الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فهى تشتاق عالمها القديم، ولذلك تفارق الجسد الذى حلت فيه راضية مرضية، ولعل فى هذه القصيدة ما يؤكد صلة السهروردى بابن سينا وفلسفته الإشراقية فضلا عن صلته بالفلسفة عامة.
4 - شعراء الحكمة والفلسفة
الحكمة قديمة فى الشعر العربى منذ العصر الجاهلى، ونجدها متراصّة فى مطوّلة زهير وكانت تجرى على ألسنة كثيرين يقطّرون خبراتهم شعرا، لينتفع بها أبناء قبائلهم ومن حولهم، وتظل مبثوثة فى الشعر العربى طوال العصر الإسلامى، وتكثر فى العصر العباسى وتتعدد روافدها الأجنبية بتعدد الثقافات التى عرفها العرب والتى نقلت عنها لهم الحكم والأمثال. ومرّ بنا فى كتاب العصر العباسى الأول أن أبان بن عبد الحميد نقل من الفارسية إلى العربية كتاب كليلة ودمنة وما فيه من أمثال، وحكم فى نحو أربعة عشر ألف بيت، وأن أبا العتاهية نظم مزدوجة طويلة سماها ذات الأمثال، وكلها حكم، ويقال إنها كانت تبلغ أربعة آلاف بيت، وروى أبو الفرج فى ترجمته بكتابه الأغانى منها قطعة طويلة، وأكبر الظن أن كثيرا من هذه الحكم نقلها أبو العتاهية عن الفارسية ولعله أخذها من بعض كتب الأدب الفارسى التى ترجمها ابن المقفع وغيره، وفى شعر أبى نواس بعض أمثال فارسية نصّ عليها القدماء. وقد مضى شعراء العصرين العباسى الأول والعباسى الثانى يسلكون فى أشعارهم بعض الأمثال الفارسية والعربية، حتى إذا كنا فى هذا العصر بإيران وجدنا الشعراء الإيرانيين ينقلون كثيرا من الأمثال المعروفة فى لغتهم إلى أشعارهم العربية، بل لقد تصّدى نفر منهم إلى صنع قصائد حكمية، هى ترجمات لبعض الأمثال الفارسية على نحو ما نجد عند أبى عبد الله الضرير الأبيوردىّ، فقد ذكر له الثعالبى قصيدة ترجم فيها أمثال الفرس، أنشد منها بعض الأبيات من مثل قوله (1):
صيامى إذا أفطرت بالسّحت ضلّة
…
وعلمى إذا لم يجد ضرب من الجهل (2)
وتزكيتى مالا جمعت من الرّبا
…
رياء وبعض الجود أخزى من البخل
كسارقة الرّمّان من كرم جارها
…
تعود به المرضى وتطمع فى الفضل
ألا ربّ ذئب مرّ بالقوم خاويا
…
فقالوا علاه البهر من كثرة الأكل (3)
(1) اليتيمة 4/ 90
(2)
السحت: الكسب الحرام.
(3)
البهر: تتابع النفس
وكان الشعراء يضمّنون قصائدهم وأشعارهم كثيرا من الحكم، ومن خير من يمثل ذلك الطّغرائى فى لاميته المسماة لامية العجم، وهى تغصّ بالحكم والأمثال منذ مطالعها، ونكتفى بسرد طائفة من طرائفها على هذا النمط:
حبّ السلامة يثنى همّ صاحبه
…
عن المعالى ويغرى المرء بالكسل
أعلّل النفس بالآمال أرقبها
…
ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل
تقدّمتنى أناس كان شوطهم
…
وراء خطوى إذ أمشى على مهل
وإن علانى من دونى فلا عجب
…
لى أسوة بانحطاط الشمس عن زحل
أعدى عدوّك أدنى من وثقت به
…
فحاذر الناس واصحبهم على دخل (1)
وإنما رجل الدنيا وواحدها
…
من لا يعوّل فى الدنيا على رجل
وأكبر الظن أن الطغرائى لم ينقل شيئا من هذه الحكم عن الفرس إنما هى ثمرة تجاربه وخبرته بالدنيا وبالناس من حوله.
ونمت الفلسفة فى هذا العصر نمواّ واسعا، ونمت معها علوم الأوائل على نحو ما مرّ بنا فى الفصل الثانى، وظهر كثير من المتفلسفة أمثال ابن سينا وله أشعار تتّشح بشئ من تفلسفه قليلا أو كثيرا وأثرت له رباعيات فارسية وأشعار عربية فى الزهد والحكمة وبعض مسائل طبية وفلسفية، وأهم تلك الأشعار وأشهرها قصيدته العينية عن النفس، وهى تصوّرها فى عالمها العلوى الذى كانت تحيى فيه قبل اتصالها بالبدن حين يتخلّق فى الرحم، وفى عالمها السّفلى حين تمّ هذا الاتصال بالجسد. وهو اتصال تقدم عليه وهى كارهة، وتظل فى أثنائه متشوقة إلى عالمها العلوى، مع ما حدث لها فيه من ألفة، ولذلك تنفصل عنه كارهة كما اتصلت به كارهة، يقول (2):
هبطت إليك من المحلّ الأرفع
…
ورقاء ذات تعزّز وتمنّع
محجوبة عن كلّ مقلة ناظر
…
وهى التى سفرت فلم تتبرقع
وصلت على كره إليك وربما
…
كرهت فراقك وهى ذات تفجّع
أنفت وما ألفت فلما واصلت
…
ألفت مجاورة الخراب البلقع
وأظنّها نسيت عهودا بالحمى
…
ومنازلا بفراقها لم تقنع
حتى إذا اتصلت بهاء هبوطها
…
من ميم مركزها بذات الأجرع
علقت بها ثاء الثّقيل فأصبحت
…
بين المعالم والطّلول الخضّع
(1) دخل: خبث ومكر
(2)
انظر العينية فى طبقات الأطباء لابن أبى أصيبعة (نشر دار مكتبة الحياة-بيروت) ص 446 وقارن بابن خلكان 2/ 160
والورقاء: الحمامة كنى بها عن النفس. وهو يصوّرها تهبط من عالمها الرفيع أو الأرفع، عالم العقول المجردة أو العقول الكلية، الذى نجد فيه سعادتها وكمالها، ولذلك هى تهبط منه شاعرة بغير قليل من العزة والشرف، محجوبة عن كل حسّ، ومع ذلك تسفر للعقول فتدركها دون أن تبصرها، وتنزل فى البدن كارهة لأنه ليس من جنسها، غير أنها تأنس له مع الأيام، حتى إذا فارقته توجعت له وتفجعت عليه، مع أنه بدونها خراب بلقع مقفر. وكأنما نسيت عهودها بعالمها العلوى لأنسها لهذا الجسد الفانى الذى هبطت إليه من مركزها الرفيع وعشقته، عشقت مشخصّاته الأرضية التى عبر عنها بالثقل وبذات الأجرع، وغدت تحنّ إلى دياره ومعالمه وطلوله حنين الشعراء لمعشوقاتهم، ويمضى قائلا:
تبكى وقد نسيت عهودا بالحمى
…
بمدامع تهمى ولما تقلع
وتظل ساجعة على الدّمن التى
…
درست بتكرار الرياح الأربع
حتى إذا قرب المسير إلى الحمى
…
ودنا الرحيل إلى الفضاء الأوسع
وغدت مفارقة لكلّ مخلّف
…
عنها حليف التّرب غير مشيّع
هجعت وقد كشف الغطاء وأبصرت
…
ما ليس يدرك بالعيون الهجّع
وغدت تغرّد فوق ذروة شاهق
…
والعلم يرفع كلّ من لم يرفع
فهى تحنّ الى عهودها القديمة وتبكى بدموع غزار الدّمن أو أجزاء البدن التى توشك على الفساد والانحلال، حتى إذا أوشكت أن تفارق جسدها إلى عالمها الأعلى، بل حتى فارقته فعلا، فارقت البدن الفانى، عادت إليها سكينتها واستراحت، إذ كشف لها الغطاء وأبصرت ما لا تدركه العيون التى ألمّ بها النوم، وغدت تغرّد فرحة، فقد عادت إلى عالمها وعاد لها علمها بالأشياء، العلم الكلى الشامل الذى كانت قد نسيته فى سكناها البدن، ويستمر سائلا متحيرا:
فلأىّ شئ أهبطت من شاهق
…
سام إلى قعر الحضيض الأوضع
إن كان أهبطها إلاله لحكمة
…
طويت عن الفطن اللبيب الّلوذعى
إذ عاقها الشّرك الكثيف فصدّها
…
قفص عن الأوج الفسيح الأربع
فهبوطها-لا شكّ-ضربة لازب
…
لتكون سامعة لما لم تسمع
وتعود عالمة بكل خفيّة
…
فى العالمين فخرقها لم يرقع
وهى التى قطع الزمان طريقها
…
حتى لقد غربت بغير المطلع
فكأنها برق تألّق بالحمى
…
ثم انطوى فكأنه لم يلمع