الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فى ألفاظها بعض الباحثين يظن أنها منحولة على الرضى، وليست من الانتحال فى قليل ولا كثير، إذ هى سهولة مقصودة لتخف على ألسنة الناحة والناس.
مهيار
(1)
هو أبو الحسن مهيار بن مرزويه الدّيلمىّ الفارسى الأصل، ولد على ما يظهر حوالى سنة 360 للهجرة ويغلب أن يكون ميلاده بعدها بقليل، وليس لدينا معلومات دقيقة عن مسقط رأسه ونشأته، فهل ولد ببغداد وبها نشأ، وكان بها مجوس كثيرون، أو ولد فى بلاد الدّيلم، وهاجر منها وحده أو مع أبيه؟ . وأغلب الظن أنه ولد ببغداد وتربّى بها وتثقف. ولا نعرف من كانوا أساتذته وتخرّج على أيديهم، ويبدو أنه كان فيه ذكاء حادّ جعله يحسن العربية سريعا، ويروى أنه كان يسكن فى الكرخ مستقرّ شيعة بغداد الإمامية، ولعل ذلك هو الذى أعطاه الفرصة لكى يدرس عقيدتهم، حتى إذا أسلم انتظم فى سلكها.
ونظن ظنا أنه كان يحضر قبل اعتناقه الإسلام دروس رأس الإمامية فى زمانه محمد بن محمد بن النعمان المشهور بالشيخ المفيد المتوفى سنة 413 وكان يلقى دروسه فى الكرخ.
ويقول بعض مترجميه إنه أسلم على يد الشريف الرضى سنة 394 ونظن ظنا أن إسلامه يسبق هذه السنة بشهادة كثير من قصائده المؤرخة فى ديوانه، ونراه يذكر فضل أبى العباس الضبى عليه فى إرشاده وهدايته إلى الإسلام، إذ يقول فى إحدى مدائحه له:
هو المنقذى من شرك قومى وباعثى
…
على الرّشد أن أصفى هواى محمّدا
وأترك بيت النار يبكى شراره
…
علىّ دما إذ صار بيتى مسجدا
والمظنون أنه زار أبا العباس الضبى حين كان وزيرا بمدينة الرّىّ. على كل حال من الممكن أن يكون أسلم على يد الشريف الرضى. ولكن ليس من الضرورى أن يكون تاريخ إسلامه صحيحا. ويقال إن الرضى أعانه فى أن يصبح كاتبا بدواوين الخلافة، ولا نعرف متى كان ذلك بالضبط، وأغلب الظن أن ذلك يسبق إسلامه، ودائما يلقبه مترجموه بلقب الكاتب.
وإذا كنا ترددنا فى أن يكون إسلامه على يد الرضى فى سنة 394 فمما لا يقبل شكا أنه
(1) انظر فى ترجمة مهيار تاريخ بغداد 13/ 276 والدمية 1/ 284 والمنتظم 8/ 94 وابن خلكان 5/ 359 وعبر الذهبى 3/ 167 والشذرات 3/ 242 والنجوم الزاهرة 5/ 26 والفن ومذاهبه فى الشعر العربى (الطبعة العاشرة) ص 355.
هو الذى رعاه أدبيا، وخاصة أنه رأى عنده استعدادا حسنا، فمضى معه يثقّفه ويدرّبه، حتى خرّجه شاعرا بارعا. والرضىّ بذلك يعدّ استاذه الفنى، فلا غرابة إذا وجدنا التلميذ ينسج على منوال أستاذه، وهو نسيج يلاحظ من جهتين: جهة معارضته لكثير من قصائد الرضى، يأخذ منه الوزن والقافية، وينظم على غراره. وجهة ثانية لعلها أهم هى تمثّل اتجاهاته الشعرية، ونقصد اتجاهات الشكوى من الزمن والفخر والنزوع إلى التبدّى أو النسيب والغزل بالبدويات، أما الشكوى فإنه يشكو كثيرا سوء بخته وأن الزمن لا ينيله ما يتمنى، بل يقف حجر عثرة دون أمانيه.
وكان الرضى يفخر بمحتده الشريف وعروبته العريقة، فبماذا يفخر مهيار؟ لقد اتجه بفخره فى بواكير حياته نحو قومه، وبذلك استحال فخره شعوبيا ذميما، على نحو ما يلقانا فى مثل قوله:
أعجبت بى بين نادى قومها
…
أمّ سعد فمضت تسأل بى
قومى استولوا على الدهر فتى
…
ومشوا فوق رءوس الحقب
عمّموا بالشمس هاماتهم
…
وبنوا أبياتهم بالشّهب
قد قبست المجد من خير أب
…
وقبست الدين من خير نبى
وضممت الفخر من أطرافه
…
سؤدد الفرس ودين العرب
وقد التقينا بهذا الصوت المنكر فى كتاب العصر العباسى الأول عند بشار، وأخذ يخفت غير أنه كان يظهر من حين إلى حين، حتى إذا كان ابن قتيبة وجدناه يمزج بين الثقافة الإسلامية العربية-كما أشرنا إلى ذلك فى كتاب العصر العباسى الثانى-وبين الثقافات الأجنبية، حتى يزيل الحواجز والفروق بين النوعين من الثقافات والحضارات، وحتى يقطع الطريق على الشعوبيين وما يدّعونه من تفوق الفرس والروم على العرب فى الحضارة والمدنية. ومع ذلك ظلت أصوات ضعيفة ترتفع من حين إلى حين، كصوت أبى عبد الله أحمد بن محمد بن نصر الجيهانى وزير السامانيين وكان يظهر الإسلام ويبطن الزندقة، فألف كتابا حمل فيه على العرب وتبدّيهم حملات شعواء، صورها أبو حيان فى كتابه الإمتاع والمؤانسة، ناقضا لها نقضا شديدا. وكأنما وجد الجيهانى الفارسى فى مهيار مستجيبا له، لا فى هذه اليائية وحدها، بل أيضا فى قصائد أخرى. ونراه مع الزمن يتخلص من هذه النزعة الشعوبية، ويملأ شعره بالحنين إلى نجد وبدوياتها الفاتنات، مستلهما فى ذلك أستاذه الرضىّ، بمثل قوله:
يا نسيم الصّبح من كاظمة
…
شدّ ماهجت الجوى والبرحا (1)
الصّبا! إن كان لابدّ الصّبا
…
إنها كانت لقلبى أروحا
يا نداماى بسلع هل أرى
…
ذلك المغبق والمصطبحا (2)
اذكرونا مثل ذكرانا لكم
…
ربّ ذكرى قرّبت من نزحا
واذكروا صبّا إذا غنّى بكم
…
شرب الدّمع وعاف القدحا
قد عرفت الهمّ من بعدكم
…
فكأنى ما عرفت الفرحا
وهذه القطعة وسابقتها من أروع شعر مهيار فى البناء اللفظى، وهما لذلك لا توضحان خصائصه الفنية التى تحدثت عنها بالتفصيل فى كتاب «الفن ومذاهبه فى الشعر العربى» حيث أوضحت أثر نشأته الأعجمية فى شعره وأن اللفظة الحادة كانت تضلّ منه، فكان يدور حول الفكرة دورانا يصيب شعره أحيانا بغير قليل من الركاكة والإسفاف، وكان مع ذلك يطيل قصائده طولا مسرفا، مما جعل رقعتها تتسع أو قل رقعها، فيتضح فيها التلفيق وكثرة التكرار للكلمات وما يدخل فى ذلك من الحشو والاعتراض. وحين أسلم أخذ يكثر فى شعره من ذكر مناقب أهل البيت ورثاء الحسين، ولم يكتف بذلك، كما كان يصنع أستاذه، بل أكثر أيضا من سبّ الصحابة رضوان الله عليهم، ويروى أن أبا القاسم بن برهان النحوى قال له: يا أبا الحسن! انتقلت بإسلامك فى النار من زاوية إلى زاوية، فقال له: وكيف ذلك؟ قال أبو القاسم: لأنك كنت مجوسيا وصرت تسبّ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، والمجوسى والرافضىّ فى النار. وله من قصيدة يمدح فيها آل البيت، وقد بث فى مطلعها شكواه من الزمن:
لئن نام دهرى دون المنى
…
فلى أسوة ببنى أحمد
بأكرم حىّ على الأرض قام
…
وميت توسّد فى ملحد
أتاكم على فترة فاستقام
…
بكم جائرين عن المقصد
وولىّ حميدا إلى ربّه
…
ومن سنّ ما سنّه يحمد
وقد جعل الأمر من بعده
…
لحيدر بالخبر المسند
وسمّاه مولى بإقرار من
…
لو اتّبع الحقّ لم يجحد
وواضح أن تعبيره عن حرمان الدهر له ما يتمناه بنومه عنه غير دقيق، وهو تعبير فاتر إن صح هذا التعبير، والأبيات الأربعة التالية فى مديح الرسول عليه السلام، وهى تخلو
(1) كاظمة: موضع على الخليج العربى جنوبى العراق فى الكويت.
(2)
سلع: جبل متصل بالمدينة.