الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الثالث
نشاط الشعر والشعراء
1 - الشعر على كل لسان
ظل الشعر حيا يجرى على الألسنة فى الجزيرة العربية طوال هذا العصر، ومعروف أنه منها نبع قديما وأن ينابيعه كانت تمتد فى شمالى الجزيرة وشرقيها وغربيها، أو قل فى الجزيرة جميعها، باستثناء اليمن فى العصر الجاهلى أو بعبارة ادق باستثناء أعماقها، إذ كانت اليمن الشمالية قد أخذت فى التعرب واستخدام الفصحى، ولم تبق إلا أنحاء قليلة تتكلم الحميرية، بينما كانت العربية تنتشر فى اليمن بإزاء الحجاز وفى نجران وفى حضرموت وبين أزد عمان. وتم تعرب اليمن سريعا بعد الإسلام أو قل تم تعرب ما كان قد بقى منها يتحدث الحميرية.
ونحن لا نصل إلى هذا العصر الذى نؤرخ له والذى يبتدئ بسنة 334 للهجرة حتى نشعر بنشاط واضح للشعر والشعراء فى كل أنحاء الجزيرة، وكانت الحجاز-وخاصة مكة-دارا كبيرة للشعر والشعراء، وتزخر كتب التراجم بأشعارهم لا أشعار من هاجروا إليها وأمضوا فيها بقية حياتهم أو من ظلوا بها أعواما طويلة فحسب فإن ذلك أكثر من أن يحصى أو يستقصى، بل أيضا أشعار الشعراء من أهلها الذين ولدوا بها وأنفقوا حياتهم فيها. وكانوا يستمعون إلى من يفد عليها من الشعراء ويقيم فيها بين ظهرانيهم، فكان ذلك غذاء سائغا لشاعرياتهم. وكانوا يقرءون دواوين الشعراء المشهورين، وكثير منهم كانت لديه ملكة شعرية خصبة. ولا بد أن نلاحظ أن لغة شعرهم الفصحى لم تكن هى نفس لغتهم اليومية، فمن قديم لم يأخذ علماء اللغة فى القرنين الثانى والثالث للهجرة اللغة والشعر عن المدينة ومكة لنزول كثير من الموالى بهما ومعيشتهم فيهما، وقد ذكرنا فى كتاب العصر الإسلامى أن عدد القتلى من الموالى فى موقعة الحرة بالمدينة لعهد يزيد بن معاوية كان خمسة آلاف بينما كان عددهم من العرب ثلاثة آلاف مما يؤكد أن أكثر سكان المدينة حينئذ كانوا
من الأعاجم. ولابد أن الأعاجم بمكة كانوا أكثر من سكانها الأصليين فى هذا التاريخ وهو منتصف القرن الأول للهجرة أو قل بعده بنحو ثلاثة عشر عاما، فما بالنا فى هذا العصر؟ إن المعقول الذى يتفق مع حقائق الأشياء أن تكون نسبة الأعاجم إلى العرب فى المدينتين المقدستين زادت زيادة كبيرة، وهى زيادة أعدت فى هذا العصر لشيوع لغة عامية متداولة على ألسنة العامة، لغة تكثر فيها الألفاظ الأعجمية الدخيلة، ويكثر فيها التحريف فى مقاطع الكلمات ونبراتها. وعلى الرغم من ظهور هذه اللغة العامية كانت لا تزال الفصحى حية بفضل القرآن الكريم وحفظه واستظهاره، وكان هناك أساتذة كثيرون للعربية يعلمونها الناس، وكان الحرمان جامعتين كبيرتين تدرس فيهما جميع مواد الثقافتين الإسلامية والعربية، وكان وراءهما مدارس وكتاتيب، وكل ذلك عمل على أن تظل العربية مزدهرة، ويظل كثيرون ينظمون الشعر العربى الفصيح.
ولم تكن العناصر الأجنبية فى اليمن كثيرة. ومع ذلك كان ينزلها الأحباش والإفريقيون بكثرة، ومرّ بنا أن الأحباش كونوا لأنفسهم فى حقبة إمارة فى زبيد، وكان ينزل فى عدن قليلون من الهنود الذين كانوا يتجرون مع اليمنيين، ويبدو أن العناصر الإفريقية-وهى الكثيرة-كانت تتعرب سريعا. وليس معنى ذلك أنه لم تتكون فى اليمن على مر الزمن لغة عامية، ولكن معناه أن هذه اللغة هناك تأخرت بالقياس إلى مكة والمدينة، حتى القرن السادس الهجرى على الأقل فى بعض أنحائها، فعمارة اليمنى المتوفى سنة 569 للهجرة يحكى فى كتاب المفيد فى أخبار زبيد أنه حين دخل من تهامة اليمن إلى مدينة زبيد فى سنة 530 ليطلب الفقه وهو دون العشرين من عمره تعجب الفقهاء فى جميع المدارس التى ألمّ بها فى تلك البلدة من أنه لا يلحن فى شئ من الكلام، ومن قوله: «وجبلا عكاد فوق (قرية) الزرائب (موطنه) أهلهما باقون على اللغة العربية من الجاهلية إلى اليوم ولم تتغير لغتهم. .
ولما زارنى والدى وسبعة من إخوتى فى زبيد تحدّثوا مع الفقهاء فلا والله ما لحن واحد منهم لحنة واحدة أثبتوها عليه» (1). ويتضح من كلام عمارة أن المدن اليمنية مثل زبيد كان أهلها يلحنون فى لغتهم اليومية منذ القرن السادس الهجرى، أما تهامة والبوادى وأهل الجبال فكانوا لا يزالون ينطقون بالفصحى نطقا سليما. ويبدو أن أنحاء كثيرة من اليمن ظلت إلى عصور متأخرة تلفظ العربية لفظا صحيحا، بل يقال إنه لا يزال إلى اليوم من يتحدثون بها فى بعض تلك الأنحاء حديثا غير ملحون، إذ يقول صاحب المخلاف السليمانى إن الفصحى لا تزال صحيحة لم تتغير فى هذا المخلاف الذى يطلق عليه الآن اسم عسير، وقد ضمّ إلى
(1) المفيد فى أخيار زبيد ص 54.
المملكة العربية السعودية بأخرة، ويصور ذلك تصويرا مسهبا فؤاد حمزة إذ يقول:
وليس معنى ذلك أن اليمن لم تعرف لنفسها لغة عامية كما عرفت الأقاليم العربية الأخرى، بل معناه أنها لم تسارع إلى إحداث هذه اللغة، ولكنها على كل حال أخذت فى إحداثها بالمدن منذ القرن السادس الهجرى، كما يدل كلام عمارة السابق فقد عجب فقهاء زبيد من أنه يوجد فى بعض أنحاء اليمن قوم يتكلمون الفصحى ولا يخطئهم السداد فيها، مما يدل بوضوح على أن اللحن كان قد فشا على ألسنة أهل المدن، وأخذت تتكوّن بسرعة هناك لغة يمنية عامية. وكان ثراء اليمن عاملا مهما فى أن يعنى حكامها بالعربية وبالعلوم الإسلامية ومرّ بنا كيف أن دولة الرسوليين نهضت نهضة عظيمة بالثقافة والعلوم فى اليمن، وقد أنشأت عشرات المساجد والمدارس وخاصة فى زبيد وتعزّ وصنعاء وعدن، وكل ذلك عمل على أن تظل العربية مزدهرة فى اليمن وأن تظل الأشعار تجرى على الألسنة. غير أنه يلاحظ أنه أخذت تنظم هناك، كما كان الشأن فى البلاد العربية الأخرى أشعار عامية.
ولا نعرف متى ظهرت بواكير هذه الأشعار بالضبط، وإذا احتكمنا إلى تاريخ أول أغنية عامية سجلها الدكتور محمد عبده غانم فى كتابه النفيس:«شعر الغناء الصنعانى» وجدنا هذا التاريخ يرجع إلى القرن الثامن الهجرى، وهى للشاعر شهاب الدين أبى محمد أحمد بن فليته، وقد اشتهر زمن السلطان الرسولى المجاهد على الذى حكم من سنة 721 حتى سنة 764 ويسهب الدكتور غانم فى بيان خصائص هذه الأغانى اليمنية العامية من زمن ابن فليتة إلى نهاية الربع الأول من القرن الرابع عشر الهجرى. ويقول إنها جميعا من الشعر الحمينى وهو اسم خاص بالشعر العامى اليمنى الذى لا يلتزم قواعد الفصحى النحوية والاشتقاقية، كما لا يلتزم عروضها. وتكثر فيه المسمّطات والموشحات. وتبدو المحاكاة واضحة بينه وبين الموشحات والأزجال الأندلسية. ويوضح الدكتور غانم
(1) قلب جزيرة العرب لفؤاد حمزة ص 99.
توضيحا مفصلا كيف أن هذا الشعر الحمينى أو العامى اليمنى يرتفع فى لهجته عن اللغة اليمنية العامية ويهبط فى الوقت نفسه درجات عن اللغة الفصحى. وهو بذلك يعدّ فرعا كبيرا من شجرة الشعر النبطى الذى أخذ يشيع فى الجزيرة العربية منذ القرن الثامن الهجرى، بل لعله أخذ يشيع قبل ذلك بقرن أو يزيد. وهو شعر يلقانا فى كل أنحاء الجزيرة لهذا العصر، نلقاه فى الحجاز وحضرموت وفى عمان والبحرين ونجده جنوبا وشمالا.
وجميعه شعر يعلو درجات فوق العامية لكل تلك الأقاليم ويهبط درجات عن الفصحى، شعر بلغة بين العامية والفصحى، ويسمونه باسم الشعر النبطى، وهو كله غير معرب، وكأنه يحلّ فى الجزيرة محل الشعر الجاهلى فيها قديما، فقد كان شعر جميع القبائل تشارك فيه، وكانت لها لهجاتها المحلية الخاصة، وكأن الموقف فى هذا الشعر يتعاكس مع ما كان فى الجاهلية، فالجاهليون كانوا يحافظون على النظم بالفصحى وألحان عروضها وأنغامه ولم يكونوا ينفكّون عنها أبدا، مع أنها ليست لغتهم اليومية تماما. وشعراء الجزيرة مع هذا الشعر النبطى يريدون أن يقتربوا من لغتهم اليومية، فيترك نفر منهم النظم بالفصحى ويتخذ هذه اللغة دنوّا من قبيلته ولغتها العامية، ومع ذلك يظلون يرفدونه بالعناصر البيانية والبديعية للشعر الفصيح، وكأنما فى دخائلهم إحساس أن الشعر ينبغى أن يظل مرتفعا قليلا أو كثيرا عن اللغة العامية اليومية، وهو ما جعلهم ينفذون إلى لغتهم النبطية المستحدثة.
ومهما يكن فإن هذا الشعر العامى أو قل الحمينى اليمنى لم تعل كفّته يوما على الشعر الفصيح الذى ظل صاحب الصولجان وظل له ازدهاره فى اليمن إلى اليوم. وما يصدق على اليمن يصدق على حضرموت، فقد كان فيها شعراء ينظمون الشعر الحمينى العامى، ولكن ظلت للشعر الفصيح السيطرة حتى على من ينظمون الشعر الحمينى ونمثّل لذلك بأبى بكر العيدروس الحضرمى المتوفى سنة 914 فإن له شعرا وأغانى حمينيّة عامية ولكن شعره الفصيح هو الذى ذاع وشاع أو قل هو الذى غلب عليه، كما يصور ذلك ديوانه:«محجة السالك وحجة الناسك» . على أن شعره الحمينى يقترب من الفصحى اقترابا شديدا.
وكانت تنزل عمان عناصر أجنبية إفريقية وهندية وإيرانية؛ ومما هيأ للأخيرة النزول كثيرا أن حاكم هرمز الإيرانية أو قل حكامها كانوا يغيرون من حين إلى حين على عمان، وكانت أحيانا تتبعهم، فكثر نزول الإيرانيين بها، وكثرت لذلك الكلمات الإيرانية الدخيلة فى لغة العمانيين اليومية، وطبيعى أن يتبع ذلك تغيرات فى الألفاظ العربية ذاتها فى بعض مقاطعها وبعض ضغوطها ونبراتها، لذلك كان ابن بطوطة محقا حين زار عمان ولاحظ على أهلها أن «كلامهم ليس بالفصيح مع أنهم عرب، وكل كلمة يتكلمون بها يصلونها بلا فيقولون مثلا لا تأكل،