الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وتكثر فى حضرموت مدائح العلماء والصوفية وهذا طبيعى لأن كثرة الشعراء من الزهاد والفقهاء، ويمتلئ كتاب تاريخ الشعراء الحضرميين بهذه المدائح كقول أحمد السقاف العلوى فى شيخه محمد بن عبد الرحمن الأسقع (1):
فقيه شريف حاز فضلا ورفعة
…
له نسبة تعلو على كل نسبة
وأكبر الشعراء المدّاحين فى حضرموت عبد الصمد بن عبد الله باكثير، وسنخصه بكلمة.
ويكثر شعراء المديح أيضا فى عمان ودائما يتجه الشعراء بأشعارهم إلى مديح الأمراء النبهانيين، وسنقف قليلا عند شاعرهم السّتالى. وبالمثل كان الشعراء فى البحرين لا يزالون يمدحون أمراءها من العيونيين وغيرهم وفى مقدمتهم شاعر البحرين غير مدافع على بن مقرب العيونى:
وواضح مما سبق أننا سنقف قليلا عند أربعة من شعراء المديح فى اليمن وحضرموت وعمان والبحرين يصورون لنا ازدهار هذا الفن فى بلدانهم فى حقب مختلفة، وهم
القاسم بن هتيمل
اليمنى وأحمد بن سعيد الخروصى السّتالى العمانى وعلى بن مقرّب العيونى البحرانى وعبد الصمد بن عبد الله باكثير الحضرمى.
القاسم بن هتيمل (2)
هو القاسم بن على بن هتيمل أكبر شعراء اليمن فى القرن السابع الهجرى، وهو من نجران بوادى ضمد فى المخلاف السليمانى وهى غير نجران المشهورة وبها نشأ. وقد تيقظت موهبته الشعرية مبكرة، وله ديوان شعر كبير يدل على أنه وجّه شعره منذ شبابه إلى مديح أمراء المخلاف السليمانى وكانوا يتبعون الدولة الرّسولية، كما وجهه إلى الرسوليين وأمرائهم وولاتهم وإلى الأمراء الزيديين فى جهة صنعاء وصعدة. ولا تعرف سنة ميلاده، والمظنون أنه ولد فى العقد الثانى أو أوائل العقد الثالث من القرن السابع، وإن كان هناك من يظن أنه ولد فى أوائل هذا القرن، غير أننا لا نجد له شعرا فى السلطان عمر بن على بن رسول نور الدين المتوفى سنة 647 بينما يعد بحق شاعر ابنه السلطان المظفر (647 - 694 هـ) وحفيده السلطان الأشرف (694 - 696 هـ). ويبدو أنه توفى لزمنه إذ لا نجد له مديحا فى أخيه المؤيد (696 - 721 هـ) الذى استولى على صولجان الحكم بعده. وكان يتخذ شعره
(1) تاريخ الشعراء الحضرميين 1/ 44.
(2)
راجع فى ترجمة ابن هتيمل مقدمة تحقيق ديوانه لمحمد بن أحمد عيسى العقيلى، وانظر العقود اللؤلؤية للخزرجى فى مواضع متفرقة (راجع الفهرس) والديوان مطبوع بدار الكتاب العربى بالقاهرة سنة 1961.
متجرا، فهو يمدح به المظفر وأسرته وعماله، كما يمدح أمراء المخلاف السليمانى وأعيانه، والأئمة الزيديين وفى مقدمتهم الإمام أحمد بن الحسين، وأمراء ظفار، وأمراء قبائل حلى بن يعقوب، ويروى أنه قال فى أميرهم أحمد بن على الحرامى الكنانى من مدحة طويلة:
إن الملوك بنو يعقوب قاطبة
…
قطعا وكلّ ملوك بعدهم سوق
والسوق جمع سوقة وهى الرعيّة وبلغت المدحة سمع المظفر الرسولى، فاستشاط غضبا حين سمع هذا البيت وطلب ابن هتيمل ليطير به طيرة بطيئا سقوطها حتى إذا مثل بين يديه وأنشده البيت حنقا، تخلّص تخلصا لطيفا، قائلا: أطال الله عمر السلطان! إنما قلت:
«وكل ملوك غيرهم سبق» فاستحسن تخلصه (1)، وله فيه كثير من المدائح البديعة من مثل قوله
أغرّ رسولىّ يزرّ قميصه
…
على القمر التّمّ الخضمّ الغضنفر
أعمّ سماحا من سماحة حاتم
…
وأعظم بأسا من بسالة عنتر
وقوله (2):
هدى كهدى رسول الله متّبع
…
ما سار آل رسول الله فى السّير
وعزمة كلّ حدّ من صرامتها
…
أمضى من الموت أو أمضى من القدر
لو أن هيبته أو بعض هيبته
…
تلقى على الفلك الدوّار لم يدر
ونسيجه اللفظى متين قوى، وكلماته تروق السمع بجرسها وبحسن انتقائها، إذ كان يعرف كيف يصطفى لفظه وكيف يلائم بين كلماته ملاءمات تلذ الأذن حين تصيخ إليها وتلذ اللسان حين ينطق بها وهو بحق صائغ ماهر. وممدوحه الثانى بعد المظفر فى ديوانه الإمام الزيدى أحمد بن الحسين، وفيه يقول فى إحدى مدائحه (3)
حفظ الله أحمدا حيثما كا
…
ن وجادته ديمة مدرار
الشريف الشريف والجوهر الجو
…
هر والخالص النّضار النّضار
سيّد أمّه البتول وجدّا
…
هـ المثنّى وأحمد المختار
والبتول: السيدة فاطمة الزهراء، والمثنى: الحسن بن الحسن بن على جد الممدوح وأحمد المختار الرسول صلى الله عليه وسلم، وواضح ما فى لفظ ابن هتيمل من سهولة وعذوبة، وهو عادة يقدم لمدائحه بغزليات تسيل رقة وخفة، كقوله فى مقدمة هذه القصيدة:
(1) انظر فى هذا الخبر مقدمة الديوان.
(2)
الخزرجى 1/ 159.
(3)
الديوان ص 155 وشعر الغناء الصنعانى للدكتور محمد عبده غانم ص 179.
يا قضيبا من فضّة يقطف النّر
…
جس من وجنتيه والجلّنار
قمر طوقه الهلال ومن شم
…
س الدياجى فى ساعديه سوار
عجبا منك تحت برقعك النا
…
ر وفيه الجنّات والأزهار
والليالى الطوال تنحت من جس
…
مى ما أبقت الليالى القصار
وبيّن ما يتضمن هذا الغزل من روعة التصاوير، فالقد الرشيق لصاحبته قضيب أو غصن من فضة يقطف منه النرجس والجلنار إشارة إلى جمال عينيها وخدودها، وقلادة الفضة تطوّق جيدها، بينما نور الشمس يلتف حول ساعديها سوارا، ويعجب أن تتوهج النار نار وجنتيها تحت برقعها بينما بجانبها الجنات من النرجس والجلنار والأزهار. وتطول به الليالى سهرا وسهادا، حتى لتضنيه، بل حتى كأنما تنحت جسمه، مخلّفة له الألم والشحوب. ودائما يلقانا هذا الغزل والنسيب الرائع فى مقدماته لمدائحه على شاكلة قوله فى استهلال مدحة ثانية لأحمد بن الحسين:
إذا جئت الغضا-ولك السلامه
…
فصارح بالتحية ريم رامه (1)
وقل للوائليّة هل لروحى
…
وما أتلفت من جسدى غرامه
حللت تهامة وحللت نجدا
…
فأين وأين نجد من تهامه
وسارت القصيدة مسيرة أختها السابقة وعارضها كثير من الشعراء، ولا ريب فى أنه كان يغنّى بها كما كان يغنى بأختها الرائية السالفة. ومن طريف نسيبه:
أراك تروح ما ودّعت نجدا
…
ولا أحدثت بالعلمين عهدا
ولا صافحت أهل الرّمل كفّا
…
فكفّا فيه أو خدّا فخدّا
ضلال ما أتيت من التجافى
…
ألا بعدا لما أضمرت بعدا
وكيف سلوت عن أرض بأرض
…
يفوح ترابها مسكا وندّا (2)
والأبيات تسيل رقة وعذوبة، ويروى أن بعض الوجهاء فى اليمن جاءه طلب عاجل من أحد الأمراء بأن يفد عليه لأمر مهم، وكانت زوجته اتخذت زينتها له أو شيئا من زينتها، فلما رأته يهم بالخروج تعرضت له منشدة قول ابن هتيمل.
أراك تروح ما ودّعت نجدا
…
ولا جدّدت بالعلمين عهدا
فابتسم الزوج وأجّل زيارة الأمير (3). وفى هذا الخير ما يشير بوضوح إلى أن أهل اليمن رجالا ونساء كانوا يتداولون شعر ابن هتيمل فى حياته وبعد مماته. وكان المغنون يتغنون فى بعض
(1) الغضا: من شجر نجد وبواديها. الريم: الظباء. ورامة: موضع بنجد.
(2)
الند: عود يتطيب به، طيب الرائحة.
(3)
مقدمة الديوان ص 8.