الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الأعطيات، وقدّم بين يديه ابنه الأمير أبا الحسن ولي عهده الغالب على أمره في عساكره وجموعه. وجاء في ساقته، وسار على هذه التعبية. ولما انتهى إلى بويو [1] من وادي ملويّة نذروا بالبيات من أبي علي وجنوده، فحذروهم وأيقظوا ليلتهم.
وبيّتهم بمعسكرهم ذلك، فكانت الدبرة عليه. وفلّ عسكره. وارتحلوا من الغد في أثره. وسلك على جبال درن، وافترقت جنوده في أوعاره، ولحقهم من معراتها شناعات، حتى ترجّل الأمير أبو عليّ عن فرسه، وسعى على قدميه، وخلص من ورطة ذلك الجبل بعد عصب الريق، ولحق بسجلماسة، ومهّد السلطان نواحي مراكش، وعقد عليها لموسى بن علي بن محمد الهنتاتي، فعظم غناؤه في ذلك واضطلاعه وامتدّت أيام ولايته وارتحل السلطان إلى سجلماسة، فدافعه الأمير أبو علي بالخضوع في الصفح والرضا والعودة إلى السلم، فأجابه السلطان لما كان شغفه من حبّه، فقد كان يؤثر عنه من ذلك غرائب. ورجع إلى الحضرة وأقام الأمير أبو علي بمكانه من ملك القبلة إلى أن هلك السلطان، وتغلّب عليه أخوه السلطان أبو الحسن كما نذكره إن شاء الله تعالى.
(الخبر عن نكبة منديل الكتاني ومقتله)
كان أبوه محمد بن محمد الكتاني [2] من علية الكتاب بدولة الموحّدين، ونزع من مراكش عند ما انحل نظام بني عبد المؤمن وانفض جمعهم إلى مكناسة، فأوطنها في إيالة بني مرين. واتصل بالسلطان يعقوب بن عبد الحق فصحبه فيمن كان يثائر على صحابته من أعلام المغرب. وسفر عنه إلى الملوك كما ذكرناه في سفارته إلى المستنصر سنة خمس وستين وستمائة وهلك السلطان يعقوب بن عبد الحق فازداد الكتاني عند ابنه يوسف بن يعقوب حظوة ومكانه إلى أن سخطه ونكبه سنة سبع وستين وستمائة وأقصاه من يومئذ وهلك في حال سخطته وبقي من بعده ابنه منديل هذا في جملة السلطان أبي يعقوب متبرما بمقام عبد الله بن أبي مدين المستولي على قهرمة دار
[1] كذا في النسخة الباريسية وفي النسخة المصرية توتو وفي نسخة أخرى نونو.
[2]
وفي النسخة المصرية: الكناني.
السلطان ومخالصته في خلواته مغضيا لذلك. متوقعا النكبة في أكثر أيامه مضطرمة له بالحسد جوانحه، مع ما كان عليه من القيام على حسبان الديوان عرف فيه بسبقه وتشابه صديقه وعدوه. ولما تغلّب السلطان على ضواحي شلف ومغراوة واستعمل على حسبان الجباية، وجعل إليه ديوان العسكر هنالك، وإلى نظره اعتراضهم وتمحيصهم، فنزل على مليانة مع من كان هنالك من الأمراء مثل علي بن محمد الخيريّ والحسن بن علي بن أبي الطلاق العسكري إلى أن هلك السلطان أبو يعقوب، ورجّع أبو ثابت البلاد إلى أبي زيّان وأخيه أبي حمّو فخفّ عليهما، وحلا بعيونهما، واستبلغا في تكريمه وانصرف إلى مغربه. وكان معسكر السلطان يوسف بن يعقوب على تلمسان قد صحب أخاه أبا سعيد عثمان بن يعقوب في حال خموله، وتأكّدت بينهما الخلّة التي رعاها له السلطان أبو سعيد. فلمّا ولي أمر المغرب متّ بذلك إليه، فعرفه له واختصّه وخالصة، وجعل إليه وضع علامته وحسبان جبايته، ومستخلص أحواله، والمفاوضة بذات صدره. ورفع مجلسه في بسائطه، وقدّمه على خاصته. وكان كثير الطاعة للأمير أبي علي ابنه المتغلّب على أبيه قبل أوّل أمره [1] .
ولما استبدّ وخلع أباه انحاش منديل هذا إليه. ثم نزع عنه حين تبيّن اختلال أمره، وكان الأمير أبو الحسن يحقد عليه ولاية أخيه أبي عليّ لما كان بينهما من المنافسة.
وكان كثيرا ما يوغر صدره بإيجاب حق عمر عليه، وامتهانه في خدمته. وطوى له على النث حتى إذا انفرد بمجلس أبيه وفصل عمر إلى سجلماسة أحكم السعاية فيه وإلحاح [2] في الهلكة التي أحكم [3] السلطان عليها أذنا واعية، حتى تأذّن الله بإهلاكه. وكان منديل هذا كثيرا ما يغضب السلطان في المحاورة والخطاب دالة عليه وكبرا، فاعتدّ عليه من ذلك كلمات وأحوالا، وسخطه سنة ثمان عشرة وسبعمائة واذن لابنه الأمير أبي الحسن في نكبته، فاعتقله واستصفى أمواله، وطوى ديوانه وامتحنه أياما، ثم قتله بمحبسه خنقا، ويقال جوعا. وذهب مثلا في الغابرين، والله خير الوارثين.
[1] وفي النسخة المصرية: المتغلب على أبيه أول مرّة.
[2]
وفي النسخة المصرية: الآلاء.
[3]
وفي النسخة المصرية: صرّ.