الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
جنبيه من بني أبي العلاء وقتلهم لأخيه داء دخيل، حتى إذا سما السلطان أبو الحسن إلى الجهاد، وأجاز المدد إلى ثغور عمله بالأندلس، وعقد لابنه الأمير أبي مالك، أسرّ إليهم في شأن بني أبي العلاء بما كان أبوه السلطان أبو سعيد اشترط عليهم في مثلها. ووافق منه داعية لذلك فتقبّض عليهم أبو الحجّاج وأودعهم المطبق أجمع. ثم أشخصهم في السفين إلى مراسي إفريقية، فنزلوا بتونس على مولانا السلطان أبي يحيى. وبعث فيهم السلطان أبو الحسن إليه فاعتقلهم، ثم أوعز إليه مع عريف الوزعة ببابه ميمون بن بكرون في إشخاصهم إلى حضرته، فتوقّف عنها. وأبى من إخفار ذمّتهم ووسوس إليه وزيره أبو محمد بن تافراكين بأن مقصد السلطان فيهم غير ما ظنّوا به من الشرّ. ورغب ببعثهم إليه والمبالغة في الشفاعة فيهم، علما بأنّ شفاعته لا تردّ فأجابه لذلك، وجنبوهم إليه مع ابن بكرون. واتبعهم أبو محمد بن تافراكين بكتاب الشفاعة فيهم من السلطان. وقدموا على السلطان أبي الحسن مرجعه من الجهاد سنة اثنتين وأربعين وسبعمائة فتلقّاهم بالبرّ والترحيب إكراما لشفيعهم. وأنزلهم بمعسكره وجنّب لهم المقرّبات بالمراكب الثقيلة، وضرب لهم الفساطيط، وأسنى لهم الخلع والجوائز وفرض لهم أعلى رتب العطاء وصاروا في جملته. ولمّا احتل بسبتة لمشارفة أحوال الجزيرة، سعى عنده فيهم بأنّ كثيرا من المفسدين يداخلونهم في الخروج والتوثّب على الملك، فتقبّض عليهم وأودعهم في السجن بمكناسة، إلى أن كان من خبرهم مع ابنه أبي عنّان ما نذكره إن شاء الله تعالى، والله أعلم.
(الخبر عن هدية السلطان الى المشرق وبعثه بنسخ المصحف من خطه الى الحرمين والقدس)
كان للسلطان أبي الحسن مذهب في ولاية ملوك المشرق، والكلف بالمعاهد الشريفة تقبّله من سلفه. وضاعفه لديه متن ديانته. ولمّا قضى من أمر تلمسان ما قضى، وتغلّب على المغرب الأوسط، وصار أهل النواحي تحت ربقة منه، واستطال بجناح سلطانه، خاطب لحينه صاحب مصر والشام محمد بن قلاوون الملك الناصر، وعرّفه بالفتح وارتفاع العوائق عن الحاج في سابلتهم. وكان فرانقه [1] في ذلك
[1] الفرانق: البريد وربما سمعوا دليل الجيش فرانقا، فارسي معرب (قاموس) .
فارس بن ميمون بن وردار. وعاد بجواب الكتاب وتقرير المودّة بين السلف. وأجمع السلطان على كتب نسخة عتيقة من المصحف الكريم بخط يده ليوقفها بالحرم الشريف قربة إلى الله تعالى، وابتغاء للمثوبة، فانتسخها وجمع الورّاقين لمعاناة تذهيبها وتنميقها، والقرّاء لضبطها وتهذيبها حتى اكتمل شأنها، وصنع لها وعاء مؤلفا من خشب الأبنوس والعاج والصندل فائق الصنعة وغشي بصفائح الذهب ونظم الجوهر والياقوت واتخذ له اصونه الجلد المحكمة الصنعة وغشّي بصفائح الذهب، ونظم بالجوهر والياقوت، واتخذت له أصونة الجلد المحكمة الصناعة، المرقوم أديمها بخطوط الذهب من فوقها غلاف الحرير والديباج وأغشية الكتّان. وأخرج من خزائنه أموالا عينها لشراء الضياع بالمشرق لتكون وقفا على القرّاء فيها، وأوفد على الملك الناصر محمد بن قلاوون صاحب مصر والشام، خواص مجلسه وكبار أهل دولته، مثل عريف بن يحيى أمير زغبة، والسابق المقدّم في بساطه على كل خالصة عطيّة بن مهلهل بن يحيى كبير الخولة. وبعث كاتبه أبا الفضل بن محمد بن أبي مدين وعريف الوزعة ببابه وصاحب دولته عبو بن قاسم المزوار [1] ، واحتفل في الهدية للمزوار للسلطان صاحب مصر احتفالا تحدّث الناس به دهرا. ووقفت على برنامج الهدية بخط أبي الفضل بن أبي مدين هذا الرسول ووعيته وأنسيته وذكر لي بعض قهارمة الدار أنه كان فيها خمسمائة من عتاق الخيل المقرّبات، بسروج الذهب والفضة ولجمها، خالصا ومغشي ومموها، وخمسمائة حمل من متاع المغرب وما عونه وأسلحته، ومن نسج الصوف المحكّم ثيابا وأكسية وبرانس وعمائم، وأزرا معلمة وغير معلمة. ومن نسج الحرير الفائق المعلم بالذهب ملوّنا وغير ملوّن، وساذجا ومنمّقا.
ومن الدّرق المجلوبة من بلاد الصحراء المحكمة بالدباغ المتعارف، وتنسب إلى اللمط.
ومن خرثيّ المغرب وما عونه وما يستظرف صناعته بالمشرق، حتى لقد كان فيها مكيل من حصى الجوهر والياقوت. واعتزمت حظية من حظايا أبيه على الحج في ركابه ذلك، فأذن لها واستبلغ في تكريمها. واستوصى بها وافده وسلطان مصر في كتابه.
وفصلوا من تلمسان سنة [2] وأدّوا رسالتهم إلى الملك الناصر وهديتهم،
[1] وفي نسخة ثانية: وعريف الوزعة بدولته، وصاحب الباب عبّو بن قاسم المزوار.
[2]
بياض بالأصل ولم نستطع تحديد هذه السنة في المراجع التي بين أيدينا.