الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فقلت: فهل لى فى وصالك مطمع
…
فقالت: إذا ما شمسنا طلعت غربا
فقلت: فهل من زورة يجتنى بها
…
ثمار المنى ظمآن قد منع الشّربا
فقالت إذا ما غاب عن كلّ مشهد
…
وخاض حياض الموت واستسهل الصّعبا
وأصبح فينا حائرا ذا ضلالة
…
يواصلنا بعدا ونهجره قربا
وهى محاورة بديعة بينه وبين محبوبته رمز بها إلى حبه الربانى، فمن يحب الذات العلية يفقد قلبه ولا يصبح له مطمع حقيقى فى وصال ولا فى زورة يقتطف فيها ثمار المنى وينهل معها من الماء ما يطفئ ظمأه إلا إن غاب عن كل مشهد فى الوجود واقتحم حياض الرّدى لايبالى، وحتى إن فعل فسيصبح حيران ضالاّ الطريق يواصل من بعيد ويهجر من قريب.
ومن قوله يشكو آلامه وعذابه فى حبه الإلهى.
بقلبى منهم حرق
…
لها الأحشاء تحترق
ولا وصل ولا هجر
…
ولا نوم ولا أرق
فليتهم وقد قطعوا
…
ولم يبقوا علىّ بقوا
فأفنى فى محبّتهم
…
وريح محبّتى عبق
كمثل الشّمع يمتع من
…
ينادمه ويمّحق
فأحشاؤه تحترق، ولا وصل ولا هجر، ولا يأس ولا طمع، ولا نوم ولا أرق، ولا صبر ولا جزع، وإنه ليكتوى بنيران هذا الحب مؤملا-على طريقة الصوفيين-أن تنمحى حواسّه وأحاسيسه، حتى يفنى فناء مطلقا فى الذات العلية، فناء ينعدم فيه وجوده البشرى انعداما تاما، كما ينعدم الشمع المضيئ، وينمحق انمحاقا خالصا.
الصّرصرىّ
(1)
هو جمال الدين أبو زكريا يحيى بن يوسف الصّرصرى، نسبة إلى صرصر: قرية قريبة من بغداد، ولد سنة 588 وحفظ القرآن واختلف إلى دروس العلماء والفقهاء والمحدثين، وكان حنبليا، ويصفه ابن تغرى بردى فى كتابه النجوم الزاهرة بالإمام الأديب الربانى، ويقول كان من العلماء الفضلاء الزهاد العبّاد، كانت له اليد الطولى فى النظم وشعره فى غاية الجودة، ويقول الصفدى عنه «صاحب المدائح النبوية السائرة فى الآفاق، ولا أعلم
(1) انظر فى ترجمة الصرصرى ومدائحه النبوية ذيل مرآة الزمان للقطب اليونينى (طبع حيدر آباد) 1/ 257 - 332 ونكت الهميان للصفدى ص 308 والنجوم الزاهرة 7/ 66 والذيل على طبقات الحنابلة لابن رجب والشذرات 5/ 284.
شاعرا أكثر من مدائح النبى صلى الله عليه وسلم أشعر منه، وشعره طبقة عليا. . يدخل شعره فى ثمان مجلدات وكله جيد» ويقول القطب اليونينى وابن تغرى بردى: إن مدائحه فى النبى صلى الله عليه وسلم تقارب عشرين مجلدا. ولا يزال الديوان غير منشور وفى دار الكتب المصرية مخطوطة منه.
ويذكر الصفدى أن بين مدائحه النبوية قصيدة التزم فى كل حرف منها ظاء وثانية التزم فى كل حرف منها ضادا وثالثة التزم فى كل حرف منها زايا، وبالمثل بقية الحروف الصعبة، وقصيدة كل بيت منها يشتمل على حروف المعجم أو بعبارة أخرى الحروف الهجائية يقول الصفدى: وهذا دليل القدرة والاطلاع والتمكن.
والصرصرى فى المدائح النبوية يعرض السيرة النبوية العطرة مع بيان معجزات الرسول عليه السلام وانتصاراته على أعدائه ويشيد بصحابته وخدماتهم للإسلام وفى مقدمتهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلى، وينوّه بزوجاته أمهات المؤمنين وفى مقدمتهم السيدة خديجة والسيدة عائشة والسيدة حفصة. وهو يتراءى فى نبوياته سنّيا حنبليا حتى ليعرض فى بعضها لمديح ابن حنبل وأتباعه، ويروى له ابن تغرى بردى أبياتا من همزية نبوية يقول فيها:
يا هلال السرور يا قمر الأن
…
س ونجم الهدى وشمس البهاء
يا ربيع القلوب يا قرّة العي
…
ن وباب الإحسان والنّعماء
وهو يصدر فى القصيدة عن محبة للرسول عليه السلام شغفت قلبه، حتى ليراه كل جمال فى الوجود فهو الهلال والقمر والنجم والشمس والربيع وقرة العيون ومسرة النفوس وباب الإحسان والعطاء وكل نعماء، ويروى له الصفدى قطعة طويلة من مدحة خائية يقول فى تضاعيفها:
يا خاتم الرّسل الكرام وفاتح ال
…
خيرات يا متواضعا شمّاخا
يا من رست وسمت قواعد دينه
…
وبه هوى أسّ الضلال وساخا
يا خير من شدّ الرّحال لقصده
…
حادى المطىّ وفى هواه أناخا
عطفا على عبد تعلّق حبّكم
…
طفلا وفى صدق المحبّة شاخا
وهو يكثر من المناجاة للرسول عليه السلام مستعطفا ومتشفعا به، ويبدو من القطعة الطويلة من أشعاره التى رواها القطب اليونينى أنه كان يصدر أحيانا عن نظرية الحقيقة المحمدية المعروفة، إذ ذهب إلى أزلية وجود الرسول وأنه مبدأ الوجود ومركزه. وليس فى يدنا الديوان لنحكم على الصرصرى حكما دقيقا فى هذا الجانب غير أن هناك بعض إشعاعات من الفكرة نلتقى بها عند اليونينى مثل قول الصّرصرى عن الرسول: