الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الأرّجانى
(1)
هو ناصح الدين أبو بكر أحمد بن محمد الأرّجانى نسبة إلى أرّجان من كور الأهواز من بلاد إقليم خوزستان، ولد سنة 460 ويقول العماد الأصفهانى فيه:«منبت شجرته أرّجان، وموطن أسرته تستر وعسكر مكرم من خوزستان، وهو وإن كان فى العجم مولده فمن العرب محتده، سلفه القديم من الأنصار» فهو عربى النجار، فارسى الموطن. وقد أرسل به أهله إلى المدرسة النظامية بأصفهان حين شبّ عن الطوق، فظل بها، حتى تخرج فيها فقيها شافعيا، يحسن الحكم بين الخصوم والفتيا، وتفجر الشعر على لسانه، فقصد به الوزير السلجوقى المشهور نظام الملك، منذ سنة نيف وثمانين وأربعمائة، وظل ينظمه إلى وفاته بتستر سنة 544 وكأنه مات عن سن عالية، وكان يفتخر بأنه فقيه ويحسن الشعر وفى ذلك يقول:
أنا أشعر الفقهاء غير مدافع
…
فى العصر، بل أنا أفقه الشعراء
وأعدّته معرفته العميقة بالفقه لكى يشتغل بالقضاء فى موطنه ببلاد خوزستان، تارة بتستر، وتارة بعسكر مكرم عن قاضيها ناصر الدين أبى محمد ومن بعده عن عماد الدين أبى العلاء، وفى ذلك يقول:
ومن النوائب أننى
…
فى مثل هذا الشغل نائب
ومن العجائب أنّ لى
…
صبرا على هذى العجائب
وكان يحسن الفارسية وترجم منها عددا من الرّباعيات، وأكثر شعره فى المديح، ونراه كما مر بنا يمدح نظام الملك حتى إذا خلفه الوزير تاج الملك مدحه بلامية يقول فيها:
كم موقف دون العلاء وقفته
…
والخيل بالأسل الطّوال تصول
ونراه يمدح وزراء بركياروق حين استولى على صولجان الحكم بعد أبيه ملكشاه، وفى مقدمتهم الوزير الدهقانى وفيه يقول:
فأتى به العصر الأخير وقصّرت
…
عن شأوه وزراء كلّ الأعصر
ويظلّ على صلة وطيدة بسلاطين السلاجقة، يروح إليهم ويغدو بالمدائح، وله فى السلطان محمود مدائح مختلفة، من مثل قوله:
(1) راجع فى ترجمة الأرجانى ابن خلكان 1/ 151 والسبكى 6/ 52 شذرات الذهب 4/ 137 ومرآة الزمان 3/ 281 وتذكرة الحفاظ 4/ 1306 والمنتظم 10/ 139. والنجوم الزاهرة 5/ 285 والأنساب 24 ومعجم البلدان فى أرجان، وديوانه مطبوع قديما ببيروت.
أعلى السلاطين فى يومى ندى ووغى
…
رأيا وأفضلهم سرّا لإعلان
ويمدح وزيره السميرمى الذى يقول فيه ابن الأثير كان ظالما كثير المصادرة للناس سيئ السيرة، ولعله اضطرّ إلى مديحه خوفا من بطشه به كما بطش بالطّغرائى، وله يقول فى بعض مديحه.
وأنقذت دين الله من شرّ مارق
…
وكان كشلو بين نابيه ناشب
وخصّ معين الدين أحمد بن الفضل وزير السلطان سنجر بمدائح كثيرة، وصلته به قديمة منذ كان على ديوان الإنشاء للسلطان محمد، وله يقول:
أحلّك سلطان السلاطين رتبة
…
يضيق بها ذرع الحسود المساجل
وكان يزور بغداد كثيرا ويمدح خلفاءها ووزراءها، وله فى الخليفة المستظهر (485 - 512 هـ) غير مدحة، ونراه يلجج فيما لجج فيه قديما مروان بن أبى حفصة وغيره من شعراء العصر العباسى الأول حين كانوا يتحدثون عن شرعية الخلافة وأن العباسيين أولى بها من العلويين لأن العم يرث ابن أخيه ولا يرثه ابن العم، ويزعم الأرّجانى أن الرسول عليه السلام بشّر بها عمه وأنها تكون فى أبنائه، يقول:
بكم قديما رسول الله بشّرنا
…
كما به بشّرتنا سالف النّذر
وقال من بعد للعباس فى ملأ
…
افخر فأنت أبو الأملاك فى مضر
وولى المسترشد (512 - 529) فظل يقدم إليه مدائحه، واصفا له بالبأس والشجاعة والإقدام محذّرا أعداءه من جيوشه وما تدمّر وتحطم وتسحق كل من يقف فى طريقها سحقا. وبالمثل يمدح وزراء بغداد وفى مقدمتهم بنو جهير، وفيهم يقول:
لله درّ بنى جهير إنهم
…
جهروا بدين المجد حتى أعلنا
ونوّه طويلا بجلال الدين بن صدقة وبأنوشروان بن خالد، وله فيه نحو عشرين مدحة يتحدث فيها عن كرمه وشجاعته وعلمه وعدله ومواكبه. كما نوه أيضا طويلا بالوزير سديد الدولة محمد بن عبد الكريم، وله يقول فى بعض مدائحه:
أمين أمير المؤمنين الذى اصطفى
…
وسهم أمير المؤمنين المسدّدا
وله غزليات رقيقة، وهى مطبوعة مثل غزليات الطغرائى بطوابع الشريف الرضى ومهيار، ونقصد الطوابع البدوية ومن طريف غزلياته:
أأحبّتى الشاكين طول تغيّبى
…
والذاهبين على الهوى فى مذهبى
ما جبت آفاق البلاد مطوّفا
…
إلا وأنتم فى الورى متطلّبى
سعيى إليكم فى الحقيقة، والذى
…
تجدون منى فهو سعى الدّهر بى
أنحوكم ويردّ وجهى القهقرى
…
سيرى، فسيرى مثل سير الكوكب
فالقصد نحو المشرق الأقصى له
…
والسير رأى العين نحو المغرب
تالله ما صدق الوشاة بما حكوا
…
أنى نسيت العهد عند تغّربى
والأبيات تحمل معانى وصورا دقيقة تصور شاعرية الأرجانى وأنه كان يعرف كيف يطرف بصوره ومعانيه، مما جعل القدماء يشيدون به، ومن معانيه الغريبة:
رثى لى وقد ساويته فى نحوله
…
خيالى لمّا لم يكن لى راحم
فدلّس بى حتى طرقت مكانه
…
وأوهمت إلفى أنه بى حالم
وبتنا ولم يشعر بنا الناس ليلة
…
أنا ساهر فى جفنه وهو نائم
وهو بعد فى الخيال والتصوير إلى درجة مفرطة من الوهم، وكان مثل الطغرائى يشكو من الزمن ومن الناس، وقلما نجد شاعرا فى هذا العصر لا يشكو، ومن شكواه قوله:
ولما بلوت الناس أطلب عندهم
…
أخا ثقة عند اعتراض الشدائد
تطلعت فى حالى رخاء وشدّة
…
وناديت فى الأحياء هل من مساعد
فلم أر فيما ساءنى غير شامت
…
ولم أر فيما سرّنى غير حاسد
تمتعتما يا ناظرىّ بنظرة
…
وأوردتما قلبى أمرّ الموارد
أعينىّ كفّا عن فؤادى فإنه
…
من البغى سعى اثنين فى قتل واحد
فحتى عيناه لا ترحمانه بما تدلعان فى قلبه من جحيم الفتنة بالجمال. وله رباعيات كثيرة غير أنه فيها شديد التكلف، وقد نظم فى مديح أنوشراون قصيدة تشتمل على ثمانين رباعية. ومن باب هذا التكلف أو التصنع عنده إظهار قدرته فى نظم بيت يقرأ طردا وعكسا مثل قوله:
أحبّ المرء ظاهره جميل
…
لصاحبه وباطنه سليم
مودّته تدوم لكلّ هول
…
وهل كلّ مودّته تدوم
فالبيت الثانى يقرأ عكسا من آخره إلى أوله كما يقرأ من أوله إلى آخره، ونجد عند الأرجانى أرجوزة يمكن أن تقرأ لا على قافيتين فحسب، بل على أربع قواف، وهى تدل على مقدرة لغوية أكثر منها على مقدرة فنية خالصة. ولعل فى كل ما أسلفنا ما يوضح شخصية الأرجانى الشعرية.