الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
انطبق الجوّ على معسكره وفسدت السابلة على العير للميرة، واستجم الزبون في احياء معسكره بظهور العدوّ المساهم في الملك. وتفادت رجالات العرب من سوء المغبّة وسطوة السلطان، فتمشوا بينهم في الانفضاض وتحينوا لذلك وقت المناوشة، وكان السلطان لما كذبه وعد المشيخة أجمع قتالهم، واضطرب الفساطيط مضايقة للأسوار، متسنمة وعرا من الجبل لم يرضه أهل الرأي. وخرج رجل الجبل على حين غفلة فجاولوا من كان بتلك الأخبية من المقاتلة فانهزموا أمامهم وتركوها بأيديهم فمزقوها بالسيوف. وعاين العرب على البعد انتهاب الفساطيط فأجفلوا وانفضّ المعسكر بأجمعه. وحمل السلطان أبو حمو أثقاله للرحلة فأجهضوه عنها فتركها، وانتهب مخلفه أجمع. وتصايح الناس بهم من كل حدب، وضاقت المسالك من ورائهم وأمامهم، وكظّت بزحامهم، وتواقعوا لجنوبهم، فهلك الكثير منهم وكانت من غرائب الواقعات، تحدث الناس بها زمانا وسيقت حظاياه إلى بجاية، واستأثر الأمير أبو زيان منهنّ بحظيته الشهيرة ابنة يحيى الزابي، ينسب إلى عبد المؤمن بن علي. وكان أصهر فيها إلى أبيها أيام تقلبه في سبيل الاغتراب ببلاد الموحدين كما سبق، وكانت أعلق بقلبه من سواها، فخرجت في مغانم الأمير أبي زيّان. وتحرّج عن مواقعتها حتى أوجده أهل الفتيا السبيل إلى ذلك لحنث زعموا وقع من السلطان أبي حمو في نسائه. وخلص السلطان أبو حمو من هوّة ذلك العصب بعد غصّة الريق، ونجا إلى الجزائر لا يكاد يردّ النفس من شناعة ذلك الهول. ثم خرج منها ولحق بتلمسان، واقتعد سرير ملكه واشتدّت شوكة أبي زيّان ابن عمّه، وتغلب على القاصية واجتمعت إليه العرب، وكثر تابعه. وزاحم السلطان أبا حمو بتلك الناحية الشرقية سنين تباعا نذكر الآن أخبارها، إن شاء الله تعالى.
(الخبر عن خروج أبي زيان بالقاصية الشرقية من بلاد حصين وتغلبه على المرية والجزائر ومليانة وما كان من الحروب معه)
لما انهزم السلطان أبو حمّو بساحة بجاية عشيّ يومه من أوائل ذي الحجة، خاتم سنة سبع وستين وسبعمائة قرع الأمير أبو زيّان طبوله واتبع أثره، وانتهى إلى بلاد حصين
من زغبة. وكانوا سائمين من الهضيمة والعسف إذا كانت الدول تجريهم مجرى الرعايا المعبّدة في المغرم، وتعدل بهم عن سبيل إخوانهم من زغبة أمامهم ووراءهم لبغية الغزو فبايعوه على الموت الأحمر ووقفوا بمعتصم [1] من جبل تيطري إلى أن دهمتهم عساكر السلطان. ثم أجلبوا على المرية [2] وكان بها عسكر ضخم للسلطان أبي حمو لنظر وزرائه: عمران بن موسى بن يوسف، وموسى بن برغوث، ووادفل ابن عبو بن حمّاد، ونازلوهم أياما ثم غلبوهم على البلد. وملكها الأمير أبو زيان ومن على الوزراء ومشيخة بني عبد الواد وترك سبيلهم إلى سلطانهم، وسلك سبيلهم الثعالبة في التجافي عن ذلّ المغرم، فأعطوه يد الطاعة والانقياد للأمير أبي زيّان، وكانت في نفوس أهل الجزائر نفرة من جور العمّال عليهم، فاستمالهم بها سالم بن إبراهيم بن نصر أمير الثعالبة إلى طاعة الأمير أبي زيان. ثم دعا أبو زيّان أهل مليانة إلى مثلها فأجابوه. واعتمل السلطان أبو حمو نظره في الحركة الحاسمة لدائهم [3] ، فبعث في العرب وبذل المال، وأقطع البلاد على أشطاط منهم في الطلب. وتحرّك إلى بلاد توجين ونزل قلعة بني سلامة سنة ثمان وستين وسبعمائة يحاول طاعة أبي بكر بن عريف أمير سويد. فلم يلبث عنه خالد بن عامر ولحق بأبي بكر بن عريف، واجتمعا على الخلاف عليه ونقض طاعته. وشنّوا الغارة على معسكره، فاضطرب وأجفلوا وانتهبت محلّاته وأثقاله، ورجع إلى تلمسان. ثم نهض إلى مليانة فافتتحها، وبعث إلى رياح على حين صاغية [4] إليه من يعقوب بن علي بن أحمد وعثمان بن يوسف بن سليمان بن علي أميري الزواودة لما كان وقع بينهما وبين السلطان مولانا أبي العباس من النفرة، فاستنظره للحركة على الأمير أبي زيان وبعدها إلى بجاية.
وضمنوا له طاعة البدو من رياح، وبعثوا إليه رهنهم على ذلك فردّها وثوقا بهم، ونهض من تلمسان وقد اجتمع إليه الكثير من عرب زغبة. ولم يزل أولاد عريف بن يحيى وخالد بن عامر في أحيائهما منحرفين عنه بالصحراء. وصمّم إليهم فاجفلوا أمامه، وقصد المخالفين من حصين والأمير أبا زيّان إلى معتصمهم بجبل تيطري.
[1] وفي نسخة ثانية: ووثقوا بمعتصمهم.
[2]
المرية: مدينة كبيرة من بلاد الأندلس وليست هي المقصودة في بحثنا هذا والمقصود المدية وهي بلدة من بلاد توجين في المغرب الأوسط.
[3]
وفي نسخة بولاق المصرية: لرأيهم.
[4]
وفي نسخة ثانية: على حين طاعتهم إليه.
وأغذّ إليه السير يعقوب بن علي وعثمان بن يوسف بمن معهم من جموع رياح حتى نزلوا بالقلعة حذاءهم. وبدر أولاد عريف وخالد بن عامر إلى الزواودة ليشرّدوهم عن البلاد قبل أن تتصل يد السلطان بيدهم، فصبحوهم يوم الخميس أخريات ذي القعدة من سنة تسع وستين وسبعمائة ودارت بينهم حرب شديدة، وأجفلت الزواودة أوّلا، ثم كان الظهور لهم آخرا. وقتل في المعركة من زغبة عدد، ويئسوا من صدّهم عما جاءوا إليه، فانعطفوا إلى حصين والأمير أبي زيّان، وصعدوا إليهم بناجعتهم، وصاروا لهم مددا على السلطان أبي حمّو، وشنّوا الغارة على معسكره، فصمدوا نحوه وصدقوه القتال، فاختلّ مصافه، وانهزمت عساكره، ونجا بنفسه إلى تلمسان على طريق الصحراء. وأجفل الزواودة إلى وطنهم، وتحيّز كافة العرب من زغبة إلى الأمير أبي زيان، واتبع آثار المنهزمين، ونزل بسيرات. وخرج السلطان أبو حمو في قومه ومن بقي معه من بني عامر. وتقدّم خالد إلى مصادمته ففلّه السلطان وأجفل القوم من ورائه. ثم تلطّف في مراسلته وبذل المال له وأوسع له في الاشتراط فنزع إليه والتبس بخدمته، ورجع الأمير أبو زيّان إلى أوليائه من حصين متمسّكا بولاية أولاد عريف.
ثم نزع محمد بن عريف إلى طاعة السلطان، وضمن له العدول بأخيه عن مذاهب الخلاف عليه، وطال سعيه في ذلك فاتهمه السلطان وحمله خالد بن عامر عدوّه على نكبته، فتقبّض عليه وأودعه السجن. واستحكمت نفرة أخيه أبي بكر، ونهض السلطان بقومه وكافة بني عامر إليه سنة سبعين وسبعمائة واستغلظ أمر أبي بكر فجمع الحرث بن أبي مالك ومن وراءهم من حصين، واعتصموا بالجبال من دراك وتيطري، ونزل السلطان بجموعه لعود بلاد الديالمة من الحرث، فانتسفها والتمعها وحطّم زروعها ونهب مداثرها. وامتنع عليه أبو بكر ومن معه من الحرث وحصين والأمير أبي زيان بينهم، فارتحل عنهم وعطف على بلاد أولاد عريف وقومهم من سويد فملأها عيثا، وخرّب قلعة ابن سلّامة لما كانت أحسن أوطانهم. ورجع عليهم إلى تلمسان وهو يرى ان كان قد شفا نفسه في أولاد عريف، وغلبهم على أوطانهم، ورجع عليهم منزلة عدوّهم، فكان من لحاق أبي بكر بالمغرب وحركة بني مرين ما نذكره
.