الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
عداوة الوزير ابن ماسي. فما كان إلّا أن انعقد الصلح بين الواثق وابن ماسي وسار به وأصحابه إلى فاس، وحصلوا في قبضة ابن ماسي فعفا لهم عمّا كان منهم، واستعملهم في مهود ولايتهم. ثم جاء الخبر بإجازة السلطان أبي العباس إلى سبتة، فاضطرب محمد بن يوسف وذكر مخالصة السلطان ومنافرة ابن ماسي، فأجمع أمره ولحق بسبتة، فتلقّاه السلطان بالكرامة، وسرّ بمقدمه ودفعه إلى القيام بأمر دولته، فلم يزل متصرّفا بين يديه إلى أن نزل إلى البلد الجديد. ولأيام من حصارها خلع عليه الوزارة ودفعه إليها، فقام بها أحسن قيام. ثم كان الفتح وانتظم أمر الدولة، ومحمد هذا يصرّف الوزارة على أحسن أحوالها إلى أن كان ما نذكره إن شاء الله تعالى.
(ظهور محمد بن السلطان عبد الحليم بسجلماسة)
قد تقدّم لنا ذكر السلطان عبد الحليم ابن السلطان أبي علي، وكان يدعى بحلي كيف، بايع له بنو مرين وأجلبوا به على عمر بن عبد الله سنة ثلاث وستين وسبعمائة أيام مبعثه للسلطان أبي عمر ابن السلطان أبي الحسن. وحاصروا معه البلد الجديد حتى خرج لدفاعهم وقاتلهم، فانهزموا وافترقوا. ولحق السلطان عبد الحليم بتازى وأخوه عبد المؤمن بمكناسة، ومعه ابن أخيهما عبد الرحمن بن أبي يفلوسن. ثم بايع الوزير عمر بن عبد الله لمحمد بن أبي عبد الرحمن ابن السلطان أبي الحسن واستبدل به من أبي عمر لما كان بنو مرين يرمونه بالجنون والوسوسة، فاستدعى محمد بن أبي عبد الرحمن من مطرح اغترابه بإشبيليّة وبايعه وخرج في العساكر لمدافعة عبد المؤمن وعبد الرحمن عن مكناسة، فلقيهما وهزمهما ولحقا بالسلطان عبد الحليم بتازى وساروا جميعا إلى سجلماسة، فاستقرّوا فيها والسلطان عبد الحليم، وقد تقدّم خبر ذلك كله في أماكنه. ثم كان الخلاف بين عرب المعقل أولاد حسين والأحلاف. وخرج عبد المؤمن للإصلاح بينهم، فبايع له أولاد حسين ونصّبوه كرها للملك. وخرج السلطان عبد الحق إليهم في جموع الأحلاف فقاتلوه وهزموه، وقتلوا كبار قومه، كان منهم يحيى بن رحّو بن تاشفين بن معطي شيخ بني تيربيغن وكبير دولة بني مرين، أجلت المعركة عن قتله. ودخل عبد المؤمن البلد منفردا بالملك.
وصرف السلطان أخاه عبد الحليم إلى المشرق لقضاء فرضه برغبته في ذلك، فسار على
طريق القفر مسلك الحاج من التكرور إلى أن وصل القاهرة، والمستبدّ بها يومئذ يلبغا الخاصكي، على الأشرف شعبان بن حسين من أسباط الملك الناصر محمد بن قلاوون، فأكرم وفادته ووسّع نزله وجرايته، وأدرّ لحاشيته الأرزاق، ثم أعانه على طريقه للحج بالأزواد والأبنية والظهر من الكراع والخفّ. ولما انصرف من حجّه زوّده لسفر المغرب. وهلك بضروجة [1] سنة سبع وستين وسبعمائة ورجعت حاشيته إلى المغرب بحرمة وولده. وكان ترك محمدا هذا رضيعا، فشبّ متقلّبا من الدولة من ملك إلى آخر، منتبذا عن قومه بغيرة السلطان أبي الحسن من بني عمّهم السلطان أبي عليّ. وكان أكثر ما يكون مقامه عند أبي حمّو سلطان بني عبد الواد بتلمسان لما يروم به من الأجلاب على المغرب، ودفع عادية بني مرين عنه. فلمّا وقع بالمغرب من انتقاض عرب المعقل على الوزير مسعود بن ماسي سنة تسع وثمانين وسبعمائة واستمرّوا على الخلاف، انتهز أبو حمّو الفرصة، وبعث محمد بن عبد الحليم هذا إلى المعقل ليجلب بهم على المغرب، ويمزّقوا من الملك ما قدروا عليه، فلحق بأحيائهم ونزل على الأحلاف الذين هم أمس رحما بسجلماسة وأقرب موطنا إليها. وكان الوزير ابن ماسي قد ولّى عليها من أقاربه عليّ بن إبراهيم بن عبّو بن ماسي، فلما ظهر عليه السلطان أبو العبّاس وضيّق مخنقه بالبلد الجديد، دسّ إلى الأحلاف وإلى قريبه عليّ ابن إبراهيم أن ينصّب محمد ابن السلطان أبي العباس عنه، وينفّسوا من حصاره، ففعلوا ذلك. ودخل محمد إلى سجلماسة فملكها، وقام عليّ بن إبراهيم بوزارته حتى إذا استولى السلطان أبو العباس على البلد الجديد، وفتك بالوزير مسعود بن ماسي وبإخوته وسائر قرابته، اضطرب علي بن إبراهيم وفسد ما بينه وبين سلطانه محمد، فخرج عن سجلماسة ودعا إلى أبي حمو سلطان تلمسان كما كان.
ثم زادت هواجس علي بن إبراهيم وارتيابه فخرج عن سجلماسة وتركها، ولحق بأحياء العرب. وسارت طائفة منهم معه إلى أن أبلغوه مأمنه. ونزل على السلطان أبي حمّو إلى أن هلك، فسار إلى تونس وحضر وفاة السلطان أبي العبّاس بها سنة تسع وتسعين وسبعمائة ولحق محمد ابن السلطان عبد الحليم بعد مهلك أبي حمّو بتونس. ثم ارتحل بعد وفاة السلطان أبي العبّاس الى المشرق لحجة فرضه [2] ، والله تعالى أعلم.
[1] وفي النسخة المصرية: بتروجة وفي نسخة أخرى: بيروجة.
[2]
وفي النسخة المصرية: الى المشرق في سبيل جولة ووطاوعة واغتراب.