الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وهو يعجب من هبوط النفس من العالم العلوى إلى العالم السّفلى ثم رجوعها إلى العالم الأول ويسأل فيم هبطت وفيم عادت؟ ويجيب إن كان فى ذلك حكمة لله جلّ شأنه تغيب عن العقول الذكية فأكبر الظن أنها هبطت لتسمع ما لم تكن تسمع ولتعلم ما لم تكن تعلم من العالم الأرضى وتقف على أسراره، بجانب ما كانت تعالم من العالم العلوى، وكأنها لم تبلغ من ذلك كل ما أرادت، فعادت وقد انقطع بها الزمان الدنيوى. عادت وقد تّمّت رحلتها فى الدنيا من شروق وما تلا الشروق من العلم بخفايا الأرض وعالمها وما انتهى إليه هذا الشروق من غروب، وكأنها فى هذه الرحلة القصيرة برق لمع، ثم طوته السحب طيا. وواضح ما تحمل القصيدة من فكرة وجود النفس قبل البدن وخلودها، متصلة فى الحالين بالعقل الكلى إلا ما كان من رحلتها القصيرة فى الأرض وخلال البدن، ومع ذلك فهى فى هذه الرحلة تحاول أن تعلم من أسرار عالمنا ما تضيفه إلى علمها بأسرار العالم العلوى.
وسرعان ما تنفك عن البدن ويصيبه الانحلال والفساد. ولعل من الخير أن نقف عند شاعرين من شعراء الحكم والأمثال، كان أحدهما يعنى بنقلها عن الفارسية وكان الثانى يعنى بوضعها ونظمها فى أشعاره، وهما
أبو الفضل السكرى المروزى
وأبو الفتح البستى.
أبو الفضل (1) السكرى المروزىّ
هو أحمد بن محمد بن زيد، يقول فيه الثعالبى:«شاعر مرو وظريفها، وله شعر مليح خفيف الروح كثير الملح والأمثال» ويورد بعض أشعاره، ثم يذكر أن له مزدوجة ترجم فيها أمثالا للفرس، وكأنه اختار أن ينظمها من وزن الرجز الذى خصّ به العباسيون منذ عصرهم الأول الشعر التعليمى لوفرة ألحانه وأنغامه، حتى يتلافوا ما فى هذا الشعر من نقص الأحاسيس والمشاعر، وظل ذلك ثاتبا طوال العصور التالية إلا ما ندر. فقد تعارف الشعراء على اختيار الرجز لنظم المعلومات والمعارف والحكم والخبرات، واتبعوا ما أحدث العباسيون الأول فى الرجز من تغيير القافية فيه من بيت إلى بيت، مع الاحتفاظ بها فى كل شطرين متقابلين بحيث يصبح الشطر فى واقع الأمر وحدة الأرجوزة المزدوجة، فهى تتألف من شطرين شطرين، وكل شطرين يتحدان فى قافيتهما. ويقف الثعالبى عند مزدوجة لأبى الفضل ترجم فيها طائفة كبيرة من أمثال الفرس، ويورد منها ثلاثة عشر بيتا من مثل قوله:
(1) انظر فى ترجمة أبى الفضل السكرى اليتيمة 4/ 87 وما بعدها
من مثل الفرس ذوى الأبصار
…
الثوب رهن فى يد القصّار (1)
نال الحمار بالسقوط فى الوحل
…
ما كان يهوى ونجا من العمل
والعنز لا يسمن إلا بالعلف
…
لا يسمن العنز بقول ذى لطف (2)
البحر غمر الماء فى العيان
…
والكلب يروى منه باللسان (3)
من لم يكن فى بيته طعام
…
فماله فى محفل مقام
كان يقال: من أتى خوانا
…
من غير أن يدعى إليه هانا (4)
ويعلّق الثعالبى بعد ذكره لبعض أمثال المزدوجة بقوله: «وكان أبو الفضل السكرى مولعا بنقل الأمثال الفارسية إلى العربية» وينشد طائفة كبيرة من الأبيات اختارها من نقله وترجماته الأخرى غير مزدوجة، من ذلك قوله:
إذا لم تطق أن ترتقى ذروة الجبل
…
لعجز فقف فى سفحه هكذا المثل
وقوله:
فى كلّ مستحسن عيب بلا ريب
…
ما يسلم الذهب الإبريز من عيب
وقوله:
ادّعى الثّعلب شيئا وطلب
…
قيل هل من شاهد؟ قال: الذّنب
وقوله:
تبختر إخفاء لما فيه من عرج
…
وليس له فيما تكلّفه فرج
وأبو الفضل إنما هو رمز لتعلق الناس بالأمثال، وهو تعلق مرجعه إلى أنها تحمل خبرات الإنسان فى عصور طويلة، ولذلك كان لكل أمة أمثالها التى تحفظها الأجيال من جيل إلى جيل، وهى لذلك تدخل فى باب الآداب الشعبية، لأنها تتداول على ألسنة الشعب، وكأنها عملات لغوية عامة، كلّ يستخدمها، وكل يلفظ بها عند مناسبتها، وكأنما يلقى بها الكلمة التى لا ترد، ولذلك سميت حكمة، فهى حكمة الشعوب وخبرتها مركزة فى قطرات أو كلمات.
(1) القصار: صابغ الثياب
(2)
لطف: رفق.
(3)
الماء الغمر: الكثير العميق.
(4)
الخوان: مائدة الطعام.
أبو الفتح (1) البستىّ
هو على بن محمد، ويعدّ من كبار الأدباء الإيرانيين فى زمنه، وكان يحسن الكتابة والشعر ياللسانين العربى والفارسى وعرف له أمير بست مكانته، فاتخذه كاتبا له، حتى إذا فتح بلدته الأمير سبكتكين قرّبه منه وقلّده الكتابة فى ديوانه، وحلّ عنده محل الثقة الأمين فى مهمات شئونه. ونعم بجواره، واشتهر بما صوّر فى كتبه وأشعاره من فتوحه، وظلت له نفس المكانة عند ابنه الأمير محمود الغزنوى، إلى أن غضب عليه ونفاه إلى بخارى وسرعان ما وافته المنية بها سنة 400 للهجرة وقيل بل سنة 401 وكان شافعى المذهب معتزلىّ العقيدة.
ويعرّف به الثعالبى فيقول: «صاحب الطريقة الأنيقة فى التجنيس الأنيس، البديع التأسيس، وكان يسميه المتشابه ويأتى فيه بكل طريفة لطيفة» . ولم يكن يستخدم الجناس استخداما واسعا فى أشعاره فحسب، بل كان أيضا يستخدمه فى كتاباته ونثره. ويورد الثعالبى طائفة من جناساته وسجعاته فى رسائله، يدل بها على قدرته فى التجنيس البديع الصيغة، فمن ذلك قوله:
ويأخذ الثعالبى فى عرض أغراض شعره بادئا بملحه فى الغزل والخمر، وهى ملح لا تقوم على الاهتمام بالمعانى بقدر ما تقوم على الاهتمام بالجناس، وكأنما أصبح الجناس وما قد يجلبه من تشبيه أو استعارة أو طباق غايته أو هدفه من صنع أشعاره، على نحو ما نجد فى قوله متغزلا:
وغزال كلّ من شبّهه
…
بهلال أو ببدر ظلمه
قال إذ قبّلت بالوهم فمه
…
قد تعدّيت وأسرفت فمه
(1) انظر فى ترجمة أبى الفتح البستى وشعره اليتيمة 4/ 302 وما بعدها والمنتظم 7/ 27 وتاريخ الحكماء للبيهقى: 49 وطبقات الشافعية للسبكى 5/ 293 وابن خلكان 3/ 376 وشذرات الذهب 3/ 159 وعبر الذهبى 3/ 75 والأنساب 80 ب وروضات الجنات 482 والنجوم الزاهرة 4/ 106 وديوانه مطبوع
ومه فى آخر البيت الثانى اسم فعل أمر بمعنى اكفف. وواضح أنه جلبها ليصنع منها جناسا تاما بينها ومعها الفاء وبين كلمة «فمه» فى آخر الشطر الأول. وعلى نفس الشاكلة قوله فى الخمر لصاحبه:
أوان أنت فى هذا الأوان
…
عن الرّاح المروّق فى الأوانى
فقد جانس بين «وان» فى أول البيت بعد إدخاله عليها همزة الاستفهام ليتم له جناس كامل بينها وبين كلمة «الأوان» فى آخر الشطر الأول بمعنى الزمان، ثم بينهما وبين كلمة «الأوانى» فى آخر البيت جمعا لإناء. وبالمثل معاتباته وأهاجيه ومدائحه كقوله فى مديح كاتب وكتابته:
لم تر عينى مثله كاتبا
…
لكل شئ شاء وشّاء
يبدع فى الكتب وفى غيرها
…
بدائعا إن شاء إنشاء
والجناس الناقص واضح بين «شئ» و «شاء» و «وشّاء» أو منمق، وأتى بجناس تام فى البيت الثانى بين كلمتى «إن شاء» و «إنشاء». ويعترف بأنه سمع وهو صبى شاعرا من موطنه «بست» يستخدم الجناس فاستحسنه وأخذ نفسه بسلوك طريقته (1). وكان هو نفسه عاملا مهما فى إشاعة هذه الطريقة بين الشعراء الإيرانيين فى زمنه (2) وبعد زمنه. وعنى غير أديب بإفراد كتب خاصة بها مثل المطوعى الذى مرّ بنا ذكره. وكان أبو الفتح يتصنع كثيرا فى شعره لاستخدام المصطلحات الفقهية والطبية والفلسفية والفلكية والنحوية كقوله مستظهرا مصطلح اللازم والمتعدى:
قال لى لما رآنى
…
طالبا مالا ورفدا
إن مالى يا حبيبى
…
لازم لا يتعدّى
وكان هذا التصنع وما يماثله قد أخذ يشيع فى زمنه، ومما لا شك فيه أن البستى كان من عوامل إذاعته وانتشاره فى الأوساط الأدبية الإيرانية. على أنه ينبغى أن لا نحمل على تصنع أبى الفتح لهذه المصطلحات ولأنواع الجناس بصوره التامة والناقصة، فقد كان ينفذ فى أحيان كثيرة إلى استخدام رشيق للمصطلحات والجناسات كقوله يهجو بعض خصومه، وكان يدّعى سعة الفكر والمنطق العميق:
يبنى على الفكرة أعماله
…
وذاك فى التحقيق أعمى له
فقيّض الرّحمن أفعى له
…
تريه فى الخلوة أفعاله
(1) اليتيمة 4/ 337 واسم الشاعر شعبة بن عبد الملك
(2)
اليتيمة 4/ 151.
وواضح جناسه التام بين «أعماله» و «أعمى له» فى البيت الأول، وبين «أفعى له» و «أفعاله» فى البيت الثانى. ولم نتحدث حتى الآن عن الحكم والأمثال فى أشعاره، وكان يعرف كيف يصوغها صياغة محكمة، ومن أروع ما له فى هذا الجانب نونيته، وهى طويلة، وفيها يقول:
زيادة المرء فى دنياه نقصان
…
وربحه غير محض الخير خسران
يا عامرا لخراب الدّار مجتهدا
…
بالله هل لخراب العمر عمران
ويا حريصا على الأموال يجمعها
…
أقصر فإنّ سرور المال أحزان
أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم
…
فطالما استعبد الإنسان إحسان
وكن على الدهر معوانا لذى أمل
…
يرجو نداك فإن الحرّ معوان
واشدد يديك بحبل الله معتصما
…
فإنه الرّكن إن خانتك أركان
من جاد بالمال مال الناس قاطبة
…
إليه والمال للإنسان فتّان
والناس أعوان من واتته دولته
…
وهم عليه إذا عادته أعوان
واشتهرت له هذه القصيدة الحكمية منذ حياته وانتشرت فى العالم العربى، وأخذت الاجيال العربية تردّدها فى كل بلد، حتى لتصبح قصيدة شعبية، ينشدها الناس فى كل مكان، وإلى زمن قريب كان المنشدون ينشدونها فى مقامى القاهرة. ولعل فى هذا ما يدل-من بعض الوجوه-على ما يمتاز به الشعر العربى الفصيح من شعبيته، فقصيدة تنظم فى أقصى بيئاته فى الشرق فى «بست» بأفغانستان الحالية تنشد فى قلب العالم العربى بالقاهرة، ويحفظها الشباب ويستظهرونها فى المغرب كما يستظهرونها فى المشرق. ويعقد الثعالبى فصلا طويلا لحكم البستى، ووراءها حكم وأمثال كثيرة فى ديوانه، ومن طرائفه الحكمية قوله:
لا تحقر المرء إن رأيت به
…
دمامة أو رثاثة الحلل
فالنّحل شئ على ضؤولته
…
يشتار منه الفتى جنا العسل (1)
وقوله:
لا يستخفّنّ الفتى بعدوّه
…
أبدا وإن كان العدوّ ضئيلا
إن القذى يؤذى العيون قليله
…
ولربما جرح البعوض الفيلا
وقوله:
ألم تر أنّ المرء طول حياته
…
معنّى بأمر لا يزال يعالجه
(1) يشتار: يجتنى