المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌3 - المجتمع - تاريخ الأدب العربي لشوقي ضيف - جـ ٥

[شوقي ضيف]

فهرس الكتاب

- ‌مقدّمة

- ‌القسم الأولالجزيرة العربيّة

- ‌الفصل الأوّلالسياسة والمجتمع

- ‌1 - أقاليم ودول وإمارات

- ‌اليمن ودولها

- ‌ حضرموت وظفار وتاريخهما

- ‌عمان وأمراؤها

- ‌البحرين ودولها

- ‌2 - المجتمع

- ‌3 - التشيع

- ‌4 - الخوارج: الإباضية

- ‌5 - الدعوة الوهابية السلفية

- ‌6 - الزهد والتصوف

- ‌الفصل الثّانىالثقافة

- ‌1 - الحركة العلمية

- ‌2 - علوم الأوائل

- ‌علم الملاحة البحرية

- ‌3 - علوم اللغة والنحو والبلاغة والنقد

- ‌4 - علوم الفقه والحديث والتفسير والقراءات والكلام

- ‌5 - التاريخ

- ‌الفصل الثالثنشاط الشعر والشعراء

- ‌1 - الشعر على كل لسان

- ‌2 - كثرة الشعراء

- ‌3 - شعراء المديح

- ‌ القاسم بن هتيمل

- ‌أحمد بن سعيد الخروصىّ الستالىّ

- ‌علىّ بن المقرّب العيونى

- ‌عبد الصمد بن عبد الله باكثير

- ‌4 - شعراء المراثى

- ‌ التهامى

- ‌جعفر الخطّى

- ‌5 - شعراء الفخر والهجاء

- ‌ نشوان بن سعيد الحميرى

- ‌سليمان النبهانى

- ‌الفصل الرّابعطوائف من الشعراء

- ‌1 - شعراء الدعوة الإسماعيلية

- ‌ ابن القم

- ‌السلطان الخطّاب

- ‌عمارة اليمنى

- ‌2 - شعراء الدعوة الزيدية

- ‌يحيى بن يوسف النّشو

- ‌موسى بن يحيى بهران

- ‌على بن محمد العنسىّ

- ‌3 - شعراء الخوارج

- ‌أبو إسحق الحضرمىّ

- ‌ابن الهبينى

- ‌4 - شعراء الدعوة الوهابية السلفية

- ‌ محمد بن إسماعيل الحسنى الصنعانى

- ‌ابن مشرف الأحسائى

- ‌5 - شعراء الزهد والتصوف والمدائح النبوية

- ‌عبد الرحيم البرعى

- ‌عبد الرحمن العيدروس

- ‌الفصل الخامسالنّثر وأنواعه

- ‌1 - تنوع الكتابة

- ‌2 - رسائل ديوانية

- ‌3 - رسائل شخصية

- ‌4 - مواعظ وخطب دينية

- ‌5 - محاورات ورسائل فكاهية ومقامات

- ‌القسم الثانىالعراق

- ‌الفصل الأوّلالسياسة والمجتمع

- ‌1 - البويهيون والسلاجقة والخلفاء العباسيون

- ‌2 - الدول: المغولية والتركمانية والصفوية والعثمانية

- ‌الدولة المغولية الإيلخانية

- ‌الدولة الصفوية

- ‌الدولة العثمانية

- ‌3 - المجتمع

- ‌4 - التشيع

- ‌5 - الزهد والتصوف

- ‌الفصل الثّانىالثقافة

- ‌1 - الحركة العلمية

- ‌2 - علوم الأوائل: تفلسف ومشاركة

- ‌3 - علوم اللغة والنحو والبلاغة والنقد

- ‌4 - علوم القراءات والتفسير والحديث والفقه والكلام

- ‌5 - التاريخ

- ‌الفصل الثالثنشاط الشعر والشعراء

- ‌1 - كثرة الشعراء

- ‌2 - رباعيّات وتعقيدات وموشحات

- ‌3 - شعراء المديح

- ‌ المتنبى

- ‌ سبط ابن التعاويذى

- ‌ صفى الدين الحلى

- ‌4 - شعراء المراثى والهجاء والشكوى

- ‌ السرى الرفاء

- ‌5 - شعراء التشيع

- ‌ الشريف الرضى

- ‌مهيار

- ‌ابن أبى الحديد

- ‌الفصل الرّابعطوائف من الشعراء

- ‌1 - شعراء الغزل

- ‌ ابن المعلم

- ‌الحاجرى

- ‌التّلعفرىّ

- ‌2 - شعراء اللهو والمجون

- ‌ ابن سكرة

- ‌ابن الحجّاج

- ‌3 - شعراء الزهد والتصوف والمدائح النبوية

- ‌ ابن السّراج البغدادى

- ‌المرتضى الشّهر زورىّ

- ‌الصّرصرىّ

- ‌4 - شعراء الفلسفة والشعر التعليمى

- ‌ ابن الشّبل البغدادى

- ‌ابن الهبّاريّة

- ‌5 - شعراء شعبيون

- ‌الأحنف العكبرى

- ‌الفصل الخامسالنثر وكتّابه

- ‌1 - تنوع النثر:

- ‌2 - كتّاب الرسائل الديوانية

- ‌5 - الحريرى

- ‌القسم الثالثإيران

- ‌الفصل الأوّلالسياسة والمجتمع

- ‌1 - دول متقابلة

- ‌الدولة السامانية

- ‌الدولة البويهيّة

- ‌الدولة الزّياريّة

- ‌الدولة الغزنوية

- ‌2 - دول متعاقبة

- ‌دولة السلاجقة

- ‌الدولة الخوارزمية

- ‌الدولة المغولية

- ‌3 - المجتمع

- ‌4 - التشيع

- ‌5 - الزهد والتصوف

- ‌الفصل الثّانىالثقافة

- ‌1 - الحركة العلمية

- ‌2 - علوم الأوائل: تفلسف ومشاركة

- ‌3 - علوم اللغة والنحو والبلاغة والنقد

- ‌4 - علوم التفسير والحديث والفقه والكلام

- ‌5 - التاريخ

- ‌الفصل الثالثنشاط الشعر والشعراء

- ‌1 - الشعر العربى على كل لسان

- ‌2 - كثرة الشعراء

- ‌3 - شعراء المديح

- ‌ على بن عبد العزيز الجرجانى

- ‌الطّغرائىّ

- ‌الأرّجانى

- ‌4 - شعراء المراثى

- ‌5 - شعراء الهجاء والفخر والشكوى

- ‌الأبيوردىّ

- ‌الفصل الرّابعطوائف من الشعراء

- ‌1 - شعراء الغزل

- ‌2 - شعراء اللهو والمجون

- ‌ أبو بكر القهستانى

- ‌3 - شعراء الزهد والتصوف

- ‌ عبد الكريم القشيرى

- ‌ يحيى السهروردى

- ‌4 - شعراء الحكمة والفلسفة

- ‌ أبو الفضل السكرى المروزى

- ‌5 - شعراء شعبيون

- ‌أبو دلف الخزرجى: مسعر بن مهلهل

- ‌الفصل الخامسالنثر وكتّابه

- ‌1 - تنوع الكتابة

- ‌2 - كتّاب الرسائل

- ‌قابوس بن وشمكير

- ‌رشيد الدين الوطواط

- ‌3 - ابن العميد

- ‌خاتمة

- ‌فهرس الموضوعات

الفصل: ‌3 - المجتمع

الصفوية فى إيران نحو مائة وأربعين عاما، وخلفهم عليها الأفغانيون، وجاء فى إثرهم الأفشاريون ثم الزنديون، وخلفهم القاجاريون فى أواخر القرن الثانى عشر وظلوا نحو مائة وثلاثين عاما وفى كل هذه الحقب وخاصة منذ حكم الصفويين خمد النشاط الأدبى العربى فى إيران خمودا تاما.

‌3 - المجتمع

كان يتكون المجتمع الإيرانى فى هذا العصر من ثلاث طبقات: طبقة عليا، تتضمن الأمراء الحكّام والوزراء والقادة والولاة على البلدان وكبار رجال الدولة والإقطاعيين، وطبقة وسطى تتضمن موظفى الدواوين وأوساط التجار والصناع ورجال الحسبة والقضاء، وطبقة دنيا تتضمن العامة من أصحاب الحرف ومن الزراع والخدم والرقيق، ويدخل أهل الذمة فى الطبقتين الأخيرتين بحسب أعمالهم.

وكانت الطبقة الأولى منعمة مترفة ترفا واسعا، وكان فى أعلى درجاتها الأمراء الحكام الذين دانت لهم رقاب العباد، وصبّت الأموال التى تعدّ بالملايين فى خزائنهم، وكانت مصادرها متعددة، إذ كانوا يجمعون الضرائب من الناس، ضرائب الأرض، وكان لها نظام خاص هو نظام الزكاة الإسلامى، وكان لها فى كل مدينة ديوان هو ديوان الخراج، وهو بمثابة خزانة مالية للدولة أو الإمارة، وكانت أعطيات الجند ونفقات البلدة تؤخذ منه، ويحمل ما يتبقّى إلى ديوان الخراج أو بيت المال فى حاضرة الدولة، وهناك ينفقه الأمير على الجيش وحاجات الإمارة. وما بقى منه يصبح رهن حياته المترفة فى القصر دون رقيب. وبجانب ضرائب الأرض كانت هناك ضرائب كثيرة على الصادرات وعلى بعض الواردات من الرقيق ومن عروض التجارة. ولابد أن نلاحظ كثرة الحروب فى العصر وأن إمارات بحالها كانت تكتسح أحيانا وتدخل فى سلطان هذا الحاكم البويهى مثلا أو الحاكم الغزنوى أو السامانى أو السلجوقى، وحينئذ تكتظ خزائن هذا المحارب المنتصر بالأموال الطائلة. وظل ذلك طوال العصر بل تفاقم فى عهد التتار ومن تلاهم. وكان يتبع الإمارة عادة كثير من الضّياع وكانت ثمارها جميعها تعود إلى الأمير وخزائنه. وكثرت فى تلك العصور مصادرة أموال الوزراء حين يعزلون أو يموتون، وكذلك الكتاب والعمال، فكانت أموالهم وإقطاعاتهم وضياعهم تصبح ملكا للدولة.

ولعل فى ذلك ما يوضح كيف أن الأموال فى خزائن الأمراء أو على الأقل فى خزائن

ص: 498

بعضهم كانت تكال كيلا، وأيضا ما يوضح النصوص التى نقرؤها فى كتب التاريخ عن تركات بعض هؤلاء الأمراء وما أنفقوه أحيانا فى أعراسهم أو أعراس أبنائهم وفى بناء قصورهم، فمن ذلك ما يروى عن فخر الدولة البويهى صاحب همذان والجبل والدّينور وجرجان من أنه خلّف حين مات مليونى دينار وثمانمائة وخمسة وسبعين ألفا ومائتين وأربعة وثمانين، كما خلف من الجواهر واليواقيت واللآلئ ما قيمته ثلاثة ملايين دينار، ومن الفضة ما وزنه ثلاثة ملايين، ومن الثياب ثلاثة آلاف حمل (1). أما أخوه مؤيد الدولة فيروى أنه أنفق فى عرس زواجه من ابنة عمه معز الدولة السيدة زبيدة سبعمائة ألف دينار (2). أموال كانت تسيل إلى خزائنه من إمارته الإيرانية فى الرّىّ وأصفهان لا يعرف لها قيمة، ولذلك يبذّرها ويتلفها حسب هواه. وعظم شأن أخيهما عضد الدولة، فخضعت لسلطانه البلاد الممتدة من بحر قزوين إلى جنوبى إيران وحتى العراق وعمان مما جعله يتلقب بشاهنشاه (ملك الملوك) لأول مرة فى الإسلام، وكان دخله-فيما يروى-ثلثمائة وخمسة وعشرين مليونا من الدراهم، وقيل بل كان اثنين وثلاثين مليونا من الدنانير ومائة ألف درهم (3). وكان عضد الدولة بدوره ينفق الملايين على بذخه، وخير ما يصور ذلك قصره الذى بناه بشيراز، فقد رآه المقدسى بعد موته بفترة قليلة، وبهت حين رآه، وفى ذلك يقول:«بنى عضد الدولة بشيراز دارا لم أر فى شرق ولا غرب مثلها، ما دخلها عامى إلا افتتن بها، ولا عارف إلا استدل بها على نعمة الجنة وطيبها. شقّ فيها الأنهار ونصب عليها القباب، وأحاطها بالبساتين والأشجار، وحفر فيها الحياض، وجمع فيها المرافق والعدد. وسمعت رئيس الفراشين يقول: فيها ثلثمائة وستون حجرة، كان مجلسه كل يوم فى واحدة إلى الحول. . وطفت فيها ورأيت الأنهار تطّرد فى البيوت والأروقة. وأظنه بناها على ما سمع من أخبار الجنة، وبان بونا بعيدا وضلّ ضلالا مبينا» (4).

وهذا القصر صورة من صور الترف المفرط، فالأمير لا يريد أن يجلس ببيته فى حجرة مهيّأة لجلوسه كل يوم، بل يريد أن تتغير، بحيث لا يعود إليها إلا فى عام تال، وكأن الحجر فى القصر أصبحت كأزيائه، فهو يبدّلها كل يوم، وطبعا لا يهمه الشعب الكادح وراء هذا القصر ولا تهمه مصالحه، وإن كان عضد الدولة قد اشتهر بضبطه الأمن والنظام فى ربوع إمارته الواسعة، كما اشتهر بعنايته بالثقافة والعلم والعلماء، ولكن لا شك أنه كان

(1) النجوم الزاهرة 4/ 197 والمنتظم 7/ 198.

(2)

المنتظم 7/ 122.

(3)

المنتظم 7/ 116.

(4)

أحسن التقاسيم للمقدسى (طبع ليدن) ص 449 وانظر فى قصر بناه فخر الدولة بجرجان اليتيمة 3/ 271.

ص: 499

يغرق نفسه فى الترف والنعيم.

وعلى شاكلة هؤلاء الأمراء البويهيين كان الأمراء السامانيون والزياريون، فقد كان الأمير دائما يعدّ الإمارة ضيعة له، ولعل أميرا لم يحز من الأموال ما حازه محمود الغزنوى من غنائمه فى الهند، فقد ظل ينازل الهنود مدة أربع وعشرين سنة، وهو يمدّ حدود إمارته حتى شملت كشمير والشمال الغربى من الهند، وفى أثناء ذلك غنم غنائم لا تحصى. ويكفى أن نذكر من غنائمه ما أخذه من معبد سومنات الذى كان يحج إليه الهنود الوثنيون، وسومنات اسم الصنم الكبير فيه وكان مرصعا بالجواهر والحجارة الكريمة، وكان إلى جواره ست وخمسون سارية صفائحها من الذهب المرصع بالجواهر النفيسة، وكان يحيط بهيكله ألوف من التماثيل الذهبية والفضية. ويحصى العتبى فى كتابه اليمينى هذه الذخائر وما يماثلها مما يخرج عن طوق الخيال (1). وقد أتاحت لمحمود أن يشيد جامعه العظيم بغزنة وأن يحدث نهضة علمية وأدبية فى إمارته النائية، كما أتاحت له ولأبنائه وأحفاده ثروة هائلة توارثتها الأجيال، غير ما كان يجبى لهم سنويا من تلك الديار.

وبالمثل كان السلاجقة يمتلكون فى خزائنهم الأموال الطائلة، وقد اتسعت مملكتهم اتساعا كبيرا، حتى لقد كانت تمتد فى عهد ألب أرسلان من أقصى حدود ما وراء النهر إلى أقصى حدود الشام، وكانت له حروب وفتوحات كثيرة غنم منها مغانم شتى، من أهمها حروبه مع البيزنطيين فى آسيا الصغرى وقد وقع بإحدى المعارك فى أسره إمبراطورهم «ديوجينس رومانوس» وافتدى نفسه بمليون دينار-كما مر بنا-ودفع له الجزية صاغرا.

ويذكر ابن الأثير أنه زوّج ابنته من الخليفة المتقى وهو لا يزال ولى عهد وأنه نثر على الناس ليلة زفافها جواهر كريمة كانوا يلتقطونها فى دهشة وعجب كبير (2). ويقال إن خراج خلفه ملكشاه بلغ عشرين مليون دينار (3). ويروى أنه حين غلب سنجر السلجوقى صاحب خراسان على غزنة عام 508 وقعت فى أيديه وأيدى أصحابه أموال لا تعد ولا تحصى وكان فى جملة ما استولى عليه خمسة تيجان قيمة الواحد منها تزيد على مليونين من الدنانير، واستولى أيضا على ألف وثلثمائة قطعة مصاغ مرصّعة وسبعة عشر سريرا من الذهب والفضة (4). وكان السلطان محمود السلجوقى مبذرا متلفا، وأتلف فيما أتلفه ما ورثه من

(1) اليمينى للعتبى 2/ 99 وانظر فى غنائمه من البويهيين المنتظم 8/ 40.

(2)

ابن الأثير (تحقيق إحسان عباس-طبع دار صادر ببيروات) 10/ 70 - 71 وكان صداق الأميرات البويهيات مائة ألف دينار (ابن الأثير 9/ 105. 10/ 471).

(3)

المنتظم 9/ 7.

(4)

ابن الأثير 10/ 507.

ص: 500

أموال كانت محفوظة بخزائن الدولة، وكانت ثمانية عشر مليونا من الدنانير (1). واحترقت له دار فى سنة 515 واحترق فيها لزوجته «ما لا حد له من الجواهر والحلى والفرش والثياب، وأقيم الغسالون يخلّصون الذهب ما أمكن تخليصه، وهلك الجوهر جميعه إلا الياقوت الأحمر (2)» .

وهذه أخبار متناثرة فى كتب التاريخ تدل بوضوح على معيشة الأمراء الذين كانوا يحكمون إيران وكيف أنهم كانوا يغرقون إلى آذانهم فى الترف والنعيم، غير حاسبين للشعب حسابا. ومثلهم كان الوزراء وقد تعلقوا فى هذا العصر بالألقاب وتعددها منذ أوائله حتى لنجد أبا بكر الخوارزمى المتوفى سنة 383 يشكو من ذلك شكوى مرة (3). وكان الوزير يتولى الإشراف على مالية الإمارة ووجوه جمعها وإنفاقها، وكان يقود الجيوش بنفسه، على نحو ما كان وزيرا بنى بويه: ابن العميد والصاحب بن عباد ووزير السلاجقة نظام الملك، واتخذ عضد الدولة البويهى وزيرين أحدهما كان نصرانيا هو نصر بن هرون وكان له النظر فى شئون فارس. وكان الوزير يتقاضى مرتبا ضخما، جعله يحيط نفسه بمظاهر الفخامة التامة، متخذا لنفسه حرسا كبيرا كان يعدّ بالعشرات وأحيانا بالآلاف (4)، فكان إذا سار برز للناس فى موكب باهر من الحراس. وكان أمراؤهم لا يكتفون بما يعطونهم من مرتبات جزيلة فقد كانوا يضيفون إليها كثيرا من الضياع والإقطاعات، بحيث يعظم دخل الوزير ويعيش فى ترف بالغ. وهيأهم ذلك ليبنوا القصور الباذخة، على نحو ما يحدثنا الثعالبى فى كتابه اليتيمة عن قصر بناه ابن العميد (5)، وقصر آخر بناه الصاحب بن عباد فى أصبهان تبارى شعراؤه فى وصفه بالقصائد الطوال (6)، وكانت داره لا تخلو فى كل ليلة من ليالى رمضان من ألف نفس تفطر فيها، وكانت صلاته وصدقاته وقرباته فى هذا الشهر تبلغ مبلغ ما يطلق منها فى جميع شهور السنة (7). وكان الوزراء يتأنقون فى ملابسهم، ولم يقف تأنقهم عند أنفسهم، فقد كانوا يطلبونه فى خدمهم وحواشيهم وكل ما يتصل بهم من ملابس ومطاعم، ومن طريف ما يروى من ذلك ما ذكره الثعالبى عن الصاحب بن عباد من أنه كان يعجبه الخزّ (الحرير) ويأمر بالاستكثار منه فى داره، وألمّ به

(1) زبدة النصرة للبندارى مختصر تاريخ دولة آل سلجوق للعماد الأصبهانى (طبع ليدن) ص 141.

(2)

ابن الأثير 10/ 594.

(3)

اليتيمة للثعالبى (طبعة محمد محيى الدين عبد الحميد) 4/ 230.

(4)

ابن الأثير 10/ 131.

(5)

اليتيمة 3/ 158.

(6)

اليتيمة 3/ 203 وانظر وصفهم لقصر آخر له فى جرجان اليتيمة 4/ 36.

(7)

اليتيمة 3/ 193.

ص: 501

أبو القاسم الزعفرانى الشاعر يوما، فرأى جميع من حوله من الخدم والحاشية يلبسون الخزوز الفاخرة الملونة، فأنشده على البديهة (1).

كسوت المقيمين والزائرين

كسى لم يخل مثلها ممكنا

وحاشية الدار يمشون فى

ضروب من الخزّ إلا أنا

وكان الصاحب يكثر من إهداء الخلع إلى زواره، كما يشير أبو القاسم فما إن سمع بقوله، حتى أمر له من الخزّ بجبّة وقميص ودرّاعة وسراويل وعمامة ومنديل ومطرف (ثوب) ورداء وجورب. وكان الولاة مثل الوزراء يحيطون أنفسهم بهذا الجو المترف، فكانوا يبنون القصور ذات الأواوين الضخمة، ويروى أن أبا جعفر والى سجستان تأنق فى قصر بناه لنفسه كان مكتوبا فى صدر إيوانه (2):

من سرّه أن يرى الفردوس عاجلة

فلينظر اليوم فى بنيان إيوانى

أو سرّه أن يرى رضوان عن كثب

بملء عينيه فلينظر إلى البانى

وبالمثل كان كبار الموظفين فى الدواوين وغير الدواوين يعيشون معيشة مترفة كلها زينة وأناقة، سواء أكانوا متصلين بأعمال الخراج وأموال الدولة أو غير متصلين. ويبدو أن الكتاب كانوا من أكثر هؤلاء الموظفين عناية بأناقتهم، ويلاحظ ذلك على كتّاب السامانيين العبدونىّ الشاعر فينشد (3):

أكتّاب ديوان الرسائل ما لكم

تجمّلتم بل متّم بالتجمّل

وكان كبار القضاة يدخلون فى هذه الطبقة لما يتقاضون من رواتب عالية ومثلهم أصحاب المظالم. وكان للقواد مكانة كبيرة، وكأنما كانوا يشركون الأمراء فى إماراتهم فأوسعوا عليهم فى الرواتب والأرزاق. ونستطيع أن نقول بصفة عامة إن كل المتصرفين فى أعمال الدولة كانوا يعيشون معيشة بذخ على حساب الشعب الكادح، فلهم القصور ولديهم الأموال والخلع التى يهبونها للشعراء والناس، وكان كثير منهم يشعر باستعلاء على أبناء الأمة ناسيا أنه يعيش من عرق جبينهم، ويشكو شاعر من هذا الاستعلاء البغيض قائلا (4):

أكلّ من كان له نعمة

أوسع من نعمة إخوانه

أم كلّ من كان له جوسق

مشرّف شيد بأركانه (5)

(1) يتيمة 3/ 191.

(2)

يتيمة 4/ 338.

(3)

يتيمة 4/ 77.

(4)

يتيمة 4/ 91.

(5)

الجوسق: القصر.

ص: 502

أم كلّ من كان له كسوة

يبذلها فى بعض أحيانه

يرى بها مستكبرا تائها

على أدانيه وخلاّنه

ويلحق بهذه الطبقة بل يأتى فى مقدمتها الإقطاعيون أصحاب الإقطاعات الواسعة التى كان يغدقها الأمراء على الحواشى من الوزراء والقواد والقضاة والولاة وغيرهم من أفراد الأمة. وكان النظام الإقطاعى معروفا فى إيران قبل الإسلام، ومما ساعد عليه اختلاف أصقاعها وبقاعها بين قلاع صخرية وصحار وسهول، وأخذ هذا النظام يعود منذ عصر الرشيد، حتى إذا كنا فى هذا العصر تفاقم أمره، حتى ليقول المقدسى فى القرن الرابع إن أكثر الضياع بفارس مقتطعة (1)، وظل ذلك بعد عصر بنى بويه، بل لقد اتسع فى عصر السلاجقة وأيام نظام الملك وزيرهم، فإنه لما اتسعت مملكة السلاجقة رأى أن يسلّم القرى إلى مجموعة من الإقطاعيين: قرية أو أكثر أو أقل، كل على قدر إقطاعه (2). وعرف بجانب الإقطاع فى هذا العصر نظام الضمان، وأعدّ بدوره لظهور طبقة أخرى من الرأسماليين، إذ كان يضمن خراج الضياع وأحيانا القرى، بل أحيانا الولايات، شخص يفرض على نفسه ما لا يؤديه عنها، ويأخذ لنفسه أضعافه، وكثيرا ما كان هؤلاء الضامنون أصحاب الخراج أنفسهم، إذ تحولوا بدورهم إلى إقطاعيين وأصحاب ضياع واسعة. وكل ذلك معناه أنه كانت هناك طبقة كبيرة تملك الإقطاعات والضياع الكثيرة معتصرة دماء الشعب، وكان حسب الشخص ضيعة واحدة ليكون ثريا، وصور ذلك المعافى بن هزيم شاعر أبيورد قائلا (3).

كفتنى ضيعتى مدح العباد

وظعنا فى البلاد بغير زاد

غدت سكنى وخادمتى وظئرى

وفيها أسرتى وبها تلادى

صديق المرء ضيعته وكم من

صديق فى الصداقة مستزاد

يخونك فى المودّة من تؤاخى

ومالك لا يخونك فى الوداد

وكان الأبناء يتوارثون عن آبائهم هذه الضياع والإقطاعات، مما أعدّ لنشوء طبقة أرستقراطية واسعة، كانت تنفق عن سعة، وكان كثير منها جوادا ممدّحا، ويلقانا ذلك

(1) أحسن التقاسيم للمقدسى ص 421.

(2)

طبقات الشافعية للسبكى (طبعة محمود الطناحى وعبد الفتاح الحلو نشر مكتبة عيسى البابى الحلبى) 4/ 317 وبلغ من ثراء بعض الإقطاعيين فى العصر السلجوقى أن نرى فى همذان زيدا الحسنى العلوى يدفع إلى السلطان محمد السلجوقى سبعمائة ألف دينار دون أن يبيع من. أجلها ملكا أو يستدين دينارا (ابن الأثير 10/ 474).

(3)

يتيمة 4/ 132 والظئر: المرضعة.

ص: 503

بوضوح فى كتب تراجم الشعراء مثل اليتيمة ودمية القصر والخريدة، إذ نجد عشرات الأسماء المجهولة تمدح أمداحا كثيرة، وحقا قال بشار:

يسقط الطير حيث ينتثر الح

بّ وتغشى منازل الكرماء

وكان ذلك سببا فى أن نلتقى بكثيرين من رعاة الشعر والشعراء فى كل بلدة.

وكانت الطبقة الوسطى تتألف من عناصر كثيرة، فى مقدمتها القضاة والفقهاء وعلماء العربية وكان لكثيرين منهم رواتب يقدّرها الأمراء أو وزراؤهم. ويدخل فى هذه الطبقة عمال الحسبة والبريد ودواوين الجيش والشهود الذين كان القضاة يقيمونهم للشهادة، فقد أصبح مثلهم مثل العمال الثابتين، وكانوا دائما موضعا للشكوى وفيهم يقول أبو عبد الله الخوزى (1):

ويل لمن عدّله القاضى

والله عنه ليس بالراضى

تمضى القضايا بشهاداته

وهو إلى النار غدا ماضى

وينتظم فى هذه الطبقة الصناع وأوساط التجار أما كبارهم فكانوا ذوى رءوس أموال ضخمة، وعدادهم لذلك فى الطبقة السابقة. ومن العناصر المهمة فى هذه الطبقة الشعراء الذين كان يغدق عليهم أفراد الطبقة الرفيعة الأموال والعطايا، ومثلهم المغنون والمغنيات، ودائما نلقاهم فى كل بلاط وفى كل قصر، فقد كان الشعب من كبيره إلى صغيره مولعا بالغناء.

وتأتى بعد ذلك الطبقة العامة من الرعية، وهى التى كانت تعمل فى الصناعات والتجارات الصغيرة وفى خدمة أرباب القصور، وكانت أشبه بالعبيد وخاصة من كان منها يعمل فى فلاحة الأرض إذ لا يكاد يجد ما يسدّبه رمقه، وليست هناك مهنة إلا عملت فيها هذه الطبقة حتى أحقر المهن. وكانت حياتها كلها عرقا وعنتا ومشقة لكى تملأ الطبقة العليا فى الإمارات بطونها وتكتظ قصورها بأدوات الترف واللهو والطرب.

وكان وراء تلك الطبقات أهل الذمة من المجوس والنصارى واليهود، وكان المجوس فى أوائل هذا العصر كثيرين فى إيران وخاصة فى قلاعها البعيدة، ويروى أنه وقعت فى شيراز لسنة 369 للهجرة فتنة بينهم وبين المسلمين (2)، ولم تكن الحكومات تتدخل فى شعائرهم ولا فى شعائر النصارى واليهود، وكان لهم محاكمهم الخاصة التى تفصل بينهم فى خصوماتهم، وكانوا يدفعون، نظير ما يتمتعون به من تسامح واسع، الجزية، وكانت أشبه بضريبة للدفاع الوطنى إذ لم يكن يدفعها إلا القادر على حمل السلاح، ولم تكن تؤديها

(1) يتيمة 3/ 421.

(2)

ابن الأثير فى سنة 369.

ص: 504

النساء ولا الرهبان ولا ذوو العاهات ولا من لم يبلغ الحلم ولا العجوز ولا الفقير البائس.

وكانت لا تتجاوز الدينار لعامتهم ودينارين لمتوسطى الثراء وثلاثة دنانير لأصحاب الثراء الطائل، وكانت تبلغ قيمة الدينار نحو اثنى عشر درهما. وكانت أبواب العمل لهم مفتوحة، وكان أكثر الأطباء وكثير من الكتبة نصارى، وكان على بن بويه ركن الدولة يستخدم كاتبا نصرانيا (1)، بل لقد اتخذ عضد الدولة كما قدمنا وزيرا نصرانيا، وكان اليهود يعملون فى أحقر المهن، فكان منهم الصباغون والأساكفة والخرّازون.

وكانت تتفنن الطبقتان العليا والوسطى فى الملبس والمطعم، فكانوا يلبسون الدّراريع وهى ثياب مشقوقة من الصدر كما كانوا يلبسون الأقبية والسّراويل والحلل المطرزة. وكانوا يلبسون الخزّ صيفا والفراء والصوف شتاء كما كانوا يلبسون الجوارب القطنية والصوفية والحريرية. وكانت النساء حرائر وجوارى أكثر تفننا فى أناقتهن، فكن يلبسن الإستبرق والسّندس والوشى، وكن يتحلين بالجواهر النفيسة من كل صنف، وكن يتعطرن بأنواع الطيب والمسك والغالية.

ومضوا يتفنون فى المطاعم، فكانوا يصنعون منها ألوانا كثيرة وخاصة فى بيوت الأمراء والوزراء، مما جعل كثيرين يعنون بالتأليف فى كتب الأطعمة، مثل ابن مسكويه، الذى أحكم كتابه فيها غاية الإحكام وأتى منه بكل غريب حسن (2)، ومثل ابن خلاد القاضى الذى أهدى إلى ابن العميد كتابا فى الأطعمة، فأجابه بقصيدة طويلة عدّد فيها كثيرا من أنواعها التى ذكرها فى كتابه (3). وعرفوا حينئذ توالى ألوان الطعام على المائدة بين وضع ورفع. وكانت تقدم أحيانا قبل الطعام وأحيانا بعده الفاكهة والحلوى من كل صنف.

وكانوا يمكثون بعد الطعام للسمر والشراب وسماع الغناء، وكانوا يستطيبون ذكر الفكاهات والنوادر والحكايات الدالة على اللباقة فى أثناء سمرهم ومنادمتهم على الشراب.

ومن قديم تقترن الخمر بالغناء فى إيران، حتى ليروى صاحب الشهنامه فى تربية قورش الملك الإيرانى القديم صورة مجلس شراب وغناء كان قورش يشترك فيه بنفسه ساقيا، وكأنما كانت الخمر والغناء إحدى شعائر الفرس منذ أقدم العصور (4)، وطبيعى أن يظل ذلك ديدنهم حتى هذا العصر، بحيث يشترك فى المتاع بهما الأمراء من مثل فخر الدولة (5)

(1) ابن مسكويه 5/ 464.

(2)

أخبار الحكماء للقفطى ص 332.

(3)

يتيمة 3/ 168.

(4)

انظر الشاهنامه نشر د. عزام 1/ 313 وتراث فارس (الترجمة العربية) ص 263.

(5)

ابن مسكويه 6/ 386 وانظر فى عضد الدولة ومجالس شرابه اليتيمة 1/ 218 وابن الأثير (طبعة دار صادر-بيروت) 9/ 20.

ص: 505

والوزراء من مثل أبى الفتح بن العميد (1) والقضاة من مثل القاضى أبى أحمد منصور الهروى (2). وكانوا ينثرون الورود فى قاعات الشراب (3). وكان يحيّى بعضهم بعضا بالورود والرياحين والفواكه فى أثناء الشرب، يقول عبدان الأصبهانى (4):

سقيت وفى كفّ الحبيبة وردة

وأترجّة تغرى النفوس بصونها

مداما فلما قابلتنى بوجهها

شربت فحيّتنى بلونى ولونها

وبلغ من تفشى الغناء والرقص فى فارس أن نجد عضد الدولة يفرض ضريبة فيها على المغنيات والراقصات (5). وأكبر الظن أن إيران جميعها كان يشيع فيها ذلك بصور مختلفة، وكانت أكبر فرصة تتاح للناس كى يقصفوا ويمجنوا ما شاء لهم المجون والقصف هى الاحتفالات بالأعياد (6) المسيحية من مثل عيد الميلاد وعيد الزيتونة وعيد الشّعانين، وفى العيد الأخير يقول أحمد بن المؤمل مشيرا إلى ما كان فيه من لهو وموسيقى وغناء (7):

سقيا لدهر مضى إذ نحن فى شغل

بالعزف والقصف عن شغل السّلاطين

إذ يومنا يوم عيد طول مدّتنا

وليلنا كلّه ليل الشّعانين

وكانوا يطلقون لأنفسهم العنان فى الأعياد المجوسية من مثل عيد السّذق، وهو عيد لاشتعال النيران، وكان يقع فى شهر يناير من كل عام، ويصوّر البيهقى فى تاريخه الاحتفال به فى سنة 426، فيقول:«اقترب عيد السّذق، فأخذوا يجمعون له الطّرفاء وعيدان الحطب، حتى تراكمت وأصبحت كالقلعة، وأقاموا عرائس من الخشب صارت كالجبل ارتفاعا، وأتوا بكثير من المعدّات والطيور وما يلزم هذا العيد من الحاجيات، وحلّ العيد وجلس السلطان فى مخيّم له، وجاء الندماء والمطربون وأشعلوا النيران، وكانت ترى على بعد عشرة فراسخ، وأطلقوا الطيور المبللة بالنفط وكذلك الوحوش، فكانت تجرى وقد علقت بها النيران» (8). وكان أهم من هذا العيد عيد النّيروز فى أول الربيع، وكان موسما كبيرا للمجون والشراب. ومثله عيد المهرجان فى السادس والعشرين من أكتوبر كل عام.

ويقول البيهقى: «كان السلطان يجلس له صباحا للمعايدة. . ويجتمع أعيان الدولة

(1) ابن الأثير 8/ 676.

(2)

دمية القصر (طبعة دار الفكر العربى بالقاهرة) 2/ 167.

(3)

يتيمة 3/ 244.

(4)

يتيمة 3/ 300.

(5)

المقدسى ص 441 وتحقيق ما للهند من مقولة للبيرونى ص 279.

(6)

انظر فى احتفالهم بالأعياد كتاب الآثار الباقية للبيرونى ص 215.

(7)

اليتيمة 4/ 149.

(8)

تاريخ البيهقى (الترجمة العربية-نشر مكتبة الأنجلو) ص 470 - 471.

ص: 506