المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌3 - علوم اللغة والنحو والبلاغة والنقد - تاريخ الأدب العربي لشوقي ضيف - جـ ٥

[شوقي ضيف]

فهرس الكتاب

- ‌مقدّمة

- ‌القسم الأولالجزيرة العربيّة

- ‌الفصل الأوّلالسياسة والمجتمع

- ‌1 - أقاليم ودول وإمارات

- ‌اليمن ودولها

- ‌ حضرموت وظفار وتاريخهما

- ‌عمان وأمراؤها

- ‌البحرين ودولها

- ‌2 - المجتمع

- ‌3 - التشيع

- ‌4 - الخوارج: الإباضية

- ‌5 - الدعوة الوهابية السلفية

- ‌6 - الزهد والتصوف

- ‌الفصل الثّانىالثقافة

- ‌1 - الحركة العلمية

- ‌2 - علوم الأوائل

- ‌علم الملاحة البحرية

- ‌3 - علوم اللغة والنحو والبلاغة والنقد

- ‌4 - علوم الفقه والحديث والتفسير والقراءات والكلام

- ‌5 - التاريخ

- ‌الفصل الثالثنشاط الشعر والشعراء

- ‌1 - الشعر على كل لسان

- ‌2 - كثرة الشعراء

- ‌3 - شعراء المديح

- ‌ القاسم بن هتيمل

- ‌أحمد بن سعيد الخروصىّ الستالىّ

- ‌علىّ بن المقرّب العيونى

- ‌عبد الصمد بن عبد الله باكثير

- ‌4 - شعراء المراثى

- ‌ التهامى

- ‌جعفر الخطّى

- ‌5 - شعراء الفخر والهجاء

- ‌ نشوان بن سعيد الحميرى

- ‌سليمان النبهانى

- ‌الفصل الرّابعطوائف من الشعراء

- ‌1 - شعراء الدعوة الإسماعيلية

- ‌ ابن القم

- ‌السلطان الخطّاب

- ‌عمارة اليمنى

- ‌2 - شعراء الدعوة الزيدية

- ‌يحيى بن يوسف النّشو

- ‌موسى بن يحيى بهران

- ‌على بن محمد العنسىّ

- ‌3 - شعراء الخوارج

- ‌أبو إسحق الحضرمىّ

- ‌ابن الهبينى

- ‌4 - شعراء الدعوة الوهابية السلفية

- ‌ محمد بن إسماعيل الحسنى الصنعانى

- ‌ابن مشرف الأحسائى

- ‌5 - شعراء الزهد والتصوف والمدائح النبوية

- ‌عبد الرحيم البرعى

- ‌عبد الرحمن العيدروس

- ‌الفصل الخامسالنّثر وأنواعه

- ‌1 - تنوع الكتابة

- ‌2 - رسائل ديوانية

- ‌3 - رسائل شخصية

- ‌4 - مواعظ وخطب دينية

- ‌5 - محاورات ورسائل فكاهية ومقامات

- ‌القسم الثانىالعراق

- ‌الفصل الأوّلالسياسة والمجتمع

- ‌1 - البويهيون والسلاجقة والخلفاء العباسيون

- ‌2 - الدول: المغولية والتركمانية والصفوية والعثمانية

- ‌الدولة المغولية الإيلخانية

- ‌الدولة الصفوية

- ‌الدولة العثمانية

- ‌3 - المجتمع

- ‌4 - التشيع

- ‌5 - الزهد والتصوف

- ‌الفصل الثّانىالثقافة

- ‌1 - الحركة العلمية

- ‌2 - علوم الأوائل: تفلسف ومشاركة

- ‌3 - علوم اللغة والنحو والبلاغة والنقد

- ‌4 - علوم القراءات والتفسير والحديث والفقه والكلام

- ‌5 - التاريخ

- ‌الفصل الثالثنشاط الشعر والشعراء

- ‌1 - كثرة الشعراء

- ‌2 - رباعيّات وتعقيدات وموشحات

- ‌3 - شعراء المديح

- ‌ المتنبى

- ‌ سبط ابن التعاويذى

- ‌ صفى الدين الحلى

- ‌4 - شعراء المراثى والهجاء والشكوى

- ‌ السرى الرفاء

- ‌5 - شعراء التشيع

- ‌ الشريف الرضى

- ‌مهيار

- ‌ابن أبى الحديد

- ‌الفصل الرّابعطوائف من الشعراء

- ‌1 - شعراء الغزل

- ‌ ابن المعلم

- ‌الحاجرى

- ‌التّلعفرىّ

- ‌2 - شعراء اللهو والمجون

- ‌ ابن سكرة

- ‌ابن الحجّاج

- ‌3 - شعراء الزهد والتصوف والمدائح النبوية

- ‌ ابن السّراج البغدادى

- ‌المرتضى الشّهر زورىّ

- ‌الصّرصرىّ

- ‌4 - شعراء الفلسفة والشعر التعليمى

- ‌ ابن الشّبل البغدادى

- ‌ابن الهبّاريّة

- ‌5 - شعراء شعبيون

- ‌الأحنف العكبرى

- ‌الفصل الخامسالنثر وكتّابه

- ‌1 - تنوع النثر:

- ‌2 - كتّاب الرسائل الديوانية

- ‌5 - الحريرى

- ‌القسم الثالثإيران

- ‌الفصل الأوّلالسياسة والمجتمع

- ‌1 - دول متقابلة

- ‌الدولة السامانية

- ‌الدولة البويهيّة

- ‌الدولة الزّياريّة

- ‌الدولة الغزنوية

- ‌2 - دول متعاقبة

- ‌دولة السلاجقة

- ‌الدولة الخوارزمية

- ‌الدولة المغولية

- ‌3 - المجتمع

- ‌4 - التشيع

- ‌5 - الزهد والتصوف

- ‌الفصل الثّانىالثقافة

- ‌1 - الحركة العلمية

- ‌2 - علوم الأوائل: تفلسف ومشاركة

- ‌3 - علوم اللغة والنحو والبلاغة والنقد

- ‌4 - علوم التفسير والحديث والفقه والكلام

- ‌5 - التاريخ

- ‌الفصل الثالثنشاط الشعر والشعراء

- ‌1 - الشعر العربى على كل لسان

- ‌2 - كثرة الشعراء

- ‌3 - شعراء المديح

- ‌ على بن عبد العزيز الجرجانى

- ‌الطّغرائىّ

- ‌الأرّجانى

- ‌4 - شعراء المراثى

- ‌5 - شعراء الهجاء والفخر والشكوى

- ‌الأبيوردىّ

- ‌الفصل الرّابعطوائف من الشعراء

- ‌1 - شعراء الغزل

- ‌2 - شعراء اللهو والمجون

- ‌ أبو بكر القهستانى

- ‌3 - شعراء الزهد والتصوف

- ‌ عبد الكريم القشيرى

- ‌ يحيى السهروردى

- ‌4 - شعراء الحكمة والفلسفة

- ‌ أبو الفضل السكرى المروزى

- ‌5 - شعراء شعبيون

- ‌أبو دلف الخزرجى: مسعر بن مهلهل

- ‌الفصل الخامسالنثر وكتّابه

- ‌1 - تنوع الكتابة

- ‌2 - كتّاب الرسائل

- ‌قابوس بن وشمكير

- ‌رشيد الدين الوطواط

- ‌3 - ابن العميد

- ‌خاتمة

- ‌فهرس الموضوعات

الفصل: ‌3 - علوم اللغة والنحو والبلاغة والنقد

ووصفوا رحلاتهم فيهما وفى المحيطين وجزرهما وشواطئهما فى آسيا وإفريقيا وكل ما رأوه من شعوب وحيوانات برية وبحرية وطيور. ومن أهم ما كتبوا من هذه الرحلات كتاب «عجائب (1) الهند برّه وبحره وجزره وشطآنه» لبزرك بن شهريار الناخداه أى الربان.

ويدل اسمه على أنه إيرانى، وتدل حكاياته على أنه كان يعيش فى القرن الرابع الهجرى، وهو يقص فى كتابه قصصا بديعا ما سمعه من حكايات عن الملاحين الذين اقتحموا المحيطين الهندى والهادى ووصفوا ما أبصروه من أسماك وطيور وحيوانات وما ألم بسفنهم من عواصف هوجاء، وما شاهدوه من الشعوب وصناعاتها وعاداتها ودياناتها. وهو كتاب جغرافى وأدبى وقصصى نفيس.

وربما كان القزوينى زكريا بن محمد المذكور آنفا أكبر جغرافى أنتجته الحقب التالية فى العصر، واسم كتابه الجغرافى:«آثار البلاد وأخبار العباد» وهو فيه يصف الأقاليم السبعة للأرض، ويذكر ما فيها من البلدان والجزر والأنهار، ويهتم بأحوال السكان ويجمع غرائب عن شعوب هذه الأقاليم فى آسيا وإفريقيا وأوربا وخاصة شعوب الهند والصين، ويقص حكايات عن شعراء الفرس والزهاد فى البلدان الإسلامية، ويعرض عجائب البنيان والآثار ويحكى كثيرا من الأساطير والخرافات مما يجعل كتابه فى بعض جوانبه شبيها بكتب الأدب الخيالية المسلية.

ولعل فى كل ما سبق ما يصور ازدهار علوم الأوائل فى إيران حتى القرن الثامن الهجرى، وقد يدل على ذلك من بعض الوجوه إحساس العلماء بكثرة المصطلحات العلمية وأنهم فى حاجة إلى كتاب يجمعها ويعرف بها تعريفا دقيقا، وهو ما جعل السيد الشريف الجرجانى المتوفى سنة 816 يتجرد لوضع كتاب يفى بهذه الحاجة، على نحو ما يلقانا عنده فى كتابه التعريفات الذى أوضح فيه الاصطلاحات العلمية مرتّبا لها على حروف المعجم ترتيبا دقيقا.

‌3 - علوم اللغة والنحو والبلاغة والنقد

نشط البحث فى اللغة نشاطا واسعا لهذا العصر، إذ كثر العلماء الإيرانيون الذين تصدّوا للمباحث اللغوية، وكان أكبر ما نهضوا به وضع المعاجم، واهتمامهم به قديم، ولذلك

(1) انظر فى هذا الكتاب كراتشكوفسكى 1/ 143 وكتابنا «الرحلات» طبع دار المعارف ص 33.

ص: 534

لا يكون عجبا أن أول نسخة تنشر من معجم العين للخيل بن أحمد، وهو أول معجم وضع فى العربية، إنما تنشر-كما ذكر صاحب الفهرست-من خراسان. ومعروف أن المعجم الثانى فى العربية الذى ألف على منهج معجم العين هو الجمهرة لابن دريد المتوفى سنة 321 هـ وهو أيضا نشر لأول مرة فى إيران، إذ استدعى عبد الله بن محمد بن ميكال والى الأهواز وفارس ابن دريد من البصرة لتأديب ابنه أبى العباس إسماعيل، وهناك وضع الجمهرة، وكان ترتيب الكلمات فى هذا المعجم-كترتيبها فى معجم العين-على مخارج الحروف ومواقعها من الجهاز الصوتى أى من الحلق واللسان والفم والشفتين. وأول معجم عام وضع فى عصر الدول والإمارات الذى نحن بصدده معجم تهذيب اللغة الذى وضعه أبو منصور محمد (1) بن أحمد الأزهرى الهروى المتوفى سنة 370 هـ وسنجد كثيرين غيره من هراة بأفغانستان الحالية يشتركون فى خدمة اللغة وغير اللغة، وكانت هراة تعد جزءا من إيران.

ورتّب الأزهرى معجمه على ترتيب معجم العين أى حسب مخارج الحروف، وعرض فى مقدمته لرواة اللغة وترجم لهم موضحا مدى الثقة والتهمة فى أعمالهم. وكان يعاصر الأزهرىّ عالم فاراب إسحق بن إبراهيم الفارابى المتوفى سنة 350 للهجرة وقد وضع فى اللغة معجمه ديوان الأدب الذى نشره مجمع اللغة العربية بالقاهرة، واتبع فيه طريقة جديدة هى ترتيبه حسب الحروف الهجائية باعتبار أواخر الألفاظ وفقا للأبنية المختلفة، ووضع الصاحب بن عباد المتوفى سنة 385 هـ معجما كبيرا سماه المحيط لم تبق منه إلا بعض أجزاء لا تزال مخطوطة. وخلفهما أبو الحسين أحمد (2) بن فارس القزوينى معلم العربية بهمذان المتوفى سنة 395 هـ وله معجمان: المجمل ومقاييس اللغة، أما المجمل فمعجم عام رتبه حسب الأبجدية المعروفة لنا اليوم، غير أنه قسم المواد فى كل حرف إلى ثنائى ويشمل المضاعف والمطابق، ثم ثلاثى، ثم ما جاء على أكثر من ثلاثة حروف أصلية، والتزم أن يفتح حديثه فى كل حرف به مع مايليه. ومعجمه مقاييس اللغة على غرار المجمل، عنى فيه بأن يجعل لألفاظ كل مادة لغوية أصلا تردّ إليه أو أصلين. وهو فيه أكثر منه فى المجمل

(1) انظر فى الأزهرى ابن خلكان (طبعة دار صادر ببيروت) 4/ 334 ومعجم الأدباء 17/ 164 وشذرات الذهب 3/ 72 والسبكى فى طبقاته 3/ 63.

(2)

انظر فى أحمد بن فارس اليتيمة 3/ 400 ودمية القصر وابن خلكان 1/ 118 ومعجم الأدباء 4/ 80 وإنباه الرواة 1/ 92 وما به من مراجع والنجوم الزاهرة 4/ 212.

ص: 535

عناية بالشواهد والأمثال والعبارات المجازية، بينما هو فى المجمل أكثر منه فى المقاييس عناية بذكر الأعلام.

ولأبى نصر إسماعيل بن حماد الجوهرى (1) معاصره المتوفى سنة 395 معجمه المشهور:

تاج اللغة وصحاح العربية ويشتهر باسم الصحاح، وأصل موطن الجوهرى فاراب شرقى خراسان، رحل فى طلب اللغة إلى بلاد ربيعة ومضر، ورجع إلى خراسان فنزل فى الدامغان ثم ألقى عصاه فى نيسابور، وظل بها يدرس ويصنّف إلى وفاته، ومعجمه مرتب على الحروف الهجائية ولكن لا بحسب أوائل الكلمات وإنما بحسب أواخرها بنفس المنهج الذى اتبعه خاله الفارابى فى معجمه ديوان الأدب، وأوتى المعجم من الشهرة والذيوع ما جعل مؤلفات كثيرة تعنى به عند العلماء فى موطنه وفى غيره. ووضع محمد بن أبى بكر بن عبد القادر الرازى من أهل القرن الثامن الهجرى مختصرا له سماه «مختار الصحاح» ورتبه حديثا محمود خاطر بحسب أوائل الكلمات لا بحسب أواخرها، وهو مطبوع فى عصرنا مرارا وتكرارا. وللزمخشرى (2) محمود بن عمر المتوفى سنة 538 معجم عام سماه «أساس البلاغة» وهو مرتب بحسب أوائل الكلمات ويورد من الأمثلة والشواهد ما يوضح استخدامها، ويعنى ببيان ما جاء فى كل كلمة ومادتها من مجازات مختلفة. ونمضى إلى القرن الثامن فنلتقى بالفيروز ابادى مجد الدين محمد بن يعقوب الشيرازى المتوفى سنة 817 وسبق أن تحدثنا عنه فى الفصل الثانى من القسم الأول الخاص بالجزيرة العربية.

وبجانب هذه المعاجم اللغوية صنع علماء إيران اللغويون فى الحقب الماضية معاجم خاصة للقرآن الكريم والحديث الشريف. منها معجم أبى عبيد الهروى المتوفى سنة 401 وهو تلميذ الأزهرى، ولم يعن مثل أستاذه بمعجم عام إنما عنى بمعجم خاص لغريب القرآن والحديث سماه كتاب الغريبين، وقد يذكر عند بعض أصحاب التراجم باسم كتاب الغريبين فى لغة كلام الله وأحاديث رسوله أو باسم غريب القرآن والسنة وتفسيرهما، ووضع الزّوزنى (3) الحسين بن على بن أحمد المتوفى سنة 486 بعده معجما بالعربية والفارسية سماه

(1) راجع فى الجوهرى إنباه الرواة 1/ 194 ومعجم الأدباء 6/ 151 وشذرات الذهب 3/ 142 واليتيمة للثعالبى 4/ 406 ودمية القصر للباخرزى وكتب تراجم النحاة والنجوم الزاهرة 4/ 207.

(2)

انظر فى الزمخشرى ابن خلكان 5/ 168 والأنساب للسمعانى الورقة 277 وروضات الجنات ص 681 وإنباه الرواة 3/ 265 واللباب 2/ 506 ومعجم الأدباء 19/ 126 وطبقات المفسرين للسيوطى 41 وشذرات الذهب 4/ 118 والنجوم الزاهرة 5/ 274 وأزهار الرياض 3/ 282 ونزهة الألباء ص 391 والجواهر المضية 2/ 160 وكتب التاريخ فى سنة وفاته وبراون فى تاريخ الأدب فى إيران من الفردوسى إلى السعدى ص 458.

(3)

راجع فى الزوزنى إنباه الرواة 1/ 320 وبراون ص 449 وبروكلمان 5/ 207.

ص: 536

ترجمان القرآن. وجاء بعده الراغب (1) الأصبهانى الحسين بن محمد المتوفى سنة 502 ووضع كتابه أو معجمه مفردات ألفاظ القرآن أو مفردات غريب القرآن، وهو معجم لا نظير له فى بيان دلالات ألفاظ القرآن، ولا يستغنى عنه ناظر فى آيات الذكر الحكيم ولا مفسر للقرآن الكريم. ووضع الزمخشرى المذكور آنفا معجما لألفاظ الحديث النبوى سماه الفائق فى غريب الحديث.

وبجانب هذا النشاط اللغوى نشط علماء اللغة فى إيران فى دراسة الأمثال وعمل معاجم لها تتضمن شرحها، ويمكن أن ندخلها فى المعاجم الخاصة، ولعل أول من يصادفنا فى هذا الباب حمزة (2) الأصفهانى المتوفى سنة 350 وكان يتهم بشعوبيته لافتخاره بنسبه إلى الفرس، ولأنه فيما يقال وضع كتابا لعضد الدولة البويهى فى الموازنة بين العرب والفرس، وينفى عنه بروكلمان هذه التهمة، ويقول إنه لم يعاد العرب بل أنصفهم وأعلى ذكرهم! . وله فى الأمثال معجم بما صيغ منها على وزن أفعل التفضيل مثل قولهم «أحلم من الأحنف» وسماه الدرة الفاخرة، وصنع الصاحب المذكور آنفا أمثال المتنبى، استخرج من شعره الأبيات التى تجرى مجرى المثل.

وكان يعاصره أبو هلال (3) العسكرى المتوفى سنة 395 وقد ولد بعسكر مكرم فى إقليم خوزستان وإليها ينسب، وتعلم بها، واحترف التجارة، ولم تشغله عن التنصيف والتأليف، وله فى الأمثال معجم سماه جمهرة الأمثال رتبه على حروف المعجم، ذكر فيه منها نحو ألفى مثل. وشرحها شرحا وافيا مبينا مضاربها ومواردها، وأعقب كل باب بما ذكر حمزة الأصفهانى فيه من الأمثال المصاغة على وزن أفعل. وجاء بعده الميدانى (4) أحمد ابن محمد المتوفى سنة 518 فألف أهم معجم بين كتب الأمثال سماه مجمع الأمثال.

حاول فيه أن يستقصى الأمثال العربية، وهو استقصاء لم يسبق إليه، مع شرحها شرحا مستفيضا. وخلفه الزمخشرى الذى ذكرناه آنفا فألف معجمه «المستقصى فى الأمثال» ، وهو مرتب على الحروف الهجائية مثل معجم الميدانى. ولكنه لا يبلغ مبلغه من السعة

(1) انظر فى الراغب بغية الوعاة وطبقات المفسرين وتتمة البيهقى 104 وروضات الجنات 249 وبروكلمان 5/ 209 ودائرة المعارف الإسلامية وما بها من مراجع.

(2)

راجع فى حمزة الفهرست لابن النديم ص 205 والأنساب ورقة 441 وبروكلمان 3/ 60 ودائرة المعارف الإسلامية.

(3)

انظر فى أبى هلال معجم الأدباء 8/ 258 - 267 ومعجم البلدان فى عسكر مكرم وإنباه الرواة للقفطى باب الكنى وبغية الوعاة للسيوطى ص 221 وخزانة الأدب 1/ 112.

(4)

راجع فى الميدانى كتاب الأنساب الورقة 548 ومعجم الأدباء 5/ 45 والإنباه 1/ 121 وابن خلكان 1/ 148 ونزهة الألباء 390 وروضات الجنات ص 80.

ص: 537

والدقة. ويدخل فى هذا النشاط المعجمى بعض اللغويين وضع معاجم لألفاظ الفقهاء مثل المغرب فى ترتيب المعرب لناصر (1) المطرّزى الخوارزمى المتوفى سنة 610 خليفة الزمخشرى فى وطنه خوارزم. ومعجمه يتناول الألفاظ الغريبة التى يستخدمها الفقهاء.

وحاول اللغويون فى إيران أن يضعوا كتبا تجذب القارئ بمنهجها مثل ديوان الأدب المارّ ذكره وهو يتناول أبوابا صرفية، وأهم منه كتاب الصاحبى فى فقه اللغة ألفه أحمد بن فارس المذكور آنفا باسم الصاحب بن عباد، وهو أول كتاب منهجى فى موضوع أصل اللغة العربية وخصائصها. واهتم اللغويون بما يعرض للكلمات من أخطاء، وتجرّد لذلك أبو أحمد (2) العسكرى خال أبى هلال، فصنف كتاب التصحيف والتحريف وتوالت بعض الكتب فى هذا الموضوع.

ولم يقتصر نشاط اللغويون فى إيران على كل ما قدمنا. فقد بذلوا جهودا خصبة فى شروح الشعر ومن أهمها شرح الواحدى لديوان المتنبى وشرح الزوزنى المار ذكره على المعلقات السبع وقد طبع مرارا ويتداوله الطلاب فى الجامعات العربية. واشتهر التبريزى أبو زكريا يحيى بن على المتوفى سنة 502 بكثرة ما صنف من شروح، تناول فى بعضها الشعر القديم وفى بعضها الشعر المولد، وقد تحدثنا عن نشاطه فى هذا الاتجاه بين اللغويين فى العراق، وشرح الزمخشرى بعده لامية العرب للشنفرى، وشرح المطرزى خليفته مقامات الحريرى.

ونهض اللغويون بمحاولة أخرى هى جمع الأشعار والكلم البليغة، وألفوا فى ذلك مصنفات مختلفة، منها ديوان المعانى لأبى هلال العسكرى، وكتاب نثر الدرر لأبى سعيد منصور بن الحسن الآبى (3) من أدباء القرن الخامس وكتاب محاضرات الأدباء للراغب الأصبهانى المذكور آنفا وألف بأخرة من العصر بهاء الدين العاملى المتوفى سنة 1030 للهجرة كتابيه الكشكول والمخلاة، وهما كتابان نفيسان بما جمعا من طرائف النثر والشعر.

ولم يكن اهتمام النحاة بالنحو أقل من اهتمام اللغويين باللغة، وكثير منهم لهم كتب

(1) انظر فى المطرزى معجم الأدباء 19/ 212 وإنباه الرواة 3/ 339 وروضات الجنات ص 223 والجواهر المضية فى طبقات الحنفية 2/ 190 وابن خلكان 7/ 369 وابن قطلوبغا ص 79.

(2)

انظر فى أبى أحمد العسكرى ابن خلكان 2/ 83 ومعجم الأدباء 8/ 233 وإنباه الرواة 1/ 310 والمنتظم 7/ 191.

(3)

راجع فى أبى الحسن الآبى دمية القصر 1/ 467 وتتمة اليتيمة 1/ 100 ومعجم البلدان فى آيه من قرى أصبهان.

ص: 538

نحوية متنوعة غير أننا سنكتفى بذكر الأمهات وأصحابها، وأول من نقف عنده ابن درستويه الفارسى المتوفى سنة 347 وقد مرّ ذكره بين اللغويين فى العراق، وأهم منه إمام النحاة عامة فى القرن الرابع الهجرى أبو على الفارسى (1) المولود بالقرب من شيراز سنة 288 وكان رحلة فى تدريسه، فأيام فى شيراز وأيام فى عسكر مكرم بخوزستان وأيام فى كرمان، وأيام أخرى فى بغداد أو فى حلب أو فى الكوفة أو فى دمشق، وله كتب يسميها المسائل كل منها منسوب إلى بلدة من هذه البلدان فهناك المسائل الشيرازية والعسكرية والحلبية، وهكذا. وبجانب ذلك له كتب مستقلة عنى القدماء بشرحها مثل الإيضاح والتكملة وقد صنفهما باسم عضد الدولة. وهو أستاذ ابن جنى، وفى كل مكان من كتبه ينقل عنه وخاصة فى الخصائص وما وضعه فيه من القواعد الكلية، حتى ليخيّل إلى الإنسان كأن أكثر الأصول والآراء التى سجلّها ابن جنى فى كتبه إنما استمدها من إملاءات أبى على الفارسى. وهو فى آرائه النحوية ينتصر مرة للخليل وسيبويه وغيرهما من البصريين، ومرة ثانية ينتصر للكوفيين، ومرة ثالثة يستنبط آراء مبتكرة لم يسبق إليها، نافذا بذلك إلى المذهب (2) البغدادى الجديد فى النحو الذى كان يقوم على الانتخاب من آراء مدرستى الكوفة والبصرة مع الخلوص إلى آراء وأحكام نحوية جديدة.

وكان يعاصره أحمد بن فارس الذى مر بنا ذكره، وله كتب نحوية كان يذهب فيها مذهب الكوفيين، واقترح للنحو مقدمة على شاكلة إيساغوجى فى المنطق، سماها مقدمة فى النحو. ومن نحاة إيران فى القرن الخامس عبد القاهر الجرجانى وسنفصل الحديث فيه بين البلاغيين، غير أننا نشير إلى أن له كتابا فى النحو سماه العوامل المائة، عنى به الشراح طويلا.

ويأتى بعده الزمخشرى، وله كتب نحوية مختلفة، أشهرها المفصّل، وقد جعله فى أربعة أقسام: قسم للأسماء تحدث فيه عن المرفوعات والمنصوبات والمجرورات والنسب والتصغير والمشتقات، وقسم للأفعال وأنواعها المختلفة وقسم للحروف وأصنافها الكثيرة، وقسم للمشترك أراد به الإمالة والزيادة والوقف والإبدال والإعلال والإدغام، وقد شرح هذا الكتاب مرارا، وأهم شروحه شرح ابن يعيش فى عشر مجلدات. وهو فى الكتاب

(1) انظر فى ترجمة أبى على الفهرست ص 101 وإنباه الرواة 1/ 273 وطبقات القراء لابن الجزرى 1/ 206 وتاريخ بغداد 7/ 275 ومعجم الأدباء 7/ 232 ولسان الميزان 2/ 195 وشذرات الذهب 3/ 88 وابن خلكان 2/ 80 ونزهة الألباء ص 315 وكتاب د. عبد الفتاح شلبى: أبو على الفارسى.

(2)

راجع فى ذلك كتابنا المدارس النحوية (طبع دار المعارف) ص 245 وما بعدها.

ص: 539

بغدادى ينتصر تارة للبصريين وتارة للكوفيين وتارة لمن تلاهم من البغداديين وينفذ إلى بعض الآراء الجديدة، فهو ينتخب آراءه من المدارس السابقة عليه، وينفرد بآراء جديدة (1). وتلك هى أصول المذهب البغدادى فى النحو الذى استحدثه ابن كيسان والزجاجى وثبّته بعدهما أبو على الفارسى وتلميذه ابن جنى. ويؤلف المطّرزى كتابا فى النحو يسميه المصباح ويشرحه كثيرون. وإمام النحاة بعد ذلك فى إيران الرضى (2) الإستراباذى نجم الدين محمد بن الحسن المتوفى حوالى سنة 686 ومولده ومرباه فى إستراباذ من أعمال طبرستان، وقد عنى بعملين لابن الحاجب المصرى، هما الكافية فى النحو والشافية فى الصرف، فشرحهما شرحا واسعا ساق فيه آراء النحاة منذ سيبويه حتى عصره، وفى ذلك ما يدل من بعض الوجوه على عمق الثقافة النحوية فى إيران حتى أواخر القرن السابع الهجرى وهو فى شرحه للكتابين بغدادى المذهب، فهو ينتخب من المدارس النحوية السابقة آراءه مفصّلا القول فى اختلاف النحاة، ومن حين إلى آخر ينفرد بآراء مبتكرة.

وازدهرت مباحث البلاغة بجانب مباحث النحو واللغة، بل لعل هذه المباحث لم تنشط فيها بيئة كما نشطت إيران، وأول من نقف عنده فيها أبو أحمد العسكرى الذى عرضنا له آنفا، فقد ألف فيها كتابا فى صناعة الشعر وهو يعرض فيه لصور البديع بالمعنى العام بحيث يشمل فنونه وفنون البيان، والرسالة مفقودة غير أن ابن أخته أبا هلال العسكرى احتفظ منها بكثير من بحوثها فى كتابه الصناعتين، وبالمثل نقل عنها كثيرا الباقلانى فى كتابه إعجاز (3) القرآن. وكتاب الصناعتين لأبى هلال مطبوع مرارا، وهو يريد بالصناعتين صناعتى الكتابة والشعر، وقد جعل الكتاب فى عشرة (4) أبواب: باب لموضوع البلاغة وحدودها، وباب ثان لتمييز جيد الكلام من رديئه، وباب ثالث لمعرفة صنعة الكلام، وباب رابع لحسن النظم، وباب خامس لشرح الإيجاز والإطناب، وباب سادس للسرقات الشعرية، وباب سابع للتشبيه، وباب ثامن للسجع والازدواج، وباب تاسع لفنون البديع وهو أطول الأبواب، وباب عاشر لحسن المبادئ والمقاطع وجودة القوافى ودقة الخروج من النسيب إلى المديح.

وخلف أبا هلال القاضى عبد الجبار (5) قاضى قضاة البويهيين بإيران المتوفى سنة 415

(1) انظر فى ذلك كتابنا المدارس النحوية ص 283

(2)

راجع فى الرضا كتابنا المذكور ص 281.

(3)

انظر كتابنا البلاغة: تطور وتاريخ (طبع دار المعارف) ص 111 وما بعدها وص 413 وما بعدها.

(4)

راجع فى تحليل هذا الكتاب: البلاغة تطور وتاريخ ص 140 وما بعدها.

(5)

انظر فى عبد الجبار تاريخ بغداد 11/ 113 ولسان الميزان 3/ 386 والشذرات 3/ 202 ومرآة الجنان 3/ 29

ص: 540

وقد عرض فى موسوعته الكلامية «المغنى فى أبواب التوحيد والعدل» لإعجاز القرآن فى الجزء السادس عشر منها. وأدّاه الحديث فى الإعجاز إلى عرض كلام أبى هاشم الجبّائى فى أن المدار فى الإعجاز ليس على نظم القرآن وإنما على فصاحته. ويأخذ عبد الجبار فى توضيح معنى الفصاحة، فيقول-كما قال عبد القاهر الجرجانى من بعده-إن الفصاحة لا تظهر فى أفراد الكلام، فالكلمة فى نفسها لا تعدّ فصيحة، بل لابد من ملاحظة أبدالها ونظائرها وحركاتها فى الإعراب ومواقعها فى التقديم والتأخير. وبذلك يقترب بوضوح من عبد القاهر فى تفسيره للنظم فى كتابه دلائل الإعجاز، إذ يشير فى صراحة إلى الخصائص النحوية وما ترسم من فروق فى الكلام، أو بعبارة أدق يريد-كما أراد عبد القاهر- النظام النحوى للكلام. ويمنع عبد الجبار-كما منع عبد القاهر فيما بعد-أن يكون للفظة صفة أدبية فى الكلام من حيث هى لفظة مفردة، فالمدار على موقع الكلمة وكيفية إيرادها وطريقة أدائها. ويقول عبد الجبار إن حسن النغم وجمال اللفظ لا وزن له فى الفصاحة، مع أنهما يضيفان إلى الكلام رونقا وبهاء.

وهذه النظرية (1) الجديدة للفصاحة تناولها عبد القاهر الجرجانى (2) المتوفى سنة 471 كما قدمنا، فبسطها أعظم بسط وفسرّها أروع تفسير بحيث أصبحت منسوبة إليه عند القدماء والمحدثين إذ وضع على أساسها علم المعانى المعروف بين علوم البلاغة العربية، فالأصل من لدن عبد الجبار والعلم بشعبه وتفاريعه التى يصورها كتاب دلائل (3) الإعجاز من لدن عبد القاهر. وكما وضع علم المعانى وضع علم البيان وضعا نهائيا فى كتابه (4) أسرار البلاغة، وضعه بتشبيهاته وتفريعاتها الكثيرة وباستعاراته التصريحية والمكنية والتمثيلية وبمجازاته اللغوية والعقلية، مع روعة العرض وطرافته، ومع الاهتمام الطريف بالجوانب النفسية. ويخلفه الزمخشرى فيطبق فى تفسيره الكشاف مباحثه فى علمى المعانى والبيان تطبيقا حيا خصبا مضيفا إليها من حين إلى حين إضافات (5) بارعة، سواء فى

= وطبقات المفسرين 16 والمعتزلة لابن المرتضى 66 وميزان الاعتدال 2/ 533 والسبكى 5/ 97 وكتابنا البلاغة: تطور وتاريخ ص 114.

(1)

راجع فى تحليل هذه النظرية عند عبد الجبار كتابنا البلاغة تطور وتاريخ ص 115 وما بعدها.

(2)

انظر فى عبد القاهر إنباه الرواة 2/ 188 ودمية القطر 2/ 17 والسبكى 5/ 149 وروضات الجنات 143 وشذرات الذهب 3/ 340 ومرآة الجنان 3/ 101 وفوات الوفيات 1/ 612.

(3)

انظر فى عرض مواد هذا الكتاب كتابنا البلاغة تطور وتاريخ ص 160 - 189.

(4)

انظر فى تحليل هذا الكتاب كتابنا البلاغة تطور وتاريخ 190 - 218.

(5)

راجع فى هذه الإضافات الكتاب السالف ص 219 - 270.

ص: 541

المعانى الإضافية التى يصورها علم المعانى عند عبد القاهر أو فى فنون البيان التى يصورها أيضا عبد القاهر. وعنى ببعض ألوان البديع مثل الطباق والمشاكلة واللف والنشر والالتفات وتأكيد المدح بما يشبه الذم ومراعاة النظير والتقسيم والاستطراد والتجريد.

وتتحول البلاغة بعد الزمخشرى وعبد القاهر إلى قواعد جامدة جافة، وأهم من دفعها نحو هذا الاتجاه عاجلا الفخر (1) الرازى المتوفى سنة 606 وقد أوغل فى دراسة الفلسفة والعلوم الدينية، وطاف بكثير من البلدان الإيرانية واستقر بمدينة هراة حتى وافاه أجله وهو يمتاز فى تآليفه الكثيرة بالقدرة على تشعيب الأفكار وتقسيمها وتفريعها، يمده فى ذلك عقل متفلسف، إذ كان قد درس الفلسفة دراسة عميقة، وله كتب مختلفة فى التفسير والفقه والطب والكيمياء وعلم الكلام. ويهمنا كتابه فى البلاغة الذى سماه:«كتاب نهاية الإيجاز فى دراية الإعجاز» وهو يعلن فى مقدمته (2) أنه سينظّم ما كتبه عبد القاهر فى مصنفيه: دلائل الإعجاز وأسرار البلاغة، وينوه بصنيعه قائلا. «ولما وفقنى الله لمطالعة هذين الكتابين التقطت منهما معاقد فوائدهما ومقاصد فرائدهما وراعيت الترتيب مع التهذيب، والتحرير فى التقرير، وضبطت أوابد الإجمالات فى كل باب بالتقسيمات اليقينية، وجمعت متفرقات الكلم فى الضوابط العقلية، مع الاجتناب من الإطناب الممل والاحتراز عن الاختصار المخل» . وكأنه يعرّفنا بلسانه ما صارت إليه المباحث البلاغية الرائعة عند عبد القاهر من تقسيمات وتفريعات وضوابط وقواعد أحالتها هيكلا لا حياة فيه فقد ألقت فيها السموم الفلسفية المنطقية ما أحالها شاحبة باهتة. ولم تنفعه إضافات الزمخشرى فقد بثّ فيها نفس السموم. وبالمثل ما نقله عن مواطنه رشيد الدين الوطواط المتوفى سنة 573 إذ نقل عن كتابه الذى وضعه بالفارسية وسماه «حدائق السحر فى دقائق الشعر» .

ما ذكره فيه من ألوان البديع، وأسعفه فى هذا النقل أن الوطواط ساق أمثلة النثر والشعر فى كتابه من الأدبين الفارسى والعربى. ولم تسلم هذه الألوان بدورها عند الرازى من الجفاف الشديد.

ويخلفه السكاكى (3) سراج الدين يوسف بن محمد بن على المولود فى خوارزم سنة

(1) انظر فى الفخر الرازى ابن خلكان 4/ 248 وطبقات السبكى (طبعة عيسى الحلبى) 8/ 81 وطبقات المفسرين 39 والوافى للصفدى 4/ 248 وتاريخ الحكماء للقفطى (طبعة ليبزج) ص 219 وابن أبى أصيبعة ص 462 وشذرات الذهب 5/ 21.

(2)

راجع فى تحليل الكتاب ومواده كتابنا البلاغة: تطور وتاريخ ص 275.

(3)

انظر فى السكاكى معجم الأدباء 20/ 59 والجواهر المضية 2/ 225 والفوائد البهية فى تراجم الحنفية للكنوى ص 301 وتاج التراجم لابن قطلوبغا ص 81 وشذرات الذهب 5/ 122

ص: 542

555 وقد مضى يعبّ فى موطنه من جداول الفلسفة والمنطق، وأكبّ على العلوم الإسلامية وعلوم العربية يهل منها، وذاعت شهرته، فقصده الطلاب، وظل يعلّم ويلقى محاضراته إلى أن توفى سنة 627. ويشتهر السكاكى بتأليفه فى البلاغة كتابه «المفتاح» وقد جعله فى ثلاثة أقسام (1): قسم لعلم الصرف، وقسم ثان لعلم النحو، أما القسم الثالث فقصره على علمى المعانى والبيان، وألحق بهما ذيلا تناول فيه مبحثا عن الفصاحة والبلاغة ومبحثا ثانيا لألوان البديع اللفظية والمعنوية. وقدّم لعلوم البلاغة بمبحث واسع فى علم المنطق، وتلاه بمبحث فى علمى العروض والقوافى، وبذلك تضمّن المفتاح علوم الصرف والنحو والمنطق والمعانى والبيان والبديع والعروض والقوافى، وشهرة الكتاب إنما ترجع إلى ما كتب فيه عن علوم البلاغة ملخّصا، إذ الكتاب أشبه بمنن فى كل ما خاض فيه من مباحث، وهو متن استضاء فيه بالفخر الرازى قبله، مع تفوقه عليه فى الدقة وضبط الأقسام، غير أنه يخلو خلوّا تاما من تحليلات عبد القاهر والزمخشرى، ويصبح الكتاب متنا لعلوم البلاغة يحصى قوانيها وقواعدها، مع خلوه من كل ما يؤنس النفس، إذ وضعت تلك القواعد والقوانين فى قوالب منطقية شديدة الجفاف، وهى قوالب يداخلها غير قليل من الالتواء بسبب كثرة التقسيمات، مما جعل الكتاب أو قل المتن فى حاجة إلى الشرح والتوضيح، وتوالت الشروح، فشرحه قطب الدين محمود بن مسعود الشيرازى وقد تقدّم ذكره بين علماء الرياضيات والنجوم، وشرحه كثيرون من مواطنيه، من أشهرهم سعد (2) الدين مسعود بن عمر التفتازانى المولود فى تفتازان شرقى إيران سنة 722 وأبعده تيمور لنك إلى سمرقند، وبها توفى سنة 791 وله كتب كثيرة فى المنطق والنحو. وممن شرح «المفتاح» السيد الشريف (3) الجرجانى المتوفى سنة 816 صاحب كتاب التعريفات الذى مر بنا ذكره، وله أيضا تأليفات كثيرة فى المنطق وقواعد البحث. وصنع الخطيب القزوينى خطيب جامع دمشق فى سنة 739 تلخيصا لهذا المتن موجزا أشد الإيجاز. فتصدّى له سعد الدين مسعود التفتازانى بالشرح، وشرح شرحه تلميذه السيد الشريف الجرجانى بعمل حاشية عليه. ويتوقف عمل علماء البلاغة فى إيران عند صنع الشروح والمتون الموجزة التى يعودون إليها بالشرح وشرح الشرح أو وضع الحواشى عليه.

(1) انظر فى تحليل المفتاح كتاب البلاغة: تطور وتاريخ ص 287.

(2)

راجع فى ترجمة السعد التفتازانى روضات الجنات ص 309 والبدر الطالع للشوكانى 2/ 303 والفوائد البهية ص 128 وحبيب السير لخواندمير 3/ 23.87.

(3)

انظر فى ترجمة السيد الشريف حبيب السير لخواندمير 3/ 3، 87 والبدر الطالع 1/ 488 وبغية الوعاة ودائرة المعارف الإسلامية.

ص: 543

وعلى نحو ما نشطت المباحث البلاغية فى إيران نشطت المباحث النقدية فى هذا العصر، وأول ما يلقانا منها رسالة الصاحب بن عباد فى الكشف عن مساوى المتنبى، وهو فيها ساخط عليه سخطا شديدا، وقد يردّ سخطه إلى عامل شخصى هو أن المتنبى أبى أن يمدحه، وأهم مساوى المتنبى فى رأيه الغموض فى أشعاره على طريقة الصوفيين فى عباراتهم الموهمة، وأنه استخدم الألفاظ الممعنة فى الغرابة، ورداءة المطالع كما يقول، والمبالغة المسرفة والاستعارة الذميمة، والنظم على القوافى الصعبة. ويلقانا فى خراسان لعصر نوح بن منصور السامانى (366 - 387 هـ.) راوية للمتنبى يسمى المتيم (1) وله فيه وفى شعره كتاب الانتصار المنبى عن فضل المتنبى وهو من الكتب المفقودة. وكان المتنبى قد شغل الناس فى إيران وغير إيران وأكثروا من التخاصم والجدل فى شعره، فألف على (2) بن عبد العزيز الجرجانى المتوفى سنة 392 كتابه الوساطة بين المتنبى وخصومه، وكان من قضاة الدولة البويهية فى إيران، فرأى أن يعرض شعر المتنبى على موازين القضاء العادل، وهدته هذه الموازين منذ الصفحات الأولى إلى أنه ينبغى أن لا يحكم على الشاعر بما أساء فيه، فلكل شاعر إساءاته وسقطاته، وإنما يحكم عليه بإحسانه وما جوّد فيه، ولذلك سارع إلى الحديث عن أغلاط الشعراء القدماء والمحدثين فى معانيهم وألفاظهم، ليبين أن شاعرا ممتازا من السابقين لم يخل شعره من هذه الأغلاط، وعرض لبعض ألوان البديع وصوره، ويفيض فى بيان الحسن والقبيح عند الشعراء وخاصة عند أبى نواس وأبى تمام. ويلمّ بطائفة من أبيات المتنبى التى أخذت عليه لبعد فى الاستعارة أو غرابة فى اللفظ أو تعقيد فى الكلام. ويوضح كيف أن ذلك عند المتنبى قليل. ويشيد بمطالعه الجيدة وحسن تخلصه ومعانيه الدقيقة، ويتحدث عن سرقاته حديثا مستفيضا مبينا أن السرقات شركة بين الشعراء جميعا. ولعلى بن عبد العزيز فى ثنايا كتابه نظرات نقدية تحليلية رائعة، منها ما يتصل بالغلو والمبالغة فى الشعر، ومنها ما يتصل بأثر البيئة فى الشعر والشعراء، ومنها ما يتصل بدقائق التشبيهات والاستعارات (2). ويأتى بعده الثعالبى (3) المتوفى سنة 429 ويعقد فى كتابه اليتيمة فصلا طويلا عن المتنبى فيما له وما عليه، استغرق من الكتاب نحو مائة صفحة، وقد استهله بقوله عنه: «نادرة الفلك، وواسطة عقد الدهر فى صناعة

(1) انظر فى المتيم اليتيمة 4/ 157 ومعجم الأدباء 4/ 244 وفوات الوفيات 1/ 133.

(2)

انظر فى تحليل الوساطة كتابنا البلاغة: تطور وتاريخ ص 132 وسنترجم للمؤلف بين الشعراء.

(3)

راجع فى الثعالبى دمية القصر وابن خلكان 3/ 178 وعبر الذهبى 3/ 172 وشذرات الذهب 3/ 246 ونزهة الألباء ص 365 وروضات الجنات 462 ومرآة الجنان 3/ 53 ومعاهد التنصيص 3/ 266.

ص: 544

الشعر» ويبدأ بنبذ عن ابتداء أمر المتنبى، ويورد بعض أخباره، ثم يعرض طائفة من معانيه التى استظهرها علية الكتاب فى عصره برسائلهم من أمثال الصاحب بن عباد وأبى إسحاق الصابئ وأبى العباس الضّبّى والخوارزمى، كما يعرض طائفة من المعانى التى سرقها الشعراء منه من أمثال أبى الفرج الببّغاء والمهلبى الوزير والصاحب بن عباد والسّرىّ الرفّاء ويقول عنه إنه كثير الأخذ من المتنبى، ويذكر معه أيضا أبا بكر الخوارزمى وأبا الفتح البستى وأبا الحسن السلامى وأبا القاسم الزعفرانى. ويعرض لبعض سرقات المتنبى من غيره وما تكرر من معانيه، ثم يسترسل فى بيان مساوى شعره مستضيئا فى ذلك بما كتبه الصاحب بن عباد فى رسالته آنفة الذكر، ثم يفيض فى بيان محاسن شعره، مشيدا بنسيبه بالأعرابيات، ومخاطبة الممدوح بمثل مخاطبة المحبوب والصديق، واستعمال ألفاظ الغزل والنسيب فى أوصاف الحرب وما اشتهر به من الأمثال والحكم وطرائف المعانى. وكان يعاصر الثعالبى ناقد يسمى أبا القاسم (1) عبد الله بن عبد الرحمن الأصفهانى عاش فى النصف الأخير من القرن الرابع والربع الأول من القرن الخامس، وقد ألف كتابا نشر أخيرا فى تونس سماه الواضح فى مشكلات شعر المتنبى، ذكر فى مقدمته نبذة عن المتنبى عرض فيها لنشأته فى الكوفة ولبعض أخباره عن معاصريه من البغداديين والشاميين والشيرازيين، ورماه فى هذه المقدمة بخبث الاعتقاد، وقال إنه وقع فى صغره إلى شخص يسمى أبا الفضل من الكوفة كان من المتفلسفة فهوّسه وأضلّه. ثم مصى يستدل بأبيات من شعره على أخذه بمذهب السوفسطائية وعقيدة التناسخ ورأى الفضائية والإسماعيلية، وعرض لوصف شعره وأن نعت الخيل والحرب من خصائصه، وأن له النادر البدع، وفى بعض ألفاظه تعقيد وتعويص. ثم أخذ يناقش ابن جنّى فى كثير من تفسير شعره مرتبا الأبيات التى ناقشها على الحروف الهجائية، وهو يدل فى نقاشه على قدرة فى فهم الشعر وتحليل معانيه. وقد بدأ تحليلاته بقول المتنبى:

أأحبّه وأحبّ فيه ملامة

إن الملامة فيه من أعدائه

وذكر أن اين جى زعم أنه ناقض بذلك أبا الشّيص فى قوله:

أجد الملامة فى هواك لذيذة

حبّا لذكرك فليلمنى اللّوم

ويعلق على ذلك بقوله: معنى المتنبى بخلاف قول أبى الشيص، وإنما يريد المتنبى:

إنى أحب حبيبى واللوّام ينهون عنه فكيف نأتلف، وأبو الشيص يريد بقوله: أحب اللوم لا لنهى عن هواك بل لتكرر ذكرك فى تضاعيف الكلام وأثناء الملام. ومضى الأصفهانى على هذا النحو يرد على ابن جنى بعض تفسيراته لشعر المتنبى حتى نهاية الكتاب. وعنى بالرد

(1) انظره فى خزانة الأدب 1/ 382

ص: 545

على تفسيرات ابن جى إيرانىّ ثان هو أبو على بن فورّجة (1) البروجردىّ المتوفى سنة 437 وقد كتب فى ذلك كتابين: كتاب الفتح على فتح أبى الفتح لابن جنى يقصد كتابه الفتح الوهبى على مشكلات المتنبى وقد نشره الدكتور محسن غياض ببغداد نشرة علمية محققة.

ولابن فورجه كتاب ثان فى الرد على ابن جنى سمّاه كتاب التجنى على ابن جنى، والأبيات فى كتاب الفتح مرتبة على الحروف الهجائية، وعماده الرد على ابن جنى، وفيه أيضا ردود على القاضى على بن عبد العزيز الجرجانى فى وساطته وأبى على الحاتمى فى رسالته الحاتمية والصاحب بن عباد فى كشفه عن مساوى المتنبى، وهو يغلط-كما لاحظ الدكتور غياض-فى ردوده على الصاحب إذ يراه متحاملا عليه متجنيا! وفيه يقول:

«ما شهدت أحدا من الفضلاء وذوى العقول يذم المتنبى غير هذا الظالم» . ويبدو من ملاحظات ابن فورجة فى الكتاب وسوقه لكلامه أنه من أنصار المتنبى وأنه درس شعره دراسة نقدية جيدة جعلته يطّلع على كثير من خصائصه، من ذلك ملاحظته على البيت:

وإنى لمن قوم كأنّ نفوسنا

بها أنف أن تسكن اللّحم والعظما

فقد لاحظ أن المتنبى فى فخره قال كأن نفوسنا ولم يقل كأن نفوسهم بإعادة ضمير الغيبة على القوم، وهو ضرب من الالتفات، إذ يلتفتون من ضمير الغيبة إلى ضمير المتكلم كما فى البيت أو ضمير المخاطب. ثم قال إن ابن جنى سأله عن ذلك فقال إنه إذا أعاد الذكر على لفظ الخطاب كان أبلغ وأمدح من أن يرده على لفظ الغيبة، ويعقب على ذلك ابن فورجة بقوله:«وقد استقريت شعره كله فوجدته لا ينزل عن هذا المذهب فى كل ما مدح به، فإذا أورد ضميرا فى ذمّ ردّه إلى الكلام الأول تفاديا أن يخاطب به مواجها أو يرده إلى نفسه مخبرا (أى أنه يرد الضمير إلى الغيبة). ومع أنه يبدو دائما مدافعا عن المتنبى وخاصة أمام الصاحب كما قدمنا فإنه ينصّ على بعض سيئاته، فيقول فى قصيدته «ملتّ القطر أعطشها ربوعا» هذه القصيدة كلها من الشعر الّرذل الذى لا ينتفع به ولا بتفسيره.

وحرى بنا أن نذكر تتمة لهذا النشاط النقدى الذى عقده النقاد الإيرانيون حول شعر المتنبى شرح على بن أحمد الواحدى الذى مرّ ذكره (2) لديوان المتنبى، وقد ألّفت شروح كثيرة للديوان ولكن نخص هذا الشرح بالذكر هنا، لا لأنه أفاد من كل الشروح السابقة له، بل لأنه رتب أشعار الديوان ترتيبا تاريخيا على حياة المتنبى وأيامه، وهو ما لم يتح لديوان

(1) انظر فى ابن فورجة تتمة اليتيمة 1/ 123 ومعجم الأدباء 18/ 188 وفوات الوفيات 2/ 247 وإنباه الرواة 1/ 334 وما به من مراجع.

(2)

راجع فى الواحدى دمية القصر ومعجم الأدباء 12/ 257 وإنباه الرواة 2/ 223 والسبكى 5/ 240 وشذرات الذهب 3/ 330 وابن خلكان 3/ 303

ص: 546