المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌خاتمة 1 تحدثنا عن الجزيرة العربية فى القسم الأول من هذا الجزء - تاريخ الأدب العربي لشوقي ضيف - جـ ٥

[شوقي ضيف]

فهرس الكتاب

- ‌مقدّمة

- ‌القسم الأولالجزيرة العربيّة

- ‌الفصل الأوّلالسياسة والمجتمع

- ‌1 - أقاليم ودول وإمارات

- ‌اليمن ودولها

- ‌ حضرموت وظفار وتاريخهما

- ‌عمان وأمراؤها

- ‌البحرين ودولها

- ‌2 - المجتمع

- ‌3 - التشيع

- ‌4 - الخوارج: الإباضية

- ‌5 - الدعوة الوهابية السلفية

- ‌6 - الزهد والتصوف

- ‌الفصل الثّانىالثقافة

- ‌1 - الحركة العلمية

- ‌2 - علوم الأوائل

- ‌علم الملاحة البحرية

- ‌3 - علوم اللغة والنحو والبلاغة والنقد

- ‌4 - علوم الفقه والحديث والتفسير والقراءات والكلام

- ‌5 - التاريخ

- ‌الفصل الثالثنشاط الشعر والشعراء

- ‌1 - الشعر على كل لسان

- ‌2 - كثرة الشعراء

- ‌3 - شعراء المديح

- ‌ القاسم بن هتيمل

- ‌أحمد بن سعيد الخروصىّ الستالىّ

- ‌علىّ بن المقرّب العيونى

- ‌عبد الصمد بن عبد الله باكثير

- ‌4 - شعراء المراثى

- ‌ التهامى

- ‌جعفر الخطّى

- ‌5 - شعراء الفخر والهجاء

- ‌ نشوان بن سعيد الحميرى

- ‌سليمان النبهانى

- ‌الفصل الرّابعطوائف من الشعراء

- ‌1 - شعراء الدعوة الإسماعيلية

- ‌ ابن القم

- ‌السلطان الخطّاب

- ‌عمارة اليمنى

- ‌2 - شعراء الدعوة الزيدية

- ‌يحيى بن يوسف النّشو

- ‌موسى بن يحيى بهران

- ‌على بن محمد العنسىّ

- ‌3 - شعراء الخوارج

- ‌أبو إسحق الحضرمىّ

- ‌ابن الهبينى

- ‌4 - شعراء الدعوة الوهابية السلفية

- ‌ محمد بن إسماعيل الحسنى الصنعانى

- ‌ابن مشرف الأحسائى

- ‌5 - شعراء الزهد والتصوف والمدائح النبوية

- ‌عبد الرحيم البرعى

- ‌عبد الرحمن العيدروس

- ‌الفصل الخامسالنّثر وأنواعه

- ‌1 - تنوع الكتابة

- ‌2 - رسائل ديوانية

- ‌3 - رسائل شخصية

- ‌4 - مواعظ وخطب دينية

- ‌5 - محاورات ورسائل فكاهية ومقامات

- ‌القسم الثانىالعراق

- ‌الفصل الأوّلالسياسة والمجتمع

- ‌1 - البويهيون والسلاجقة والخلفاء العباسيون

- ‌2 - الدول: المغولية والتركمانية والصفوية والعثمانية

- ‌الدولة المغولية الإيلخانية

- ‌الدولة الصفوية

- ‌الدولة العثمانية

- ‌3 - المجتمع

- ‌4 - التشيع

- ‌5 - الزهد والتصوف

- ‌الفصل الثّانىالثقافة

- ‌1 - الحركة العلمية

- ‌2 - علوم الأوائل: تفلسف ومشاركة

- ‌3 - علوم اللغة والنحو والبلاغة والنقد

- ‌4 - علوم القراءات والتفسير والحديث والفقه والكلام

- ‌5 - التاريخ

- ‌الفصل الثالثنشاط الشعر والشعراء

- ‌1 - كثرة الشعراء

- ‌2 - رباعيّات وتعقيدات وموشحات

- ‌3 - شعراء المديح

- ‌ المتنبى

- ‌ سبط ابن التعاويذى

- ‌ صفى الدين الحلى

- ‌4 - شعراء المراثى والهجاء والشكوى

- ‌ السرى الرفاء

- ‌5 - شعراء التشيع

- ‌ الشريف الرضى

- ‌مهيار

- ‌ابن أبى الحديد

- ‌الفصل الرّابعطوائف من الشعراء

- ‌1 - شعراء الغزل

- ‌ ابن المعلم

- ‌الحاجرى

- ‌التّلعفرىّ

- ‌2 - شعراء اللهو والمجون

- ‌ ابن سكرة

- ‌ابن الحجّاج

- ‌3 - شعراء الزهد والتصوف والمدائح النبوية

- ‌ ابن السّراج البغدادى

- ‌المرتضى الشّهر زورىّ

- ‌الصّرصرىّ

- ‌4 - شعراء الفلسفة والشعر التعليمى

- ‌ ابن الشّبل البغدادى

- ‌ابن الهبّاريّة

- ‌5 - شعراء شعبيون

- ‌الأحنف العكبرى

- ‌الفصل الخامسالنثر وكتّابه

- ‌1 - تنوع النثر:

- ‌2 - كتّاب الرسائل الديوانية

- ‌5 - الحريرى

- ‌القسم الثالثإيران

- ‌الفصل الأوّلالسياسة والمجتمع

- ‌1 - دول متقابلة

- ‌الدولة السامانية

- ‌الدولة البويهيّة

- ‌الدولة الزّياريّة

- ‌الدولة الغزنوية

- ‌2 - دول متعاقبة

- ‌دولة السلاجقة

- ‌الدولة الخوارزمية

- ‌الدولة المغولية

- ‌3 - المجتمع

- ‌4 - التشيع

- ‌5 - الزهد والتصوف

- ‌الفصل الثّانىالثقافة

- ‌1 - الحركة العلمية

- ‌2 - علوم الأوائل: تفلسف ومشاركة

- ‌3 - علوم اللغة والنحو والبلاغة والنقد

- ‌4 - علوم التفسير والحديث والفقه والكلام

- ‌5 - التاريخ

- ‌الفصل الثالثنشاط الشعر والشعراء

- ‌1 - الشعر العربى على كل لسان

- ‌2 - كثرة الشعراء

- ‌3 - شعراء المديح

- ‌ على بن عبد العزيز الجرجانى

- ‌الطّغرائىّ

- ‌الأرّجانى

- ‌4 - شعراء المراثى

- ‌5 - شعراء الهجاء والفخر والشكوى

- ‌الأبيوردىّ

- ‌الفصل الرّابعطوائف من الشعراء

- ‌1 - شعراء الغزل

- ‌2 - شعراء اللهو والمجون

- ‌ أبو بكر القهستانى

- ‌3 - شعراء الزهد والتصوف

- ‌ عبد الكريم القشيرى

- ‌ يحيى السهروردى

- ‌4 - شعراء الحكمة والفلسفة

- ‌ أبو الفضل السكرى المروزى

- ‌5 - شعراء شعبيون

- ‌أبو دلف الخزرجى: مسعر بن مهلهل

- ‌الفصل الخامسالنثر وكتّابه

- ‌1 - تنوع الكتابة

- ‌2 - كتّاب الرسائل

- ‌قابوس بن وشمكير

- ‌رشيد الدين الوطواط

- ‌3 - ابن العميد

- ‌خاتمة

- ‌فهرس الموضوعات

الفصل: ‌ ‌خاتمة 1 تحدثنا عن الجزيرة العربية فى القسم الأول من هذا الجزء

‌خاتمة

1

تحدثنا عن الجزيرة العربية فى القسم الأول من هذا الجزء الخاص بتاريخ الأدب العربى فيها وفى العراق وإيران فى عصر الدول والإمارات الممتد من سنة 334 للهجرة إلى العصر الحديث، وبدأنا حديثنا عن الجزيرة العربية بعرض التاريخ السياسى لأقاليمها حينئذ، وهى الحجاز ونجد واليمن وحضرموت وظفار وعمان والبحرين، وفصلنا القول فى إمارتى مكة والمدينة وما كان من دخول الحجاز فى حكم الدولة العثمانية. وصورنا تحركات القبائل فى نجد وتكوينها لإمارات متعددة فى شرقى الجزيرة وظهور آل فضل وآل مرا فى بوادى الشام ثم ظهور آل سعود فى نجد. وعرضنا دول اليمن المتعاصرة فى زبيد وصنعاء وصعدة وعدن ودخولها فى حكم الأيوبيين ثم الرسوليين فالطاهريين، فغلبة الدولة الزيدية عليها.

وتتداول الدول اليمنية حضرموت، وكذلك ظفار إلى أن تبعت عمان نهائيا. وكان الخوارج فى عمان يتخذون «نزوى» فى الداخل حاضرة لهم بينما استقلت عنهم عمان والثغور على الخليج العربى قرونا متطاولة حتى غلبوا عليها فى القرن العاشر الهجرى. وسيطر القرامطة على البحرين فى أوائل العصر، وخلفتهم عليها دول متعاقبة أهمها الدولتان العيونية ودولة بنى عصفور، واستقلت عن البحرين قطر وجزيرة أوال (البحرين الحالية) وضمت الدولة السعودية إليها الأحساء والقطيف منذ أكثر من قرن.

وكان مجتمع الجزيرة طوال العصر يتألف من بدو وحضر، وظلت نجد بدوية إلا قليلا فى بعض القرى وبعض العواصم التى اتخذتها إماراتهم. وكان ينزل اليمن أحباش كثيرون، بينما نزل فى مدن الخليج وثغوره كثير من أهل إيران والهند وسواحل إفريقيا. وعرفت اليمن وعمان والبحرين الزراعة واعتمدت عليها مما أهّل لشئ بها من الحضارة، واشتهرت اليمن بكثرة الجوارى والغناء. وعرفت الجزيرة بجانب المذاهب السنية الأربعة المشهورة: مذهب أبى حنيفة ومالك والشافعى وابن حنبل مذاهب الشيعة: الزيدية والإسماعيلية والإمامية والكيسانية وكانت «نزوى» بعمان مركزا للخوارج الإباضية من قديم ومنها شاع مذهبهم فى حضرموت. وما ينتصف القرن الثانى عشر الهجرى حتى يعتنق محمد بن سعود أمير الدّرعية

ص: 674

الدعوة الوهابية السلفية ويضع يده فى يد محمد ابن عبد الوهاب لنشرها فى الجزيرة، وهى نداء يدعو إلى اتباع الحنابلة من أهل السنة. ويلقانا كثير من كبار المتصوفة فى مكة واليمن وحضرموت، وكان النساك متشردين فى كل مكان.

وكان يجرى فى كل بلاد الجزيرة جدول كبير من جداول الثقافة العربية بجميع علومها وفنونها، حتى فى قرى نجد وقد تحولت-منذ ظهور محمد بن عبد الوهاب-إلى دار كبيرة لدراسة كتبه وكتب إماميه: أحمد بن حنبل وابن تيمية. وكانت مكة والمدينة أشبه بجامعتين كبيرتين، بما كان فيهما من العلماء والأدباء، وبما كان يفد عليهما سنويا من أدباء العالم العربى وعلمائه، وخاصة من كان يقيم بهما منهم مجاورا سنوات طوالا. وكانت الحركة العلمية والأدبية ناشطة طوال العصر فى اليمن وحضرموت وعمان والبحرين، ونشط معها البحث فى علوم الأوائل وعلم الملاحة البحرية خاصة على نحو ما هو معروف عن ابن ماجد العمانى. وفى كل أقاليم الجزيرة ومدنها نشطت علوم اللغة والنحو والبلاغة والنقد، وكثر تأليف المعاجم والكتب والدراسات البلاغية والنقدية، وبالمثل نشطت علوم الفقه والحديث والتفسير والقراءات وعلم الكلام وكثر العلماء فى كل الأقاليم، وكثر ما أنتجوه من الكتب والمصنفات.

وكان الشعر يجرى على كل لسان فى أقاليم الجزيرة، وأخذت العامية تزاحم الفصحى فى نجد واليمن وحضرموت وعمان والبحرين منذ القرن السادس الهجرى، ومع مرور الزمن شاع معها شعر حمينى فى اليمن وحضرموت وشعر نبطى فى بقية الأقاليم، غير أن سيل الشعر الفصيح ظل قويا فيها جميعا، وقد ترجم الباخرزى لمجموعة كبيرة من شعراء نجد والحجاز واليمن فى القرن الخامس الهجرى وترجم العماد الأصبهانى لطائفة من شعراء بنى عقيل فى الموصل وشعراء بنى مزيد فى الحلّة وأيضا لطائفة من شعراء الحجاز واليمن فى القرن السادس. وتلقانا بعده فى كتب مختلفة تراجم لشعر الجزيرة فى حقب العصر التالية، غير ما طبع ونشر من دواوين النابهين من الشعراء. ويكثر شعراء المديح وفى مقدمتهم القاسم بن هتيمل اليمنى وأحمد بن سعيد الخروصى السّتالى العمانى وعلى بن مقرّب العيونى البحرانى وعبد الصمد بن عبد الله با كثير الحضرمى، كما يكثر شعراء المراثى من أمثال التهامى المكى وجعفر الخطى البحرانى، وشعراء الفخر والهجاء من أمثال نشوان بن سعيد الحميرى اليمنى وسليمان النبهانى العمانى.

وتتكاثر فى الجزيرة طوائف الشعراء، ونلتقى منهم بشعراء الدعوة الإسماعيلية وفى طليعتهم ابن القمّ والسلطان الخطّاب وعماره اليمنى، وبشعراء الدعوة الزيدية من أمثال يحيى

ص: 675

ابن يوسف النشو بمكة وموسى بن يحيى بهران وعلى بن محمد العنسى فى اليمن، وبشعراء الخوارج من أمثال أبى إسحق الحضرمى الإباضى وابن الهبينى اليمنى. ونلتقى بشعراء الدعوة الوهابية السلفية، وفى مقدمتهم محمد بن إسماعيل الحسنى الصّنعانى اليمنى وابن مشرف الأحسائى، وبشعراء الزهد والتصوف والمدائح النبوية من أمثال عبد الرحيم البرعى اليمنى وعبد الرحمن العيدروس الحضرمى. وجميعهم رسمت شخصياتهم واتجاهاتهم الشعرية.

ولم تكن نجد تعنى بالكتابة قبل ظهور محمد بن عبد الوهاب، أما بعد ظهوره فقد أخذت الكتابة تنمو مع الدعوة نموا واسعا. وكان فى مكة والمدينة كتّاب إنشاء من قديم، وكثرت بهما الإجازات العلمية وتقاريظ الكتب. وكانت الكتابة مزدهرة فى اليمن طوال العصر، وظلت ناشطة فى حضرموت وعمان والبحرين. وتحتفظ الكتب برسائل متبادلة بين أمراء مكة وسلاطين مصر المماليك. وكانت الرسائل الديوانية ناشطة فى اليمن منذ زمن الدولة الصليحية فى القرن الخامس. وتحتفظ الكتب التاريخية ببعض رسائل متبادلة بين الدولة الرسولية وسلاطين المماليك فى مصر، وكذلك برسائل متبادلة بين الأئمة الزيديين المتأخرين وبين أئمة الخوارج فى عمان، وبالمثل بين الأئمة الأخيرين وعمالهم. وتكثر الرسائل الشخصية ويتحول بعضها إلى رسائل أدبية جيدة. ويكثر الوعظ. وتلقانا محاورات ورسائل فكاهية ومقامات أدبية متنوعة.

2

وفى القسم الثانى من هذا الجزء تحدثنا عن العراق، وبدأنا حديثنا عنه بتاريخه السياسى وبيان الدول التى تعاقبت على حكمه، وهى الدولة البويهية، ويليها الدولة السلجوقية، ويسترد الخلفاء منها فى منتصف القرن السادس الهجرى صولجان الحكم، ويقضى التتار بقيادة هولاكو على حكمهم وخلافتهم فى منتصف القرن السابع. وتتعاقب على العراق وبغداد دولتان تتاريتان: دولة الإيلخانيين ودولة التيموريين ثم دولة التركمان، ويظل العراق فى قبضتها إلى أن استولت عليه الدولة الصفوية الإيرانية، وسرعان ما استخلصته منها الدولة العثمانية. وكان المجتمع فى بغداد يتألف من ثلاث طبقات: طبقة أرستقراطية مترفة. وطبقة وسطى تحظى بشئ من سعة العيش، وطبقة دنيا هى طبقة العامة، وكانت تتجرّع الضنك والبؤس، فتحوّل كثيرون منها إلى عيّارين ولصوص ينهبون بغداد من سنة إلى أخرى مستشعرين-فيما يبدو-فكرة العدالة الاجتماعية. وشاع فى العراق المذهب الشيعى الإمامى الاثنا عشرى، وكان بجواره مذهب شيعى مارق هو مذهب النّصيرية،

ص: 676

ومذهب شيعى معتدل هو مذهب الزيدية. وكانت موجة الزهد والتصوف حادّة طوال العصر، وتزخر كتب التراجم بأسماء الزهاد والمتصوفة وطرقهم وخاصة طريقتى الجيلانى والرفاعى وما شاع بعدهما من طريقتى النقشبندية والبكطاشية.

وظلت الحركة العلمية فى بغداد ناشطة وكذلك الشأن فى العراق عامة إذ عنى بها البويهيون والسلاجقة، وخاصة وزيرهم نظام الملك مؤسس جامعة النظامية ببغداد، وتتكاثر المدارس، ويؤسس الخليفة المستنصر ببغداد جامعته المستنصرية. وكانت المساجد مدارس كبرى يستمع فيها الناس للعلماء فى كل فن بحيث تصبح الثقافة غذاء شعبيا عاما، مما أحدث رواجا هائلا فى الوراقة ونشر الكتب على نحو ما يصور ذلك ابن النديم فى كتابه «الفهرست» . وتظل هناك بقية لحركة الترجمة، وتنشط الحركتان الفلسفية والعلمية حتى لتصبح الفلسفة وما يتصل بها من علوم الأوائل من مدارك العامة، كما تدل على ذلك رسائل إخوان الصفا. وتتكاثر الندوات الفكرية فى بغداد ويتكاثر المتفلسفة، وخاصة قبل الغزو التتارى، وتظل منهم بقية فى الحقب التالية. وتنشط فى العصر الكتابات الفلسفية والطبية والعلمية والجغرافية، كما تنشط البحوث اللغوية وشروح الشعر، وتنفذ بغداد فى النحو إلى مدرسة جديدة هى المدرسة البغدادية. ويتسع النشاط فى الدراسات البلاغية وما يتصل بها من البديعيات، وبالمثل فى الدراسات النقدية وخاصة حول المتنبى وشعره.

ويعنى صفى الدين الحلّى بدراسة الموشحات والأشكال الشعرية المستحدثة والشعر العامى.

وتنشط بغداد والعراق فى دراسات القراءات والتفسير والحديث النبوى والفقه وعلم الكلام، كما تنشط الكتابة فى التاريخ العام والخاص وفى تراجم العلماء من كل صنف.

ويتكاثر الشعراء فى العراق وتتوالى موجاتهم على نحو ما يلقانا فى اليتيمة وتتمتها والدمية والخريدة وما تلاها من كتب التراجم، وينظمون فى الرباعيات والموشحات، ويفسحون فى أشعارهم لصور كثيرة من التعقيدات حتى فى المحسنات البديعية. ويلقانا مع كل دولة بل فى كل مكان شعراء المديح ومن أعلامهم الأفذاذ المتنبى أكبر شعراء العصر، وسبط ابن التعاويذى، وصفى الدين الحلّى. ونلتقى بكثيرين من شعراء المراثى والهجاء والشكوى من أمثال السّرىّ الّرفاء، وابن القطان. ويكثر شعراء الشيعة، وفى مقدمتهم الشريف الرضى، ومهيار، وابن أبى الحديد.

ونلتقى بطوائف كثيرة من الشعراء، وأول من نلتقى بهم شعراء الغزل، وقد أذاعوا فيه حنينا وشوقا وظمأ للقاء محبوباتهم لا ينتهى، مما أعدّ لظهور ضرب من الشعر الوجدانى عند ابن المعلم والحاجرى والتّلعفرىّ. ويتغنّى للطبقة المترفة شعراء اللهو والمجون من أمثال

ص: 677

ابن سكّرة، وابن الحجاج، بينما يتغنى للشعب ومشاعره الدينية شعراء الزهد والتصوف والمدائح النبوية من أمثال ابن السراج البغدادى، والمرتضى الشّهرزورىّ، والصّرصرىّ.

ويلقانا أصحاب الشعر الفلسفى والتعليمى من أمثال ابن الشّبل البغدادى وابن الهبّارية، كما يلقانا شعر شعبى عامى كثير وقفنا عند فنونه، وأيضا شعراء شعبيون من أمثال أبى الأحنف العكبرى.

ويتنوع النثر فى العصر، فكان هناك النثر الفلسفى والنثر العلمى والمناظرات وخطابة الوعظ والقصص وكتب الأدب التهذيبى والرسائل الشخصية. وتكثر الكتابات الديوانية ونلتقى بأبى إسحاق الصابئ والعلاء بن الموصلايا وضياء الدين بن الأثير. ويلقانا من أعلام النثر أبو حيان التوحيدى بأسلوبه المتموج بطرائف الفكر، وابن مسكويه بنظرياته الأخلاقية الملتحم فيها الفكر الأجنبى بالفكر الإسلامى العربى مع حسن الأداء، والحريرى بمقاماته الرائعة التى خلبت ألباب معاصريه وخالفيه حتى العصر الحديث.

3

وفى القسم الثالث من هذا الجزء تحدثنا عن إيران، وبدأنا حديثنا ببيان الدول المتقابلة بها، وهى الدولة السامانية، والدولة البويهية، والدولة الزيارية، والدولة الغزنوية، ثم تحدثنا عن الدول التى تعاقبت عليها منذ أواسط القرن الخامس الهجرى، وهى دولة السلاجقة، والدولة الخوارزمية، والدولة التتارية الإيلخانية، والدولة التيمورية، والدولة الصفوية، وما تلاها من الدول. وكان مجتمع إيران يتكون من ثلاث طبقات:

طبقة أرستقراطية مترفة، وطبقة متوسطة تعيش فى غير قليل من اليسار، وطبقة دنيا هى طبقة العامة. ونشط الشيعة فى نشر عقيدتهم، وفى مقدمتهم الزيدية الذين أقاموا لهم فى القرن الثالث دولة فى طبرستان غير أنها لم تمكث طويلا. ومنذ قبض البويهيون على زمام الأمور بإيران نشط الإماميون فى نشر عقيدتهم، وما زالوا ناشطين حتى تولى الصفويون مقاليد الحكم فى أواخر القرن التاسع الهجرى فجعلوا المذهب الإمامى المذهب الرسمى لإيران.

وكان نشاط الإسماعيليين كبيرا طوال القرنين الخامس والسادس الهجريين إلى أن قضى عليهم التتار نهائيا فى منتصف القرن السابع الهجرى. وكانت تعم فى إيران موجة زهد وتصوف، وحدث انفصام بين الصوفية والفقهاء، وسرعان ما رأب الصدع أبو نصر السراج، والقشيرى، والغزالى.

ص: 678

وظلت الحركة العلمية طوال العصر ناشطة، وخاصة فى القرون الأولى، بفضل رعاية الحكام والأمراء لها، فكانوا يبنون المدارس ويرصدون الرواتب للعلماء والطلاب، وعنوا بالمكتبات. وأقبل جميع أفراد الشعب على العلوم، حتى النساء، وأخذوا يفردون كتبا لشرح المصطلحات فى العلوم والفنون. ونشطت نشاطا عظيما دراسة الفلسفة وعلوم الأوائل، ويكفى مثلا لهذا النشاط جهود ابن سينا والبيرونى، مما أهل لنهضة العلوم الرياضية والفلكية والطبيعية والجغرافية. وتكاثر وضع المعاجم، وازدهرت المباحث اللغوية والنحوية والبلاغية والنقدية. ونشط التأليف فى التفسير كما نشط التأليف فى الحديث النبوى، وفى الفقه، وفى علم الكلام وخاصة فى المذهبين: الأشعرى والماتريدى. وتنوعت الكتابة التاريخية بين كتب تتناول التاريخ العام أو تاريخ بعض البلدان وكتب تتناول التراجم: تراجم الشعراء والعلماء فى كل فن.

ويزدهر الشعر العربى بإيران فى القرون الرابع والخامس والسادس للهجرة، بدليل المجلدات الضخمة التى شغلها فى اليتيمة وتتمتها وفى الدمية والخريدة. ومعروف أن أول كتاب صنف عن الشعر الفارسى وشعرائه كتاب عوفى فى القرن السابع الهجرى. ونفس الشعر الإيرانى صيغ صياغة على أنماط الشعر العربى، وتناول نفس موضوعاته، وشاع فيه مثله زخرف البديع ومحسناته. وقد ظل الشعر العربى حيّا فى إيران حتى القرن التاسع على الأقل. ويتكاثر شعراء المديح وفى مقدمتهم على بن عبد العزيز الجرجانى والطغرائى والأرّجانى، وبالمثل شعراء المراثى من أمثال أبى الحسن على بن أحمد الجوهرى الجرجانى، وشعراء الفخر والهجاء والشكوى من أمثال أبى بكر الخوارزمى، والأبيوردىّ.

وتلقانا بإيران طوائف كثيرة من الشعراء، وأول من نلقاهم شعراء الغزل وفى مقدمتهم أبو الفرج بن هندو، وأبو الفضل الميكالى. ويليهم شعراء اللهو والمجون من أمثال أبى بكر القهستانى، وأبى الحسن الباخرزى، وشعراء الزهد والتصوف من أمثال القشيرى، ويحيى السّهروردىّ، وشعراء الفلسفة والحكمة والأمثال وفى مقدمتهم أبو الفضل السكرى المروزىّ، وأبو الفتح البستى، وشعراء شعبيون مختلفون من أمثال أبى دلف الخزرجى.

وينشط النثر، ويظهر فيه قصص صوفى كثير وقصص فلسفى بديع، ويتكاثر كتاب الرسائل إذ تكثر الدول والإمارات ويصبح لكل إمارة ولكل دولة ديوان، ويشتهر فى كل دولة كاتب مجيد من أمثال قابوس بن وشمكير والعتبىّ ورشيد الدين الوطواط، ومن أنبه كتاب إيران فى العصر على توالى حقبه ابن العميد الذى أرسى قواعد الكتابة على ركنين

ص: 679

أساسيين من السجع والمحسنات البديعية، وأوفى الصاحب بن عباد بالكتابة بعده على الغاية التى كانت تنتظرها من التجويد والتنميق. وينشئ بديع الزمان الهمذانى لأول مرة فى تاريخ الأدب العربى مقاماته المشهورة. وهو بحق يعدّ أبرع كتّاب إيران الذين ظهروا فى عصر الدول والإمارات غير منازع ولا مدافع.

ص: 680