الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فينبعث صاعدا فيعمّ البئر ثم يجري على وجه الأرض واديا، ويزعمون أنّ الماء ربّما أعجل بسرعته عن كل شيء. وهذه الغريبة موجودة في قصور توات وتيكرارين وواركلا وريغ. والعالم أبو العجائب والله الخلّاق والعليم. وهذا آخر الكلام في الطبقة الأولى من زناتة فلترجع إلى أخبار الطبقة الثانية. وهم الذين اتصلت دولتهم إلى هذا العهد.
(أخبار الطبقة الثانية من زناتة وذكر أنسابهم وشعوبهم وأوليتهم ومصائر ذلك)
قد تقدّم لنا في أضعاف الكلام قبل انقراض الملك من الطبقة من زناتة ما كان على يد صنهاجة والمرابطين من بعدهم، وأنّ عصبية أجيالهم افترقت بانقراض ملكهم ودولهم، وبقي منهم بطون لم يمارسوا الملك، ولا أخلقهم ترفه، فأقاموا في قياطينهم بأطراف المغربين ينتجعون جانبي القفر والتلّ، ويعطون الدول حق الطاعة. وغلبوا على بقايا الأجيال الأولى من زناتة بعد أن كانوا مغلوبين لهم فأصبحت لهم السورة والعزة وصارت الحاجة من الدول إلى مظاهرتهم ومسالمتهم، حتى انقرضت دولة الموحدين فتطاولوا إلى الملك وضربوا فنيه مع أهلهم بسهم. وكانت لهم دول نذكرها إن شاء الله تعالى. وكان أكثر هذه الطبقة من بني واسين بن يصلتن إخوة مغراوة وبني يفرن، ويقال إنهم من بني وانتن بن ورسيك بن جانا إخوة مسارة وتاجرت، وقد تقدّم ذكره هذه الأنساب. وكان من بني واسين هؤلاء ببلد قسطيلية. وذكر ابن الرقيق أنّ أبا يزيد النكاري لما ظهر بجبل أوراس كتب إليهم بمكانهم حول توزر يأمرهم بحصارها فحاصروها سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة. وربما كان منهم ببلد الحامة لهذا العهد، ويعرفون ببني ورتاجن إحدى بطونهم. وأمّا جمهورهم فلم يزالوا بالمغرب الأقصى بين ملوية إلى جبل راشد.
(وذكر موسى) بن أبي العافية في كتابه إلى الناصر الأموي يعرّفه بحربة مع ميسور مولى أبي القاسم الشيعيّ، ومن صار إليه من قبائل زناتة، فذكر فيمن ذكر ملوية، وسار من قبائل بني واسين وبني يفرن وبني يرناتن وبني ورنمت [1] ومطماطة، فذكر
[1] وفي نسخة أخرى: بني ورتاسن وبني وريمت، وبني يزناسن في قبائل المغرب/ 137.
منهم بني واسين لأنّ تلك المواطن من مواطنهم قبل الملك.
(وفي هذه الطبقة منهم بطون) : فمنهم بنو مرين، وهم أكثرهم عددا وأقواهم سلطانا وملكا وأعظمهم دولة. (ومنهم) : بنو عبد الواد تلوهم في الكثرة والقوّة، وبنو توجين من بعدهم كذلك هؤلاء أهل الملك من هذه الطبقة. وفيها غير أهل الملك بنو راشد إخوة بني يادين كما نذكره، وفيها أهل الملك أيضا من غير نسبهم بقية من مغراوة بمواطنهم الأولى من وادي شلف نبضت فيهم عروق الملك بعد انقراض جيلهم الأوّل، فتجاذبوا حبله مع أهل هذا الجيل وكانت لهم في مواطنهم دولة كما نذكره.
(ومن أهل هذه الطبقة) كثير من بطونهم ليس لهم ملك نذكرهم الآن عند تفصيل شعوبهم. وذلك أنّ أحياءهم جميعا تشعّبت من زرجيك بن واسين فكان منهم بنو يادين بن محمد، وبنو مرين بن ورتاجن، فأمّا بنو ورتاجن فهم من ولد ورتاجن بن ماخوخ بن جريح [1] بن فاتن بن بدر بن يخفت بن عبد الله ورتنيد بن المعز بن إبراهيم بن زحيك. (وأمّا بنو مرين) بن ورتاجن فتعدّدت أفخاذهم وبطونهم كما نذكر بعد، حتى كثروا سائر شعوب بني ورتاجن، وصار بنو ورتاجن معدودين في جملة أفخاذهم وشعوبهم. (وأما بنو يادين) بن محمد فمن ولد زرجيك ولا أذكر الآن كيف يتصل نسبهم به. وتشعّبوا إلى شعوب كثيرة، فكان منهم: بنو عبد الواد وبنو توجين وبنو مصاب وبنو زردال [2] يجمعهم كلّهم نسب يادين بن محمد. وفي محمد هذا يجتمع يادين وبنو راشد، ثم يجتمع محمد مع ورتاجن في زرجيك [3] بن واسين، وكانوا كلّهم معروفين بين زناتة الأولى ببني واسين قبل أن تعظم هذه البطون والأفخاذ، وتتشعب مع الأيام. وبأرض إفريقية وصحراء برقة وبلاد الزاب منهم طوائف من بقايا زناتة الأولى قبل انسياحهم إلى المغرب، فمنهم بقصور غدامس على عشرة مراحل قبلة سرت، وكانت مختطّة منذ عهد الإسلام، وهي خطة مشتملة على قصور وآطام عديدة، وبعضها لبني ورتاجن وبعضها لبني واطاس من أحياء بني مرين، يزعمون أنّ أوليتهم اختطّوها، وهي لهذا العهد قد استبحرت في العمارة،
[1] وفي نسخة أخرى: بن وجديج.
[2]
كذا في النسخة الباريسية وفي نسخة أخرى: زردان وفي نسخة ثانية: ازردال.
[3]
كذا في النسخة الباريسية وفي نسخة أخرى: زحيك وفي نسخة ثانية: زجيك.
واتسعت في التمدّن بما صارت محطّا لركاب الحاج من السودان، وقفل التجّار إلى مصر والاسكندرية عند اراحتهم من قطع المفازة ذات الرمال المعترضة أمام طريقهم دون الأرياف والتلول، وبابا لولوج تلك المفازة والحاج والتجر في مرجعهم ومنهم ببلد الحامة [1] غربيّ قابس أمّة عظيمة من بني ورتاجن. وفرّت منهم حاميتها، واشتدّت شوكتها ورحل إليها التجر بالبضائع لنفاق أسواقها، وتبحّر عمرانها، وامتنعت لهذا العهد على من يرومها ممن يجاورها، فهم لا يؤدّون خراجا ولا يسامون بمغرم، حتى كأنهم لا يعرفونه عزة جناب، وفضل بأس ومنعة. ويزعمون أنّ سلفهم من بني ورتاجن اختطّوها، ورياستهم في بيت منهم يعرفون ببني وشاح، ولربّما طال على رؤسائهم عهد الخلافة ووطأة الدولة فيتطاولون إلى التي تنكر على السوقة من اتخاذ الآلة، ويبرزون في زيّ السلطان أيام الزينة تهاونا بشعار الملك، ونسيانا لمألوف الانقياد شأن جيرانهم رؤساء توزر ونفطة. وسابق الغاية في هذه الضحكة هو يملول مقدّم توزر.
(ومن بني واسين) هؤلاء بقصور مصاب على خمس مراحل من جبل قيطري في القبلة لما دون الرمال على ثلاث مراحل من قصور بني ريغة في المغرب، وهذا الاسم للقوم الذين اختطّوها ونزلوها من شعوب بني يادين [2] حسبما ذكرناهم الآن.
وضعوها في أرض حرّة على أحكام [3] وضراب ممتنعة في قننها. وبينها وبين الأرض المحجرة المعروفة بالجمادة في سمت العرق متوسطة فيه قبالة تلك البلاد على فراسخ في ناحية القبلة، وسكانها لهذا العهد شعوب بني يادين من بني عبد الواد وبني توجين ومصاب وبني زردال فيمن انضاف إليهم من شعوب زناتة، وإن كانت شهرتها مختصة بمصاب، وحالها في المباني والاغتراس وتفرّق الجماعات بتفرّق الرئاسة شبيهة بحال بني ريغة والزاب. ومنهم بجبل أوراس بإفريقية طائفة من بني عبد الواد موطّنوه منذ العهد القديم لأوّل الفتح، معروفون بين ساكنيه.
(وقد ذكر) بعض الأخباريين أنّ بني عبد الواد حضروا مع عقبة بن نافع في فتح المغرب عند ايغاله في ديار المغرب، وانتهائه إلى البحر المحيط بالسوس في ولايته
[1] وفي نسخة ثانية: ومنهم ببلاد الحمة.
[2]
وفي نسخة ثانية: بني يادين.
[3]
وفي نسخة ثانية: آكام.
الثانية. وهي الغزاة التي هلك فيها في منصرفه منها، وأنهم أبلوا البلاء الحسن فدعا لهم وأذن في رجوعهم قبل استتمام الغزاة. ولما تحيّزت زناتة أمام كتامة وصنهاجة اجتمع شعوب بني واسين هؤلاء كلّهم ما بين ملوية كما ذكرناه. وتشعّبت أحياؤهم وبطونهم، وانبسطوا في صحراء المغرب الأقصى والأوسط إلى بلاد الزاب وما إليها من صحارى إفريقية إذ لم يكن للعرب في تلك المجالات كلّها مذهب ولا مسلك إلى المائة الخامسة كما سبق ذكره. ولم يزالوا بتلك البلاد مشتملين لبوس العزّ مشمّرين للانفة، وكانت مكاسبهم [1] الأنعام والماشية، وابتغاؤهم الرزق من تحيّف السابلة، وفي ظل الرماح المشرّعة، وكانت لهم في محاربة الأحياء والقبائل ومنافسة الأمم والدول ومغالبة الملوك أيام ووقائع، نلمّ بها ولم تعظم العناية باستيعابها، فنأتي به. والسبب في ذلك أنّ اللسان العربيّ كان غالبا لغلبة دولة العرب وظهور الملّة العربية، فالكتاب والخط بلغة الدولة ولسان الملك، واللسان العجمي مستتر بجناحه مندرج في غماده، ولم يكن لهذا الجيل من زناتة في الأحقاب القديمة ملك يحمل أهل الكتاب على العناية بتقييد أيامهم وتدوين أخبارهم، ولم تكن مخالطة بينهم وبين أهل الأرياف والحضر، حتى يشهدوا آثارهم لإبعادهم في القفار كما رأيت في مواطنهم، وتوحّشهم عن الانقياد، فبقوا غفلا إلى أن درس منها الكثير، ولم يصل إلينا بعد ملكهم إلّا الشارد القليل يتبعه المؤرّخ المضطلع في مسالكه، ويتقرّاه في شعابه ويثيره من مكامنه، وأقاموا بتلك القفار إلى أن تسنّموا منها هضبات الملك على ما تصفه.
[1] وفي نسخة ثانية: وكان جل مكاسبهم.