الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
رأيه إمساكها رهينة، وجعله في القيود إلى أن يقع الخروج لهم على مدينة سبتة، وكان القائد على هذه الحصّة العلج المدعو المهنّد، وصاحبه الفتى المدعو نصر الله.
وكثر التردّد في القضية إلى أن أبرز القدر توجيه السلطان أبي العبّاس تولاه الله، صحبة فرج بن رضوان بحصّة ثانية، وكان ما كان حسبما تلقيتم من الركبان، هذا ما وسع الوقت من الكلام ثم دعا وختم الكتاب.
وإنما كتبت هذه الأخبار وإن كانت خارجة عن غرض هذا الكتاب المؤلّف لأنّ فيها تحقيقا لهذه الواقعات، وهي مذكورة في أماكنها، فربّما يحتاج الناظر إلى تحقيقها من هذا الموضع.
وبعد قضاء الفريضة رجعت إلى القاهرة محفوفا بستر الله ولطفه، ولقيت السلطان، فتلقّاني أيّده الله بمعهود مبرّته وعنايته وكانت فتنة الناصريّ بعدها سنة إحدى وتسعين وسبعمائة. والله يعرّفنا عوارف لطفه، ويمدّ علينا ظلّ ستره، ويختم لنا بصالح الأعمال، وهذا آخر ما انتهيت إليه، وقد نجز الغرض مما أردت إيراده في هذا الكتاب، والله الموفّق برحمته للصواب، والهادي إلى حسن المآرب، والصلاة والسلام على سيّدنا ومولانا محمد وعلى آله والأصحاب والحمد للَّه رب العالمين.
(ولاية الدروس والخوانق [1]
أهل هذه الدّولة التركية بمصر والشام معنيّون- على القدم منذ عهد مواليهم ملوك بني أيّوب- بإنشاء المدارس لتدريس العلم، والخوانق لإقامة رسوم الفقراء في التّخلّق بآداب الصّوفيّة السّنّية في مطارحة الأذكار، ونوافل الصّلوات. أخذوا ذلك عمّن قبلهم من الدّول الخلافية، فيختطّون مبانيها ويقفون الأراضي المغلّة للإنفاق منها على طلبة العلم، ومتدرّبي الفقراء. وإن استفضل الرّيع شيئا عن ذلك، جعلوه في أعقابهم خوفا على الذّرّية الضّعاف من العيلة [2] . واقتدى بسنّتهم في ذلك من تحت أيديهم من أهل الرّئاسة والثّروة، فكثرت لذلك المدارس والخوانق بمدينة
[1] هذا القسم وما يليه. أضفناه إلى طبعتنا هذه من نسخة طبعة بولاق المصرية دار الكتاب اللبناني.
[2]
العيلة (بفتح العين) : الفقر والفاقة.
القاهرة، وأصبحت معاشا للفقراء من الفقهاء والصوفية، وكان ذلك من محاسن هذه الدّولة التّركية، وآثارها الجميلة الخالدة.
وكنت لأوّل قدومي على القاهرة، وحصولي في كفالة السلطان، شغرت مدرسة بمصر من إنشاء صلاح الدين بن أيّوب، وقفها على المالكيّة يتدارسون بها الفقه، ووقف عليها أراضي من الفيّوم تغلّ القمح، فسمّيت لذلك القمحيّة، كما وقف أخرى على الشّافعية هنالك، وتوفي مدرّسها حينئذ، فولّاني السلطان تدريسها، وأعقبه بولاية قضاء المالكية سنة ست وثمانين وسبعمائة، كما ذكرت ذلك من قبل، وحضرني يوم جلوسي للتّدريس فيها جماعة من أكابر الأمراء تنويها بذكري، وعناية من السلطان ومنهم بجانبي، وخطبت يوم جلوسي في ذلك الحفل بخطبة ألممت فيها بذكر القوم بما يناسبهم، ويوفي حقّهم، ووصفت المقام، وكان نصّها:
الحمد للَّه الّذي بدأ بالنّعم قبل سؤالها، ووفّق من هداه للشّكر على منالها، وجعل جزاء المحسنين في محبّته، ففازوا بعظيم نوالها. وعلّم الإنسان الأسماء والبيان، وما لم يعلم من أمثالها، وميّزه بالعقل الّذي فضّله على أصناف الموجودات وأجيالها، وهداه لقبول أمانة التّكليف، وحمل أثقالها. وخلق الجنّ والإنس للعبادة، ففاز منهم بالسّعادة من جدّ في امتثالها، ويسّر كلّا لما خلق له [1] ، من هداية نفسه أو إضلالها، وفرغ ربّك من خلقها وخلقها وأرزاقها وآجالها. والصّلاة على سيّدنا ومولانا محمد نكتة الأكوان وجمالها، والحجّة البالغة للَّه على كمالها، الّذي رقّاه في أطوار الاصطفاء، وآدم بين الطّين والماء، فجاء خاتم أنبيائها وأرسلها [2] ، ونسخ الملل بشريعته البيضاء فتميّز حرامها من حلالها، ورضي لنا الإسلام دينا، فأتمّ علينا النّعمة بإكمالها [3] .
والرّضى عن آله وأصحابه غيوث رحمته المنسجمة وطلالها [4] ، وليوث ملاحمه [5]
[1] يشير الى الحديث: «كل ميسر لما خلق له» ، والّذي رواه الإمام أحمد في مسندة.
[2]
ورد في كلام كثير من علماء المغرب والأندلس، جمع رسول على أرسال. ولم يرد في معاجم اللغة هذا الجمع. والأصح أن يقول ورسلها.
[3]
يشير الى الآية 3 من سورة المائدة: «الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ، وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي، وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً» 5: 3.
[4]
الطلال جمع طلل، وهو أخف المطر.
[5]
الملاحم جمع ملحمة، وهي الوقعة العظيمة القتل، وموضع القتال، والحرب.
المشتهرة وأبطالها. وخير أمة أخرجت للنّاس، في توسّطها واعتدالها، وظهور الهداية والاستقامة في أحوالها، صلّى الله عليه وعليهم صلاة تتّصل الخيرات باتّصالها، وتنال البركات من خلالها.
أمّا بعد فإنّ الله سبحانه لما أقرّ هذه الملّة الإسلامية في نصابها، وشفاها من أدوائها وأوصابها [1] ، وأورث الأرض عباده الصّالحين من أيدي غصّابها، بعد أن باهلت فارس بتاجها، وعصابها [2] ، وخلت الرّوم إلى تماثيلها وأنصابها وجعل لها من العلماء حفظة وقوّاما، ونجوما يهتدي بها التّابع وأعلاما، يقربونها للدّراية تبيانا وإفهاما، ويوسعونها بالتّدوين ترتيبا وإحكاما، وتهذيبا لأصولها وفروعها ونظاما.
ثمّ اختار لها الملوك يرفعون عمدها، ويقيمون صغاها [3] بإقامة السّياسة وأودها، ويدفعون بعزائمهم الماضية في صدر من أرادها بكياد أو قصدها، فكان لها بالعلماء الظّهور والانتشار، والذكر السّيّار، والبركات المخلّدة والآثار، ولها بالملوك العزّ والفخار، والصّولة التي يلين لها الجبّار، ويذلّ لعزّة المؤمنين بها الكفّار، وتجلّل وجوه الشّرك معها الصّغار، ولم تزل الأجيال تتداول على ذلك والأعصار، والدّول تحتفل والأمصار، واللّيل يختلف والنّهار، حتى أظلّت الإسلام دول هذه العصابة المنصورة من التّرك، الماحين بأنوار أسنّتهم ظلم الضّلالة والشّكّ، القاطعين بنصالهم المرهفة علائق المين والإفك [4] ، المصيبين بسهامهم النّافذة ثغر الجهالة والشّرك، المظهرين سرّ قوله:«لا تزال طائفة من أمّتي» [5] فيما يتناولونه من الأخذ والتّرك، ففسحوا خطّة الإسلام، وقاموا بالدّعوة الخلافيّة أحسن القيام، وبثّوها في أقصى التّخوم من الحجاز والشّام، واعتمدوا في خدمة الحرمين الشّريفين ما فضلوا به ملوك الأنام. واقتعدوا كرسيّ مصر الّذي ألقت له الأقاليم يد الاستسلام، على قدم الأيّام، فزخر بها منذ دولتهم بحر العمران، وتجاوبت فيها المدارس بترجيع
[1] الوصب: الوجع، والمرض، والجمع أوصاب.
[2]
العصاب: العمامة.
[3]
الصغا: من الإصغاء: اي مال إليه بسمعه.
[4]
علائق المين والإفك: أي علائق الكذب.
[5]
حديث رواه البخاري في آخر باب «علامة النبوة في الإسلام» ومسلم في بابي «الامارة،» و «الايمان» .
شرح العيني على «صحيح» البخاري 7/ 579، وشرح النووي على «صحيح» ملم 1/ 55، 2/ 206.
المثاني والقرآن وعمّرت المساجد بالصّلوات والأذان، تكاثر عدد الحصى والشّهبان. وقامت المآذن على قدم الاستغفار والسّبحان [1] معلنة بشعار الإيمان، وازدان جوّها بالقصر فالقصر والإيوان فالإيوان. ونظّم دستها بالعزيز، والظّاهر، والأمير، والسّلطان. فما شئت من ملك يخفق العزّ في إعلامه، وتتوقّد في ليل المواكب نيران الكواكب من أسنّته وسهامه، ومن أسرة للعلماء تتناول العلم بوعد الصّادق ولو تعلّق بأعنان السّماء [2] ، وتنير سراجه في جوانب الشّبه المدلهمّة الظّلماء، ومن قضاة يباهون بالعلم والسّؤدد عند الانتماء، ويشتملون الفضائل والمناقب اشتمال الصّماء [3] ، ويفصلون الخصومات برأي يفرّق بين اللّبن والماء.
ولا كدولة السّلطان الظّاهر، والعزيز القاهر، يعسوب [4] العصائب والجماهر، ومطلع أنواع العزّ الباهر، ومصرّف الكتائب تزري بالبحر الزّاخر، وتقوم بالحجة للقسيّ على الأهلّة في المفاخر، سيف الله المنتضى على العدوّ الكافر، ورحمته المتكفّلة للعباد باللّطف السّاتر، ربّ التّيجان والأسرّة والمنابر، والأواوين العالية والقصور الأزاهر، والملك المؤيّد بالبيض البواتر، والرّماح الشّواجر [5] ، والأقلام المرتضعة أخلاف [6] العزّ في مهود المحابر، والفيض الرّباني الّذي فاق قدرة القادر، وسبقت به العناية للأواخر. سيّد الملوك والسلاطين، كافل أمير المؤمنين، أبو سعيد أمدّه الله بالنّصر المصاحب، والسّعد المؤازر، وعرّفه آثار عنايته في الموارد والمصادر، وأراه حسن العاقبة في الأولى وسرور المنقلب في الآخر، فإنه لما تناول الأمر بعزائمه وعزمه، وآوى الملك إلى كنفه العزيز وحزمه، أصاب شاكلة الرّأي عند ما سدّد من سهمه، وأوقع الرّعايا في ظلّ من أمنه، وعدل من حكمه، وقسم البأس والجود بين حربه وسلمه، ثم أقام دولته بالأمراء الذين اختارهم باختيار الله لأركانها، وشدّ
[1] السبحان: التسبيح.
[2]
أعنان السماء: نواحيها، وما اعترض من أقطارها.
[3]
اشتمال الصماء ان تجلل جسدك بثوبك نحو شملة الأعراب بأكسبتهم، وهي ان يرد الكساء من قبل يمينه على يده اليسرى، وعاتقه الأيسر، ثم يرده ثانية من خلفه على يده اليمنى، وعاتقه الأيمن فيغطيهما جميعا.
[4]
اليعسوب أمير النحل.
[5]
رماح شواجر: مختلفة الطعن.
[6]
أخلاف الضرع: أطرافه. والكلام على التشبيه.
بهم أزره في رفع القواعد من بنيانها، من بين مصرّف لعنانها، متقدّم القدم على أعيانها، في بساط إيوانها، وربّ مشورة تضيء جوانب الملك بلمعانها، ولا يذهب الصّواب عن مكانها، ومنفّذ أحكام يشرق الحقّ في بيانها، ويضوع العدل من أردانها [1] ونجيّ [2] خلوة في المهم الأعظم من شأنها، وصاحب قلم يفضي بالأسرار إلى الأسل [3] الجرّار، فيشفي الغليل بإعلانها. حفظ الله جميعهم وشمل بالسّعادة والخيرات المبدأة المعادة تابعهم ومتبوعهم.
ولمّا سبحت في اللّجّ الأزرق، وخطوت من أفق المغرب إلى أفق المشرق، حيث نهر النّهار ينصبّ من صفحه المشرق، وشجرة الملك التي اعزّ بها الإسلام تهتزّ في دوحه المعرق، وأزهار الفنون تسقط علينا من غصنه المورق، وينابيع العلوم والفضائل تمدّ وشلنا [4] من فراته المغدق، أو لوني عناية وتشريفا، وغمروني إحسانا ومعروفا، وأوسعوا بهمتي [5] إيضاحا، ونكرتي تعريفا، ثمّ أهّلوني للقيام بوظيفة السّادة المالكيّة بهذا الوقف الشريف، من حسنات السلطان صلاح الدّين أيّوب ملك الجلاد والجهاد، وماحي آثار التّثليث والرّفض الخبيث من البلاد، ومطهّر القدس الشّريف من رجس الكفر بعد أن كانت النّواقيس والصّلبان فيه بمكان العقود من الأجياد. وصاحب الأعمال المتقبّلة يسعى نورها بين يديه في يوم التّناد [6] ، فأقامني السلطان- أيده الله- لتدريس العلم بهذا المكان، لا تقدّما على الأعيان، ولا رغبة عن الفضلاء من أهل الشّأن، وإني موقن بالقصور، بين أهل العصور، معترف بالعجز عن المضاء في هذا القضاء، وأنا أرغب من أهل اليد البيضاء، والمعارف المتّسعة الفضاء، أن يلمحوا بعين الارتضاء، ويتغمّدوا بالصّفح والإغضاء، والبضاعة بينهم مزجاة [7] ، والاعتراف من اللّوم- إن شاء الله- منجاة، والحسنى من الإخوان مرتجاة. والله تعالى يرفع لمولانا السلطان في
[1] الأردان: الأكمام. وفي الكلام تجوز.
[2]
النجي: الشخص الّذي تساره، وفلان نجى فلان، أي يناجيه دون سواه.
[3]
الأسل: الرماح وكل حديد رهيف من سيف وسكين.
[4]
الوشل: الماء القليل.
[5]
البهمة: بهم: الخطة الشديدة.
[6]
يوم التناد: يوم ينادي «أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنا من الْماءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ الله» 7: 50. لسان العرب.
[7]
بضاعة مزجاة: قليلة.
مدارج القبول أعماله، ويبلّغه في الدّارين آماله، ويجعل للحسنى والمقرّ الأسنى، منقلبه ومآله، ويديم على السّادة الأمراء نعمته، ويحفظ على المسلمين بانتظام الشّمل دولتهم ودولته، ويمدّ قضاة المسلمين وحكّامهم بالعون والتّسديد، ويمتّعنا بانفساح آجالهم إلى الأمد البعيد، ويشمل الحاضرين برضوانه في هذا اليوم السّعيد، بمنّه وكرمه.
وانفضّ ذلك المجلس، وقد شيّعتني العيون بالتّجلّة والوقار، وتناجت النّفوس بالأهلية للمناصب، وأقمت على الاشتغال بالعلم وتدريسه إلى أن سخط السلطان قاضي المالكية يومئذ في نزعة من النّزعات الملوكية، فعزله، واستدعاني للولاية في مجلسه، وبين أمرائه، فتفاديت من ذلك، وأبى إلّا إمضاءه. وخلع عليّ، وبعث معي من أجلسني بمقعد الحكم في المدرسة الصّالحية [1] في رجب ستّ وثمانين وسبعمائة، فقمت في ذلك المقام المحمود، ووفّيت عهد الله في إقامة رسوم الحقّ، وتحرّي المعدلة، حتّى سخطني من لم ترضه أحكام الله، ووقع من شغب أهل الباطل والمراء ما تقدّم ذكره.
وكنت عند وصولي إلى مصر بعثت عن ولدي من تونس، فمنعهم سلطان تونس من اللّحاق بي اغتباطا بمكاني، فرغبت من السّلطان أن يشفع عنده في شأنهم، فأجاب، وكتب إليه بالشّفاعة، فركبوا البحر من تونس في السّفين، فما هو إلّا أن وصلوا إلى مرسى الإسكندريّة، فعصفت بهم الرّياح وغرق المركب بمن فيه، وما فيه، وذهب الموجود والمولود، فعظم الأسف، واختلط الفكر، وأعفاني السلطان من هذه الوظيفة وأراحني، وفرغت لشأني من الاشتغال بالعلم تدريسا وتأليفا.
ثم فرغ السلطان من اختطاط مدرسته [2] بين القصرين، وجعل فيها مدافن أهله، وعيّن لي فيها تدريس المالكيّة، فأنشأت خطبة أقوم بها في يوم مفتتح التّدريس على عادتهم في ذلك ونصّها:
«الحمد للَّه الّذي من على عباده، بنعمة خلقه وإيجاده، وصرّفهم في أطوار استعباده بين قدره ومراده، وعرّفهم أسرار توحيده، في مظاهر وجوده، وآثار لطفه في وقائع
[1] نسبة إلى بانيها الملك الصالح نجم الدين أيوب.
[2]
هي المدرسة الظاهرية، وتسمى البرقوقية أيضا. عهد في بنائها الى الأمير جهركس الخليلي، فشرع في بنائها سنة 886، وأنهاها سنة 888.
عباده، وعرضهم على أمانة التّكاليف ليبلوهم بصادق وعده وإبعاده [1] ، ويسّر كلّا لما خلق له، من هدايته أو إضلاله، وغيّه أو رشاده، واستخلف الإنسان في الأرض بعد أن هداه النّجدين [2] لصلاحه أو فساده، وعلّمه ما لم يكن يعلم، من مدارك سمعه وبصره والبيان عمّا في فؤاده، وجعل منهم أنبياء وملوكا يجاهدون في الله حقّ جهاده، ويثابرون على مرضاته في اعتمال العدل واعتماده، ورفع البيوت المقدّسة بسبحات [3] الذّكر وأوراده.
والصّلاة والسّلام على سيّدنا ومولانا محمّد سيّد البشر من نسل آدم وأولاده، لا. بل سيّد الثّقلين [4] في العالم من إنسه وجنّه وأرواحه وأجساده، لا. بل سيّد الملائكة والنّبيّين، الّذي ختم [الله] كمالهم بكماله وآمادهم بآماده، الّذي شرّف به الأكوان فأضاءت أرجاء العالم لنور ولاده، وفصّل له الذّكر الحكيم تفصيلا، كذلك ليثبّت من فؤاده [5] وألقى على قلبه الروح الأمين بتنزيل ربّ العالمين، ليكون من المنذرين لعباده [6] ، فدعا إلى الله على بصيرة بصادق جداله وجلاده [7] وأنزل عليه النّصر العزيز، وكانت ملائكة السّماء من إمداده، حتّى ظهر نور الله على رغم من رغم [8] . بإطفائه وإخماده، وكمل الدين الحنيف فلا تخشى والحمد للَّه غائلة انقطاعه ولا نفاذه، ثمّ أعدّ له من الكرامات ما أعدّ في معاده، وفضّله بالمقام المحمود في عرصات القيامة بين أشهاده، وجعل له الشّفاعة فيمن انتظم في امّته، واعتصم بمقاده.
والرّضى عن آله وأصحابه، غيوث رحمته، وليوث إنجاده، من ذوي رحمه
[1] ينظر الى الآية 72 من سورة الأحزاب: «إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها، وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ» . 33: 72
[2]
النجدان: طريق الخير، وطريق الشر.
[3]
السبحات جمع سبحة، وهي التطوع في الذكر، والصلاة.
[4]
الثقلان: الجن والإنس.
[5]
يشير الى الآية 32 من سورة الفرقان: «وَقال الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً، كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ به فُؤادَكَ» 25: 32.
[6]
يشير كذلك الى الآيتين 193، 194 من سورة الشعراء:«نَزَلَ به الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ من الْمُنْذِرِينَ» 26: 193- 194.
[7]
الجلاد: الجهاد.
[8]
على رغم من رغم: من أساء، والإشارة الى الآية 32 من سورة التوبة:«يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ الله بِأَفْواهِهِمْ، وَيَأْبَى الله إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ» 9: 32.
ابن خلدون م 43 ج 7
الطّاهرة وأهل وداده المتزوّدين بالتّقوى من خير أزواده، والمراغمين بسيوفهم من جاهر بمكابرة الحقّ وعنادة، وأراد في الدّين بظلمه وإلحاده، حتّى استقام الميسم [1] في دين الله وبلاده، وانتظمت دعوة الإسلام أقطار العالم، وشعوب الأنام، من عربه وعجمه وفارسه ورومه وتركه وأكراده. صلّى الله عليه وعليهم صلاة تؤذن باتّصال الخير واعتياده، وتؤهّل لاقتناء الثّواب وزيادة، وسلّم كثيرا، وعن الأئمّة الأربعة [2] ، علماء السّنة المتّبعة، والفئة المجتباة المصطنعة، وعن إمامنا من بينهم الّذي حمل الشريعة وبيّنها، وحرّر مقاصدها الشريفة وعيّنها، وتعرّض في الآفاق منها والمطالع، بين شهبها اللّوامه، فزيّنها. نكتة الهداية إذا حقّق مناطها، وشرط التّحصيل والدّراية إذا روعيت أشراطها، وقصد الرّكاب إذا ضربت في طلب العلم آباطها [3] ، عالم المدينة وإمام هذه الأمة الأمينة، ومقبس أنوار النّبوّة من مشكاتها المبينة، الإمام مالك بن أنس. ألحقه الله برضوانه، وعرّفنا بركة الاقتداء بهداه وعرفانه، وعن سلف المؤمنين والمهتدين، وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدّين.
أما بعد فإن الخلق عيال الله يكنفهم بلطفه ورحمته، ويكفلهم بفضله ونعمته، وييسّرهم لأسباب السّعادة بآداب دينه وشرعته، ويحملهم في العناية بأمورهم، والرّعاية لجمهورهم، على مناهج سنّته ولطائف حكمته. ولذلك اختار لهم الملوك الذين جبلهم على العدل وفطرته، وهداهم إلى التّمسّك بكلمته. ثم فضّلهم بما خوّلهم من سعة الرزق وبسطته واشتقاق التّمكين في الأرض من قدرته، فتسابقوا بالخيرات إلى جزائه ومثوبته، وذهبوا بالدّرجات العلى في وفور الأجر ومزيّته.
وإنّ مولانا السّلطان الملك الظّاهر، العزيز القاهر، العادل الطّاهر، القائم بأمور الإسلام عند ما أعيا حملها الأكتاد [4] ، وقطب دائرة الملك الّذي أطلع الله من
[1] الميسم: الجمال.
[2]
هم المجتهدون أصحاب المذاهب الفقهية المشهورة: (مالك، والشافعيّ، وأبو حنيفة، وأحمد بن حنبل) .
[3]
يشير الى الحديث: «تضرب أكباد الإبل في طلب العلم، فلا يوجد عالم أعلم من عالم المدينة» ، وسيأتي له بعد.
[4]
جمع كتد، وهو مجتمع الكتفين من الإنسان. ويقال: خرجوا علينا اكتادا وأكدادا أي فرقا وأرسالا.
حاشيته الأبدال [1] وأنبت الأوتاد [2] ، ومنفّق أسواق العزّ بما بذل فيها من جميل نظره المدخور والعتاد، رحمة الله الكافلة للخلق، ويداه المبسوطتان بالأجل والرّزق، وظلّه الواقي للعباد بما اكتنفهم من العدل والحقّ، قاصم الجبابرة، والمعفّي على آثار الأعاظم من القياصرة، وذوي التّيجان من التبابعة والأكاسرة، أولي الأقيال [3] والأساورة [4] ، وحائز قصب السّبق في الملوك عند المناضلة والمفاخرة، ومفوّض الأمور بإخلاصه إلى وليّ الدنيا والآخرة، مؤيّد كلمة الموحّدين، ورافع دعائم الدّين، وظهير خلافة المؤمنين، سلطان المسلمين أبو سعيد. صدّق الله فيما يقتفي من الله ظنونه، وجعل النّصر ظهيره، كما جعل السّعد قرينه، والعزّ خدينه [5] ، وكان وليّه على القيام بأمور المسلمين ومعينة، وبلّغ الأمّة في اتّصال أيامه، ودوام سلطانه، ما يرجونه من الله ويؤمّلونه. لمّا قلّده الله هذا الأمر الّذي استوى له على كرسيّ الملك، وانتظمت عقود الدّول في لبّات [6] الأيام، وكانت دولته واسطة السّلك، وجمع له الدين بولاية الحرمين، والدنيا بسلطان التّرك.
وأجرى له أنهار مصر من الماء والمال، فكان مجازه فيها بالعدل في الأخذ والتّرك.
وجمع عليه قلوب العباد. فشهد سرّها بمحبّه الله [له] شهادة خالصة من الرّيب، بريئة من الشّكّ. حتى استولى من العزّ والملك على المقام الّذي رضيه وحمده. ثم تاقت نفس إلى ما عند الله، فصرف قصده إليه وأعتمده، وسارع إلى فعل الخيرات بنفس مطمئنة، لا يسأل عليها أجرا ولا يكدّرها بالمنّة، وأحسن رعاية الدين والملك تشهد بها الأنس والجنّة، لا، بل النّسم [7] والأجنّة [8] . ثم آوى الخلق إلى عدله
[1] يوري بالابدال في مصطلح الصوفية، وهم أشخاص سبعة: يسافرون بأرواحهم من مكان الى اخر، ويتركون جسدهم في موضعهم الأول، بحيث لا يحسّ أحد بسفرهم. عن «تعريفات» الجرجاني ص 27، و «تعريفات» ابن العربيّ ص 2.
[2]
والأوتاد عند الصوفية أيضا: عبارة عن أربعة رجال، منازلهم على منازل الأربعة الأركان من العالم:
الشرق، والغرب، والشمال، والجنوب، كل واحد منهم مقامه في تلك الجهة. عن الجرجاني في «التعريفات» ص 27، وابن العربيّ ص 2. ويريد ان الدولة غنية بالرجال.
[3]
جمع قيل وهو، في مملكة حمير، بمنزلة الوزير بالنسبة للملك.
[4]
جمع أسوار، وهو الرامي أو الفارس. وعند الفرس القائد وهنا تعني القوّاد.
[5]
الخدين: الحبيب والصاحب للمذكر والمؤنث.
[6]
من لبث: لبثا يده: اي لواها. وهنا بمعنى اضطراب الأيام.
[7]
النسم: نفس الروح.
[8]
الأجنة: ج جنين: المستور من كل شيء. والولد ما دام في الرحم قبل أن يرى النور.
تصديقا بأن الله يؤوه يوم القيامة إلى ظلاله المستجنّة، ونافس في اتخاذ المدارس والرّبط لتعليم الكتاب والسنّة، وبناء المساجد المقدّسة يبني له بها الله البيوت في الجنّة، والله لا يضيّع عمل عامل فيما أظهره أو أكنّه.
وإنّ ما أنتجته قرائح همّته وعنايته، وأطلعته آفاق عدله وهدايته، ووضحت شواهده على بعد مداه في الفخر وغايته، ونجح مقاصده في الدين وسعايته، هذا المصنع الشّريف، والهيكل الهمم البشرية ترتيبه ورصفه، لا! بل الكلم السّحرية تمثيله ووصفه وشمخ بمطاولة السّحب ومناولة الشهب مارنه [1] العزيز وأنفه، وازدهى بلبوس السّعادة والقبول من الله عطفه، إن فاخر بلاط الوليد، كان له الفخار، أو باهى القصر والإيوان، شهد له المحراب والمنار، أو ناظر صنعاء وغمدان، قامت بحجّته الآثار. إنما هو بهو ملؤه دين وإسلام، وقصر عليه تحية وسلام، وفضاء ربّاني ينشأ في جوّه للرّحمة والسّكينة ظلّة وغمام، وكوكب شرق يضاحك وجه الشّمس منه ثغر بسّام، دفع إلى تشييد أركانه، ورفع القواعد من بنيانه، سيف دولته الّذي استلّه من قراب ملكه وانتضاه، وسهمه الّذي عجم عيدان كنانته فارتضاه، وحسام أمره الّذي صقل فرنده [2] بالعز والعزم وأمضاه، وحاكمه المؤيّد الّذي طالب غريم الأيام، بالأمل العزيز المرام، فاستوفى دينه واقتضاه، الأمير الأعزّ الأعلى جهركس [3] الخليلي أمير الماخورية باسطبله المنيع. حرسه الله من خطوب الأيام، وقسم له من عناية السلطان أوفر الحظوظ والسّهام، فقام بالخطو الوساع، لأمره المطاع، وأغرى بها أيدي الإتقان والإبداع. واختصّها من أصناف الفعلة بالماهر الصّناع، يتناظرون في إجادة الأشكال منها والأوضاع، ويتناولون الأعمال بالهندام إذا توارت عن قدرتهم بالامتناع، فكأنّ العبقريّ [4] ، يفري- الفريّ [5] ، أو
[1] المارن: طرف الأنف أو ما لان من طرفه.
[2]
فرنده: السيف، جوهر السيف ووشيه وهو ما يرى فيه شبه مدبّ النمل أو شبه الغبار.
[3]
هو الأمير سيف الدين جهركس (ويكتب: جهاركس، وجاركس) بن عبد الله اليلبغاوي الحليلي، الّذي ينسب اليه «خان الخليلي» المعروف اليوم بالقاهرة. قتل بظاهر دمشق سنة 891 هـ في الوقعة بين منطاش، والظاهر برقوق. خطط المقريزي 3/ 152- 153، طبع مصر. وقد ضبط في «المنهل» :
«جاركس» وهو لفظ أعجمي معناه أربعة أنفس.
[4]
العبقري نسبة الى «عبقر» ، وهي قرية تسكنها الجن فيما زعموا. ويقولون إذا تعجبوا من جودة شيء أو غرابته، أو دقة صنعه: هو عبقري، ثم توسعوا فسموا الرجل، والسيد، والكبير- عبقريا. (لسان العرب) .
[5]
يقال هو يفري الفري: إذا عمل عملا فأجاده.
العفاريت، قدمت من أماريت [1] . وكأنما حشرت الجنّ والشّياطين، أو نشرت القهارمة [2] من الحكماء الأول والأساطين، جابوا لها الصّخر بالأذواد [3] لا بالواد، واستنزلوا صمّ الأطواد على مطايا الأعواد، ورفعوا سمكها إلى أقصى الآماد، على بعيد المهوى من العماد. وغشّوها من الوشي الأزهر، المضاعف الصّدف والمرمر، ومائع اللّجين الأبيض والذّهب الأحمر، بكلّ مسهّم الحواشي حالي الأبراد، وقدّروه مساجد للصّلوات والأذكار، ومقاعد للسّبحات [4] بالعشي والإبكار، ومجالس للتّلاوة والاستغفار، في الآصال والأسحار، وزوايا للتّخلّي عن ملاحظة الأسماع والأبصار، والتّعرّض للفتوح الرّبّانية والأنوار، ومدارس لقدح زناد الأفكار، ونتاج المعارف الأبكار، وصوغ اللّجين والنّضار، في محكّ القرائح والأبصار. تتفجّر ينابيع الحكمة في رياضه وبستانه، وتتفتّح أبواب الجنّة من غرفه وإيوانه، وتقتاد غرّ السّوابق من العلوم والحقائق، في طلق [5] ميدانه، ويصعد الكلم الطّيّب والعمل الصّالح إلى الله من نواحي أركانه، وتوفّر الأجور لغاشيته محتسبة عند الله في ديوانه، راجحة في ميزانه.
ثم اختار لها من أئمة المذاهب الأربعة أعيانا، ومن شيوخ الحقائق الصّوفية فرسانا، تصفّح لهم أهل مملكته إنسانا إنسانا، وأشد بقدرهم عناية وإحسانا، ودفعهم إلى وظائفه توسّعا في مذاهب الخير وافتنانا. وعهد إليهم برياضة المريدين، وإفادة المستفيدين، احتسابا للَّه وقربانا، وتقيّلا [6] لمذاهب الملوك من قومه واستنانا، ثمّ نظمني معهم تطولا وامتنانا، ونعمة عظمت موقعا وجلّت شانا، وأنا وإن كنت لقصور البضاعة، متأخرا عن الجماعة، ولقعود الهمّة، عيالا على هؤلاء الأئمّة، فسمحهم يغطّي ويلحف، وبمواهب العفو والتّجاوز يمنح ويتحف. وإنما هي رحمة من مولانا السلطان- أيّده الله- خصّت كما عمّت، ووسمت أغفال النّكرة والإهمال وسمّت، وكملت بها مواهب عطفه وجبره وتمّت، وقد ينتظم الدرّ
[1] أماريت: جمع الجمع لمرت: وهي المفازة والقفر لا نبات فيه.
[2]
القهارمة: جمع قهرمان، الوكيل أو أمين الدخل والخرج (قاموس) .
[3]
الأذواد جمع ذود، وهو الجماعة من الإبل. لا يتجاوز عددها الثلاثين ولا يقلّ عن الثلاث.
[4]
جمع سبحة: وهي التطوع في الدعاء والصلاة.
[5]
الطلق: الشوط الواحد في جري الخيل، والغاية التي يجري اليها الفرس في السباق.
[6]
بمعنى من تقيل أباه: أشبهه، وعمل عمله.
مع المرجان، وتلتبس العصائب بالتّيجان، وتراض المسوّمة [1] العراب [2] على مسابقة الهجان [3] ، والكلّ في نظر مولانا السلطان وتصريفه، والأهلية بتأهيله والمعرفة بتعريفه، وقوام الحياة والآمال بلطائف إحسانه وصنوفه، والله يوزعنا شكر معروفه، ويوفّقنا للوفاء بشرطه في هذا الوقف وتكليفه، ويحمي حماه من غير الدّهر وصروفه، ويفيء على ممالك الإسلام ظلال أعلامه ورماحه وسيوفه، ويريه قرّة العين في نفسه وبنيه، وحاشيته وذويه، وخاصّته ولفيفه، عن الله وفضله.
ثم تعاون العداة عند أمير الماخورية [4] ، القائم للسلطان بأمور مدرسته، وأغروه بصدّي عنها، وقطع أسبابي من ولايتها، ولم يمكن السلطان إلّا إسعافه فأعرضت عن ذلك، وشغلت بما أنا عليه من التّدريس والتّأليف.
ثمّ خرجت عام تسعة وثمانين وسبعمائة للحجّ، واقتضيت إذن السلطان في ذلك فأسعف، وزوّد هو وأمراؤه بما أوسع الحال وأرغده، وركبت بحر السويس من الطّور الى الينبع، ثم صعدت مع المحمل إلى مكّة، فقضيت الفرض عامئذ وعدت في البحر، فنزلت بساحل القصير، ثم سافرت منه إلى مدينة قوص في آخر الصعيد، وركبت منها بحر النيل إلى مصر، ولقيت السلطان، وأخبرته بدعائي له في أماكن الإجابة، وأعادني إلى ما عهدت من كرامته، وتفيّئ ظلّه.
ثم شغرت وظيفة الحديث بمدرسة صلغتمش [5] فولّاني إياها بدلا من مدرسته وجلست للتدريس فيها في محرّم أحد وتسعين وسبعمائة، وقمت ذلك اليوم- على العادة- بخطبة نصّها:
«الحمد للَّه إجلالا وإعظاما، واعترافا بحقوق النّعم والتزاما، واقتباسا للمزيد منها
[1] المسومة من الخيل: المرعية، والمعلمة.
[2]
العراب من الإبل، والخيل: التي ليس فيها عرق هجين.
[3]
الهجان: جمع هجين، وهو الفرس الّذي ليس بعتيق.
[4]
الماخورية: من الماخور: ج مواخر ومواخير: مجلس الفسّاق بيت الريبة والدعارة. وقيل ان هذه الكلمة فارسية الأصل من (خور) وقيل هي عربية من (مخرت السفينة) لتردّد الناس الى المكان المسمى بها.
[5]
كذا في الأصل: «صلغتمش» ، ولعلها كانت تنطق باللام فسجلها ابن خلدون كما سمعها. والمدرسة الصرغتمشية هذه التي تقع بجوار جامع أحمد بن طولون، تنسب إلى بانيها الأمير سيف الدين صرغتمش الناصري أمير رأس نوبة، المتوفى سجينا في الاسكندرية سنة 759، خطط المقريزي 4/ 256- 258 طبع مصر.
واغتناما، وشكرا على الّذي أحسن وتماما، وسع كلّ شيء رحمة وإنعاما، وأقام على توحيده من أكوانه ووجوده آيات واضحة وأعلاما، وصرّف الكائنات في قبضة قدرته ظهورا وخفاء وإيجادا وإعداما، وأعطى كلّ شيء خلقه ثم هداه إلى مصالحه إلهاما، وأودع مقدور قضائه في مسطور كتابه، فلا يجد محيصا عنه ولا مراما.
والصلاة والسّلام على سيّدنا ومولانا محمّد نبيّ الرّحمة الهامية غماما [1] والملحمة التي أراقت من الكفر نجيعا وحطّمت أصناما، والعروة الوثقى، فاز من اتخذها عصاما [2] ، أول النّبيّين رتبة وآخرهم ختاما، وسيّدهم ليلة قاب قوسين إذ بات للملائكة والرّسل إماما، وعلى آله وأصحابه الذين كانوا ركنا لدعوته وسناما [3] وحربا على عدوّه وسماما [4] ، وصلوا في مظاهرته جدا واعتزاما، وقطعوا في ذات الله وابتغاء مرضاته أنسابا وأرحاما، حتى ملئوا الأرض إيمانا وإسلاما، وأوسعوا الجاحد والمعاند تبكيتا وإرغاما [5] ، فأصبح ثغر الدين بسّاما ووجه الكفر والباطل عبوسا جهاما. صلّى الله عليه وعليهم ما عاقب ضياء ظلاما، صلاة ترجّح القبول ميزانا، وتبوّئ عند الله مقاما.
والرضى عن الأئمة الأربعة، الهداة المتّبعة، مصابيح الأمان ومفاتيح السّنّة الذين أحسنوا بالعلم قياما وكانوا للمتّقين إماما.
أمّا بعد فإن الله سبحانه تكفل لهذا الدين بالعلاء والظّهور، والعز الخالد على الظّهور، وانفساح خطّته في آفاق المعمور، فلم يزل دولة عظيمة الآثار، غزيرة الأنصار، بعيدة لصّيت عالية المقدار، جامعة- بمحاسن آدابه وعزّة جنابه- معاني الفخار، منفّقة بضائع علومه في الأقطار، مفجرة ينابيعها كالبحار، مطلعة كواكبها المنيرة في الآفاق أضوأ من النهار، ولا كالدولة التي استأثرت بقبلة الإسلام ومنابره، وفأخرت بحرمات الله وشعائره واعتمدت بركة الإيمان وأواصره، واعتملت في إقامة رسوم العلم ليكون من مفاخره، وشاهدا بالكمال لأوّله وآخره.
وإن مولانا السلطان الملك الظّاهر، العزيز القاهر، شرف الأوائل والأواخر، ورافع
[1] همت السماء: امطرت، والغمام: القطر نفسه.
[2]
العصام: رباط كل شيء. من حبل ونحوه.
[3]
السنام: المرتفع من الرمل، والجبل، والمراد انه ملجأ.
[4]
السمام: جمع سم، وفي حديث عن علي رضي الله عنه:(الدنيا غذاؤها سمام) .
[5]
الجهام: السحاب لا ماء فيه، ويريد: كريها لا خير فيه.
لواء المعالي والمفاخر، ربّ التّيجان والأسرّة والمنابر، والمجلّي في ميدان السّابقين من الملوك الأكابر، في الزمن الغابر، حامل الأمّة بنظره الرشيد ورأيه الظافر، وكافل الرعايا في ظلّه المديد وعدله الوافر، ومطلع أنوار العزّ والسّعادة من أفقه السّافر، واسطة السّلك من هذا النّظام، والتّاج المحلّى في مفارق الدول والأيام، سيّد الملوك والسلاطين، بركة الإسلام والمسلمين، كافل أمير المؤمنين، أبو سعيد. أعلى الله مقامه، وكافأ عن الأمّة إحسانه الجزيل وأنعامه، وأطال في السّعادة والخيرات المبدأة المعادة لياليه وأيامه، لما أوسع الدين والملك نظرا جميلا من عنايته، وأنام الخلق في حجر كفالته، ومهاد كفايته، وأيقظ لتفقّد الأمور، وصلاح الخاصّة والجمهور، عين كلاءته، كما قلّده الله رعايته [1] وأقام حكام الشريعة والسياسة يوسعون نطاق الحق إلى غايته، ويطلعون وجه العدل سافرا عن آيته. ونصب في دست النيابة من وثق بعدله وسياسته، ورضي الدين بحسن إيالته، وأمّنه على سلطانه ودولته، وهو الوفيّ- والحمد للَّه- بأمانته، ثم صرف نظره إلى بيوت الله يعنى بإنشائها وتأسيسها، ويعمل النّظر الجميل في إشادتها وتقديسها، ويقرض الله القرض الحسن في وقفها وتحبيسها وينصب فيها لبثّ العلم من يؤهّله لوظائفها ودروسها، فيضفي عليه بذلك من العناية أفخر لبوسها، حتى زهت الدولة بملكها ومصرها، وفأخرت الأنام بزمانها الزاهر وعصرها. وخضعت الأواوين لإيوانها العالي وقصرها، فابتهج العالم سرورا بمكانها، واهتزّت الأكوان للمفاخرة بشأنها، وتكفّل الرّحمن، لمن اعتزّ به الإيمان، وصلح على يده الزمان، بوفور المثوبة ورجحانها.
وكان مما قد من به الآن تدريس الحديث بهذه المدرسة وقف الأمير صرغتمش من سلف أمراء التّرك، خفّف الله حسابه وثقّل في الميزان- يوم يعرض على الرحمن- كتابه، وأعظم جزاءه في هذه الصّدقة الجارية وثوابه، عناية جدّد لي لباسها، وإيثارا بالنّعمة التي صحّحت قياسها، وعرفت منه أنواعها وأجناسها، فامتثلت المرسوم، وانطلقت أقيم الرّسوم، وأشكر من الله وسلطانه الحظّ المقسوم. وأنا مع هذا معترف بالقصور، بين أهل العصور، مستعيذ باللَّه وبركة هؤلاء الحضور،
[1] كذا في الأصل، ولعلها:«قلده الله حق رعايته» ، أو «واجب رعايته» ، أو نحو هذا.
السّادة الصّدور، أن يجمح بي مركب الغرور، أو يلج شيطان الدّعوى والزور، في شيء من الأمور. والله تعالى ينفع مولانا السلطان بصالح أعماله، ويعرفه الحسنى وزيادة الحظّ الأسنى في عاقبته ومآله، ويريه في سلطانه وبنيه وحاشيته وذويه قرّة عينه ورضى آماله، ويديم على السّادة الأمراء ما خوّلهم من رضاه وإقباله، ويحفظ المسلمين في هذا الأمر السّعيد بدوامه واتصاله، ويسدد قضاتهم وحكامهم لاعتماد الحق واعتماله بمن الله وإفضاله.
وقد رأيت أن أقرّر للقراءة في هذا الدّرس، كتاب الموطأ للإمام مالك بن أنس، رضي الله عنه، فإنه من أصول السّنن، وأمّهات الحديث، وهو مع ذلك أصل مذهبنا الّذي عليه مدار مسائله، ومناط أحكامه، وإلى آثاره يرجع الكثير من فقهه.
فلنفتتح الكلام بالتّعريف بمؤلفه- رضي الله عنه، ومكانه من الأمانة والديانة، ومنزلة كتابه «الموطّأ» من كتب الحديث. ثم نذكر الروايات والطّرق التي وقعت في هذا الكتاب، وكيف اقتصر الناس منها على رواية يحيي بن يحيي، ونذكر أسانيدي فيها، ثم نرجع إلى الكلام على متن الكتاب.
أما الإمام مالك- رضي الله عنه، فهو إمام دار الهجرة، وشيخ أهل الحجاز في الحديث والفقه غير منازع، والمقلّد المتبوع لأهل الأمصار وخصوصا أهل المغرب.
قال البخاري: مالك بن أنس بن أبي عامر الأصبحي. كنيته أبو عبد الله، حليف عبد الرحمن بن عثمان بن عبيد الله القرشي التّيمي ابن أخي طلحة بن عبيد الله.
كان إماما، روى عنه يحيى بن سعيد. انتهى كلام البخاري.
وجدّه أبو عامر بن عمرو بن الحرث بن عثمان ويقال: غيمان بغين معجمة مفتوحة، وياء تحتانية ساكنة، ابن جثيل بجيم مضمومة وثاء مثلّثة مفتوحة، وياء تحتانية ساكنة، ويقال حثيل أو خثيل بحاء مضمومة مهملة أو معجمة، عوض الجيم، ويقال حسل بحاء مهملة مكسورة، وسين مهملة ساكنة، ابن عمرو بن الحرث، وهو ذو أصبح. وذو أصبح بطن من حمير، وهم إخوة يحصب، ونسبهم معروف، فهو حميري صليبة، وقرشيّ حلفا. ولد سنة إحدى وتسعين [1]- فيما
[1] في مولد مالك أقوال اخر غير ما ذكر ابن خلدون تجدها في «الأنساب» للسمعاني، و «وفيات» ابن خلكان، و «الانتقاء» لابن عبد البرص 10.
قال ابن بكير [1] ، واربع وتسعين- فيما قال محمد بن عبد الله بن عبد الحكم [2] ، ونشأ بالمدينة، وتفقّه بها. أخذ عن ربيعة الرأي [3] ، وابن شهاب [4] وعن عمّه أبي سهيل [5] ، وعن جماعة ممّن عاصرهم من التّابعين وتابعين وتابعي التّابعين، وجلس للفتيا والحديث في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم شابا يناهز العشرين، وأقام مفتيا بالمدينة ستين سنة. وأخذ عنه الجمّ الغفير من العلماء الأعلام، وارتحل إليه من الأمصار من لا يحصى كثرة، وأعظم من أخذ عنه الإمام محمّد بن إدريس الشّافعي [6] ، وابن وهب [7] ، والأوزاعي [8] ، وسفيان الثّوري [9] ، وابن المبارك [10]- في أمثال لهم وأنظار. وتوفّي سنة تسع وسبعين ومائة باتفاق من الناقلين لوفاته، وقال الواقدي [11] : عاش مالك تسعين سنة، وقال سحنون [12] عن ابن
[1] هو يحيى بن عبد الله بن بكير القرشي المخزومي بالولاء المصري [154- 231] أحد رواة «الموطأ» عن مالك.
[2]
ابو عبد الله محمد بن عبد الحكيم الفقيه الشافعيّ المصري المشهور [182- 268] . «وفيات» 1/ 578.
[3]
هو ابو عثمان ربيعة بن أبي عبد الرحمن فروخ مولى آل المنكدر.. المعروف بربيعة الرأي. فقيه مدني جليل. أدرك جماعة من الصحابة. توفي بالأنبار بمدينة «الهاشمية» سنة 136 على خلاف. «المعارف» لابن قتيبة ص 217 (وفيات) 1/ 228.
[4]
أبو بكر محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري القرشي. من أجل فقهاء التابعين بالمدينة. أدرك جماعة من الصحابة [51- 142] على خلاف في المولد والوفاة. (وفيات) ابن خلكان 1/ 571- 572.
[5]
نافع بن مالك بن أبي عامر الأصبحي أبو سهيل التيمي. مات في إمارة أبي العباس. تهذيب التهذيب 10/ 409.
[6]
الإمام المجتهد أبو عبد الله محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع ينتهي نسبه إلى عبد مناف بن قصيّ، حيث يجتمع مع رسول الله صلى الله عليه وسلم [150- 204]«الانتقاء» لابن عبد البرص 66- 122.
[7]
أبو محمد عبد الله بن وهب بن مسلم القرشي المصري (125- 197) ، لازم مالكا مدة طويلة.
[8]
ابو عمرو عبد الرحمن بن عمرو بن يحمد الأوزاعي، ونسبته اما إلى «الأوزاع» بطن من همدان، أو من ذي كلاع من اليمن، أو الى «الأوزاع» قرية بدمشق نزل بها فنسب إليها أدخلته أمه «بيروت» فسكنها، وبها مات سنة 157، ومولده ببعلبكّ سنة 88، أو 93. «المعارف» لابن قتيبة ص 217، «وفيات» 1/ 345.
[9]
أبو عبد الله سفيان بن سعيد المعروف بالثوري، أحد الأئمة المجتهدين، ولاه المهدي قضاء الكوفة فامتنع، ورمى بصك الولاية في دجلة. «وفيات الأعيان» 1/ 263.
[10]
أبو عبد الرحمن عبد الله بن المبارك بن واضح المروزي مولى بني حنظلة، أحد رواة «الموطأ» عن مالك.
«وفيات» 1/ 311.
[11]
أبو عبد الله محمد بن عمر بن واقد المدني صاحب «المغازي» ، تولى القضاء ببغداد في أيام المأمون. ضعفوه في الحديث [130- 207] . «وفيات» 1/ 640.
[12]
أبو سعيد عبد السلام بن سعيد بن حبيب التنوخي الفقيه المالكي المشهور. [160- 340] .
نافع [1] : توفي مالك ابن سبع وثمانين سنة، ولم يختلف أهل زمانه في أمانته، وإتقانه، وحفظه وتثبّته وورعه، حتى لقد قال سفيان بن عيينة [2] : كنّا نرى في الحديث الوارد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تضرب أكباد الإبل في طلب العلم فلا يوجد عالم أعلم من عالم المدينة» إنّه مالك بن أنس.
وقال الشافّعي: إذا جاء الأثر فمالك النّجم، وقال: إذا جاءك الحديث عن مالك، فشدّ به يديك، وقال أحمد بن حنبل [3] : إذا ذكر الحديث فمالك أمير المؤمنين.
وقد ألّف الناس في فضائله كتبا، وشأنه مشهور.
وأما الّذي بعثه على تصنيف «الموطّأ» - فيما نقل أبو عمر بن عبد البرّ- فهو أن عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون [4] ، عمل كتابا على مثال «الموطأ» ، ذكر فيه ما اجتمع عليه أهل المدينة، ولم يذكر فيه شيئا من الحديث، فأتي به مالك، ووقف عليه وأعجبه، وقال: ما أحسن ما عمل هذا! ولو كنت أنا الّذي عملت لبدأت بالآثار، ثم شددت ذلك بالكلام. وقال غيره: حجّ أبو جعفر المنصور [5] ، ولقيه مالك بالمدينة، فأكرمه وفاوضه. وكان فيما فاوضه: يا أبا عبد الله لم يبق على وجه الأرض أعلم مني ومنك، وقد شغلتني الخلافة، فضع أنت للناس كتابا ينتفعون به، تجنّب فيه رخص ابن عبّاس [6] وشدائد ابن عمر [7] ووطّئه للناس
[1] أبو محمد عبد الله بن نافع بن أبي نافع الصائغ المخزومي، يروي عن مالك كثيرا، ولهم في الثقة به كلام.
[2]
سفيان بن عيينة بن أبي عمران أبو محمد المحدث المشهور (107- 198)«وفيات» 1/ 264.
[3]
أبو عبد الله أحمد بن حنبل الإمام المجتهد المعروف، ينتهي نسبه إلى بني شيبان (164- 241) .
«وفيات» 1/ 20.
[4]
عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون المتوفى سنة 164 ببغداد في خلافة المهدي. «المعارف» ص 203، «تهذيب التهذيب» 6/ 343.
[5]
أبو جعفر المنصور عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس الخليفة العباسي الثاني تولى الخلافة سنة 136، وتوفي سنة 158. له ترجمة واسعة في «تاريخ الطبري» 9/ 254- 323.
[6]
أبو العباس عبد الله بن العباس بن عبد المطلب بن هاشم ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصاحبه ولد قبل الهجرة بثلاث سنين، وتوفي سنة 68 على خلاف في سنة الوفاة. تاريخ الإسلام للذهبي 3/ 30- 37.
[7]
أبو عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن الخطاب القرشي العدوي صاحب رسول الله، وابن صاحبه. وفي سنة 73، وكان عمره يوم الخندق 25 سنة. تاريخ الإسلام للذهبي 3/ 277- 284.
توطئة. قال مالك: فلقد علّمني التأليف، فكانت هذه وأمثالها من البواعث لمالك على تصنيف هذا الكتاب، فصنّفه وسمّاه «الموطأ» أي المسهّل [1] . قال الجوهري وطؤ يوطؤ وطأة، أي صار وطيئا، ووطّأته توطئة، ولا يقال وطّيته [2] .
ولما شغل بتصنيفه أخذ النّاس بالمدينة يومئذ في تصنيف موطّآت، فقال لمالك أصحابه: نراك شغلت نفسك بأمر قد شركك فيه النّاس، وأتي ببعضها فنظر فيه، ثم طرحه من يده وقال: ليعلمنّ أن هذا لا يرتفع منه إلا ما أريد به وجه الله، فكأنّما ألقيت تلك الكتب في الآبار، وما سمع لشيء منها بعد ذلك ذكر، وأقبل مالك على تهذيب كتابه وتوطئته، فيقال إنه أكمله في أربعين سنة. وتلقّت الأمة هذا الكتاب بالقبول في مشارق الأرض ومغاربها، ومن لدن صنّف إلى هلم [3] .
وطال ثناء العلماء في كلّ عصر عليه، ولم يختلف في ذلك اثنان. قال الشّافعيّ، وعبد الرحمن بن مهدي [4] : ما في الأرض كتاب بعد كتاب الله أنفع، وفي رواية أصحّ، وفي رواية أكثر صوابا، من «موّطأ» مالك [5] . وقال يونس بن عبد الأعلى [6] : ما رأيت كتابا الّف في العلم أكثر صوابا من «موطّأ» مالك.
وأما الطرق والروايات التي وقعت في هذا الكتاب، فإنه كتبه عن مالك جماعة نسب الموطأ إليهم بتلك الرواية، وقيل موطأ فلان لراويه عنه [7] فمنها موطأ الإمام محمد بن
[1] ذكر الزرقاني في شرحه للموطأ 1/ 8، نقلا عن ابن فهد، وجها آخر لتسميته بالموطأ، قال: «....
قال مالك: عرضت كتابي هذا على سبعين فقيها من فقهاء المدينة، فكلهم واطأني عليه، فسميته بالموطأ» .
[2]
انظر لسان العرب (وطأ) .
[3]
كذا في الأصلين، وهو استعمال غريب. وقد استعمله في «مقدمته» في فصل الكيمياء ص. وانظر شرح الشريشي على مقامات الحريري 1/ 84، تاج العروس (جر) .
[4]
ابو سعيد عبد الرحمن بن مهدي بن حسان بن عبد الرحمن العنبري البصري المتوفى سنة 198. «تهذيب التهذيب» 6/ 281، «المعارف» ص 224.
[5]
بعد أن ألف البخاري، ومسلم صحيحيهما، لم تبق للموطأ هذه المكانة، ومن هنا أولوا قول الشافعيّ هذا بأنه كان قبل وجود الصحيحين. وانظر مقدمة ابن الصلاح ص 14، تدريب الراويّ ص 25، مقدمة شرح الزرقاني على الموطأ 1/ 9، مقدمة موطأ محمد بن الحسن اللكنوي ص 26 طبع الهند سنة 1306.
[6]
أبو موسى يونس بن عبد الأعلى بن موسى بن ميسرة المحدث المقرئ المصري (170- 264) . تهذيب التهذيب 11/ 440، طبقات القراء 2/ 406.
[7]
في «ترتيب المدارك» 1/ 34 ظ (نسخة خاصة) ، وشرح الزرقاني على الموطأ 1/ 6- كلمة جامعة عن الذين رووا الموطأ عن مالك، وفي مقدمة عبد الحي اللكنوي لموطأ محمد بن الحسن: ان أحد علماء
إدريس الشافعيّ [1] ، ومنها موطأ عبد الله بن وهب، ومنها موطأ عبد الله بن مسلمة القعنبي [2] ، ومنها موطأ مطرّف بن عبد الله اليساري [3] نسبة إلى سليمان بن يسار، ومنها موطّأ عبد الرّحمن بن القاسم [4] رواه عنه سحنون بن سعيد، ومنها موطأ يحيى بن يحيى الأندلسي [5] . رحل إلى مالك بن أنس من الأندلس وأخذ عنه الفقه والحديث، ورجع بعلم كثير وحديث جمّ، وكان فيما أخذ عنه «الموطأ» ، وأدخله الأندلس والمغرب، فأكبّ الناس عليه، واقتصروا على روايته دون ما سواها [6] وعوّلوا على نسقها وترتيبها في شرحهم لكتاب «الموطأ» وتفاسيرهم، ويشيرون إلى الروايات الأخرى إذا عرضت في أمكنتها، فهجرت الرّوايات الأخرى، وسائر تلك الطّرق، ودرست تلك الموطّآت إلّا موطأ يحيى بن يحيى، فبروايته أخذ الناس في هذا الكتاب لهذا العهد شرقا وغربا.
وأما سندي في هذا الكتاب المتّصل بيحيى بن يحيى فعلى ما أصفه:
حدثني به جماعة من شيوخنا رحمة الله عليهم. منهم إمام المالكية، قاضي
[ () ]«دهلي» ، أورد في كتاب له بالفارسية سماه «بستان المحدثين» القول المستفيض عن الموطأ، ومؤلفه، ونسخه، ويتبين من الخلاصة التي عربها عن الفارسية عبد الحي اللكنوي ان صاحب «البستان» كاد ان يستقصي الموضوع.
[1]
قال أحمد بن حنبل: كنت سمعت الموطأ من بضعة عشر رجلا من حفاظ أصحاب مالك، فأعدته على الشافعيّ لأنه أقومهم. زرقاني 1/ 7.
[2]
أبو عبد الرحمن عبد الله بن مسلمة بن قعنب القعنبي الحارثي المدني المتوفى سنة 221 أو 220. سمع من الإمام مالك نصف الموطأ بقراءة الإمام، وقرأ هو الصف الباقي على الإمام.
[3]
مطرف بن عبد الله بن مطرف بن سليمان اليساري الهلالي أبو مصعب المدني ابن أخت الإمام مالك (137- 214) ، على خلاف في وفاته. تهذيب التهذيب 10/ 175 الانتقاء ص 58.
[4]
أبو عبد الله عبد الرحمن بن القاسم بن جنادة العتقيّ المصري المالكي (128- 191)، أول من نقل الموطأ إلى مصر. وكان ابو الحسن القابسي يقدم روايته للموطأ على غيره: ويقول في ذلك انه- مع ما يتصف به من الفهم والورع- قد اختص بمالك، ولم يكثر من النقل عن غيره، فخلص بذلك من ان تختلط عليه ألفاظ الرواة، أو تتبدل الأسانيد، وانما نقل كتابا مصنفا، فهو وافر الحظ من السلامة في النقل.
[5]
هو ابو محمد يحيى بن يحيى بن كثير بن وسلاس المصمودي البربري الليثي بالولاء. (152- 234) وفيات 2/ 285- 287.
[6]
كان بقي بن مخلد المحدث الأندلسي يقدم على رواية يحيى هذه، رواية أبي المصعب الزهري، ورواية يحيى بن بكير، وعاتبه في ذلك عبيد الله بن يحيى، وأخوه إسحاق بن يحيى، فاحتج لفعله بأن أبا المصعب قرشي فاستحق التقديم، وبأن يحيى بن بكير أكبر من أبيهما في السن، وبأنه سمع الموطأ من مالك سبع عشرة مرة، ويحيى أبو هما لم يسمعه إلا مرة واحدة.
الجماعة بتونس وشيخ الفتيا بها، أبو عبد الله محمد بن عبد السّلام بن يوسف الهوّاري، سمعته عليه بمنزله بتونس، من أوله إلى آخره. ومنهم شيخ المسندين بتونس، الرّحالة أبو عبد الله محمد بن جابر بن سلطان القيسي الوادي آشي، سمعت عليه بعضه، وأجازني بسائره. ومنهم شيخ المحدثين بالأندلس، وكبير القضاة بها، أبو البركات محمد بن محمد بن محمد- ثلاثة من المحدّثين- ابن إبراهيم بن الحاجّ البلّفيقي، لقيته بفاس سنة ست وخمسين وسبعمائة من هذه المائة السابعة، مقدمه من السّفارة بين ملك الأندلس وملك المغرب. وحضرت مجلسه بجامع القرويّين من فاس، فسمعت عليه بعضا من هذا الكتاب، وأجازني بسائره. ثم لقيته لقاءة أخرى سنة اثنتين وستّين وسبعمائة، استقدمه ملك المغرب، السلطان أبو سالم ابن السلطان أبي الحسن للأخذ عنه، وكنت أنا القارئ فيما يأخذه عنه، فقرأت عليه صدرا من كتاب «الموطّأ» ، وأجازني بسائره إجازة أخرى.
ومنهم شيخ أهل المغرب لعصره في العلوم العقلية، ومفيد جماعتهم، أبو عبد الله محمد ابن إبراهيم الآبلي، قرأت عليه بعضه، وأجازني بسائره، قالوا كلّهم: حدثنا الشيخ المعمّر، أبو محمد عبد الله بن محمد بن هارون الطّائي [1] ، عن القاضي أبي القاسم أحمد بن يزيد بن بقيّ [2] ، عن الشيخ أبي عبد الله محمد بن عبد الحقّ الخزرجي [3] .
وحدّثني به أيضا شيخنا أبو البركات، عن إمام المالكيّة ببجاية، ناصر الدين أبي علي، منصور بن أحمد بن عبد الحق المشدّالي [4] ، عن الإمام شرف الدين
[1] أبو محمد عبد الله بن محمد بن هارون بن محمد بن عبد العزيز الطائي القرطبي ثم التونسي الإمام المسند.
أخذ عنه الوادي آشي وغيره من مشايخ العلم والحديث (603- 702) . ديباج ص 143 الدرر الكامنة 2/ 303.
[2]
أبو القاسم أحمد بن يزيد بن عبد الرحمن
…
بن بقي بن مخلد (533- 625) . «التكملة لكتاب الصلة» ص 141 طبع الجزائر سنة 1337 هـ، «تكميل الديباج» ص 73.
[3]
أبو عبد الله محمد بن عبد الحق بن أحمد بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الحق الخزرجي القرطبي.
سمع من ابن الطلاع. ذكره ابن الأبار في «التكملة» 1/ 214 طبع مدريد سنة 1889 م، وقال انه لم يقف على وفاته.
[4]
منصور بن محمد بن أحمد بن عبد الحق الزوّاوي المشدّالي ناصر الدين. وهو لقب لزمه من المشرق، حيث انه رحل اليه، وأخذ عن علمائه، ويقول العبدري في «رحلته» : انه لم تكن له عناية والرواية، ومشدّالة قبيلة من زواوة.
محمد بن أبي الفضل المرسي، عن أبي الحسن علي بن موسى بن النّقرات [1] عن أبي الحسن علي بن أحمد الكناني [2] . قال الخزرجي والكناني: حدثنا أبو عبد الله محمّد بن فرج [3] مولى ابن الطّلاع، عن القاضي أبي الوليد يونس بن عبد الله بن مغيث بن الصّفّار قاضي الجماعة بقرطبة.
وحدّثني به أيضا شيخنا أبو عبد الله بن جابر عن القاضي أبي العباس أحمد بن محمد ابن الغمّاز، عن شيخه أبي الرّبيع سليمان بن موسى بن سالم [4] الكلاعيّ، عن القاضي أبي القاسم عبد الرحمن بن حبيش، وأبي عبد الله محمد بن سعيد بن زرقون [5] ، شارح كتاب «الموطأ» ، قال ابن زرقون: حدثنا به أبو عبد الله الخولانيّ [6] ، عن أبي عمرو عثمان بن أحمد القيجاطي [7]، وقال ابن حبيش:
حدّثنا به القاضي أبو عبد الله بن أصبغ [8] ويونس بن محمد بن مغيث، قالا: قرأناه على أبي عبد الله محمد بن الطّلّاع [9] . وقال ابن حبيش أيضا: حدّثنا به أبو
[1] علي بن موسى بن علي (ويقال ابن القاسم) بن علي الأنصاري الجياني يعرف بابن النقرات يكنى أبا الحسن، ويعرف أيضا بابن أرفع رأسه (515- 593) ، ويقول ابن القاضي في جذوة الاقتباس انه كان حيا في سنة 593. طبقات القراء 1/ 581، الجذوة ص 305، فوات الوفيات 2/ 92، تكملة الصلة 2/ 674.
[2]
علي بن أحمد بن أبي بكر الكناني، يعرف بابن حنين، ويكنى أبا الحسن (476- 569) سمع من ابن الطلاع موطأ مالك. جذوة الاقتباس ص 304.
[3]
هو الحافظ أبو عبد الله محمد بن فرج بن الطلاء بالهمزة، وكان أبو مروان بن سراج يقول: كان فرج يطلي مع سيده اللجم في الربض الشرقي عند الباب الجديد من قرطبة، قال: ومن قال الطلاع بالعين فقد اخطأ، وكذلك قال أبو الوليد بن خيرة، وقالا أيضا: ان الطلاع بالعين هو والد مولاه محمد بن يحيى البكري المعروف بابن الطلاع. اما ابو بكر ابن برنجال الداني فيقول: هو بالعين لأن أباه كان يطلع النخل في قرطبة لاجتنائها فعرف بذلك. وقد رحل الناس الى ابن فرج من كل قطر لسماع الموطأ والمدونة، وكان يحفظ الموطأ، وله فيه سند عال. ديباج ص 257.
[4]
ابو الربيع سليمان بن موسى بن سالم بن حسان بن سليمان يعرف بابن سالم الكلاعي (565- 634) .
[5]
محمد بن سعيد بن أحمد بن سعيد بن عبد العزيز زرقون (502- 586) ، آخر من حدث بالإجازة عن الخولانيّ، وكان عالي الرواية. ديباج ص 285.
[6]
ابو عبد الله احمد بن محمد بن عبد الرحمن بن غلبون الخولانيّ (418- 508) روى عن جماعة، منهم ابو عمرو عثمان بن احمد القيشطالي (القيجاطي) . صلة 1/ 76.
[7]
عثمان بن احمد بن محمد بن يوسف المعافري القرطبي يكنى ابا عمرو، ويعرف بالقيشيطيالي (القيشطالي، القيجاطي، توفي سنة 431 عن 80 سنة) . صلة 1/ 397.
[8]
محمد بن أصبغ بن محمد بن أصبغ الأزدي ابو عبد الله، سمع من أبي عبد الله محمد بن فرج، توفي سنة 536، وهو من أبناء الستين. صلة 2/ 528.
[9]
محمد بن يحيى البكري المتوفى سنة 497. الاستقصاء 1/ 129.
القاسم أحمد بن محمد ورد [1] ، عن القاضي أبي عبد الله محمد بن خلف ابن المرابط [2] ، عن المقرئ أبي عمر أحمد بن محمد بن عبد الله المعافري الطّلمنكيّ [3] ، قال القاضي أبو الوليد بن مغيث، والقيجاطي، والطّلمنكيّ:
حدّثنا أبو عيسى يحيى بن عبد الله بن يحيى عن عم أبيه أبي مروان عبيد الله بن يحيى عن أبيه يحيى بن يحيى. وقال الطّلمنكيّ: حدّثنا أبو جعفر أحمد بن محمد بن حدير البزّاز، قال حدثنا أبو محمد قاسم بن أصبغ [4] ، قال حدثنا أبو عبد الله محمد ابن وضّاح [5] ، قال حدثنا يحيى بن يحيى عن مالك، إلّا ثلاثة أبواب من آخر كتاب الاعتكاف، أولها خروج المعتكف إلى العيد فإنّ يحيى شكّ في سماعها عن مالك، فسمعها من زياد بن عبد الرحمن الملقّب شبطون [6] عن مالك.
ولي في هذا الكتاب طرق أخرى لم يحضرني الآن اتّصال سندي فيها.
فمنها عن شيخنا أبي محمد عبد المهيمن بن محمد الحضرميّ كاتب السلطان أبي الحسن، لقيته بتونس عند استيلاء السلطان عليها، وهو في جملته سنة ثمان وأربعين وسبعمائة، وحضرت مجلسه، وأخذت عنه كثيرا، وسمعت عليه بعض «الموطأ» ، وأجازني بالإجازة العامّة، وهو يرويه عن الأستاذ أبي جعفر بن الزّبير، وعن شيخه الأستاذ أبي إسحاق الغافقي، وعن أبي القاسم القبتوري، وجماعة من مشيخة أهل سبتة، ويتّصل سنده فيه بالقاضي عياض، وأبي العبّاس العز في صاحب كتاب (الدرّ المنظّم في المولد المعظّم) .
[1] احمد بن محمد بن عمر بن يوسف بن إدريس بن عبد الله بن ورد التميمي أبو القاسم (465- 540) ، سمع الموطأ من أبي علي الغساني. احاطة 1/ 57.
[2]
القاضي ابو عبد الله محمد بن خلف بن سعيد المعروف بابن المرابط. اجازة ابو عمر الطلمنكي، توفي بالمدينة بعد سنة 480. ديباج 273، 274.
[3]
احمد بن محمد بن أبي عبد الله بن أبي عيسى المعافري ابو عمر الطلمنكي، المتوفى سنة 429 ديباج ص 39.
[4]
قاسم بن أصبغ بن محمد بن يوسف بن ناصح أبو محمد البياني القرطبي (244- 340) ، سمع من ابن وضاح. تاريخ علماء الأندلس لابن الفرضيّ 1/ 297.
[5]
محمد بن وضاح بن بديع القرطبي ابو عبد الله (199- 286) ، على خلاف في مولده، ووفاته، سمع من يحيى بن يحيى. ديباج ص 239- 240.
[6]
زياد بن عبد الرحمن بن زياد اللخمي المعروف بشبطون [بشين معجمة مفتوحة فباء موحدة ساكنة، وبعدها طاء تليها واو ساكنة فنون] ، أول من أدخل مذهب مالك الى الأندلس، وكان أهلها قبله على مذهب الأوزاعي. توفي سنة 204 على خلاف. نفح الطيب 1/ 349.
ومنها عن شيخنا أبي عبد الله الكوسي خطيب الجامع الأعظم بغرناطة، سمعت عليه بعضه وأجازني بسائره وهو يرويه عن الأستاذ أبي جعفر بن الزّبير عن القاضي أبي عبد الله بن بكّار، وجماعة من مشيخة أهل الأندلس، ويتّصل سنده فيه بالقاضي أبي الوليد الباجي [1] ، والحافظ أبي عمر بن عبد البرّ بسندهما.
ومنها عن شيخنا المكتّب أبي عبد الله محمد بن سعد بن برّال الأنصاري شيخ القراءة بتونس، ومعلّمي كتاب الله، قرأت عليه القرآن العظيم بالقراءات السّبع وعرضت عليه قصيدتي الشّاطبي [2] في القراءة، وفي الرّسم، وعرضت عليه كتاب التّقصّي لابن عبد البرّ، وغير ذلك، وأجازني بالإجازة العامّة، وفي هذه بالإجازة الخاصة، وهو يروي هذا الكتاب عن القاضي أبي العبّاس أحمد بن محمد بن الغمّاز، وعن شيخه أبي العبّاس أحمد بن موسى البطرني بسندهما.
ومنها عن شيخنا الأستاذ أبي عبد الله محمد بن الصّفّار المرّاكشي، شيخ القراءات بالمغرب، سمعت عليه بعض هذا الكتاب بمجلس السلطان أبي عثمان ملك المغرب، وهو يسمعه إياه، وأجازني بسائره، وهو يرويه عن شيخه محدّث المغرب أبي عبد الله محمد بن رشيد الفهريّ السّبتيّ [3] عن مشيخة أهل سبتة، وأهل الأندلس، حسبما ذلك مذكور في كتب رواياتهم وطرق أسانيدهم، إلا أنّها لم تحضرني الآن، وفيما ذكرناه كفاية والله يوفقنا أجمعين لطاعته وهذا حين أبتدئ، وباللَّه أهتدي.
وانفضّ ذلك المجلس، وقد لاحظتني بالتّجلّة والوقار العيون، واستشعرت أهليتي للمناصب القلوب، وأخلص النّجيّ في ذلك الخاصّة والجمهور، وأنا أنتاب مجلس السلطان في أكثر الأحيان، لتأدية الواجب من التّحية والمشافهة بالدّعاء، الى أن سخط السلطان قاضي المالكية يومئذ في نزعة من النّزعات الملوكية، فأبعده، وأخّره عن خطّة القضاء في رجب ستّ وثمانين وسبعمائة، ودعاني للولاية في مجلسه، وبين أمرائه فتفاديت من ذلك، وأبي إلّا إمضاءه، وخلع عليّ، وبعث الأمراء
[1] سليمان بن خلف بن سعد بن أيوب ابو الوليد القاضي. رحل الى المشرق، وعاد الى الأندلس بعلم كثير (403- 494) . ديباج ص 120.
[2]
اللامية المسماة بحرز الأماني، والمشهورة بالشاطبية، والرائية، وتسمى «عقيلة أتراب القصائد» .
[3]
هو ابو عبد الله محمد بن عمر بن محمد بن عمر..... بن رشيد الفهري السبتيّ (657- 721) .
ابن خلدون م 44 ج 7