الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وملك بعدهم الشيخ حسن النّوين وبنوه. وافترق ملكهم في طوائف من أهل دولتهم، وارتفعت نقمتهم عن ملوك الشام ومصر. ثم في أعوام السبعين أو الثمانين وسبعمائة، ظهر في بني جفطاي وراء النهر أمير اسمه تيمور، وشهرته عند الناس تمر، وهو كافل لصبيّ متّصل النّسب معه إلى جفطاي في آباء كلّهم ملوك، وهذا تمر بن طرغاي هو ابن عمهم، كفل صاحب التّخت منهم اسمه محمود، وتزوج أمّ صرغتمش، ومدّ يده إلى ممالك التتر كلّها، فاستولى عليها إلى ديار بكر، ثم جال في بلاد الروم والهند، وعاثت عساكره في نواحيها، وخرّب حصونها ومدنها، في أخبار يطول شرحها. ثم زحف بعد ذلك إلى الشام، ففعل به ما فعل، والله غالب على أمره. ثم رجع آخرا إلى بلاده، والأخبار تتّصل بأنه قصد سمرقند، وهي كرسيّه.
والقوم في عدد لا يسعه الإحصاء، إن قدرت ألف ألف فغير كثير، ولا تقول أنقص، وإن خيّموا في الأرض ملئوا السّاح، وإن سارت كتائبهم في الأرض العريضة ضاق بهم الفضاء، وهم في الغارة والنهب والفتك بأهل العمران، وابتلائهم بأنواع العذاب، على ما يحصّلونه من فئاتهم آية عجب، وعلى عادة بوادي الأعراب.
وهذا الملك تمر من زعماء الملوك وفراعنتهم، والناس ينسبونه إلى العلم، وآخرون إلى اعتقاد الرّفض، لما يرون من تفضيله لأهل البيت، وآخرون إلى انتحال السّحر، وليس من ذلك كلّه في شيء، إنّما هو شديد الفطنة والذّكاء، كثير البحث واللّجاج بما يعلم وبما لا يعلم، عمره بين السّتّين والسّبعين، وركبته اليمنى عاطلة من سهم أصابه في الغارة أيام صباه على ما أخبرني، فيجرّها في قريب المشي، ويتناوله الرّجال على الأيدي عند طول المسافة، وهو مصنوع له، والملك للَّه يؤتيه من يشاء من عباده.
(ولاية القضاء الثالثة والرابعة والخامسة بمصر)
كنت- لما أقمت عند السلطان نمر تلك الأيام التي أقمت- طال مغيبي عن
مصر، وشيّعت الأخبار عني بالهلاك، فقدّم للوظيفة من يقوم بها من فضلاء المالكيّة، وهو جمال الدّين الأقفهسي [1] ، غزير الحفظ والذكاء، عفيف النّفس عن التصدّي لحاجات النّاس، ورع في دينه، فقلّدوه منتصف جمادى الآخرة من السنّة.
فلما رجعت إلى مصر، عدلوا عن ذلك الرأي، وبدا لهم في أمري، فولّوني في أواخر شعبان من السنة. واستمررت على الحال التي كنت عليها من القيام بالحقّ، والإعراض عن الأغراض، والإنصاف من المطالب، ووقع الإنكار عليّ ممّن لا يدين للحق، ولا يعطي النّصفة من نفسه، فسعوا عند السلطان في ولاية شخص من المالكية يعرف بجمال الدين البساطي [2] ، بذل في ذلك لسعاة داخلوه، قطعة من ماله، ووجوها من الأغراض في قضائه. قاتل الله جميعهم، فخلعوا عليه أواخر رجب، سنة أربع وثمانمائة. ثم راجع السلطان بصيرته، وانتقد رأيه، ورجّع إليّ الوظيفة خاتم سنة أربع وثمانمائة، فأجريت الحال على ما كان. وبقي الأمر كذلك سنة وبعض الأخرى. وأعادوا البساطي الى ما كان، وبما كان، وعلى ما كان، وخلعوا عليه سادس ربيع الأوّل سنة ست وثمانمائة [3] ، ثم أعادوني عاشر شعبان سنة سبع وثمانمائة [4] ، ثم أدالوا به منّي أواخر ذي القعدة [5] من السنة وبيد الله تصاريف الأمور.
تم الجزء السابع من تاريخ ابن خلدون وبتمامه اكتمل للمؤرخ ديوان المبتدإ والخبر من عرب وعجم وبربر ويليه الجزء الثامن وهو فهارس عامة للتاريخ المذكور وضع باشراف دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع في بيروت.
وكان الفراغ من طبعة في الرابع والعشرين من شعبان عام 1401 هـ الموافق 26 حزيران 1981 م والحمد للَّه رب العالمين.
[1] هو عبد الله بن مقداد بن إسماعيل بن عبد الله الأقفهسي، جمال الدين المالكي المتوفى سنة 723 هـ.
[2]
يوسف بن خالد بن نعيم بن نعيم بن محمد بن حسن بن علي بن محمد بن علي، جمال الدين.
[3]
انظر «عقد الجمان» للعيني، في حوادث سنة 806.
[4]
في صبح الأعشى 11/ 189 نص «التقليد» الّذي تولى به البساطي القضاء بعد ابن خلدون.
[5]
الّذي في «عقد الجمان» للعيني في حوادث سنة 807، أن الّذي خلف ابن خلدون هو جمال الدين الأقفهسي. ولعل ابن خلدون أعرف بمن ولي بدله.