحكمّه في سائر أحوالها، وجاءتني كتب السلطان أبي عبد الله صاحب بجاية بأنه استولى عليها في رمضان سنة خمس وستين وسبعمائة واستدعاني إليه، فاستأذنت السلطان ابن الأحمر في الارتحال إليه. وعميت عليه شأن ابن الخطيب إبقاء للمودّة، فارتمض [3] لذلك، ولم يسعه إلّا الاسعاف، فودّع وزوّد وكتب لي مرسوما بالتشييع من إملاء الوزير ابن الخطيب نصّه:
هذا ظهير كريم، تضمّن تشييعا وترفيعا وإكراما وإعظاما، وكان لعمل الصنيع ختاما، وعلى الّذي أحسن تماما، وأشاد به للمعتمد به بالاغتباط الّذي راق قساما [4] ، وتوفر إقساما، وأعلق بالقبول أن نوى بعد القوى رجوعا وآثر على الظعن المزمع مقاما.
[1] وفي نسخة ثانية: والحق ان يتقدّم سيدي الى الباب الكريم.
[2]
وفي نسخة ثانية: ولا صوّح بهيجه.
[3]
بمعنى اشتدّ قلقه.
[4]
القسام: الجمال والحسن.
أمر به، وأمضى العمل بمقتضاه، وحبسه الأمير أبو عبد الله ابن مولانا أمير المسلمين أبي الحجّاج ابن مولانا أمير المسلمين أبي الوليد بن نصر أيّد الله أمره، وأعزّ نصره، وأعلى ذكره، للوليّ الجليس، الحظيّ المكين، المقرّب الأودّ الابن الفقيه الجليل الصدر الأوحد، الرئيس العالم الفاضل الكامل، الموقع الأمين الأظهر الأرضى، الأخلص الأصفى، أبي زيد عبد الرحمن ابن الشيخ الجليل، الحسيب الأصيل، المرفّع المعظّم، الصدر الأوحد، الأسمى الأفضل الموقّر المبرور أبي يحيى ابن الشيخ الجليل الكبير، الرفيع الماجد، القائد الحظيّ، المعظّم الموقّر، المبرور المرحوم أبي عبد الله بن خلدون. وصله الله أسباب السعادة، وبلّغه من فضله أقصى الإرادة، أعلن بما عنده، أيّده الله من الاعتقاد الجميل في جانبه المرفّع، وإن كان غنيا عن الإعلان، وأعرب عن معرفة مقداره في الحسبان، العلماء الرؤساء الأعيان، وأشاد باتّصال رضاه عن مقاصده البرّة وشيمه الحسان، من لدن وفد على بابه، وفادة العزّ الراسخ البنيان، وأقام المقام الّذي عيّن له رفعة المكان، وإجلال الشان، إلى أن عزم على قصد وطنه، أبلغه الله في ظل الأمن [1] والأمان، وكفالة الرحمن بعد الاغتباط المربي على الخير بالعيان، والتمسّك بجواره بجهد الإمكان، ثم قبول عذره بما جبلت الأنفس عليه من الحنين إلى المعاهد والأوطان. بعد أن لم يدّخر عنه كرامة رفيعة، ولم يحجب عنه وجه صنيعه، فولّاه القيادة والسيادة [2] وأحلّه جليسا معتمدا بالاستشارة، ثم أصحبه تشييعا يشهد بالضنانة بفراقه، ويجمع له برّ الوجاهة من جميع آفاقه، ويجعله بيده رتيمة خنصر [3] ووثيقة سامع أو مبصر، فمهما لوى أخدعه إلى هذه البلاد بعد قضاء وطره، وتملّيه من نهمة سفره، أو نزع به حسن العهد وحنين الودّ، فصدر العناية به مشروح، وباب الرضا والقبول مفتوح، وما عهده من الحظوة والبرّ ممنوح. فما كان القصد في مثله من أمجاد الأولياء التحوّل، ولا الاعتقاد الكريم التبدّل، ولا الزمن الأخير أن ينسخ الأوّل. على هذا فليطو ضميره، وليرد ما شاء نميره، ومن وقف عليه من القوّاد والأشياخ والخدّام برا وبحرا على اختلاف الخطط والرتب، وتباين الأحوال والنسب، أن يعرفوا حق
[1] وفي نسخة ثانية: اليمن.
[2]
وفي نسخة ثانية: السفارة.
[3]
رتيمة خنصر: الخيط الّذي يشد في الإصبع لتستذكر به الحاجة.