الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الأندلس، تخيّل ذلك بعض الغواة، وكتب به إلى السلطان عبد العزيز فأنفذ من وقته سرية من تازا تعترضني لاسترجاع تلك الوديعة، واستمرّ هو إلى تلمسان، ووافتني السّرية بهنين وكشفوا الخبر، فلم يقفوا على صحّته، وحملوني إلى السلطان فلقيته قريبا من تلمسان، واستكشفني عن ذلك الخبر فأعلمته بنفيه، وعنّفني على مفارقة دارهم، فاعتذرت له لما كان من عمر بن عبد الله المستبدّ عليهم، وشهد لي كبير مجلسه، ووليّ أبيه وابن وليه ونزمار بن عريف، ووزيره عمر بن مسعود بن منديل بن حمامة، واحتفّت الألطاف، وسألني في ذلك المجلس عن أمر بجاية، وأفهمني أنه يروم تملّكها، فهوّنت عليه السبيل في ذلك فسرّ به، وأقمت تلك الليلة في الاعتقال. ثم أطلقني من الغد فعمدت إلى رباط الشيخ الوليّ أبي مدين ونزلت بجواره مؤثرا للتخلي والانقطاع للعلم، لو تركت له.
(مشايعة السلطان عبد العزيز صاحب المغرب على بني عبد الواد)
ولما دخل السلطان عبد العزيز إلى تلمسان واستولى عليها، وبلغ خبره إلى أبي حمّو وهو بالبطحاء، فأجفل من هنالك، وخرج في قومه وشيعته من بني عامر ذاهبا، إلى بلاد رياح، فسرّح السلطان وزيره أبا بكر بن غازي في العساكر لاتباعه. وجمع عليه أحياء زغبة والمعقل باستئلاف وليّه ونزمار وتدبيره. ثم أعمل السلطان نظره ورأى أن يقدّمني أمامه إلى بلاد رياح لأوطئ [1] أمره، وأحملهم على مناصرته وشفاء نفسه من عدوّه بما كان السلطان أيس [2] من استتباع رياح وتصريفهم فيما يريده من مذاهب الطاعة. فاستدعاني من خلوتي بالعبادة عند رباط الوليّ أبي مدين. وأنا قد أخذت في تدريس العلم واعتزمت على الانقطاع، فآنسني وقرّبني، ودعاني لما ذهب إليه من ذلك، فلم يسعني إلّا إجابته، وخلع عليّ وحملني، وكتب إلى شيوخ الزواودة بامتثال أمري وما ألقيه إليهم من أوامره، وكتب إلى يعقوب بن علي وابن
[1] وفي نسخة ثانية: لأوطد.
[2]
وفي نسخة ثانية: آنس.
مزنى بمساعدتي على ذلك. وأن يحاولوا على استخلاص أبي حمّو من بين أحياء بني عامر، ويحوّلوه إلى حيّ يعقوب بن علي، فودّعته وانصرفت في عاشوراء سنة اثنتين وسبعين وسبعمائة فلحقت الوزير في عساكره وأحياء العرب من المعقل وزغبة على البطحاء، ولقيته ودفعت إليه كتاب السلطان، وتقدّمت أمامه وشيّعني ونزمار يومئذ وأوصاني بأخيه محمد، وقد كان أبو حمّو قبض عليه عند ما أحسن منهم بالخلاف، وأنهم يرومون الرحلة إلى المغرب. وأخرجه معه من تلمسان مقيّدا واحتمله في معسكره، فأكّد على ونزمار في المحاولة على استخلاصه بما أمكن، وبعث معي ابن أخيه عيسى في جماعة من سويد يبدروني [1] وتقدّم إلى أحياء حصين بإخراج أبي زيّان من بينهم، فسرنا جميعا وانتهينا إلى أحياء حصين وأخبرهم فرج بن عيسى بوصيّة عمه ونزمار إليهم فنبذوا إلى أبي زيّان عهده، وبعثوا معه من أوصله إلى بلاد رياح. ونزل على أولاد يحيى بن علي بن سبّاع، وتوغّلوا به في القفر، واستمريت ذاهبا إلى بلاد رياح، فلمّا انتهيت إلى المسيلة ألفيت السلطان أبا حمّو وأحياء رياح معسكرين قريبا منها في وطن أولاد سبّاع بن يحيى من الزواودة، وقد تسايلوا [2] إليه، وبذل فيهم العطاء ليجتمعوا إليه، فلما سمعوا بمكاني من المسيلة، جاءوا إليّ فحملتهم على طاعة السلطان عبد العزيز، وأوفدت أعيانهم وأشياخهم على الوزير أبي بكر بن غازي، فلقوه ببلاد الديالم عند نهر واصل، فأتوه طاعتهم، ودعوه إلى دخول بلادهم في اتباع عدوّه. ونهض معهم وتقدّمت أنا من المسيلة إلى بسكرة، فلقيت بها يعقوب بن علي، واتفق هو وابن مزنى على طاعة السلطان، وبعث ابنه محمدا للقاء أبي حمّو، وأمر بني عامر خالد بن عامر يدعوهم إلى نزول وطنه، والبعد به عن بلاد السلطان عبد العزيز، فوجده متدليا من المسيلة إلى الصحراء. ولقيه على الدّوسن وبات ليلتهم يعرض عليهم التحوّل من وطن أولاد بني سبّاع إلى وطنهم بشرقي الزاب. وأصبح يومه كذلك، فما راعهم آخر النهار إلّا انتشار العجاج خارجا إليهم من أفواه الثنيّة، فركبوا يستشرفون، وإذا بهوادي الخيل طالعة من الثنيّة، وعساكر بني مرين والمعقل وزغبة منثالة أمام الوزير أبي بكر بن غازي قد دلّ بهم الطريق
[1] البذرقة الخفارة. والمبذرق: الخفير.
[2]
تسايل القوم: توافدوا من جهة وفي نسخة ثانية تساتلوا وتساتل القوم أي خرجوا متتابعين الواحد تلو الآخر.
وفد أولاد سباع الذين بعثهم من المسيلة، فلما أشرفوا على المخيّم أغاروا عليه مع غروب الشمس. فأجفل بنو عامر وانتهب مخيم السلطان أبي حمّو ورحاله وأمواله.
ونجا بنفسه تحت الليل، وتمزّق شمل ولده وحرمه حتى خلصوا إليه بعد أيام، واجتمعوا بقصور مصاف من بلاد الصحراء وامتلأت أيدي العساكر والعرب من نهابهم، وانطلق محمد بن عريف في تلك الهيعة وأطلق الموكّلون به وجاء إلى الوزير وأخيه ونزمار وتلقّوه بما يجب له، وأقام الوزير أبو بكر بن غازي بالدوسن أياما أراح فيها. وبعث إليه ابن مزنى بطاعته وأرغد له من الزاد والعلوفة، وارتحل راجعا إلى المغرب، وتخلّفت بعده أياما عند أهلي ببسكرة، ثم ارتحلت إلى السلطان في وفد عظيم من الزواودة، يقدّمهم أبو دينار أخو يعقوب بن علي وجماعة من أعيانهم.
فسابقنا الوزير إلى تلمسان وقدمنا على السلطان فوسعنا من حبائه وتكرمته، ونزله ما بعد العهد بمثله. ثم جاء من بعدنا الوزير أبو بكر بن غازي على الصحراء بعد أن مرّ بقصور بني عامر هنالك، فخرّبها وكان يوم قدومه على السلطان يوما مشهودا، وأذن بعدها لوفود الزواودة في الانصراف إلى بلادهم. وقد كان ينتظر بهم قدوم الوزير ووليّه ونزمار بن عريف، فودّعوه وبالغ في الإحسان وانصرفوا إلى بلادهم. ثم أعمل نظره في إخراج أبي زيان من بين أحياء الزواودة لما خشي من رجوعه إلى حصين، فآمرني في ذلك، وأطلقني إليهم في محاولة انصرافه عنهم، فانطلقت لذلك. وكان أحياء حصين قد توجّسوا الخيفة من السلطان، وتنكّروا له، وانصرفوا إلى أهليهم بعد مرجعهم من غزاتهم مع الوزير، وبادروا باستدعاء أبي زيّان من مكانه عند أولاد يحيى بن علي، وأنزلوه بينهم، واشتملوا عليه، وعادوا إلى الخلاف الّذي كانوا عليه أيام أبي حمّو واشتعل المغرب الأوسط نارا. ونجم [1] صبي من بيت الملك في مغراوة وهو حمزة بن علي بن راشد، فرّ من معسكر الوزير ابن غازي أيام مقامه عليها، فاستولى على شلف وبلاد قومه، وبعث السلطان وزيره عمر بن مسعود في العساكر لمنازلته، وأعيا داؤه وانقطعت أنا ببسكرة، وحال ذلك ما بيني وبين السلطان إلّا بالكتاب والرسالة. وبلغني في تلك الأيام وأنا ببسكرة مفرّ الوزير ابن الخطيب من الأندلس وقدومه على السلطان بتلمسان حين توجّس الخيفة من
[1] نجم: ظهر
سلطانه، بما كان له من الاستبداد عليه، وكثرة السعاية من البطانة فيه، فأعمل الرحلة إلى الثغور الغربيّة لمطالعتها بإذن سلطانه، فلمّا حاذى جبل الفتح قبل الفرضة دخل إلى الجبل وبيده عهد السلطان عبد العزيز إلى القائد بقبوله. وأجاز البحر من حينه إلى سبتة، وسار إلى السلطان بتلمسان، وقدم عليه بها في يوم مشهود، وتلقّاه السلطان من الحظوة والتقريب وإدرار النّعم بما لا يعهد بمثله. وكتب إليّ من تلمسان يعرّفني بخبره، ويلمّ ببعض العتاب على ما بلغه من حديثي الأول بالأندلس، ولم يحضرني الآن كتابه فكان جوابي عنه ما نصّه:
الحمد للَّه ولا قوّة إلّا باللَّه، ولا رادّ لما قضى الله.
يا سيدي ونعم الذّخر الأبدي، والعروة الوثقى التي أعلقتها [1] يدي أسلّم عليك سلام القدوم على المخدوم، والخضوع للملك المتبوع، لا بل أحيّيكم تحيّة المشوّق للمعشوق، والمدلج للصباح المتبلّج، وأقرّر ما أنتم أعلم بصحيح عقدي فيه من حبي لكم، ومعرفتي بمقداركم، وذهابي إلى أبعد الغايات في تعظيمكم، والثناء عليكم، والإشادة في الآفاق بمناقبكم ديدنا [2] معروفا، وسجية راسخة يعلم الله وكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً 4:79. وهذا كما في علمكم أسنى ما اختلف أوّلا ولا آخرا، ولا شاهدا ولا غائبا، وأنتم أعلم بما تعني نفسه وأكبر شهادة بما في خفايا ضميري، ولو كنت ذلك فقد سلف من حقوقكم، وجميل أخذكم، واجتلاب الحظّ لو هيّأه القدر، لمساعيكم وإيثاري بالمكان من سلطانكم ودولتكم، ما يستلين معاطف القلوب، ويستل سخائم الهواجس، فأنا أحاشيكم من استشعار نبوة [3] أو إخفار وطن [4] ، ولو تعلّق بقلب ساق حرزرزور [5] فحاش للَّه أن يقدح في الخلوص لكم، أو يرجح سوائبكم [6] ، إنما هي خبيئة الفؤاد إلى الحشر أو اللقاء. وو الله وجميع ما يقسم به، ما اطّلع على مستكنّه مني غير صديقي، وصديقكم الملابس، كان لي ولكم، الحكيم الفاضل أبي عبد الله الشّقوري أعزّه الله. نفثة مصدور، ومباثة خلوص، إذ
[1] وفي نسخة ثانية: اعتقلتها.
[2]
الديدن: العادة.
[3]
بمعنى الجفوة.
[4]
وفي نسخة ثانية: أو إحقاق ظن.
[5]
وفي نسخة ثانية: ولو تعلّق بقلب ساق حرّ ذرء وذرء. وبلغني ذرء من خير أي قليل منه.
[6]
وفي نسخة ثانية: سوابقكم: ج سابقة ويعني: أياديكم البيضاء التي اسديتموها إليّ.
أنا أعلم الناس بمكانه منكم، وقد علم ما كان مني حين مفارقة صاحب تلمسان واضمحلال أمره من إجماع الأمر على الرحلة إليكم، والخفوق إلى حاضرة البحر للإجازة إلى عدوتكم تعرّضت فيهم للتهم، ووقفت بمجال الظنون، حتى تورّطت في الهلكة بما ارتفع عنّي مما لم آته، ولا طويت العقد عليه، لولا حلم مولانا الخليفة ولولا حسن رأيه في وثبات بصيرته، لكنت في الهالكين الأوّلين، كل ذلك شوقا إلى لقائكم، وتمثّلا لأنسكم، فلا تظنّوا بي الظنون، ولا تصدّقوا التوهّمات، فأنا من قد عملتم صداقة وسذاجة وخلوصا، واتفاق ظاهر وباطن، أثبت الناس عهدا وأحفظهم غيبا، وأعرفهم بوزان الإخوان، ومزايا الفضلاء، ولأمر ما تأخر كتابي من تلمسان، فأني كنت استشعر ممن استضافني ريبا بخطاب سواه، خصوصا جهتكم، لقديم ما بين الدولتين من الاتحاد والمظاهرة، واتصال اليد مع أنّ الرسول تردّد إليّ وأعلمني اهتمامكم واهتمام السلطان تولاه الله باستكشاف ما أبهم [1] من حالي، فلم أترك شيئا مما أعلم تشوّقكم إليه إلّا وكشفت له قناعة، وآمنته على إبلاغه، ولم أزل بعد إيناس المولى الخليفة لدمائي وجذبه بضبعي، سابحا في تيار الشواغل كما علمتم القاطعة حتى عن الفكر.
وسقطت إلي محل مجد خدمتي من هذه القاصية، أخبار خلوصكم إلى المغرب قبل فصول راحلتي إلى الحضرة، غير خلية [2] ولا ملتئمة، ولم يتعيّن ملقي العصا، ولا مستقر النّوى، فأرجأت الخطاب إلى استجلائها، وأفدت من كتابكم العزيز الجاري على سنن الفضل، ومذاهب المجد، غريب ما كيّفه القدر من بديع [3] الحال لديكم، وعجيب تأتّى أملكم الشارد فيه كما كنّا نستبعده عند المفاوضة، فحمدت الله لكم على الخلاص من ورطة الدول على أحسن الوجوه، وأجمل المخارج الحميدة العواقب في الدنيا والدين، العائدة بحسن المآل في المخلّف، من أهل وولد ومتاع وأثر بعد أن رضتم جموح الأيام وتوقّلتم قلل العز [4] وقدتم الدنيا بحذافيرها وأخذتم بآفاق السماء على أهلها. وهنيئا فقد نالت نفسكم التوّاقة أبعد أمانيها، ثم
[1] وفي نسخة ثانية: انبهم والأصح استبهم.
[2]
وفي نسخة ثانية: غير جلية.
[3]
وفي نسخة ثانية: من تنويع.
[4]
أي صعدتم قمم العزّ.
تاقت إلى ما عند الله، وأشهد لما ألهمتم للإعراض عن الدنيا، ونزع اليد من حطامها عند الأصحاب والأقيال، ونهى الآمال إلّا جذبا وعناية من الله وحبّا، وإذا أراد الله أمرا يسّر أسبابه.
واتصل بي ما كان من تحفّي السيادة المولويّة بكم واهتزاز الدولة لقدومكم، ومثل هذه الخلافة، أيدها الله من يثابر على المفاخر، ويستأثر بالأخاير، وليت ذلك عند إقبالكم على الحظّ، وأنسكم باجتلاء الآمال، حتى يحسن المتاع، ويتجمّل السرير الملوكي بمكانكم، فالظنّ أنّ هذا الباعث الّذي هزم الآمال ونبذ الحظوظ، وهوّن المفارق العزيز سوّمكم الله حتى يأخذ بيدكم إلى قضاء المجاهدة، ويستوي بكم على جدد [1] الرياضة، «والله يهدي للتي هي أقوم» . كأنّي بالأقدام نقلت والبصائر بإلهام الحق صقلت والمقامات خلفت، بعد أن استقبلت، والعرفان شيمة [2] أنواره وبوارقه، والوصول انكشفت حقائقه لما ارتفعت عوائقه. وأمّا حالي والظنّ بكم الاهتمام بها، والبحث عنها فغير خفيّة بالباب المولويّ أعلاه الله، ومظهرها في طاعته، ومصدرها عن أمره، وتصاريفها في خدمته، والزعم أني قمت المقام المحمود في التشيّع والانحياش، واستمالة الكافّة إلى المناصحة، ومخالصة القلوب للولاية، وما يتشوّقه مجدكم، ويتطلع إليه فضلكم، وأما اهتمامكم في خاصتها من النفس والولد، فجهينة خبره مؤدي كتابي إليكم، ناشئ تأديبي وثمرة ترتيبي، فسهّلوا له الإذن، وألينوا له جانب النّجوى حتى يؤدّي ما عندكم وما عندي، وخذوه بأعقاب الأحاديث إن يقف عند مباديها، وائتمنوه على ما تحدثون، فليس بضنين [3] على السرّ.
وتشوّقي بما يرجع به إليكم سيدي وصديقي وصديقكم المقرّب في المجد والفضل، المساهم في الشدائد، كبير المغرب، وظهير الدولة، أبو يحيى بن أبي مدين، كان
[1] وفي نسخة ثانية: على جودي: والجودي: جبل مطل على جزيرة ابن عمر، ولعلّ ابن خلدون توصد قوله تعالى «وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ 11: 44» اي رسوّ سفينة نوح عليه السلام على جبل الجودي عند الطوفان (معجم البلدان) .
[2]
شيمة: ج شيم: الخلق والطبيعة، العادة. وفي نسخة ثانية: شيمت، من شام، شيما السيف:
استلّه. وشما وشيوما الرجل: حقق الحملة في الحرب.
[3]
وفي نسخة ثانية: بظنين: ورجل ظنين: متهم. وهو ينظر الى قوله تعالى: «وَما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ 81: 24» الآية 24 من سورة التكوير.
الله له في شأن الولد والمخلف تشوّق الصديق لكم، الضنين على الأيام بقلامة الظفر من ذات يديكم، فأطلعوه [1] طلع ذلك، ولا يهمّكم بالفراق الواقع حسن، فالسلطان كبير، والأثر جميل، والعدوّ الساعي قليل حقير، والنيّة صالحة، والعمل خالص، ومن كان للَّه كان الله له.
واستطلاع الرئاسة المرتبة [2] الكافلة كافأ الله يده البيضاء عني وعنكم إلى مثله من أحوالكم استطلاع من يسترجح وزانكم، ويشكر الزمان على ولائه بمثلكم [3] .
وقد قرّرت من علو [4] مناقبكم، وبعد شأوكم وغريب منحاكم، ما شهدت به آثاركم الشائعة الخالدة في الرئاسة، المتأدية على ألسنة الصادر والوارد من الكافة، من حمل الدولة، واستقامة السياسة، ووقفته على سلامكم، وهو يراجعكم بالتحيّة، ويساهمكم بالدعاء.
وسلامي على سيّدي، وفلذة كبدي ومحلّ ولدي، الفقيه الزكي الصدر أبي الحسن نجلكم، أعزّه الله وقد وقع مني موقع البشرى حلوله من الدّولة بالمكان العزيز والرتبة النابهة، والله يلحفكم جميعا رداء العافية، والستر ويمهّد لكم محل الغبطة والأمن، ويحفظ عليكم ما أسبغ من نعمته، ويجريكم على عوائد لطفه وعنايته، والسلام الكريم يخصّكم من المحبّ الشاكر الداعي الشائق شيعة فضلكم، عبد الرحمن بن خلدون ورحمة الله وبركاته. في يوم الفطر عام اثنين وسبعين وسبعمائة.
وكان بعث إليّ مع كتابه نسخة كتابه إلى سلطانه ابن الأحمر صاحب الأندلس عند ما دخل جبل الفتح، وصار إلى إيالة بني مرين، فخاطبه من هنالك بهذا الكتاب، فرأيت أن أثبته هنا، وإن لم يكن من غرض التأليف لغرابته، ونهايته في الجودة، وأنّ مثله لا يهمل من مثل هذا الكتاب، مع ما فيه من زيادة الاطّلاع على أخبار الدول في تفاصيل أحوالها ونصّ الكتاب.
بانوا فمن كان باكيا يبكي
…
هذي ركاب السّرى بلا شكّ
فمن ظهور الرّكاب معملة
…
إلى بطون الرّبى إلى الفلك
[1] وفي نسخة ثانية: فأطلعوني.
[2]
وفي نسخة ثانية: الرئاسة المزنية.
[3]
وفي نسخة ثانية: على ولادة لمثلكم.
[4]
وفي نسخة ثانية: وقد قررت لعلومه من مناقبكم.
تصدّع الشّمل مثل ما انحدرت
…
إلى صبوب جواهر السلك
من النّوى قبل لم أزل حذرا
…
هذا النّوى جلّ مالك الملك
مولاي كان الله لكم، وتولّى أمركم. أسلّم عليكم سلام الوداع، وأدعو الله في تيسير اللقاء والاجتماع، من بعد التفرّق والانصداع، وأقرّر لديكم أنّ الإنسان أسير الأقدار، مسلوب الاختيار، متقلّب في حكم الخواطر والأفكار، وأن لا بدّ لكل أوّل من آخر، وأن التفرّق لمّا لزم كلّ اثنين بموت أو حياة، ولم يكن منه بدّ، كان خير أنواعه الواقعة بين الأحباب، ما وقع على الوجوه الجميلة البريئة من الشرور.
ويعلم مولاي حال عبده منذ وصل إليكم من المغرب بولدكم، ومقامه لديكم بحال قلق، ولولا تعليلكم ووعدكم وارتقاب اللطائف في تقليب قلبكم، وقطع نواحل الأيام حريصا على استكمال سنّكم. ونهوض ولدكم واضطلاعكم بأمركم، وتمكن هدنة وطنكم، وما تحمّل في ذلك من ترك غرضه لغرضكم، وما استقرّ بيده من عهودكم، وأنّ العبد الآن تسبّب لكم في الهدنة من بعد الظهور والعزّ، ونجح السعي وتأتّي لسنين، كثيرة الصلح، ومن بعد أن لم يبق لكم بالأندلس مشغّب من القرابة، وتحرّك لمطالعة الثغور الغربيّة، وقرب من فرضة المجاز واتصال الأرض ببلاد المشرق، لطرقته الأفكار وزعزعت صبره رياح الخواطر، وتذكّر أشراف العمر على التمام، وعواقب الاستغراق، وسيرة الفضلاء عند شمول البياض، فغلبته حال شديدة هزمت التعشّق بالشمل الجميع، والوطن المليح، والجاه الكبير، والسلطان القليل النظير، وعمل بمقتضى قوله «موتوا قبل أن تموتوا [1] » فإن صحّت الحال المرجوة من إمداد الله، تنقّلت الأقدام إلى أمام، وقوى التعلّق بعروة الله الوثقى، وإن وقع العجز، أو افتضح العزم، فاللَّه يعاملنا بلطفه، وهذا المرتكب مرام صعب، لكن سهّله عليّ أمور: منها أنّ الانصراف لما لم يكن منه بد، لم يتعيّن على غير هذه الصورة، إذ كان عندكم من باب المحال، ومنها أنّ مولاي لو سمح لي بغرض الانصراف لم تكن لي قدرة على موقف وداعه، لا والله! ولكان الموت أسبق إليّ، وكفى بهذه الوسيلة الحسنة التي يعرفها وسيلة. ومنها حرصي على أن يظهر صدق دعواي فيما كنت أهتف به، وأظنّ أني لا أصدّق، ومنها اغتنام المفارقة في زمن
[1] يعني: موتوا اختيارا قبل ان تموتوا اضطرارا، وذلك يترك الشهوات.
الأمان والهدنة الطويلة والاستغناء إذا كان الانصراف المفروض ضروريا قبيحا في غير هذه الحال. ومنها وهو أقوى الأعذار أني مهما لم أطق تمام هذا الأمر أو ضاق ذرعي به، لعجز أو مرض أو خوف طريق، أو نفاد زاد أو شوق غالب، رجعت رجوع الأب الشفيق إلى الولد البرّ الرضيّ، إذ لم أخلّف ورائي مانعا من الرجوع من قول قبيح ولا فعل، بل خلّفت الوسائل المرعيّة، والآثار الخالدة، والسير الجميلة، وانصرفت بقصد شريف فقت به أشياخي وكبار وطني وأهل طوري، وتركتكم على أتمّ ما أرضاه، مثنيا عليكم داعيا لكم، وإن فسح الله في الأمد، وقضي الحاجة، فأملى العودة إلى ولدي وتربتي، وإن قطع الأجل فأرجو أن أكون ممّن وقع أجره على الله.
فإن كان تصرّفي صوابا وجاريا على السّداد، فلا يلام من أصاب، وإن كان عن حمق، وفساد عقل، فلا يلام من اختلّ عقله، وفسد مزاجه، بل يعذر ويشفق عليه، ويرحم، وإن لم يعط مولاي أمري حقه من العدل، وجليت الذنوب، ونشرت [1] بعدي العيوب، فحياؤه وتناصفه ينكر ذلك، ويستحضر الحساب [2] من التربية والتعليم وخدمة السّلف، وتخليد الآثار وتسمية الولد وتلقيب السلطان، والإرشاد إلى الأعمال الصالحة، والمداخلة والملابسة، لم يتخلّل ذلك قط خيانة في مال ولا سرّ، ولا غش في تدبير ولا تعلّق به محار [3] ، ولا كدرة نقص، ولا حمل عليه خوف منكم، ولا طمع فيما بيدكم، وإن لم تكن هذه دواعي الرّعي والوصلة والإبقاء، ففيم تكون بين بني آدم؟
وأنا قد رحلت فلا أوصيتكم بمال، فهو عندي أهون متروك، ولا بولد فهم رجالكم، وخدّامكم، ومن يحرص مثلكم على الاستكثار منهم، ولا بعيال، فهي من مزيّات بيتكم، وخواصّ داركم، إنّما أوصيكم بحظّي العزيز، كان علي بوطنكم كم، وهو أنتم، فأنا أوصيكم بكم، فارعوني فيكم خاصّة. أوصيكم بتقوى الله والعمل لغد، وقبض عنان اللهو في موطن الجدّ، والحياء من الله الّذي محّص وأقال، وأعاد النعمة بعد زوالها لينظر كيف تعملون، وأطلب منكم عوض ما وفّرته
[1] وفي نسخة ثانية: حشرت.
[2]
وفي نسخة ثانية: الحسنات.
[3]
وفي نسخة ثانية: ولا تعلّق به عار.
عليكم من زاد طريق ومكافاة وإعانة، زادا سهلا عليكم، وهو أن تقولوا لي: غفر الله لك ما ضيّعت من حقّي خطأ أو عمدا، وإذا فعلتم ذلك فقد رضيت.
واعلموا أيضا على جهة النصيحة أنّ ابن الخطيب مشهور في كل قطر، وعند كل ملك، واعتقاده وبرّه والسؤال عنه وذكره بالجميل، والاذن في زيارته حنانة منكم [1] وسعه ذرع، ودها، فإنّما كان ابن الخطيب بوطنكم سحابة رحمة نزلت، ثم أقشعت وترك الأزاهر تفوح والمحاسن تلوح، ومثاله معكم مثل المرضعة، أرضعت السياسة، والتدبير الميمون، ثم رفدتكم في مهد الصلح والأمان، وغطّتكم بقناع العافية، وانصرفت إلى الحمّام تغسل اللبن والوضر، وتعود فإن وجدت الرّضيع نائما فحسن، أو قد انتبه فلم تتركه إلّا في حدّ الانفطام. ونختم هذه العزارة بالحلف الأكيد أني ما تركت لكم وجه نصيحة في دين ولا في دنيا إلّا وقد وفّيت لكم، ولا فارقتكم إلّا عن عجز، ومن ظنّ خلاف هذا فقد ظلمني وظلمكم، والله يرشدكم ويتولّى أمركم. ويعول [2] خاطركم في ركوب البحر.
انتهت نسخة الكتاب وفي طيّها هذه الأبيات:
صاب مزن الدموع من جفن صبّك
…
عند ما استروح الصبا من مهبّك
كيف يسلو يا جنّتي عنك وقد [3]
…
كان قبل الوجود جنّ بحبّك
ثم قل كيف كان قبل انتشاء الروح
…
من أنسك الشّهيّ وقربك
لم يدع بيتك المنيع حماه
…
لسواه إلّا بيت ربّك
أول عذري الرّضى فما جئت بدعا
…
دمت والفضل والرّضى من دأبك
وإذا ما ادّعيت كربا لفقدي
…
أين كربي ووحشتي من كربك
ولدي في ذراك وكري في دوحك
…
لحدي وتربتي في تربك
يا زمانا أغرى الفراق بشملي
…
ليتني أهبتي أخذت لحرّبك
أركبتني صروفك الصّعب حتى
…
جئت بالبين وهو أصعب صعبك
وكتب آخر النسخة يخاطبني.
[1] وفي نسخة ثانية: نجاية منكم.
[2]
وفي نسخة ثانية: ونقول.
[3]
وفي نسخة ثانية: كيف يسلويا جنّتي عنك، وقد.
هذا ما تيسّر، والله وليّ الخيرة لي ولكم من هذا الخباط [1] الّذي لا نسبة بينه وبين أولى الكمال، ردّنا الله إليه، وأخلص توكّلنا عليه، وصرف الرغبة على ما لديه.
وفي طيّ النسخة مدرجة نصّها.
رضي الله عن سيادتكم، أونسكم بما صدر مني أثناء هذا الواقع، مما استحضره الولد في الوقت، وهو يسلّم عليكم بما يجب لكم، وقد حصل من حظوة هذا المقام الكريم على حظّ وافر، وأجزل إحسانه ونوّه بجرايته، وأثبت الفرسان خلفه، والحمد للَّه.
ثم اتّصل مقامي ببسكرة والمغرب الأوسط، مضطرب بالفتنة المانعة من الاتصال بالسلطان عبد العزيز وحمزة بن راشد ببلاد مغراوة والوزير عمر بن مسعود في العساكر يحاصره بحصن تاجحمومت وأبو زيان العبد الوادي ببلاد حصين وهم مشتملون عليه وقائمون بدعوته.
ثم سخط السلطان وزيره عمر بن مسعود ونكر منه تقصيره في أمر حمزة وأصحابه، فاستدعاه إلى تلمسان وقبض عليه، وبعث به إلى فاس معتقلا، فحبس هنالك، وجهّز العساكر مع الوزير ابن غازي، فنهض إليه، وحاصره ففرّ من الحصن ولحق بمليانة مجتازا عليها، فأنذر به عاملها فتقبّض عليه، وسيق إلى الوزير في جماعة من أصحابه، فضربت أعناقهم، وصلبهم عظة ومزدجر الأهل الفتنة.
ثم أوعز السلطان بالمسير إلى حصين وأبي زيّان، فسار في العساكر واستنفر أحياء العرب من زغبة فأوعبهم ونهض إلى حصين فامتنعوا بجبل تيطري، ونزل الوزير بعساكره ومن معه من أحياء زغبة على جبل تيطري من جهة التل، فأخذ بمخنقهم، وكاتب السلطان أشياخ الزواودة من رياح بالمسير إلى حصار تيطري من جهة القبلة.
وكاتب أحمد بن مزني صاحب بسكرة بإمدادهم بأعطياتهم، وكتب إليّ يأمرني بالمسير بهم لذلك، فاجتمعوا عليّ، وسرت بهم أوّل سنة أربع وسبعين وسبعمائة حتى نزلنا بالقطفة [2] ، في جماعة منهم على الوزير بمكانه من حصار تيطري، فحدّ لهم حدود الخدمة، وشارطهم على الجزاء. ورجعت إلى أحيائهم بالقطفة، فاشتدوا في
[1] الخباط: داء كالجنون.
[2]
القطفة: تقع شرقي مدينة مليانة.