الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الرّابع
طوائف من الشعراء
1 - شعراء الدعوة الإسماعيلية
كان أول ظهور للدعوة الإسماعيلية فى الجزيرة العربية على يد حمدان قرمط الذى ينسب إليه القرامطة، وقد أخذ يدعو دعوته القرمطية الإسماعيلية منذ فواتح الربع الأخير من القرن الثالث للهجرة فى سواد الكوفة والبصرة. وأرسل أحد دعاته المسمى أبا سعيد الحسن بن بهرام الجنّابى إلى البحرين، فنشر الدعوة فيها واستطاع فى سنة 286 أن يؤسس بها لنفسه وأبنائه دولة هناك، على نحو ما مرّ بنا فى غير هذا الموضع. وظلت دولته قائمة يتناوب عليها أبناؤه وأحفاده حتى سنة 358 إذ قطعوا علاقتهم بالفاطميين نهائيا-ودخلوا فى طاعة الخليفة العباسى وخطبوا له على المنابر، وبذلك يتضح كيف أن الأعصم أميرهم حارب الفاطميين-كما مرّ بنا-تحت راية العباسيين سنة 360. وقد أرسل حمدان قرمط داعيين من دعاته إلى اليمن أحدهما يمنى هو على بن الفضل والثانى كوفى هو منصور بن حوشب، واستطاع على أن يستولى على صنعاء، كما مر بنا فى غير هذا الموضع، غير أنه قلب للقرامطة وللفاطميين ظهر المجن، فأخذ يدعو لنفسه، وزعم لأتباعه أنه نبى وأنه جاءهم بشريعة جديدة تحلّ لهم المحارم والمآثم وترفع عنهم الصلاة والصيام والحج، ويروى أنه صعد يوما المنبر وأنشد له أو لبعض شعرائه (1).
خذى العود يا هذه واضربى
…
نقيم شرائع هذا النّبى
تولّى نبىّ بنى هاشم
…
وجاء نبىّ بنى يعرب
أحلّ البنات مع الأمهات
…
ومن فضله زاد حلّ الصّبى
وقد حطّ عنا فروض الصلاة
…
وحطّ الصيام فلم نتعب
(1) المخلاف السليمانى 1/ 142.
ولا تطلب السّعى عند الصّفا
…
ولا زورة القبر فى يثرب
فهو نبىّ يعرب أو قحطان كما يزعم زورا وبهتانا بل كفرا وضلالا. ولم يلبث عدو الله والإسلام أن لقى حتفه-كما مرّ بنا-فى سنة 303 بمشرط حسنىّ متطبب ظل يترصده حتى وجد الفرصة سانحة. أما منصور بن حوشب فنفض يده من القرامطة واتصل مباشرة بالفاطميين حين كانوا لا يزالون فى المهدية بالقرب من تونس، واتخذوه داعية لهم فى اليمن فاستولى على بعض الحصون، وتوفى سنة 331 فخلفه ابنه حسن على الدعوة. وتوفى وظلت الدعوة قائمة وظل لها دعاة مختلفون، وتولاها الداعى الكبير على بن محمد الصّليحى (439 - 459 هـ) مؤسس الدولة الصليحية باليمن كما مر بنا، وكان قد تتلمذ على داع فاطمى يمنى يسمى سليمان بن عبد الله الزواحى، حتى إذا مات خلفه عليها، وكان يستغل الحج إلى بيت الله الحرام وسيلة لنشر دعوته فى اليمنيين الذين يتجمعون هناك من أنحاء مختلفة. وبايعه رؤساء قبيلة همدان على نصرته، ولم يلبث أصحابه أن تكاثروا فاستولى بهم على صنعاء وعدن وزبيد ودانت له البلاد من مكة إلى حضرموت، وكان شاعرا، وتنسب إليه أشعار جيدة ذكرنا منها بيتين فى مستهل حديثنا عن كثرة الشعراء فى الفصل الماضى، ويشك بعض القدماء فيما ينسب إليه من شعر أحيانا، ويقولون إنه كان ينظمه بعض الشعراء على لسانه (1). ويذكرون أنه لما قطع الشريف شكر أمير مكة ذكر اسم المستنصر الفاطمى من خطبة الجمعة سنة 453 تبادل معه رسائل تحمل تهديدا ووعيدا، وكان مما أجابه به الشريف شكر قصيدة سينية ينذره فيها بحرب مبيرة فأمر شاعره عمرو بن يحيى الهيثمى أن يرد عليه بقصيدة تنقض قصيدته نقضا، فردّ بقصيدة طويلة يقول فيها على لسانه (2):
دم الأبطال فى اليوم العبوس
…
مدامى لا شراب الخندريس
وكم ملك أسرت وكم خميس
…
أباد سراته قتلا خميسى (3)
وكان الهيثمى ما ينى يشيد بعلى الصليحى وحروبه وما سجّل فيها من انتصارات. وكان لا ينهض بعمل دون أن ينشده بعض مدائحه، من ذلك أنه لما عزم على الحج فى سنة 459 وأناب عنه ابنه أحمد المكرم انبرى الهيثمى ينشد (4):
إنّ سيف الإمام كالبحر ذى المو
…
ج له فى البلاد مدّ وجزر
ولئن ساءنا فراق علىّ
…
فبحمد ابنه لنا ما يسرّ
ولم تكتب لعلى الصليحى العودة إلى عاصمته ودياره من الحج، إذ كان قد استولى من
(1) الخريدة (قسم الشام) 3/ 226.
(2)
المخلاف السليمانى 2/ 27.
(3)
الخميس: الجيش. السراة: السادة.
(4)
الخريدة (قسم الشام) 3/ 227.
آل نجاح على زبيد، فرصده سعيد بن نجاح-وكان معه أخوه جياش-فى عودته، وكانت برفقته زوجته أسماء، فاغتاله، واقتاد زوجته أسيرة، وأخذ الشعراء يعزّون فيه ابنه المكرّم ويرثونه، من ذلك قول الهيثمى (1):
وأنشأ الحجّ إلى مكّة
…
يبغى رضا الله وأجرا جزيل
وارتجّت الأرض له هيبة
…
بمن بها بين فرات ونيل
فإن يكن نيل على غرّة
…
فالبدر لابدّ له من أفول
وظلت السيدة أسماء فى الأسر ثمانية أشهر إلى أن استطاع ابنها المكرّم فى سنة 460 أن يستخلصها من الأسر ويرد إليها حريتها. وفى العام التالى فتك بسعيد وهرب أخوه جيّاش إلى الهند. وكانت للسيدة أسماء أعمال برّ كثيرة، وكان يخطب لها على المنابر بعد الخليفة المستنصر وزوجها على الصّليحى (2)، وفيها يقول الهيثمى (3):
رسمت فى السماح سنّة جود
…
لم تدع من معالم البخل رسما
قلت إذ عظّموا لبلقيس عرشا
…
دست أسماء من ذرى النّجم أسمى
وكانت السيدة أروى بنت أحمد زوجة السلطان المكرم لا تقلّ عنها فضلا، وقد نشأت فى حجر السيدة أسماء وعنيت بتربيتها وأحضرت لها الدعاة كى يعلّموها أصول الدعوة الإسماعيلية الفاطمية. وتوفّى زوجها سنة 477 فأسند الفاطميون إليها الدعوة وتدبير شئون الدولة الصليحية، فكان يخطب لها على منابر اليمن. واستطاع جياش بن نجاح أن يسترد زبيد سنة 478 وكان مما أعانه على ذلك نشوب نزاع شديد بين أسعد بن شهاب واليها الصليحى ووزيره على بن القمّ، ويقال ان ابن القمّ أحسن استقبال جيّاش حين دخل زبيد، وتزوجت السيدة أروى بالداعى سبأ بن أحمد الصليحى وأشركته معها فى الحكم وكان شاعرا جوادا، وفيه يقول ابن القاسم من قصيدة (4)
ولما مدحت الهبرزىّ ابن أحمد
…
أجاز وكافانى على المدح بالمدح
فعوّضنى شعرا بشعر وزادنى
…
عطاء فهذا رأس مالى وذا ربحى
وتوفى سبأ سنة 491 وظلت أزمّة الأمور بيدها إلى أن توفيت سنة 532. وبوفاتها انتهت هذه الدولة الإسماعيلية، وتزعّم الدعوة فى اليمن بعدها آل زريع أصحاب عدن وكانوا يجزلون العطايا للشعراء حتى عدّوا عند بعض أمرائهم بالعشرات، وأكبر
(1) الهمدانى ص 103 والمخلاف السليمانى 2/ 32.
(2)
الهمدانى ص 67.
(3)
تاريخ اليمن لعمارة طبعة كاى 16 والشاعر يسمى فيه خطأ أسعد بن يحيى. انظر الهمدانى ص 67.
(4)
ابن خلكان (طبع دار الثقافة ببيروت) 2/ 337 والهبرزى: الأسد.