الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[46 -
بَابٌ فِي بَيَانِ حُكْمِ السَّلَامِ]
(بَابٌ فِي) بَيَانِ حُكْمِ (السَّلَامِ) وَصِفَتِهِ (وَ) بَيَانِ حُكْمِ (الِاسْتِئْذَانِ) وَصِفَتِهِ (وَ) صِفَةِ (التَّنَاجِي وَ) بَيَانِ ذِكْرِ (الْقِرَانِ وَ) فِي (الدُّعَاءِ وَذِكْرِ اللَّهِ) سبحانه وتعالى (وَالْقَوْلِ فِي السَّفَرِ) أَيْ مَا يَقُولُهُ إذَا أَرَادَ سَفَرًا، وَعَكَسَ فِي الْبَابِ بَعْضَ مَا تَرْجَمَ لَهُ وَبَدَأَ بِحُكْمِ رَدِّ السَّلَامِ فَقَالَ:(وَرَدُّ السَّلَامِ وَاجِبٌ) وُجُوبَ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ عَلَى الْمَشْهُورِ (وَالِابْتِدَاءُ بِهِ سُنَّةٌ) كِفَايَةٌ عَلَى الْمَشْهُورِ (مُرَغَّبٌ فِيهَا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا} [النساء: 86] وقَوْله تَعَالَى: {فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ} [النور: 61] الْآيَةُ (وَالسَّلَامُ) أَيْ وَصِفَةُ الِابْتِدَاءِ بِهِ (أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ) أَوْ غَيْرُهُ: (السَّلَامُ عَلَيْكُمْ) بِصِيغَةِ الْجَمْعِ كَانَ الْمُسَلَّمُ عَلَيْهِ وَاحِدًا أَوْ أَكْثَرَ لِأَنَّ
ــ
[حاشية العدوي]
[بَابٌ فِي بَيَانِ حُكْمِ السَّلَامِ]
قَوْلُهُ: وَصِفَتُهُ] الْأَوْلَى أَنْ يَجْعَلَ لَفْظَ الْمُصَنِّفِ شَامِلًا لِلْحُكْمِ وَالصِّفَةِ لَا أَنَّهُ يَجْعَلُ الْمُصَنِّفَ قَاصِرًا عَلَى الْحُكْمِ كَمَا هُوَ مُقْتَضَى اللَّفْظِ وَكَذَا يُقَالُ فِيمَا يَأْتِي [قَوْلُهُ: وَصِفَتُهُ] أَرَادَ بِهَا الْحَقِيقَةَ [قَوْلُهُ: وَصِفَةُ التَّنَاجِي] الْأَوْلَى وَحُكْمُ التَّنَاجِي.
[قَوْلُهُ: وَبَيَانُ ذِكْرِ الْقُرْآنِ] لَا حَاجَةَ لِتَقْدِيرِ ذِكْرٍ أَيْ فِي بَيَانِ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْقُرْآنِ مِنْ طَلَبٍ أَوْ تَرْكٍ أَوْ قَدْرٍ.
[قَوْلُهُ: وَفِي الدُّعَاءِ] أَيْ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْ كَوْنِهِ كَذَا وَكَذَا وَفِي مَوْضِعِ كَذَا [قَوْلُهُ: وَذِكْرُ اللَّهِ سبحانه وتعالى] أَيْ وَفِي حُكْمِ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى [قَوْلُهُ: وَعَكَسَ فِي الْبَابِ] أَيْ فَقَدَّمَ الذِّكْرَ عَلَى الْقِرَاءَةِ وَالدُّعَاءِ، وَقَدَّمَ الدُّعَاءَ عَلَى الْقِرَاءَةِ وَهَذَا الصُّنْعُ جَائِزٌ جَاءَ مِثْلُهُ فِي الْقُرْآنِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:{يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ} [آل عمران: 106] الْآيَةُ.
[قَوْلُهُ: وُجُوبَ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ عَلَى الْمَشْهُورِ] وَمُقَابِلُهُ أَنَّهُ فَرْضُ عَيْنٍ وَعَلَى كُلٍّ لَا بُدَّ مِنْ إسْمَاعِ الْمُسَلِّمِ عِنْدَ الْإِمْكَانِ وَقَدَّمَ حُكْمَ الرَّدِّ وَإِنْ كَانَ الْأَنْسَبُ التَّصْدِيرَ بِحُكْمِ الِابْتِدَاءِ لِأَنَّهُ وَسِيلَةٌ اهْتِمَامًا بِشَأْنِ الْوَاجِبِ.
[قَوْلُهُ: وَالِابْتِدَاءُ بِهِ سُنَّةُ كِفَايَةٍ عَلَى الْمَشْهُورِ] وَمُقَابِلُهُ فَرْضٌ: [قَوْلُهُ: مُرَغَّبٌ فِيهَا] أَشَارَ بِهِ إلَى أَنَّهُ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ، فَقَدْ جَاءَ أَنَّ مَنْ قَالَ: سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ، فَإِذَا قَالَ: وَرَحْمَةُ اللَّهِ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ عِشْرِينَ حَسَنَةً، وَإِذَا قَالَ: وَبَرَكَاتُهُ كَتَبَ لَهُ ثَلَاثِينَ حَسَنَةً، وَقِيلَ: إنَّهُ لَفْظٌ مُسْتَغْنًى عَنْهُ إذْ مَعْلُومٌ أَنَّ السُّنَّةَ مُرَغَّبٌ فِيهَا.
[قَوْلُهُ: لِقَوْلِهِ تَعَالَى. . . إلَخْ] دَلِيلٌ لِلْأَوَّلِ الَّذِي هُوَ قَوْلُهُ وَرَدُّ السَّلَامِ وَاجِبٌ، اعْلَمْ أَنَّ التَّحِيَّةَ فِي دِينِنَا بِالسَّلَامِ فِي الدَّارَيْنِ، وَكَانَتْ الْعَرَبُ تَقُولُ: حَيَّاك اللَّهُ فَأُبْدِلَ بِهِ، وَقَوْلُهُ: فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا " قُولُوا: وَعَلَيْكُمْ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ إذَا قَالَ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، وَإِذَا قَالَ: وَرَحْمَةُ اللَّهِ قُولُوا: وَبَرَكَاتُهُ، وَقَوْلُهُ: " أَوْ رُدُّوهَا " أَجِيبُوهَا بِمِثْلِهَا كَأَنْ يَقُولَ الْمُبْتَدِئُ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ فَيَرُدُّ مِثْلَهَا وَلَا يَزِيدُ شَيْئًا.
[قَوْلُهُ: قَوْله تَعَالَى] دَلِيلٌ لِقَوْلِهِ سُنَّةٌ مُرَغَّبٌ فِيهَا، وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْآيَةَ لَيْسَ فِيهَا مَا يُفِيدُ خُصُوصَ السُّنَّةِ فَضْلًا عَنْ التَّرْغِيبِ [قَوْلُهُ: فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ] فَابْدَءُوا بِالسَّلَامِ عَلَى أَهْلِهَا الَّذِينَ هُمْ مِنْكُمْ دِينًا وَقَرَابَةً أَوْ بُيُوتًا فَارِغَةً، فَقُولُوا: السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ قَدْ حَصَلَ بِهَذَا الِاسْتِدْلَال فَقَوْلُهُ الْآيَةُ لَا حَاجَةَ لَهُ.
[قَوْلُهُ: أَوْ غَيْرُهُ] أَيْ وَإِنَّمَا اقْتَصَرَ الْمُصَنِّفُ عَلَى الرَّجُلِ لِأَنَّهُ الْغَالِبُ فِي التَّصَرُّفِ [قَوْلُهُ: بِصِيغَةِ الْجَمْعِ] فَلَوْ قَالَ: السَّلَامُ عَلَيْك لَمْ يَكُنْ مُسَلِّمًا،
الْوَاحِدَ كَالْجَمَاعَةِ لِوُجُودِ الْحَفَظَةِ مَعَهُ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الْأَلِفِ وَاللَّامِ فِي السَّلَامِ (وَيَقُولُ الرَّادُّ وَعَلَيْكُمْ السَّلَامُ) بِوَاوِ التَّشْرِيكِ وَتَقْدِيمِ الْجَارِّ وَالْمَجْرُورِ (أَوْ يَقُولُ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ) بِتَقْدِيمِ السَّلَامِ مُنَكَّرًا بِغَيْرِ وَاوٍ وَتَأْخِيرِ الْجَارِّ وَالْمَجْرُورِ (كَمَا قِيلَ لَهُ) فِي الْجُمْلَةِ، وَإِنَّمَا قَيَّدْنَا بِهَذَا لِأَنَّ السَّلَامَ فِي الِابْتِدَاءِ لَا يَكُونُ إلَّا مُعَرَّفًا كَمَا قَدَّمْنَا، وَاَلَّذِي فِي الذَّخِيرَةِ وَيَقُولُ الرَّادُّ: وَعَلَيْكُمْ السَّلَامُ أَوْ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ كَمَا قِيلَ لَهُ (وَأَكْثَرُ مَا يَنْتَهِي السَّلَامُ إلَى الْبَرَكَةِ) كَذَا فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما، قَالَ فِيهِ: وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ سَلَفًا وَخَلَفًا، فَالزِّيَادَةُ عَلَى ذَلِكَ غُلُوٌّ وَبِدْعَةٌ فَيَكُونُ مَكْرُوهًا فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلْيَلْزَمُكَ إذَا سَلَّمَ عَلَيْك إنْسَانٌ وَانْتَهَى فِي سَلَامِهِ إلَى الْبَرَكَةِ (أَنْ تَقُولَ فِي رَدِّك) عَلَيْهِ (وَعَلَيْكُمْ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ وَلَا تَقُلْ) عَلَى جِهَةِ الْكَرَاهَةِ (فِي رَدِّك) عَلَى مَنْ سَلَّمَ عَلَيْك (سَلَامُ اللَّهِ
ــ
[حاشية العدوي]
قَوْلُهُ: وَاحِدًا أَوْ أَكْثَرَ] ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى.
[قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْوَاحِدَ كَالْجَمَاعَةِ] أَيْ لِأَنَّ الْمُسَلَّمَ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ وَاحِدًا إلَّا أَنَّهُ كَالْجَمَاعَةِ مِنْ حَيْثُ وُجُودِ الْحَفَظَةِ مَعَهُ، لَا يَخْفَى أَنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ لَمْ يَكُونُوا مُسَلَّمًا عَلَيْهِمْ لَا قَصْدًا وَلَا تَبَعًا، وَإِنَّمَا الْمُسَلَّمُ عَلَيْهِ ذَلِكَ الْوَاحِدُ، وَالظَّاهِرُ أَنْ يَقُولَ: لِأَنَّ الْمُسَلَّمَ عَلَيْهِ فِي الْحَقِيقَةِ جَمَاعَةٌ لِوُجُودِ الْحَفَظَةِ [قَوْلُهُ: وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُ لَا بُدَّ] أَيْ فَلَوْ قَالَ: سَلَامٌ عَلَيْك فَلَا يَكْفِي هَذَا ظَاهِرُهُ، أَيْ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ فَحِينَئِذٍ فَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ تَعْرِيفِ سَلَامِ الِابْتِدَاءِ وَالْإِتْيَانِ بِمِيمِ الْجَمْعِ لِأَنَّهُ الْوَارِدُ فِي الْحَدِيثِ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ يَكْفِي أَنْ يَقُولَ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ.
[قَوْلُهُ: وَيَقُولُ الرَّادُّ. . . إلَخْ] كَلَامُ الْمُصَنِّفِ هَذَا يُفِيدُ أَنَّهُ لَهُ أَنْ يَقْتَصِرَ فِي الرَّدِّ عَلَيَّ وَعَلَيْكُمْ السَّلَامُ، وَلَوْ كَانَ الْمُسَلِّمُ أَتَى بِأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ كَقَوْلِهِ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ أَوْ مَعَ زِيَادَةِ وَبَرَكَاتُهُ، وَهُوَ مَا يُفِيدُهُ التَّلْقِينُ حَيْثُ قَالَ: إنْ زَادَ لَفْظُ الرَّدِّ عَلَى الِابْتِدَاءِ أَوْ نَقَصَ جَازَ وَنَحْوُهُ فِي الْمَعُونَةِ.
[قَوْلُهُ: وَعَلَيْكُمْ السَّلَامُ] مُسْمِعًا لِمَنْ سَلَّمَ عَلَيْهِ عِنْدَ الْإِمْكَانِ وَتَكْفِي الْإِشَارَةُ إلَى الْأَصَمِّ وَلَا يَرُدُّ عَلَيْهِ بِاللَّفْظِ إلَّا إنْ كَانَ يَفْهَمُ مِنْهُ كَالْإِشَارَةِ.
[قَوْلُهُ: بِوَاوِ التَّشْرِيكِ] أَيْ كَأَنَّهُ قَالَ عَلَيَّ السَّلَامُ وَعَلَيْكُمْ السَّلَامُ، فَيَصِيرُ الرَّادُّ مُسَلَّمًا عَلَيْهِ مَرَّتَيْنِ، وَظَاهِرُ عِبَارَتِهِ أَنَّهُ لَوْ أَجَابَ بِغَيْرِ وَاوٍ لَا يَكُون مُجِيبًا وَلَا يَسْقُطُ الْفَرْضُ عَنْهُ لِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِلسُّنَّةِ وَبِهِ قَالَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ، وَاَلَّذِي عِنْدَ الْأَكْثَرِ أَنَّهُ يَسْقُطُ لَكِنَّ الْإِتْيَانَ بِهَا أَوْلَى لِأَنَّ الْكَلَامَ مَعَهَا جُمْلَتَانِ.
وَقَالَ الشَّيْخُ: وَيَظْهَرُ لِي أَنَّهُ يَكْفِي أَنْ يَقُولَ فِي الرَّدِّ: وَعَلَيْك السَّلَامُ بِحَذْفِ الْمِيمِ لِأَنَّهُ يَجُوزُ فِي الصَّلَاةِ، وَأَمَّا سَلَامٌ عَلَيْك بِتَنْكِيرِ السَّلَامِ وَحَذْفِ مِيمِ عَلَيْكُمْ وَتَقْدِيمِ لَفْظِ السَّلَامِ فَلَا يَكْفِي وَلَا يَضُرُّ اللَّحْنُ فِيمَا يَظْهَرُ.
[قَوْلُهُ: وَاَلَّذِي فِي الذَّخِيرَةِ] أَتَى بِهِ إشَارَةً إلَى أَنَّ لِلْمُصَنِّفِ مُخَالِفًا [قَوْلُهُ: كَمَا قِيلَ لَهُ] ظَاهِرُهُ تُسَاوِيهِمَا وَالْأَحْسَنُ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ ابْنُ رُشْدٍ فَإِنَّهُ قَالَ: الِاخْتِيَارُ أَنْ يَقُولَ الْمُبْتَدِئُ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، وَيَقُولَ الرَّادُّ: وَعَلَيْكُمْ السَّلَامُ، وَيَجُوزُ الِابْتِدَاءُ بِلَفْظِ الرَّدِّ وَالرَّدُّ بِلَفْظِ الِابْتِدَاءِ وَلَا يُجْزِئُ السَّلَامُ فَقَطْ بَدْءًا وَرَدًّا كَالصَّلَاةِ لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ فَتُتْبَعُ كَالصَّلَاةِ.
[قَوْلُهُ: وَأَكْثَرُ مَا يَنْتَهِي السَّلَامُ] أَيْ فِي الِابْتِدَاءِ وَالرَّدِّ عِنْدَ إرَادَةِ الزِّيَادَةِ، أَيْ وَإِنْ كَانَ الَّذِي فِي الْمُوَطَّأِ إنَّمَا هُوَ فِي الِابْتِدَاءِ، أَيْ فَقَدْ رَوَى مَالِكٌ عَنْ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ أَنَّهُ قَالَ: كُنْت جَالِسًا عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ فَدَخَلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ ثُمَّ زَادَ مَعَ ذَلِكَ شَيْئًا أَيْ وَلَمْ يُبَيِّنْهُ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَهُوَ يَوْمَئِذٍ قَدْ ذَهَبَ بَصَرُهُ مَنْ هَذَا أَيْ الَّذِي زَادَ عَلَى التَّحِيَّةِ الشَّرْعِيَّةِ قَالُوا: هَذَا الْيَمَانِيُّ الَّذِي يَغْشَاك فَعَرَّفُوهُ إيَّاهُ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إنَّ السَّلَامَ انْتَهَى إلَى الْبَرَكَةِ أَيْ فَلَا تَزِدْ عَلَيْهِ شَيْئًا.
[قَوْلُهُ: غُلُوٌّ] أَيْ زِيَادَةٌ فِي الدِّينِ، وَقَوْلُهُ: وَبِدْعَةٌ أَيْ أَمْرٌ مُحْدَثٌ وَهُوَ لَازِمٌ لِمَا قَبْلَهُ، وَقَوْلُهُ: فَيَكُونُ مَكْرُوهًا تَفْرِيعٌ عَلَى قَوْلِهِ غُلُوٌّ وَبِدْعَةٌ، وَلَمْ يُبَيِّنْ نِهَايَةَ كَلَامِ الْمُوَطَّأِ ثُمَّ أَقُولُ: رَاجَعْت شَرْحَ الْمُوَطَّأِ فَلَمْ أَجِدْ ذَلِكَ أَيْ قَوْلَهُ وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ. . . إلَخْ غَيْرٍ فَلَعَلَّهَا رِوَايَةٌ أُخْرَى غَيْرَ مَا رَأَيْت إلَّا أَنَّ فِيهِ شَيْئًا وَذَلِكَ لِأَنَّ الْغُلُوَّ وَالْبِدْعَةَ لَا يُنْتِجَانِ خُصُوصَ الْكَرَاهَةِ.
[قَوْلُهُ: وَلَا تَقُلْ عَلَى جِهَةِ الْكَرَاهَةِ] التَّعْبِيرُ بِالْكَرَاهَةِ يَقْتَضِي أَنَّهُ يُجْزِئُ فِي
عَلَيْك) لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ بِهِ خَبَرٌ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَلَا عَنْ السَّلَفِ الصَّالِحِ
(وَإِذَا سَلَّمَ وَاحِدٌ مِنْ الْجَمَاعَةِ) عَلَى وَاحِدٍ فَأَكْثَرَ (أَجْزَأَ عَنْهُمْ) أَيْ عَنْ الْجَمَاعَةِ لِأَنَّهُ مِنْ سُنَنِ الْكِفَايَةِ (وَكَذَلِكَ إنْ رَدَّ وَاحِدٌ مِنْهُمْ) أَيْ مِنْ الْجَمَاعَةِ الْمُسَلَّمِ عَلَيْهِمْ أَجْزَأَ عَنْ جَمَاعَتِهِمْ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ (وَلْيُسَلِّمْ الرَّاكِبُ عَلَى الْمَاشِي وَالْمَاشِي عَلَى الْجَالِسِ) لِأَمْرِهِ عليه الصلاة والسلام بِذَلِكَ (وَالْمُصَافَحَةُ حَسَنَةٌ) أَيْ مُسْتَحَبَّةٌ عَلَى الْمَشْهُورِ لِمَا فِي الْمُوَطَّأِ مِنْ قَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام:: «تَصَافَحُوا يَذْهَبُ الْغِلُّ عَنْكُمْ وَتَهَادَوْا تَحَابُّوا وَتَذْهَبُ الشَّحْنَاءُ» وَهِيَ وَضْعُ أَحَدِ الْمُتَلَاقِيَيْنِ بَطْنَ كَفِّهِ عَلَى بَطْنِ كَفِّ الْآخَرِ إلَى الْفَرَاغِ مِنْ السَّلَامِ أَوْ الْكَلَامِ، وَفِي شَدِّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَدَهُ عَلَى يَدِ الْآخَرِ قَوْلَانِ وَلَا يُقَبِّلْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَدَ نَفْسِهِ وَلَا يَدَ صَاحِبِهِ بَعْدَ الْفَرَاغِ، وَلَا يُصَافِحُ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ وَلَوْ كَانَتْ مُتَجَالَّةً وَلَا الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ وَلَا الْمُبْتَدِعَ
(وَكَرِهَ) إمَامُنَا (مَالِكٌ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ (الْمُعَانَقَةَ) وَهِيَ أَنْ يَجْعَلَ الرَّجُلُ عُنُقَهُ عَلَى عُنُقِ
ــ
[حاشية العدوي]
الرَّدِّ، وَأَمَّا سَلَّمَ اللَّهُ عَلَيْك فَيَظْهَرُ مِنْ قَوْلِ تت أَنَّهُ مَمْنُوعٌ عَدَمِ إجْزَائِهِ أَفَادَهُ الشَّيْخُ فِي شَرْحِهِ.
[قَوْلُهُ: وَإِذَا سَلَّمَ وَاحِدٌ] أَيْ وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ الْوَاحِدُ صَبِيًّا وَيَجِبُ رَدُّ سَلَامِهِ كَالْكَبِيرِ.
[قَوْلُهُ: مِنْ الْجَمَاعَةِ] وَأَمَّا لَوْ كَانَ الْمُسَلِّمُ مِنْ غَيْرِ الْجَمَاعَةِ فَلَا يُجْزِئُ [قَوْلُهُ: أَجْزَأَ] يُفِيدُ أَنَّ الْكَمَالَ أَنْ يَبْدَءُوا كُلُّهُمْ لِأَنَّ ذَلِكَ أَبْلَغُ فِي الْمَوَدَّةِ وَالْمَحَبَّةِ وَلَا سِيَّمَا الْجَاهِلُ بِالسُّنَّةِ فَإِنَّهُ يَجِدُ فِي نَفْسِهِ شَيْئًا مِنْ كَوْنِهِ لَمْ يُسَلِّمْ عَلَيْهِ مَنْ بَقِيَ، وَكَذَا يُقَالُ فِي الرَّدِّ أَفَادَ ذَلِكَ الشَّارِحُ [قَوْلُهُ: وَكَذَلِكَ إنْ رَدَّ وَاحِدٌ] قَالَ عج: وَيَكْفِي رَدُّ الصَّبِيِّ عَنْ جَمَاعَةٍ بَالِغِينَ تَوَقَّفَ فِيهِ الشَّيْخُ وَاسْتَظْهَرَ عَدَمَ الِاكْتِفَاءِ بِرَدٍّ عَنْ الْبَالِغِينَ، وَإِنْ كَانَ يَجِبُ رَدُّ سَلَامِهِ عَلَى الْبَالِغِ لِأَنَّ الرَّدَّ فَرْضٌ عَلَى الْبَالِغِينَ وَغَيْرُ فَرْضٍ عَلَى الصَّبِيِّ، تَنْبِيهٌ: اُخْتُلِفَ هَلْ يُؤْجَرُ مَنْ لَمْ يُسَلِّمْ مِنْ الْجَمَاعَةِ وَمَنْ لَمْ يَرُدَّ فَقِيلَ: لَا يُؤْجَرُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلا مَا سَعَى} [النجم: 39] وَقِيلَ لَهُ قِسْطٌ مِنْ الْأَجْرِ دُونَ أَجْرِ مَنْ ابْتَدَأَ أَوْ رَدَّ.
[قَوْلُهُ: وَلْيُسَلِّمْ الرَّاكِبُ. . . إلَخْ] لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ الْقَصْدُ مِنْ السَّلَامِ الْأَمَانَ وَالشَّأْنُ حُصُولُ خَوْفِ الْمَاشِي مِنْ الرَّاكِبِ طُلِبَ مِنْ الرَّاكِبِ السَّلَامُ، وَكَذَا يُسَلِّمُ رَاكِبُ الْفَرَسِ عَلَى رَاكِبِ الْبَغْلِ أَوْ الْحِمَارِ وَرَاكِبُ الْبَغْلِ عَلَى رَاكِبِ الْحِمَارِ، وَأَمَّا رَاكِبُ الْجَمَلِ وَالْفَرَسِ فَيَظْهَرُ أَنَّ الَّذِي يُؤْمَرُ رَاكِبُ الْفَرَسِ؛ لِأَنَّهُ أَقْدَرُ عَلَى الْبَطْشِ مِنْ رَاكِبِ الْجَمَلِ اُنْظُرْ شَرْحَ الشَّيْخِ.
[قَوْلُهُ: أَيْ مُسْتَحَبَّةٌ عَلَى الْمَشْهُورِ] وَمُقَابِلُهُ مَا لَمَالِكٍ فِي رِوَايَةِ أَشْهَبَ مِنْ كَرَاهَتِهَا.
[قَوْلُهُ: تَصَافَحُوا] مُفَاعَلَةٌ مِنْ الصَّفْحِ [قَوْلُهُ: يَذْهَبْ] بِكَسْرِ الْبَاءِ مَجْزُومٌ فِي جَوَابِ الْأَمْرِ حُرِّكَ بِالْكَسْرِ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ وَبِالرَّفْعِ أَيْ فَبِهِ يَذْهَبُ [قَوْلُهُ: الْغِلُّ] بِكَسْرِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ الْحِقْدُ وَالضَّغَانَةُ.
[قَوْلُهُ: وَتَهَادَوْا] بِفَتْحِ الدَّالِ وَإِسْكَانِ الْوَاوِ، وَقَوْلُهُ: تَحَابُّوا قَالَ الْحَافِظُ تَبَعًا لِلْحَاكِمِ: إنْ كَانَ بِالتَّشْدِيدِ فَمِنْ الْمَحَبَّةِ، وَإِنْ كَانَ بِالتَّخْفِيفِ فَمِنْ الْمُحَابَاةِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْهَدِيَّةَ خُلُقٌ مِنْ أَخْلَاقِ الْإِسْلَامِ دَلَّتْ عَلَيْهَا الْأَنْبِيَاءُ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَحَثَّ عَلَيْهَا خُلَفَاؤُهُمْ الْأَوْلِيَاءُ تُؤَلِّفُ الْقُلُوبَ وَتُنَقِّي سَوَادَ الصُّدُورِ، وَوَرَدَ قَبُولُ الْهِبَةِ سُنَّةٌ لَكِنَّ الْأَوْلَى تَرْكُ مَا فِيهِ مِنْهُ [قَوْلُهُ: وَتُذْهِبُ الشَّحْنَاءَ] بِشِينٍ مُعْجَمَةٍ مَفْتُوحَةٍ وَحَاءٍ مُهْمَلَةٍ سَاكِنَةٍ وَنُونٍ وَالْمَدِّ الْعَدَاوَةُ؛ لِأَنَّ الْهَدِيَّةَ جَالِبَةٌ لِلرِّضَا وَالْمَوَدَّةِ فَتُذْهِبُ الْعَدَاوَةَ.
[قَوْلُهُ: إلَى الْفَرَاغِ] وَيُكْرَهُ اخْتِطَافُ الْيَدِ بِأَثَرِ التَّلَاقِي قَبْلَ فَرَاغِ السَّلَامِ أَوْ الْكَلَامِ.
[قَوْلُهُ: وَفِي شَدِّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَدَهُ عَلَى يَدِ الْآخَرِ قَوْلَانِ] أَيْ بِالْفِعْلِ لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي التَّوَدُّدِ وَالتَّرْكِ كَمَا يُفِيدُهُ تت
[قَوْلُهُ: وَلَا يُقَبِّلُ] أَيْ عَلَى جِهَةِ الْكَرَاهَةِ أَيْ لِمَا يَأْتِي عَنْ مَالِكٍ مِنْ كَرَاهَةِ تَقْبِيلِ الْيَدِ.
[قَوْلُهُ: وَلَا يُصَافِحُ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ] أَيْ لَا يَجُوزُ أَنْ يُصَافِحَ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ وَلَوْ كَانَتْ مُتَجَالَّةً أَيْ لِأَنَّ الْمُبَاحَ إنَّمَا هُوَ رُؤْيَةُ وَجْهِهَا وَكَفَّيْهَا.
[قَوْلُهُ: وَلَا الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ] أَيْ لِأَنَّ الشَّارِعَ طَلَبَ هَجْرَهُمَا وَمُجَانَبَتَهُمَا، وَفِي الْمُصَافَحَةِ وَصْلٌ
صَاحِبِهِ (وَأَجَازَهَا) سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ وَهُوَ مِنْ كِبَارِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْفَضْلِ. ج: وَإِتْيَانُ الشَّيْخِ بِقَوْلِ ابْنِ عُيَيْنَةَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ دُونَ غَيْرِهَا كَأَنَّ فِيهِ الْإِشَارَةَ إلَى قُوَّتِهِ عِنْدَهُ كَإِتْيَانِ سَحْنُونَ بِقَوْلِ الْغَيْرِ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَدَلِيلُ الْقَوْلَيْنِ مَذْكُورٌ فِي الْأَصْلِ. الْقَرَافِيُّ: وَإِنَّمَا كَرِهَ مَالِكٌ الْمُعَانَقَةَ «لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ فَعَلَهَا إلَّا مَعَ جَعْفَرٍ» وَلَمْ يَصْحَبْهَا الْعَمَلُ مِنْ الصَّحَابَةِ بَعْدَهُ عليه الصلاة والسلام وَلِأَنَّ النُّفُوسَ تَنْفِرُ عَنْهَا لِأَنَّهَا لَا تَكُونُ إلَّا لِوَدَاعٍ مِنْ فَرْطِ أَلَمِ الشَّوْقِ أَوْ مَعَ الْأَهْلِ، وَالْمُصَافَحَةُ فِيهَا الْعَمَلُ، انْتَهَى. وَفِي سُنَنِ الْبَيْهَقِيّ كَانَ ابْنُ سِيرِينَ يَكْرَهُ الْمُصَافَحَةُ. قَالَ غَالِبُ التَّمَّارُ: قَدْ ذَكَرْت ذَلِكَ لِلشَّعْبِيِّ فَقَالَ: كَانَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم إذَا تَلَاقَوْا تَصَافَحُوا، فَإِذَا قَدِمُوا مِنْ سَفَرٍ عَانَقَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، انْتَهَى. فَتَأَمَّلْ (وَكَرِهَ مَالِكٌ) رحمه الله (تَقْبِيلَ الْيَدِ) أَيْ يَدِ الْغَيْرِ ظَاهِرُهُ سَوَاءٌ كَانَ الْغَيْرُ عَالِمًا أَوْ غَيْرَهُ وَلَوْ أَبًا أَوْ سَيِّدًا أَوْ زَوْجًا، وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ لِأَنَّهُ مِنْ فِعْلِ الْأَعَاجِمِ وَيَدْعُو إلَى الْكِبْرِ وَرُؤْيَةِ النَّفْسِ (وَأَنْكَرَ) مَالِكٌ
ــ
[حاشية العدوي]
مُنَافٍ لِمَا هُوَ الْمَطْلُوبُ.
[قَوْلُهُ: وَهُوَ مِنْ كِبَارِ أَهْلِ الْعِلْمِ] أَرَادَ بِأَهْلِ الْعِلْمِ. الْمُجْتَهِدِينَ وَالْفَضْلُ لُغَةً الزِّيَادَةُ، فَإِذَا قِيلَ: فُلَانٌ مِنْ أَهْلِ الْفَضْلِ أَيْ مِنْ أَهْلِ الزِّيَادَةِ أَيْ مِنْ أَهْلِ الْخِصَالِ الْحَمِيدَةِ الزَّائِدَةِ عَلَى مَا فِي النَّاسِ فَظَهَرَ أَنَّهُ مِنْ إطْلَاقِ الْمَصْدَرِ عَلَى اسْمِ الْفَاعِلِ عَلَى مَا هُوَ مُقَرَّرٌ، وَأَنَّهُ مِنْ عَطْفِ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ. [قَوْلُهُ: بِقَوْلِ الْغَيْرِ] أَيْ غَيْرِ مَالِكٍ. [قَوْلُهُ: وَدَلِيلُ الْقَوْلَيْنِ مَذْكُورٌ فِي الْأَصْلِ] لَا يَخْفَى أَنَّ قَوْلَهُ: وَإِنَّمَا كَرِهَ مَالِكٌ دَلِيلٌ لِلْكَرَاهَةِ وَيُسْتَفَادُ مِنْ التَّحْقِيقِ أَنَّ دَلِيلَ الْجَوَازِ الَّذِي أَخَذَ بِهِ سُفْيَانُ وَمُعَانَقَتُهُ صلى الله عليه وسلم لَجَعْفَرٍ حِينَ قَدِمَ مِنْ أَرْضِ الْحَبَشَةِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ جَعْفَرٍ وَغَيْرِهِ وَلَا يَقُولُ كَمَا يَقُولُ مَالِكٌ مِنْ أَنَّ النُّفُوسَ تَنْفِرُ وَلَا غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا حَاجَةَ لِتِلْكَ الْإِحَاطَةِ الْمُوهِمَةِ أَنَّ قَوْلَهُ لِأَنَّهُ لَمْ يُرِدْ إلَخْ لَيْسَ دَلِيلًا بِالْكَرَاهَةِ [قَوْلُهُ: وَلَمْ يَصْحَبْهَا الْعَمَلُ] أَيْ وَعَمَلُ الصَّحْبِ حُجَّةٌ تُقَدَّمُ عَلَى الْحَدِيثِ لِمَا تَقَدَّمَ وَهُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ: لَمْ يَرُدَّ وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَحَطَّ الْعِلَّةِ قَوْلُهُ وَلَمْ يَصْحَبْهَا، وَأَمَّا قَوْلُهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَرُدَّ إلَخْ فَلَا يَظْهَرُ كَوْنُهُ تَعْلِيلًا بِخُصُوصِهِ فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: وَلِأَنَّ النُّفُوسَ تَنْفِرُ] تَعْلِيلٌ ثَانٍ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ: لِأَنَّهُ لَمْ يَرُدَّ، وَأَقُولُ: كَيْفَ يَلِيقُ التَّعْلِيلُ بِهَذَا وَقَدْ فَعَلَهَا أَشْرَفُ الْخَلَائِقِ، وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ الْمُعَانَقَةَ مِنْ مِثْلِ الْمُصْطَفَى لَا تَنْفِرُ النُّفُوسُ مِنْهَا بَلْ لَوْ بَذَلَ جَعْفَرٌ فِي تَحْصِيلِهَا خَزَائِنَ مِنْ الْأَمْوَالِ لَكَانَ الرَّابِحَ.
[قَوْلُهُ: مَنْ فَرَطٍ] أَيْ شِدَّةِ أَلَمٍ هُوَ الشَّوْقُ، فَالْإِضَافَةُ لِلْبَيَانِ أَيْ أَوْ قُدُومٍ مِنْ غَيْبَةٍ فَالْحَصْرُ غَيْرُ مُرَادٍ.
[قَوْلُهُ: أَوْ مَعَ الْأَهْلِ] مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ: إلَّا لِوَدَاعٍ أَيْ أَوْ مَعَ الْأَهْلِ عِنْدَ قَصْدِ سَفَرٍ أَوْ قُدُومٍ مِنْهُ، وَقَضِيَّةُ عَطْفِهِ يُؤْذِنُ بِعَدَمِ التَّقْيِيدِ بِمَا قُلْنَا إلَّا أَنَّهُ لَا يَصِحُّ عَادَةً ثُمَّ نَقُولُ: إنَّ شِدَّةَ أَلَمِ الشَّوْقِ لَا تَكُونُ عَادَةً إلَّا مَعَ مَنْ بَيْنَك وَبَيْنَهُ عُلْقَةٌ مِنْ شِدَّةِ قَرَابَةٍ أَوْ نَحْوِهَا، وَدَخَلَ فِي ذَلِكَ الْأَهْلِ خِلَافُ مَا يَقْتَضِيهِ الْعَطْفُ فَحِينَئِذٍ إمَّا أَنْ تَخُصَّ الْأَهْلَ بِالزَّوْجَةِ وَتَجْعَلَ الْأَوَّلَ قَاصِرًا عَلَى غَيْرِهَا مِمَّا بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عُلْقَةٌ، أَوْ تَجْعَلَ الْأَهْلَ شَامِلًا لِلزَّوْجَةِ وَقَرِيبِ الْقَرَابَةِ الَّذِي شَأْنُهُ أَنْ يَحْصُلَ شِدَّةُ الشَّوْقِ عِنْدَ غَيْبَتِهِ، أَوْ تَجْعَلَهُ مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ، وَنُكْتَتُهُ ظَاهِرَةٌ مِنْ شِدَّةِ الِاتِّصَالِ الَّذِي بَيْنَ الرَّجُلِ وَالزَّوْجَةِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ مُفَادَ النَّقْلِ عَنْهُ كَرَاهَتُهَا مُطْلَقًا وَلَوْ مَعَ الْأَهْلِ وَنَحْوِهِمْ فَإِذَنْ يَكُونُ قَوْلُهُ لِأَنَّهَا لَا تَكُونُ أَيْ عَادَةً لَا أَنَّ الْمُرَادَ تُفْعَلُ شَرْعًا الْمُفِيدُ لِلتَّفْرِقَةِ بَيْنَ مَنْ بَيْنَك وَبَيْنَهُ عُلْقَةٌ أَوْ غَيْرِهِمْ.
[قَوْلُهُ: فَتَأَمَّلْ] أَشَارَ بِالتَّأَمُّلِ إلَى مَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مِنْ التَّنَاقُضِ وَالتَّخَالُفِ وَمَا هُوَ الْأَصَحُّ مِنْ الْأَمْرَيْنِ أَنَّ قَوْلَهُ: فَإِذَا قَدِمُوا مِنْ سَفَرٍ يُفِيدُ أَنَّ الْمُعَانَقَةَ قَدْ صَحِبَهَا عَمَلٌ مِنْ الصَّحَابَةِ فَيُنَاقِضُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الْمُعَانَقَةَ لَمْ يَصْحَبْهَا عَمَلٌ فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: يَدُ الْغَيْرِ] أَيْ وَأَمَّا يَدُ النَّفْسِ فَالشَّأْنُ أَنَّ النَّفْسَ لَا تَلْتَفِتُ لَهُ فَلَوْ اتَّفَقَ أَنَّ النَّفْسَ نَظَرَتْ لِذَلِكَ فَالظَّاهِرُ الْكَرَاهَةُ أَيْضًا، [قَوْلُهُ: عَالِمًا] دَخَلَ الْوَلِيُّ فِي الْعَالِمِ.
[قَوْلُهُ: وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ] أَيْ نُصُوصُ أَهْلِ الْمَذْهَبِ، [قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ مِنْ فِعْلِ الْأَعَاجِمِ] أَيْ الدَّاعِي إلَى الْكِبْرِ [قَوْلُهُ: وَيَدْعُو إلَى الْكِبْرِ] وَإِنْ كَانَ الْمَنْظُورُ فِيهِ لِلْعُمُومِ إلَّا أَنَّهُ مَنْظُورٌ لَهُ فِي التَّعْلِيلِ الْأَوَّلِ لَا أَنَّ فِعْلَ الْأَعَاجِمِ كُلَّهُ مَذْمُومٌ وَيَدُلُّك عَلَى مَا قُلْنَا قَوْلُ عَبْدِ الْوَهَّابِ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ زِيِّ الْعَجَمِ وَأَخْلَاقِهِمْ يَسْتَعْمِلُونَهُ مَعَ كُبَرَائِهِمْ
- رحمه الله (مَا رُوِيَ فِيهِ) أَيْ فِي تَقْبِيلِ الْيَدِ. د: إنْ كَانَ إنْكَارُهُ مِنْ جِهَةِ الرِّوَايَةِ فَهُوَ حُجَّةٌ لِأَنَّهُ إمَامُ الْحَدِيثِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ جِهَةِ الْفِقْهِ فَلِمَا تَقَدَّمَ.
وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: إنَّمَا يُكْرَهُ تَقْبِيلُ يَدِ الظَّلَمَةِ وَالْجَبَابِرَةِ، وَأَمَّا يَدُ الْأَبِ وَالرَّجُلِ الصَّالِحِ وَمَنْ تُرْجَى بَرَكَتُهُ فَجَائِزٌ
(وَلَا تَبْتَدِئُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى) وَسَائِرَ الْكُفَّارِ (بِالسَّلَامِ) عَلَى جِهَةِ الْكَرَاهَةِ لِمَا صَحَّ مِنْ نَهْيِهِ عليه الصلاة والسلام عَنْ ذَلِكَ (فَمَنْ سَلَّمَ عَلَى ذِمِّيٍّ) نِسْيَانًا أَوْ ظَنًّا أَنَّهُ مُسْلِمٌ (فَلَا يَسْتَقِيلُهُ) أَيْ لَا يَطْلُبُ مِنْهُ الْإِقَالَةَ بِأَنْ يَقُولَ لَهُ: إنَّمَا سَلَّمْت عَلَيْك ظَنًّا مِنِّي أَنَّك مُسْلِمٌ، وَلَوْ عَلِمْت أَنَّك كَافِرٌ مَا سَلَّمْت عَلَيْك فَرُدَّ عَلَيَّ سَلَامِي الَّذِي سَلَّمْته عَلَيْك، وَقَدْ كَانَ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ ثُمَّ نُسِخَ (وَإِنْ سَلَّمَ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْمُسْلِمِ (الْيَهُودِيُّ أَوْ النَّصْرَانِيُّ فَلْيَقُلْ) لَهُ فِي الرَّدِّ عَلَيْهِ (عَلَيْك) بِغَيْرِ وَاوٍ (وَمَنْ قَالَ) فِي الرَّدِّ عَلَيْهِ (عَلَيْك السِّلَامُ بِكَسْرِ السِّينِ وَهِيَ الْحِجَارَةُ فَقَدْ قِيلَ ذَلِكَ) الْقَرَافِيُّ: يَنْبَغِي فِي الرَّدِّ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ أَنْ يَقُولَ بِغَيْرِ وَاوٍ كَمَا فِي الْمُوَطَّأِ، فَإِنْ تَحَقَّقَتْ أَنَّهُمْ قَالُوا
ــ
[حاشية العدوي]
مَعْرُوفٌ ذَلِكَ بَيْنَهُمْ وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ مِنْ السَّلَفِ فَوَجَبَ كَرَاهَتُهُ.
[قَوْلُهُ: وَرُؤْيَةُ النَّفْسِ] يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُضَافًا لِلْمَفْعُولِ أَيْ وَرُؤْيَةُ الشَّخْصِ نَفْسَهُ أَمْرًا عَظِيمًا، وَأَنْ يَكُونَ مُضَافًا لِلْفَاعِلِ أَيْ وَرُؤْيَةُ النَّفْسِ أَنَّهَا شَيْءٌ عَظِيمٌ.
[قَوْلُهُ: أَيْ فِي تَقْبِيلٍ] مِنْ الْأَحَادِيثِ الَّتِي مِنْهَا «أَنَّ وَفْدَ عَبْدِ الْقِيسِ لَمَّا قَدِمُوا عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ابْتَدَرُوا يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ» وَهُوَ صَحِيحٌ، وَمِنْهَا «تَقْبِيلُ سَعْدِ بْنِ مَالِكٍ يَدَهُ صلى الله عليه وسلم» ، وَمَحَلُّ الْكَرَاهَةِ إذَا كَانَ الْمُقَبِّلُ مُسْلِمًا وَأَمَّا لَوْ قَبَّلَ يَدَكَ نَصْرَانِيٌّ مَثَلًا فَلَا.
[قَوْلُهُ: الْيَدُ] يُرِيدُ وَكَذَا سَائِرُ الْأَعْضَاءِ قَالَهُ ج، [قَوْلُهُ: د: إنْ كَانَ إلَخْ] قَصْدُهُ تَقْوِيَةَ إنْكَارِ مَالِكٍ [قَوْلُهُ: إنْ كَانَ إنْكَارُهُ مِنْ جِهَةِ الرِّوَايَةِ] أَيْ مِنْ جِهَةِ كَوْنِهِ مَرْوِيًّا عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَمُسَلَّمٌ لِأَنَّهُ إمَامُ الْحَدِيثِ، أَقُولُ: كَيْفَ هَذَا مَعَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ حَدِيثٌ صَحِيحٌ.
وَقَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ مِنْ جِهَةِ الْفِقْهِ أَيْ مِنْ جِهَةِ الْأَحْكَامِ الْمُسْتَنْبَطَةِ لِلْمُجْتَهِدِ فَمَا قَالَهُ ظَاهِرٌ لِأَنَّهُ يَدْعُو إلَى الْكِبْرِ، ثُمَّ أَقُولُ: هَذَا التَّرَدُّدُ إنَّمَا يَكُونُ فِي مَوْضِعٍ يَقْبَلُهُ، وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ مَا رُوِيَ فِيهِ لَا يَقْبَلُهُ لِأَنَّ هَذِهِ الْمَادَّةَ إنَّمَا تَكُونُ فِي الْمَرْوِيِّ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ إلَخْ] مِنْ أَئِمَّةِ الْمَالِكِيَّةِ وَهُوَ عَلِيُّ بْنُ خَلَفِ بْنِ بَطَّالٍ أَبُو الْحَسَنِ الْبِكْرِيُّ يُعْرَفُ بِابْنِ اللَّحَّامِ، أَصْلُهُمْ مِنْ قُرْطُبَةَ وَأَخْرَجَتْهُمْ الْفِتْنَةُ إلَى بَلَنْسِيَةَ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْمَعْرِفَةِ وَالْفَهْمِ عُنِيَ بِالْحَدِيثِ الْعِنَايَةَ التَّامَّةَ، وَأَلَّفَ شَرْحَ الْبُخَارِيِّ تُوُفِّيَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ.
[قَوْلُهُ: الظَّلَمَةُ] جَمْعُ ظَالِمٍ وَالْجَبَابِرَةُ جَمْعُ جَبَّارٍ كَمَا يُفِيدُهُ الْأَسَاسُ أَيْ وَمَنْ فِي مَعْنَاهُمْ مِنْ الْجَهَلَةِ وَهُوَ مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ صِيغَةُ مُبَالَغَةٍ أَيْ كَثِيرُ الْجَبْرِ أَيْ الْقَهْرِ.
[قَوْلُهُ: وَمَنْ تُرْجَى بَرَكَتُهُ] عَطْفُ تَفْسِيرٍ، وَقَوْلُهُ: فَجَائِزٌ أَرَادَ أَنَّهُ مَأْذُونٌ فِيهِ فَلَا يُنَافِي نَدْبَهُ لِمَا فِيهِ مِنْ زِيَادَةِ الْبِرِّ لِلْوَالِدِ وَرَجَاءِ الْبَرَكَةِ مِنْ الصَّالِحِ، وَقَدْ قَالَ سَيِّدِي زَرُّوقٌ: وَعَمَلُ النَّاسِ عَلَى الْجَوَازِ لِمَنْ يَجُوزُ التَّوَاضُعُ مِنْهُ وَيُطْلَبُ إبْرَارُهُ اهـ. .
[قَوْلُهُ: وَلَا تَبْتَدِئُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى بِالسَّلَامِ] وَمِثْلُهُمْ سَائِرُ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ [قَوْلُهُ: وَسَائِرُ الْكُفَّارِ] أَيْ بَاقِي الْكُفَّارِ.
[قَوْلُهُ: لِمَا صَحَّ مِنْ نَهْيِهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ ذَلِكَ] أَيْ لِخَبَرِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «لَا تَبْتَدِئُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى بِالسَّلَامِ» ، [قَوْلُهُ: نِسْيَانًا] أَيْ لِلنَّهْيِ أَوْ جَاهِلًا لِلْحُكْمِ.
[قَوْلُهُ: فَلَا يَسْتَقِيلُهُ] لَمْ يَتَكَلَّمْ عَلَى عَيْنِ الْحُكْمِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مَكْرُوهٌ [قَوْلُهُ: فَرُدَّ عَلَيَّ سَلَامِي] أَيْ وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّهُ لَا يُعْقَلُ أَنْ يَرُدَّ السَّلَامَ بَعْدَ وُقُوعِهِ فَقَوْلُهُ وَلَا يَسْتَقِيلُهُ أَيْ لِأَنَّ الْإِقَالَةَ لَا تُمْكِنُ.
[قَوْلُهُ: فَلْيَقُلْ لَهُ فِي الرَّدِّ عَلَيْهِ] أَيْ نَدْبًا لَا وُجُوبًا كَمَا قَالَهُ الْقُرْطُبِيُّ، وَالتَّعْبِيرُ بِقَوْلِهِ: فَلْيَقُلْ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مَطْلُوبٌ كَمَا أَفَادَهُ عج.
[قَوْلُهُ: عَلَيْك بِغَيْرِ وَاوٍ] لِمَا فِي مُسْلِمٍ: «أَنَّ الْيَهُودَ إذَا سَلَّمُوا عَلَيْكُمْ يَقُولُ أَحَدُهُمْ: السَّامُّ عَلَيْكُمْ» فَالْمُنَاسِبُ لِذَلِكَ أَنْ يَقُولَ فِي الرَّدِّ عَلَيْك أَوْ عَلَيْكُمْ بِغَيْرِ وَاوٍ لِيَكُونَ دُعَاءً عَلَيْهِ لِأَنَّ الْمُرَادَ عَلَيْك أَوْ عَلَيْكُمْ اللِّئَامُ وَاللَّعْنَةُ، وَالسَّامُّ الْمَوْتُ وَأَمَّا لَوْ تَحَقَّقَ الْمُسْلِمُ أَنَّ الَّذِي نَطَقَ بِالسَّلَامِ بِفَتْحِ السِّينِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الرَّدُّ قَالَهُ عج، قَوْلُهُ: فَقَدْ قِيلَ ذَلِكَ أَيْ يَجُوزُ ذَلِكَ، وَفِي الْعِبَارَةِ حَذْفٌ وَالتَّقْدِيرُ وَمَنْ قَالَ كَذَا فَلَا لَوْمَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُمْ قَدْ قَالُوا بِجَوَازِ ذَلِكَ فَلَيْسَ قَصْدُهُ التَّضْعِيفَ [قَوْلُهُ: وَيَنْبَغِي إلَخْ] لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا مُوَافِقٌ لِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ فَلْيَقُلْ عَلَيْك بِغَيْرِ
السَّامُّ عَلَيْك وَهُوَ الْمَوْتُ أَوْ السِّلَامُ بِكَسْرِ السِّينِ وَهِيَ الْحِجَارَةُ فَإِنْ شِئْت قُلْت: وَعَلَيْك بِالْوَاوِ لِأَنَّهُ يُسْتَجَابُ لَنَا فِيهِمْ وَلَا يُسْتَجَابُ لَهُمْ فِينَا، وَاسْتَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ بِحَدِيثٍ فِي مُسْلِمٍ ثُمَّ قَالَ:«وَإِنْ لَمْ تَتَحَقَّقْ ذَلِكَ قُلْت: وَعَلَيْك بِالْوَاوِ لِأَنَّك إنْ قُلْت بِغَيْرِ الْوَاوِ وَكَانَ هُوَ قَدْ قَالَ: السَّلَامُ عَلَيْك كُنْت نَفَيْت السَّلَامَ عَنْ نَفْسِك وَرَدَدْته عَلَيْهِ» اهـ.
وَهُنَا انْتَهَى الْكَلَامُ عَلَى مَا ذُكِرَ مِنْ السَّلَامِ
(وَ) أَمَّا (الِاسْتِئْذَانُ) وَهُوَ طَلَبُ الْإِذْنِ عَلَى أَهْلِ الْبَيْتِ فِي الدُّخُولِ عَلَيْهِمْ فَ (وَاجِبٌ) وُجُوبَ الْفَرَائِضِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا} [النور: 59] وَالْإِجْمَاعُ عَلَيْهِ وُجُوبُهُ فَمَنْ تَرَكَهُ فَهُوَ عَاصٍ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ (فَلَا تَدْخُلْ بَيْتًا) غَيْرَ مَسْجِدٍ وَنَحْوِهِ مُغْلَقًا كَانَ أَوْ مَفْتُوحًا. (فِيهِ أَحَدٌ حَتَّى تَسْتَأْذِنَ ثَلَاثًا) أَيْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ الْأَحَدُ مَحْرَمًا أَوْ غَيْرَهُ مِمَّا لَا يَحِلُّ النَّظَرُ إلَى
ــ
[حاشية العدوي]
وَاوٍ، وَلِذَا قَالَ تت بَعْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: وَإِذَا سَلَّمَ عَلَيْهِ الْيَهُودِيُّ أَوْ النَّصْرَانِيُّ فَلْيَقُلْ عَلَيْك مَا نَصُّهُ لِخَبَرِ الْمُوَطَّأِ «فَقُلْ عَلَيْك بِغَيْرِ وَاوٍ» .
[قَوْلُهُ: فَإِنْ تَحَقَّقَتْ إلَخْ] حَاصِلُ هَذَا أَنَّهُ عِنْدَ تَحَقُّقِ قَوْلِهِمْ السَّامُ عَلَيْك يُخَيَّرُ بَيْنَ الْإِتْيَانِ بِالْوَاوِ وَتَرْكِهِ، وَإِنْ لَمْ يَتَحَقَّقْ يَنْبَغِي الْإِتْيَانُ بِالْوَاوِ وَهُوَ صَادِقٌ بِصُورَتَيْنِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا مُنَافٍ لِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَإِنْ سَلَّمَ عَلَيْهِ إلَخْ؛ لِأَنَّ قَضِيَّةَ الْمُصَنِّفِ أَنَّ الْمَطْلُوبَ تَرْكُ الْوَاوِ، وَتَحَقَّقَ قَوْلُهُ السَّامُّ أَوْ لَمْ يَتَحَقَّقْ إلَّا أَنْ يُجَابَ بِحَمْلِ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ عَلَى مَا إذَا تَحَقَّقَ الْإِتْيَانُ بِالسَّامِ، وَيَكُونُ قَوْلُهُ هُنَا فَإِنْ شِئْت بِمُعَيَّنٍ لَا يَجِبُ تَرْكُ الْوَاوِ فَلَا يُنَافِي نَدْبَ التَّرْكِ أَيْ وَأَمَّا عِنْدَ الشَّكِّ فَالْأَوْلَى الْإِتْيَانُ بِالْوَاوِ، وَأَوْلَى عِنْدَ تَحَقُّقِ السَّلَامِ بِفَتْحِ السِّينِ.
[قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ يُسْتَجَابُ] جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ إنَّ الْوَاوَ لِلْعَطْفِ عَلَى عَلَيْكُمْ فِي كَلَامِهِمْ فَيَقْتَضِي إثْبَاتَ الدُّعَاءِ عَلَى نَفْسِهِ حَتَّى يَصِحَّ الْعَطْفُ فَيَدْخُلُ مَعَهُمْ فِيمَا دَعَوْا بِهِ، وَهَذَا ظَاهِرٌ كَمَا تَقَرَّرَ إنْ قُلْنَا إنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى كَلَامِهِمْ، وَأَمَّا إنْ قُلْنَا إنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى مَحْذُوفٍ فَلَا يَتِمُّ لِأَنَّ الشَّخْصَ يَكُونُ حِينَئِذٍ دَاعِيًا عَلَى نَفْسِهِ.
[قَوْلُهُ: وَاسْتَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ بِحَدِيثِ مُسْلِمٍ] فَفِي مُسْلِمٍ «أَنَّ الْيَهُودَ دَخَلُوا عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالُوا: السَّامُّ عَلَيْكُمْ فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: وَعَلَيْكُمْ فَقَالَتْ عَائِشَةُ رضي الله عنها: السَّامُّ عَلَيْكُمْ وَلَعْنَةُ اللَّهِ وَغَضَبُهُ يَا إخْوَةَ الْقِرَدَةِ وَالْخَنَازِيرِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم لِعَائِشَةَ: عَلَيْكِ بِالْحِلْمِ وَإِيَّاكِ وَالْجَهْلَ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمَا سَمِعْت مَا قَالُوا؟ فَقَالَ: أَمَا سَمِعْت مَا رَدَدْت عَلَيْهِمْ فَاسْتُجِيبَ لَنَا فِيهِمْ وَلَمْ يُسْتَجَبْ لَهُمْ فِينَا» [قَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ تَتَحَقَّقْ إلَخْ] الْحَاصِلُ أَنَّ جَمِيعَ رِوَايَاتِ الْمُوَطَّأِ بِغَيْرِ وَاوٍ، وَفِي الْبُخَارِيِّ عَنْ التِّنِّيسِيِّ بِالْوَاوِ وَجَاءَتْ الْأَحَادِيثُ فِي مُسْلِمٍ بِحَذْفِهَا وَإِثْبَاتِهَا وَهُوَ الْأَكْثَرُ وَهِيَ لِلْعَطْفِ غَيْرَ أَنَّا نُجَابُ فِيهِمْ وَلَا يُجَابُونَ فِينَا كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ -.
قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَرِوَايَةُ الْحَذْفِ أَحْسَنُ مَعْنًى وَالْإِثْبَاتُ أَصَحُّ وَأَشْهَرُ يَعْنِي فِي مُسْلِمٍ.
[قَوْلُهُ: لِقَوْلِهِ تَعَالَى] وَالسُّنَّةُ فَفِي الصَّحِيحَيْنِ «أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَسْتَأْذِنُ عَلَى أُمِّي؟ قَالَ: نَعَمْ قَالَ: إنِّي مَعَهَا فِي الْبَيْتِ قَالَ: اسْتَأْذِنْهَا قَالَ: إنِّي خَادِمُهَا قَالَ: اسْتَأْذِنْ عَلَيْهَا أَتُحِبُّ أَنْ تَرَاهَا عُرْيَانَةً» .
[قَوْلُهُ: فَمَنْ تَرَكَهُ. . . إلَخْ] وَمَنْ جَحَدَهُ فَإِنَّهُ يَكْفُرُ لِأَنَّهُ وَرَدَ بِهِ الْقُرْآنُ الْعَزِيزُ [قَوْلُهُ: وَنَحْوِهِ] أَيْ كَالْحَمَّامِ وَالْفُنْدُقِ وَبَيْتِ الْعَالِمِ وَالْقَاضِي وَالطَّبِيبِ، أَيْ وَأَمَّا الْمَسْجِدُ وَالْحَمَّامُ وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنْ كُلِّ مَحَلٍّ مَطْرُوقٍ فَلَا يَحْتَاجُ لِلْإِذْنِ حَيْثُ أَتَى فِي وَقْتِ الدُّخُولِ.
[قَوْلُهُ: حَتَّى تَسْتَأْذِنَ] أَيْ الْحُرُّ الْبَالِغُ فِي كُلِّ وَقْتٍ وَالْعَبِيدُ عَلَى السَّادَاتِ وَالصِّبْيَانُ عَلَى الْآبَاءِ، وَإِنَّمَا يَسْتَأْذِنُونَ أَيْ الْعَبِيدُ وَالصِّبْيَانُ فِي الْأَوْقَاتِ الثَّلَاثِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْآيَةِ " مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنْ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَوْقَاتِ مَظِنَّةُ كَشْفِ الْعَوْرَةِ وَمَا عَدَاهَا لَا حَرَجَ فِي الدُّخُولِ بِلَا إذْنٍ.
[قَوْلُهُ: ثَلَاثًا إلَخْ] قَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَا يَزِيدُ عَلَى الثَّلَاثِ وَهُوَ كَذَلِكَ، إلَّا أَنْ يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ عَدَمُ السَّمَاعِ ثُمَّ حَيْثُ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ السَّمَاعُ فَإِنْ أَذِنَ لَهُ وَإِلَّا انْصَرَفَ وَيَقُومُ مَقَامَ الِاسْتِئْذَانِ نَقْرُ الْبَابِ ثَلَاثًا كَانَ الْبَابُ مَفْتُوحًا أَوْ مَغْلُوقًا وَكَذَا التَّنَحْنُحُ وَالِاسْتِئْذَانُ بِنَحْوِ سُبْحَانَ اللَّهِ أَوْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ بِدْعَةٌ مَذْمُومَةٌ لِمَا فِيهِ مِنْ إسَاءَةِ الْأَدَبِ مَعَ اللَّهِ فِي اسْتِعْمَالِ اسْمِهِ فِي الِاسْتِئْذَانِ، وَإِذَا اسْتَأْذَنَ فَقِيلَ لَهُ:
عَوْرَتِهِ بِخِلَافِ الزَّوْجَةِ وَالْأَمَةِ، وَصِفَةُ الِاسْتِئْذَانِ أَنْ تَقُول: أَأَدْخُلُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ تُسَلِّمُ (فَإِنْ أُذِنَ لَك) فَأَدْخُلْ (وَإِلَّا رَجَعْت) وَقَوْلُهُ: (وَيُرَغَّبُ فِي عِيَادَةِ الْمَرْضَى) تَقَدَّمَ فِي بَابٍ مُجْمَلٍ وَلَيْسَ لِذِكْرِهِ هُنَا مُنَاسَبَةٌ لَا بِمَا قَبْلَهُ وَلَا بِمَا بَعْدَهُ
(وَلَا يَتَنَاجَى) أَيْ يَتَسَارَّ (اثْنَانِ دُونَ وَاحِدٍ) فِي سَفَرٍ أَوْ حَضَرٍ (وَكَذَلِكَ جَمَاعَةٌ) ثَلَاثَةٌ فَمَا فَوْقُ (إذَا أَبْقَوْا وَاحِدًا مِنْهُمْ) لَا يَتَنَاجَوْنَ دُونَهُ مَفْهُومُهُ لَوْ أَبْقَوْا اثْنَيْنِ مَثَلًا لَجَازَ. ع: وَهُوَ الْمَشْهُورُ (وَقَدْ قِيلَ لَا يَنْبَغِي ذَلِكَ) أَيْ تَنَاجِي اثْنَيْنِ مَثَلًا دُونَ وَاحِدٍ أَوْ جَمَاعَةٍ دُونَهُ (إلَّا بِإِذْنِهِ) فَإِنَّ الْحَقَّ لَهُ فَإِذَا أَسْقَطَهُ سَقَطَ. ع: هُوَ الْمَشْهُورُ (وَذِكْرُ الْهِجْرَةِ قَدْ تَقَدَّمَ فِي بَابٍ قَبْلَ هَذَا) وَهُوَ بَابٌ جَامِعٌ.
ثُمَّ شَرَعَ يَتَكَلَّمُ عَلَى مَا عَكَسَ فِي التَّرْجَمَةِ فَقَالَ: (قَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ) الْجَلِيلُ الْقَدْرُ الَّذِي قَالَ فِي حَقِّهِ أَفْضَلُ الْخَلْقِ عليه الصلاة والسلام: «أَعْلَمُكُمْ بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ رضي الله عنه» . (مَا عَمِلَ آدَمِيٌّ عَمَلًا أَنْجَى لَهُ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ) يَعْنِي إذَا كَثُرَ ذَلِكَ مِنْهُ بَعْدَ أَدَاءِ. الْفَرَائِضِ. الْبَاجِيُّ: يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ الذِّكْرَ
ــ
[حاشية العدوي]
مَنْ هَذَا فَلْيُسَمِّ نَفْسَهُ أَوْ بِمَا يُعْرَفُ بِهِ وَلَا يَقُولُ: أَنَا لِأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَرِهَهَا لِمَنْ أَجَابَهُ بِهَا حَتَّى خَرَجَ وَهُوَ يَقُولُ أَنَا أَنَا.
[قَوْلُهُ: بِخِلَافِ الزَّوْجَةِ وَالْأَمَةِ] أَيْ إذَا لَمْ يَكُنْ مَعَ الزَّوْجَةِ وَالْأَمَةِ مَنْ لَا يَحِلُّ النَّظَرُ إلَيْهِ وَإِلَّا وَجَبَ، وَظَاهِرُ عِبَارَتِهِ لَا يُطَالَبُ وُجُوبًا وَلَا نَدْبًا، وَلَيْسَ بِمُرَادٍ بَلْ الْمُرَادُ لَا يُطَالَبُ وُجُوبًا فَلَا يُنَافِي أَنَّهُ يُطَالَبُ نَدْبًا بِالتَّنْبِيهِ بِالتَّنَحْنُحِ وَنَحْوِهِ فِي حَالِ دُخُولِهِ وَخُرُوجِهِ خَوْفَ اطِّلَاعِهِ عَلَى مَا يَكْرَهُهُ كَمَا كَانَ يَفْعَلُ السَّلَفُ، وَيَكْفِي فِي الْإِذْنِ حَيْثُ يُطْلَبُ وُجُوبًا أَوْ نَدْبًا إذْنُ الصَّبِيِّ أَوْ الْعَبْدِ حَيْثُ يُوثَقُ بِإِذْنِهِ لِضَرُورَةِ النَّاسِ.
[قَوْلُهُ: ثُمَّ يُسَلِّمُ] هَكَذَا اخْتَارَ ابْنُ رُشْدٍ الْبَدْءَ بِالِاسْتِئْذَانِ، وَقَالَ غَيْرُهُ: يَقُولُ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَأَدْخُلُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَيُقَدِّمُ السَّلَامَ وَاخْتُلِفَ فِي الْأَعْمَى هَلْ يُخَاطَبُ بِهِ أَمْ لَا.
[قَوْلُهُ: وَيُرَغَّبُ فِي عِيَادَةِ الْمَرِيضِ] فِي الِاسْتِذْكَارِ: «مَنْ عَادَ مَرِيضًا خَاضَ فِي رَحْمَةِ اللَّهِ فَإِذَا جَلَسَ عِنْدَهُ اسْتَقَرَّ فِيهَا» ، ق: وَجَاءَ أَيْضًا «مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ ثُمَّ عَادَ مَرِيضًا أَبْعَدَهُ اللَّهُ مِنْ النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا» .
[قَوْلُهُ: وَلَيْسَ لِذِكْرِهِ هُنَا مُنَاسَبَةٌ] قَالَ الشَّيْخُ فِي شَرْحِهِ: وَلَعَلَّ الْمُصَنِّفَ أَعَادَهَا فِي الِاسْتِئْذَانِ دَفْعًا لِمَا يُتَوَهَّمُ مِنْ جَوَازِ الدُّخُولِ عَلَى الْمَرِيضِ مِنْ غَيْرِ اسْتِئْذَانٍ لِشِدَّةِ حَاجَتِهِ إلَى مَنْ يَعُودُهُ. .
[قَوْلُهُ: وَلَا يَتَنَاجَى. . . إلَخْ] لَمَّا كَانَ بَيْنَ التَّنَاجِي وَالدُّخُولِ مِنْ غَيْرِ اسْتِئْذَانٍ مُنَاسَبَةٌ وَهِيَ الِاشْتِرَاكُ فِي النَّهْيِ، ذَكَرَ مَسْأَلَةَ التَّنَاجِي عَقِبَ مَسْأَلَةِ الِاسْتِئْذَانِ وَالتَّنَاجِي هُوَ التَّسَارُرُ بِالْكَلَامِ لِيُخْفِيَ ذَلِكَ عَنْ الْغَيْرِ، كَذَا قَالَ ابْنُ عُمَرَ، وَالنَّهْيُ نَهْيُ حُرْمَةٍ إنْ خَشِيَ الْمُتَنَاجِيَانِ أَنَّ صَاحِبَهُمَا يَظُنُّ أَنَّهُمَا يَتَحَدَّثَانِ فِي غَدْرِهِ كَانَ فِي حَضَرٍ أَوْ سَفَرٍ، وَنَهْيُ كَرَاهَةٍ إنْ أَمِنَّا مِنْ ظَنِّهِ ذَلِكَ كَانَ فِي حَضَرٍ أَوْ سَفَرٍ قَالَهُ فِي التَّحْقِيقِ، وَفِي مَعْنَى التَّنَاجِي الْكَلِمُ بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ مَعَ مَنْ يَعْرِفُ بِحَضْرَةِ مَنْ لَا يَعْرِفُ سِوَى الْعَرَبِيَّةِ.
[قَوْلُهُ: ثَلَاثَةٌ فَمَا فَوْقُ] يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ الِاثْنَيْنِ لَيْسَ بِجَمَاعَةٍ عِنْدَهُ مَعَ أَنَّهُمَا جَمَاعَةٌ عِنْدَ مَالِكٍ.
[قَوْلُهُ: ع وَهُوَ الْمَشْهُورُ] وَمُقَابِلُهُ مَا قَالَهُ صَاحِبُ الْقَبَسِ مِنْ أَنَّ تَنَاجِيَ الْجَمَاعَةِ دُونَ الْجَمَاعَةِ إمَّا مَكْرُوهٌ أَوْ حَرَامٌ، وَقَوْلُهُ: وَقَدْ قِيلَ إلَخْ أَيْ وَقَدْ قَالُوا.
[قَوْلُهُ: مَثَلًا] لَا حَاجَةَ لَهُ، وَذَلِكَ أَنَّ مَا زَادَ عَلَى اثْنَيْنِ أَوْلَى وَلَفْظَةُ مَثَلًا يُؤْتَى بِهَا فِي مَقَامٍ رُبَّمَا يُتَوَهَّمُ مِنْهُ الْحَصْرُ وَهَذَا لَا يُتَوَهَّمُ.
[قَوْلُهُ: ع هُوَ الْمَشْهُورُ] أَيْ فَهُوَ تَقْيِيدٌ لِلنَّهْيِ السَّابِقِ وَمُقَابِلُ الْمَشْهُورِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ وَإِنْ أَذِنَ لَهُمْ.
[قَوْلُهُ: الْهِجْرَةُ] أَيْ الْهِجْرَانُ، وَقَوْلُهُ: قَدْ تَقَدَّمَ أَيْ فَلَا حَاجَةَ لِإِعَادَتِهِ وَإِنْ كَانَ الْأَنْسَبُ تَأْخِيرَهُ لِمَا بَيْنَ الْهِجْرَانِ وَالتَّنَاجِي مِنْ الْمُنَاسَبَةِ وَهِيَ الْمُشَارَكَةُ فِي النَّهْيِ. .
[قَوْلُهُ: مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ] عُمْرُهُ ثَلَاثُونَ سَنَةً، وَقِيلَ ثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً.
[قَوْلُهُ: أَعْلَمُكُمْ بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ] أَعْلَمُ أَنَّ هَذَا لَا يَقْتَضِي تَفْضِيلَهُ عَلَى الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ لِأَنَّ أُولَئِكَ كَمُلَتْ فِيهِمْ الصِّفَاتُ كُلُّهَا وَاعْتَدَلَتْ فَلَمْ يَتَرَجَّحْ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ، وَأَمَّا هَذَا فَقَدْ كَمُلَتْ فِيهِ صِفَةُ الْعِلْمِ بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ فَتَمَيَّزَ فِيهِ عَلَى مَنْ لَمْ يَكْمُلْ فِيهِ، وَلَوْ سَلَّمْنَا زِيَادَتَهُ فِيهِ عَلَى أُولَئِكَ لَمْ يَقْتَضِ ذَلِكَ تَفْضِيلًا لِأَنَّ الْمَفْضُولَ قَدْ يَتَمَيَّزُ بِمَزِيَّةٍ بَلْ بِمَزَايَا لَمْ تُوجَدْ فِي الْفَاضِلِ لِأَنَّهُ قَدْ خَلَفَ تِلْكَ الْمَزَايَا مَزَايَا أُخَرُ أَجَلُّ مِنْهَا
بِاللِّسَانِ وَأَنْ يُرِيدَ الذِّكْرَ بِالْقَلْبِ، فَإِنْ أَرَادَ الثَّانِيَ فَيَحْصُلُ بِهِ الْجَمْعُ بَيْنَ مَا قَالَهُ (وَ) مَا قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رضي الله عنه وَهُوَ (أَفْضَلُ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ بِاللِّسَانِ ذِكْرُ اللَّهِ عِنْدَ أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ) فَلْيُمْتَثَلْ مَا أَمَرَهُ اللَّهُ بِهِ وَيُنْتَهَى عَمَّا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ (وَمِنْ دُعَاءِ رَسُولِ اللَّهِ عليه الصلاة والسلام كُلَّمَا أَصْبَحَ وَأَمْسَى اللَّهُمَّ) أَيْ يَا اللَّهُ (بِك) أَيْ بِقُدْرَتِك (نُصْبِحُ وَبِ) قُدْرَتِ (كَ نُمْسِي وَبِك نَحْيَا وَبِك نَمُوتُ وَتَقُولُ) زِيَادَةً عَلَى ذَلِكَ إنْ كُنْت (فِي الصَّبَاحِ وَإِلَيْك النُّشُورُ) أَيْ انْتِشَارُ النَّاسِ مِنْ قُبُورِهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ (وَ) إنْ كُنْت (فِي الْمَسَاءِ) قُلْت: بَدَلَ مَا زِدْته (وَإِلَيْك الْمَصِيرُ) وَهَذَا الْحَدِيثُ خَرَّجَهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ الْأَرْبَعِ بِلَفْظِ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إذَا أَصْبَحَ قَالَ: اللَّهُمَّ بِكَ أَصْبَحْنَا وَبِك أَمْسَيْنَا وَبِك نَحْيَا وَبِك نَمُوتُ وَإِلَيْك النُّشُورُ» . «وَإِذَا أَمْسَى قَالَ: اللَّهُمَّ بِك أَمْسَيْنَا وَبِك أَصْبَحْنَا وَبِك نَحْيَا وَبِك نَمُوتُ وَإِلَيْك الْمَصِيرُ» . (وَرُوِيَ) أَنَّهُ يَقُولُ: (مَعَ ذَلِكَ) الدُّعَاءَ الْمُتَقَدِّمَ فِي الصَّبَاحِ: (" اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنْ أَعْظَمِ عِبَادِك عِنْدَك حَظًّا وَنَصِيبًا فِي كُلِّ خَيْرٍ تَقْسِمُهُ فِي هَذَا الْيَوْمِ وَفِيمَا بَعْدَهُ مِنْ نُورٍ) أَيْ هُدًى (تَهْدِي بِهِ أَوْ رَحْمَةٍ) بِمَعْنَى نِعْمَةٍ
ــ
[حاشية العدوي]
وَأَعْظَمُ وَالْكَثْرَةُ بِثَلَاثِمِائَةِ كُلِّ يَوْمٍ.
[قَوْلُهُ: يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ الذِّكْرَ بِاللِّسَانِ] وَالذَّكِيُّ الْكَامِلُ مَا كَانَ بِالْقَلْبِ وَاللِّسَانِ أَيْ أَكْثَرُ ثَوَابًا.
[قَوْلُهُ: وَهُوَ] أَيْ مَا قَالَهُ عُمَرُ.
[قَوْلُهُ: ذِكْرُ اللَّهِ] أَيْ ذِكْرُهُ بِالْقَلْبِ، وَقَوْلُهُ: عِنْدَ أَمْرِهِ أَيْ فَيَقِفُ عِنْدَ الْحُدُودِ إنْ رَأَى وَاجِبًا ذَكَرَ اللَّهَ بِقَلْبِهِ فَفَعَلَهُ، وَإِنْ رَأَى مَحْظُورًا ذَكَرَ اللَّهَ بِقَلْبِهِ فَاجْتَنَبَهُ، وَمَعْنَى ذَكَرَ اللَّهَ أَيْ ذَكَرَ ثَوَابَهُ وَعِقَابَهُ أَوْ أَنَّهُ لَا حَاجَةَ لِذَلِكَ لِأَنَّهُ ذَاتٌ مُتَّصِفَةٌ بِصِفَةِ الْجَلَالِ وَالْجَمَالِ وَمَنْ كَانَ كَذَلِكَ فَيَمْتَثِلُ أَمْرَهُ وَنَهْيَهُ.
قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: ذِكْرُ اللَّهِ ضَرْبَانِ ذِكْرٌ بِالْقَلْبِ وَذِكْرٌ بِاللِّسَانِ، وَذِكْرُ الْقَلْبِ نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا وَهُوَ أَرْفَعُ الْأَذْكَارِ وَأَجَلُّهَا الْفِكْرُ فِي عَظَمَةِ اللَّهِ وَجَلَالِهِ وَجَبَرُوتِهِ وَآيَاتِهِ فِي سَمَائِهِ وَأَرْضِهِ، وَالثَّانِي ذِكْرُهُ بِالْقَلْبِ عِنْدَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ فَيَمْتَثِلُ مَا أَمَرَ بِهِ وَيَنْتَهِي عَمَّا نَهَى عَنْهُ وَيَقِفُ عَمَّا أُشْكِلَ عَلَيْهِ، وَأَمَّا ذِكْرُ اللِّسَانِ مُجَرَّدًا فَهُوَ أَضْعَفُ الْأَذْكَارِ وَلَكِنْ فِيهِ فَضْلٌ عَظِيمٌ كَمَا جَاءَتْ بِهِ الْأَحَادِيثُ.
[قَوْلُهُ: كُلَّمَا أَصْبَحَ] أَيْ دَخَلَ فِي الصَّبَاحِ وَكُلَّمَا أَمْسَى أَيْ دَخَلَ فِي الْمَسَاءِ، وَأَصْبَحَ وَأَمْسَى هُنَا تَامَّانِ وَفِي الْإِتْيَانِ بِكُلَّمَا الْإِشَارَةُ إلَى الْمُدَاوَمَةِ عَلَى هَذَا الدُّعَاءِ فِي الصَّبَاحِ وَالْمَسَاءِ.
[قَوْلُهُ: بِكَ] قَدَّمَ الْجَارَّ وَالْمَجْرُورَ لِلِاخْتِصَاصِ.
[قَوْلُهُ: نُصْبِحُ إلَخْ] بِضَمِّ النُّونِ فِيهِمَا أَيْ بِك نَدْخُلُ فِي الصَّبَاحِ وَنَدْخُلُ فِي الْمَسَاءِ.
[قَوْلُهُ: أَيْ انْتِشَارُ النَّاسِ مِنْ قُبُورِهِمْ] أَيْ خُرُوجُ النَّاسِ مِنْ قُبُورِهِمْ وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا لَيْسَ مُنَاسِبًا لِلْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ لِأَنَّ الْمَعْنَى اللُّغَوِيَّ لِلنُّشُورِ كَمَا يُفِيدُهُ الْمِصْبَاحُ إحْيَاءُ الْمَوْتَى، وَالْمَعْنَى: وَنُشُورُهُمْ إلَيْك أَيْ مَشْيُهُمْ إلَى جَزَائِك.
[قَوْلُهُ: وَإِلَيْك الْمَصِيرُ] أَيْ وَإِلَيْك الرُّجُوعُ بِالْمَوْتِ، وَلَمَّا كَانَ الْإِيقَاظُ يُشْبِهُ حَالَةَ حَيَاةِ الْمَوْتَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَحَالَةَ نَوْمِهِمْ تُشْبِهُ حَالَةَ مَوْتِهِمْ نَاسَبَ عِنْدَهُمَا تَذَكُّرُ مَا يُشْبِهُهُمَا الْحَامِلُ عَلَى الزُّهْدِ فِي هَذِهِ الدَّارِ وَالرَّغْبَةِ فِي دَارِ الْقَرَارِ، وَلَيْسَ هُنَا اسْتِعَارَةٌ وَالدُّعَاءُ أَوْ الذِّكْرُ الْمَطْلُوبُ عِنْدَ الصَّبَاحِ يَدْخُلُ وَقْتُهُ بِطُلُوعِ الْفَجْرِ، لَكِنَّ الْأَحْسَنَ فِعْلُهُ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ إلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَالْمَطْلُوبُ فِي الْمَسَاءِ الْأَحْسَنُ فِعْلُهُ عِنْدَ اصْفِرَارِ الشَّمْسِ أَوْ قُرْبِهِ بِيَسِيرٍ أَوْ بَعْدَهُ إلَى النَّوْمِ.
[قَوْلُهُ: أَصْحَابُ السُّنَنِ] أَيْ الْأَرْبَعَةُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيِّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَصَدَ بِذَلِكَ الرَّدَّ عَلَى زَرُّوقٍ حَيْثُ قَالَ: وَهَذَا الْحَدِيثُ لَمْ أَقِفْ عَلَى تَخْرِيجِهِ إلَّا أَنَّهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ فِي حَالَةِ الصَّبَاحِ قَدَّمَ الصَّبَاحَ عَلَى الْمَسَاءِ، وَفِي حَالَةِ الْمَسَاءِ قَدَّمَ الْمَسَاءَ عَلَى الصَّبَاحِ، وَوَجْهُهُ ظَاهِرٌ، وَأَمَّا الْمُصَنِّفُ فَقَدَّمَ الصَّبَاحَ فِي الْحَالَتَيْنِ وَلَعَلَّ وَجْهَهُ أَنَّ ظُهُورَ أَثَرِ الْقُدْرَةِ فِيهِ أَظْهَرُ.
[قَوْلُهُ: مِنْ أَعْظَمِ] أَيْ أَشْرَفِ [قَوْلُهُ: حَظًّا وَنَصِيبًا] هُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ وَهُوَ السَّعْدُ قَالَهُ فِي التَّحْقِيقِ [قَوْلُهُ: فِي كُلِّ خَيْرٍ] هُوَ النَّفْعُ الَّذِي لَا ضَرَرَ فِيهِ.
[قَوْلُهُ: تَقْسِمُهُ] أَيْ تُهَيِّئُهُ وَتُحْضِرُهُ قَالَ فِي التَّحْقِيقِ: وَإِنَّمَا حَمَلْنَا الْقِسْمَةَ عَلَى التَّهْيِئَةِ وَالْحُضُورِ لِأَنَّ الْمَقْسُومَ فِي الْأَزَلِ لَا يَزِيدُ وَلَا يَنْقُصُ.
[قَوْلُهُ: مِنْ نُورٍ] أَيْ هُدًى وَهُوَ خَلْقُ الْقُدْرَةِ عَلَى الطَّاعَةِ كَذَا فِيهِ أَيْضًا، فَإِذَا عَلِمْت ذَلِكَ فَنَقُولُ قَوْلُهُ مِنْ نُورٍ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ أَيْ أَثَرِ نُورٍ، وَذَلِكَ لِأَنَّ خَلْقَ الْقُدْرَةِ مِنْ صِفَاتِ الْأَفْعَالِ فَلَا تَتَعَلَّقُ بِهِ قِسْمَةٌ إنَّمَا الْقِسْمَةُ تَتَعَلَّقُ
(تَنْشُرُهَا) أَيْ تُظْهِرُهَا (أَوْ رِزْقٍ) حَلَالٍ (تَبْسُطُهُ) أَيْ تُكْثِرُهُ (أَوْ ضُرٍّ تَكْشِفُهُ) أَيْ تُزِيلُهُ (أَوْ ذَنْبٍ) نَهَيْت أَنْتَ أَوْ رَسُولُك عَنْهُ (تَغْفِرُهُ) أَيْ تَسْتُرُهُ (أَوْ شِدَّةٍ) وَهِيَ مَا تُصِيبُ الْإِنْسَانَ مِنْ الْكُرَبِ وَالْأَحْزَانِ وَالْأَنْكَادِ وَضِيقِ الْعَيْشِ (تَرْفَعُهَا) أَيْ تُزِيلُهَا (أَوْ فِتْنَةٍ) وَهِيَ كُلُّ مَا يَشْغَلُ عَنْ اللَّهِ مِنْ أَهْلٍ وَمَالٍ وَوَلَدٍ (تَصْرِفُهَا أَوْ مُعَافَاةٍ) أَيْ سَلَامَاتٌ (تَمُنُّ) أَيْ تَتَفَضَّلُ (بِهَا بِرَحْمَتِك) أَيْ بِإِرَادَتِك (إنَّك عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) تَنْبِيهٌ:
ظَاهِرُ قَوْلِهِ وَرُوِيَ أَنَّهُ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ وَصَرَّحَ بِهِ ق، وَاَلَّذِي رَوَيْنَاهُ أَنَّهُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما وَقَدْ يُقَالُ: هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الشَّيْخِ لِتَغْيِيرِهِ الْأُسْلُوبَ
«وَمِنْ دُعَائِهِ عليه الصلاة والسلام عِنْدَ إرَادَةِ النَّوْمِ أَنَّهُ كَانَ يَضَعُ يَدَهُ الْيُمْنَى تَحْتَ خَدِّهِ الْأَيْمَنِ بَعْدَ أَنْ يَضْطَجِعَ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ وَيَدَهُ الْيُسْرَى عَلَى فَخِذِهِ الْأَيْسَرِ ثُمَّ يَقُولُ سِرًّا وَإِنْ جَهَرَ فَلَا حَرَجَ: اللَّهُمَّ بِاسْمِك» أَيْ بِك أَيْ بِقُدْرَتِك «وَضَعْت جَنْبِي وَبِاسْمِك أَرْفَعُهُ اللَّهُمَّ إنْ أَمْسَكْت» أَيْ قَبَضْت «نَفْسِي» قَبْضَ وَفَاةٍ «فَاغْفِرْ لَهَا» أَيْ فَاسْتُرْهَا «وَإِنْ أَرْسَلْتهَا» أَيْ رَدَدْتهَا إلَى جَسَدِهَا «فَاحْفَظْهَا بِمَا تَحْفَظُ بِهِ الصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِك اللَّهُمَّ إنِّي أَسْلَمْت نَفْسِي إلَيْك» إذْ لَا قُدْرَةَ لِي عَلَى تَدْبِيرِهَا «وَأَلْجَأْت» أَيْ
ــ
[حاشية العدوي]
بِمُتَعَلِّقَةِ، ثُمَّ إنَّ الْمُنَاسِبَ أَنْ تُفَسَّرَ الْقُدْرَةُ بِسَلَامَةِ الْأَسْبَابِ وَالْآلَاتِ لَا بِالْعَرْضِ الْمُقَارَنِ بِقَوْلِهِ تَهْدِي بِهِ إذْ لَوْ أُرِيدَ الْعَرْضُ الْمُقَارَنُ مَا صَحَّ، وَقَوْلُهُ: تَهْدِي بِهِ أَيْ تُوصِلُ بِهِ إلَى الْخَيْرِ، وَأَرَادَ بِهِ الطَّاعَاتِ لَا بِالْمَعْنَى الْمُتَقَدِّمِ الشَّامِلِ.
[قَوْلُهُ: بِمَعْنَى نِعْمَةٍ] أَيْ مُنْعِمٌ بِهِ لَا بِمَعْنَى الْإِنْعَامِ كَجَاهٍ يُصْرَفُ فِي طَاعَةِ الْمَوْلَى وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ الرِّزْقِ الْحَلَالِ وَإِنْ كَانَ مِنْهَا لِعَطْفِهِ عَلَيْهِ، وَقَوْلُهُ: حَلَالٌ إنَّمَا قَيَّدَ بِهِ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَدْعُو بِالرِّزْقِ الْحَرَامِ كَمَا فِي التَّحْقِيقِ، وَأَخَذَ مِنْهُ أَنَّ الْغِنَى أَفْضَلُ مِنْ الْفَقْرِ كَذَا فِي التَّحْقِيقِ.
[قَوْلُهُ: أَوْ ضُرٍّ] هُوَ كُلُّ مَا يُصِيبُ الْإِنْسَانَ مِنْ الْأَمْرَاضِ، وَاعْلَمْ أَنَّ قَوْلَهُ أَوْ ضُرٍّ إلَخْ مَعْطُوفٌ عَلَى نُورٍ، وَلَا يَخْفَى أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ الْخَيْرِ إلَّا مِنْ حَيْثُ زَوَالِهَا أَيْ فَزَوَالُهَا هُوَ الْخَيْرُ، وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ عَلَى جِهَةِ الشَّفَقَةِ لِأُمَّتِهِ وَإِلَّا فَهُوَ مَعْصُومٌ.
[قَوْلُهُ: مِنْ الْكَرْبِ] هُوَ أَشَقُّ الْأُمُورِ عَلَى الْإِنْسَانِ، وَقَوْلُهُ: وَالْأَحْزَانُ جَمْعُ حُزْنٍ غَمٌّ لِمَا مَضَى، وَقَوْلُهُ: وَالْأَنْكَادُ جَمْعُ نَكَدٍ وَهُوَ تَعَسُّرُ الشَّيْءِ عَلَى الْإِنْسَانِ، فَضِيقُ الْعَيْشِ مِنْ أَفْرَادِهِ.
[قَوْلُهُ: تَصْرِفُهَا] أَيْ تَصْرِفُ الْأَشْغَالَ بِهَا أَيْ تُزِيلُهُ لَا أَنَّهُ يُزِيلُهَا بِحَيْثُ يَمُوتُ وَلَدُهُ وَيَذْهَبُ مَالُهُ.
[قَوْلُهُ: أَيْ بِإِرَادَتِك] قَالَ فِي التَّحْقِيقِ: وَفَسَّرْنَا الرَّحْمَةَ بِالْإِرَادَةِ لِأَنَّهَا تُطْلَقُ عَلَيْهَا كَمَا تُطْلَقُ عَلَى النِّعْمَةِ وَالنِّعْمَةُ تُطْلَقُ مُرَادًا بِهَا الْإِنْعَامُ وَالْمُنْعَمُ بِهِ، وَالثَّانِي لَا يَصِحُّ وَهُوَ ظَاهِرٌ وَكَذَا الْأَوَّلُ فَلْيُتَأَمَّلْ.
[قَوْلُهُ: لِتَغْيِيرِهِ الْأُسْلُوبَ] أَيْ الطَّرِيقَةُ لِأَنَّهُ قَالَ وَرُوِيَ.
[قَوْلُهُ: عِنْدَ إرَادَةِ النَّوْمِ] قَدَّرَ الْإِرَادَةَ لِأَنَّ اللَّفْظَ لَا يَصِحُّ إبْقَاؤُهُ عَلَى ظَاهِرِهِ [قَوْلُهُ: إنَّهُ كَانَ يَضَعُ] مُسَامَحَةً وَذَلِكَ أَنَّ ظَاهِرَ عِبَارَتِهِ أَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الدُّعَاءِ.
[قَوْلُهُ: بَعْدَ أَنْ يَضْطَجِعَ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ] وَالسَّبَبُ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْقَلْبَ فِي الْجِهَةِ الْيُسْرَى، فَإِذَا نَامَ عَلَى الْأَيْمَنِ يَكُونُ الْقَلْبُ مُعَلَّقًا فَيَسْتَيْقِظَ قَرِيبًا بِخِلَافِ النَّوْمِ عَلَى الْأَيْسَرِ فَلَا يَتَعَلَّقُ فَيَسْتَرِيحُ فَيَسْتَغْرِقُ فِي النَّوْمِ.
[قَوْلُهُ: فَلَا حَرَجَ] أَيْ فَلَا حُرْمَةَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ خِلَافُ الْأَوْلَى.
[قَوْلُهُ: أَيْ بِقُدْرَتِك] فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ فِي الْعِبَارَةِ حَذْفَ مُضَافَيْنِ، أَيْ بِصِفَةِ مَدْلُولِ اسْمِك أَيْ الْأَعْظَمِ أَيْ الَّذِي هُوَ اللَّهُ، وَإِنْ احْتَمَلَ غَيْرَهُ أَيْ الَّتِي هِيَ الْقُدْرَةُ فَالْمُرَادُ صِفَةٌ خَاصَّةٌ.
[قَوْلُهُ: اللَّهُمَّ إنْ أَمْسَكْت إلَخْ] ظَاهِرُهُ أَنَّ الرُّوحَ تَخْرُجُ مِنْ الْبَدَنِ عِنْدَ النَّوْمِ وَتَعُودُ إلَيْهِ عِنْدَ الِاسْتِيقَاظِ كَذَا قَالَ بَعْضٌ، وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي أَنَّ الرُّوحَ وَاحِدَةٌ وَهُوَ مُشْكِلٌ لِبَقَاءِ الْجَسَدِ، حَيًّا فِي حَالَةِ النَّوْمِ وَلَوْ خَرَجَتْ لَمْ يَبْقَ الْجِسْمُ حَيًّا.
قَالَ الشَّيْخُ: وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ بِأَنَّ الْخُرُوجَ فِي حَالَةِ النَّوْمِ لَيْسَ حَقِيقِيًّا بَلْ الْمُرَادُ بِهِ زَوَالُ إدْرَاكِهَا مَعَ بَقَائِهَا فِي الْجَسَدِ، قُلْت: وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ بِأَنَّ الْخُرُوجَ فِي حَالِ النَّوْمِ حَقِيقِيٌّ إلَّا أَنَّهُ هُنَاكَ ارْتِبَاطٌ مَعْنَوِيٌّ يَقُومُ مَقَامَ وُجُودِ الرُّوحِ فِي الْجَسَدِ.
[قَوْلُهُ: بِمَا تَحْفَظُ بِهِ الصَّالِحِينَ] أَيْ بِتَوْفِيقٍ وَدَفْعِ مَكَارِهَ دُنْيَوِيَّةٍ [قَوْلُهُ: إذْ لَا قُدْرَةَ لِي عَلَى تَدْبِيرِهَا] التَّدْبِيرُ هُوَ النَّظَرُ فِي عَوَاقِبِ
أَسْنَدْت «ظَهْرِي إلَيْك» مَعْنًى لَا حِسًّا لِتُقَوِّيَنِي وَتُعِينَنِي عَلَى مَا يَنْفَعُنِي وَتَدْفَعَ عَنِّي مَا يَضُرُّنِي «وَفَوَّضْت» أَيْ وَكَّلْت «أَمْرِي إلَيْك» تَفْعَلُ بِي مَا تُرِيدُ «وَوَجَّهْت وَجْهِي إلَيْك رَهْبَةً» أَيْ خَوْفًا «مِنْك وَرَغْبَةً إلَيْك» أَيْ طَمَعًا فِي رَحْمَتِك «لَا مَنْجَى» أَيْ لَا مَهْرَبَ «وَلَا مَلْجَأَ» أَيْ لَا مَرْجِعَ «مِنْك إلَّا إلَيْك أَسْتَغْفِرُك» أَيْ أَطْلُبُ مِنْك مَغْفِرَتَك وَهِيَ سَتْرُ الذُّنُوبِ «وَأَتُوبُ» أَيْ أَرْجِعُ «إلَيْك» مِنْ أَفْعَالٍ مَذْمُومَةٍ إلَى أَفْعَالٍ مَحْمُودَةٍ «آمَنْت» أَيْ صَدَّقْت «بِكِتَابِك» أَيْ الْقُرْآنُ «الَّذِي أَنْزَلْته» عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم «وَ» آمَنْت أَيْ صَدَّقْت «بِرَسُولِك» وَاَلَّذِي فِي الصَّحِيحِ وَنَبِيِّك «الَّذِي أَرْسَلْت فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْت» مِنْ الذُّنُوبِ «وَمَا أَخَّرْت» مِنْ التَّوْبَةِ «وَمَا أَسْرَرْت» أَيْ الَّذِي عَمِلْته سِرًّا «وَمَا أَعْلَنْت» جَهْرًا «أَنْتَ إلَهِي لَا إلَهَ» مَعْبُودٌ «إلَّا أَنْتَ» يَا «رَبِّ قِنِي عَذَابَك» أَيْ نَجِّنِي مِنْهُ «يَوْمَ تَبْعَثُ» أَيْ تَنْشُرُ «عِبَادَك»
(وَمِمَّا رُوِيَ) فِي السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ (عَنْ النَّبِيِّ عليه الصلاة والسلام فِي الدُّعَاءِ عِنْدَ الْخُرُوجِ مِنْ الْمَنْزِلِ: «اللَّهُمَّ إنِّي
ــ
[حاشية العدوي]
الْأُمُورِ.
[قَوْلُهُ: مَعْنًى] أَيْ حَالَةَ كَوْنِ الْإِسْنَادِ مَعْنَوِيًّا أَوْ إسْنَادَ مَعْنًى وَلَا حَاجَةَ بِذَلِكَ إذْ يُجْعَلُ قَوْلُهُ وَأَسْنَدْت ظَهْرِي كِنَايَةً عَنْ شِدَّةِ التَّوَجُّهِ إلَيْهِ وَالِاعْتِمَادِ عَلَيْهِ.
[قَوْلُهُ: وَفَوَّضْت إلَخْ] تَكْرَارٌ لِأَنَّهُ إذَا أَسْلَمَهَا فَوَّضَهَا، وَإِذَا فَوَّضَهَا أَسْلَمَهَا وَالتَّكْرَارُ فِي الدُّعَاءِ مَطْلُوبٌ، وَكَذَا قَوْلُهُ: وَجَّهْت وَجْهِي إلَيْك تَكْرَارٌ مَعَ قَوْلِهِ وَأَسْنَدْت ظَهْرِي إلَيْك أَيْ وَجَّهْت نَفْسِي إلَيْك إلَّا أَنَّ قَوْلَهُ: إذْ لَا قُدْرَةَ لِي عَلَى تَدْبِيرِهَا مَعَ قَوْلِهِ تَفْعَلُ بِي مَا تُرِيدُ مَا يُوجِبُ تَنَاقُضًا فِي الدُّعَاءِ وَذَلِكَ أَنَّهُ الْتَفَتَ فِي قَوْلِهِ إنِّي أَسْلَمْت نَفْسِي إلَيْك إلَى كَوْنِ الْمَوْلَى يَفْعَلُ بِهِ مَا بِهِ صَلَاحُهُ، وَالْتَفَتَ فِي هَذَا إلَى كَوْنِ الْمَوْلَى يَفْعَلُ بِهِ مَا يُرِيدُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ صَلَاحُهُ، وَخَصَّ الْوَجْهَ لِأَنَّهُ أَشْرَفُ الْجَسَدِ.
[قَوْلُهُ: أَيْ وَكَلْت] بِتَخْفِيفِ الْكَافِ الْمَفْتُوحَةِ [قَوْلُهُ: رَهْبَةً] مُؤَوَّلَةٌ بِاسْمِ الْفَاعِلِ أَيْ رَاهِبًا وَكَذَا فِيمَا بَعْدُ أَوْ فِي حَالِ كَوْنِي ذَا رَهْبَةٍ، وَذَا خَوْفٍ يَتَعَلَّقُ بِالْعَوَامِلِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَقَدَّمَ الْخَوْفَ عَلَى الرَّهْبَةِ لِلْإِشَارَةِ إلَى أَنَّ الْأَوْلَى تَقْدِيمُ الْخَوْفِ فِي الصِّحَّةِ.
[قَوْلُهُ: رِفْدُك] أَيْ عَطَائُكَ.
[قَوْلُهُ: لَا مَنْجَى] أَيْ لَا مَهْرَبَ بِالْقَصْرِ مِنْ غَيْرِ هَمْزٍ.
[قَوْلُهُ: وَلَا مَلْجَأَ] بِالْهَمْزِ. [قَوْلُهُ: أَيْ لَا مَرْجِعَ مِنْك] حَاصِلُهُ الْمَهْرَبُ، وَالْمَرْجِعُ كُلٌّ مِنْهُمَا مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ وَالتَّقْدِيرُ لَا هُرُوبَ وَلَا رُجُوعَ مِنْك إلَّا إلَيْك، وَالْمُرَادُ وَاحِدٌ وَهُوَ أَنَّنَا لَوْ هَرَبْنَا مِنْك وَرَجَعْنَا مِنْ عِنْدِك بِحَيْثُ نَظَرْنَا إلَى غَيْرِكَ نَرْجِعُ إلَيْك لِأَنَّنَا لَمْ نَجِدْ مِنْهُ إغَاثَةً.
[قَوْلُهُ: وَهِيَ سِتْرُ الذُّنُوبِ] تَقَدَّمَ مَا فِيهِ.
[قَوْلُهُ: وَأَتُوبُ] أَيْ فِي الْحَالِ [قَوْلُهُ: إلَى أَفْعَالٍ مَحْمُودَةٍ] إمَّا فِعْلًا أَوْ تَرْكًا، فَالْأَوَّلُ كَمَنْ كَانَ يَتْرُكُ الصَّلَاةَ فَتَابَ مِنْهُ فَإِنَّهُ قَدْ رَجَعَ مِنْ فِعْلٍ مَذْمُومٍ وَهُوَ التَّرْكُ إلَى فِعْلٍ مَحْمُودٍ وَهُوَ الْفِعْلُ، وَالثَّانِي كَمَنْ وَقَعَ مِنْهُ الزِّنَا وَتَابَ مِنْهُ فَقَدْ رَجَعَ مِنْ فِعْلٍ مَذْمُومٍ وَهُوَ الزِّنَا إلَى فِعْلٍ مَحْمُودٍ وَهُوَ التَّرْكُ، وَنُمْسِكُ عَنَانَ الْقَلَمِ وَقَوْلُهُ: وَاَلَّذِي فِي الصَّحِيحِ أَيْ صَحِيحِ مُسْلِمٍ: نَبِيِّك، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ وَرَدَ أَيْضًا بِلَفْظِ وَرَسُولِك وَلِذَا قَالَ النَّوَوِيُّ، يَنْبَغِي الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بِأَنْ يَقُولَ: وَنَبِيِّك وَرَسُولِك احْتِيَاطًا؛ لِأَنَّ بَعْضَ الشُّيُوخِ مَنَعَ الرِّوَايَةَ بِالْمَعْنَى فِي الدُّعَاءِ لِأَنَّ الْأَذْكَارَ وَالْأَدْعِيَةَ تَوْقِيفِيَّةٌ.
[قَوْلُهُ: مِنْ التَّوْبَةِ] وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ تَأْخِيرَ التَّوْبَةِ مَعْصِيَةٌ كَبِيرَةٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا فِي ذَلِكَ فِي الْعَقِيدَةِ فَرَاجِعْهُ [قَوْلُهُ: جَهْرًا] أَيْ مَا عَمِلْته جَهْرًا أَحَالَهُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ أَيْ يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الْغَيْرُ.
[قَوْلُهُ: مَعْبُودٌ. . . إلَخْ] فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ إلَهَ مَعْنَاهُ مَعْبُودٌ أَيْ بِحَقٍّ، وَكَانَ الْأَوْلَى زِيَادَتَهُ وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ وَالتَّقْدِيرُ لَا مَعْبُودَ أَيْ مَوْجُودَ إلَّا اللَّهُ.
[قَوْلُهُ: أَنْ تَنْشُرَ عِبَادَك] أَيْ تُحْيِيَ عِبَادَك.
[قَوْلُهُ: عِنْدَ الْخُرُوجِ] أَيْ فَيُنْدَبُ لِكُلِّ أَحَدٍ أَنْ يَقُولَهُ عِنْدَ الْخُرُوجِ.
[قَوْلُهُ: مِنْ الْمَنْزِلِ] لَيْسَ بِشَرْطٍ بَلْ مِثْلُهُ مَا إذَا خَرَجَ مِنْ فُنْدُقِهِ، قَالَ عج: وَانْظُرْ هَلْ يَدْخُلُ فِيمَا أَشْبَهَهُ الْمَسْجِدُ، وَظَاهِرُهُ كَانَ الْخُرُوجُ لِسَفَرٍ أَوْ غَيْرِهِ بَلْ هُوَ لِلسَّفَرِ أَشَدُّ طَلَبًا، وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّهُ يَقُولُهُ كُلَّمَا خَرَجَ وَلَوْ تَكَرَّرَ خُرُوجُهُ لِأَنَّ الْإِكْثَارَ مِنْ الدُّعَاءِ مَنْدُوبٌ فِي كُلِّ وَقْتٍ، وَفِي أَبِي دَاوُد بِسَنَدٍ صَحِيحٍ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ: «إذَا خَرَجَ الرَّجُلُ مِنْ بَيْتِهِ
أَعُوذُ» أَيْ أَتَحَصَّنُ «بِك أَنْ أَضِلَّ» أَيْ أَنْفَكَّ عَنْ الْحَقِّ «أَوْ أُضَلَّ» أَيْ يُضِلَّنِي غَيْرِي عَنْهُ «أَوْ أَزِلَّ» أَيْ أَزِيغَ عَنْ الْحَقِّ «أَوْ أُزَلَّ» أَيْ يُزِيغَنِي غَيْرِي عَنْهُ «أَوْ أَظْلِمَ أَوْ أُظْلَمَ» أَيْ سَلِّمْنِي أَنْ أَظْلِمَ أَحَدًا أَوْ يَظْلِمَنِي أَحَدٌ «أَوْ أَجْهَلَ أَوْ يُجْهَلَ عَلَيَّ» أَيْ سَلِّمْنِي أَنْ أَسَفَهُ عَلَى أَحَدٍ أَوْ يُسْفِهَ عَلَيَّ أَحَدٌ
(وَرُوِيَ)«عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم» «فِي دُبُرِ» بِضَمِّ الدَّالِ بِمَعْنَى عَقِبِ «كُلِّ صَلَاةٍ» مَكْتُوبَةٍ «أَنْ يُسَبِّحَ اللَّهَ» تَعَالَى «ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ وَيَحْمَدَ اللَّهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ وَيُكَبِّرَ اللَّه ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ وَيَخْتِمَ الْمِائَةَ بِلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» كَذَا فِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ بِتَقْدِيمِ التَّكْبِيرِ عَلَى التَّحْمِيدِ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي التَّهْلِيلِ: يُحْيِي وَيُمِيتُ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى هَذَا الذِّكْرِ فِي بَابِ صِفَةِ الْعَمَلِ فِي الصَّلَاةِ فَلْيُرَاجَعْ.
(وَ) مِمَّا رُوِيَ عَنْهُ عليه الصلاة والسلام فِي الذِّكْرِ (عِنْدَ) الْخُرُوجِ مِنْ (الْخَلَاءِ) بِالْمَدِّ وَهُوَ الْمَوْضِعُ الْمُعَدُّ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ أَنَّك (تَقُولُ: " الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي رَزَقَنِي لَذَّتَهُ) أَيْ الطَّعَامِ الْمَفْهُومُ مِنْ السِّيَاقِ عِنْدَ أَكْلِهِ (وَأَخْرَجَ عَنِّي مَشَقَّتَهُ) أَيْ مَا أَتَأَذَّى بِهِ (وَأَبْقَى فِي جِسْمِي قُوَّتَهُ) أَيْ مَا أَنْتَفِعُ بِهِ. د: وَهَذَا الْحَدِيثُ أَظُنُّهُ فِي الْمَرَاسِيلِ. ك: وَاَلَّذِي فِي الصَّحِيحَيْنِ: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنِّي الْأَذَى وَعَافَانِي مِنْ الْبَلَاءِ» . وَلَمْ يَذْكُرْ الشَّيْخُ دُعَاءَ الدُّخُولِ وَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ «كَانَ صلى الله عليه وسلم إذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ قَالَ: اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِك
ــ
[حاشية العدوي]
احْتَوَشَتْهُ الشَّيَاطِينُ فَإِذَا قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ تَوَكَّلْت عَلَى اللَّهِ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ قَالَ الْمَلَكُ: كُفِيتَ وَهُدِيت وَوُقِيت فَتُفَرَّقُ عَنْهُ الشَّيَاطِينُ وَيَقُولُونَ مَا تَصْنَعُونَ بِرَجُلٍ كُفِيَ وَهُدِيَ وَوُقِيَ» وَفِي رِوَايَةٍ يَقُولُ ذَلِكَ ثَلَاثَةً وَنُدِبَ أَنْ يَتَصَدَّقَ وَلَوْ بِالْقَلِيلِ عِنْدَ خُرُوجِهِ.
[قَوْلُهُ: أَنْ أَضِلَّ] بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ أَيْ أَنْفَكَّ عَنْ الْحَقِّ، أَيْ بِنَفْسِي لِلْعَطْفِ الَّذِي بَعْدَهُ وَقَوْلُهُ: أَوْ أُضَلَّ بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ، وَقَوْلُهُ: أَوْ أَزِلَّ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَأُزَلُّ بِضَمِّهَا.
قَالَ عج: وَالزَّلَلُ مَا يَقَعُ مَرَّةً وَاحِدَةً وَالْإِضْلَالُ التَّمَادِي عَلَى ذَلِكَ، وَقِيلَ الزَّلَلُ مَا يَقَعُ فِيهِ الْإِنْسَانُ بِالْأَقْوَالِ وَالْإِضْلَالُ بِالْأَفْعَالِ.
[قَوْلُهُ: أَوْ أَظْلِمَ] بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَقَوْلُهُ: أَوْ أُظْلَمَ بِضَمِّهَا وَقَوْلُهُ أَوْ أَجْهَلَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَقَوْلُهُ أَوْ يُجْهَلَ بِضَمِّ الْيَاءِ.
[قَوْلُهُ: أَيْ سَلِّمْنِي. . . إلَخْ] قَضِيَّةُ هَذَا التَّفْسِيرِ أَنْ يَكُونَ الْجَهْلُ أَخَصَّ مِنْ الظُّلْمِ، وَقِيلَ: الظُّلْمُ وَضْعُ الشَّيْءِ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ عَمْدًا وَالْجَهْلُ وَضْعُهُ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ. .
[قَوْلُهُ: بِضَمِّ الدَّالِ] أَيْ وَالْبَاءُ.
[قَوْلُهُ: مَكْتُوبَةٌ] أَيْ مَفْرُوضَةٌ، تَنْبِيهٌ:
هَذَا مِنْ بَابِ الذِّكْرِ لَا مِنْ بَابِ الدُّعَاءِ الَّذِي كَلَامُهُ فِيهِ، فَكَانَ يَنْبَغِي تَقْدِيمُهُ.
[قَوْلُهُ: أَنْ يُسَبِّحَ اللَّهَ] فَإِذَا حَصَلَ لِلْإِنْسَانِ الشَّكُّ فِي الْعَدَدِ فَيَحْتَاطُ وَيُكْمِلُ وَتَكْرَهُ الزِّيَادَةُ عِنْدَ تَحَقُّقِ الْعَدَدِ.
[قَوْلُهُ: وَيُكَبِّرَ اللَّهَ. . . إلَخْ] وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّ التَّكْبِيرَ أَرْبَعٌ وَثَلَاثُونَ.
قَالَ النَّوَوِيُّ: وَيَنْبَغِي أَنْ يَحْتَاطَ بِثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ تَسْبِيحَةً وَمِثْلِهَا تَحْمِيدَاتٍ، وَبِأَرْبَعٍ وَثَلَاثِينَ تَكْبِيرَةً قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: وَلَهُ أَنْ يَجْمَعَ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ بِأَنْ يَقُولَ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ ذَكَرَهُ فِي التَّحْقِيقِ.
[قَوْلُهُ: وَلَمْ يَذْكُرْ. . . إلَخْ] لَمْ يَقْصِدْ بِذَلِكَ اعْتِرَاضًا وَكَأَنَّهُ قَالَ: وَلَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ وَإِنَّمَا هُوَ ثَابِتٌ فِي بَعْضِ نُسَخِ الْمُصَنِّفِ فِيمَا تَقَدَّمَ. .
[قَوْلُهُ: الْخَلَاءُ] بِالْمَدِّ سُمِّيَ بِالْخَلَاءِ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ يَكُونُ فِيهِ خَالِيًا عَنْ النَّاسِ [قَوْلُهُ: عِنْدَ أَكْلِهِ] أَيْ لَذَّتِهِ عِنْدَ أَكْلِهِ، وَقَضِيَّتُهُ أَنْ لَا يَقُولَ ذَلِكَ فِي الْأَوَّلِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ.
[قَوْلُهُ: أَيْ مَا أَتَأَذَّى بِهِ] وَهُوَ الْغَائِطُ أَيْ فَعَبَّرَ عَنْ الْغَائِطِ بِالْمَشَقَّةِ لِأَنَّهَا تَنْشَأُ عَنْ بَقَائِهِ، وَيَصِحُّ أَنْ تَبْقَى الْعِبَارَةُ عَلَى ظَاهِرِهَا وَالْمَعْنَى أَذْهِبْ عَنِّي مَشَقَّةَ بَقَائِهِ [قَوْلُهُ: أَيْ مَا أَنْتَفِعُ بِهِ] لِأَنَّ الْعُرُوقَ تَتَغَذَّى مِنْ ذَلِكَ فَتَقْوَى أَعْضَاؤُهُ عَلَى الطَّاعَاتِ، فَظَهَرَ أَنَّ فِي إطْلَاقِ الْقُوَّةِ عَلَى مَا يَجْرِي فِي الْعُرُوقِ مَجَازًا مِنْ إطْلَاقِ الْمُسَبَّبِ عَلَى السَّبَبِ.
[قَوْلُهُ: أَظُنُّهُ فِي الْمَرَاسِيلِ] إمَّا مَرَاسِيلُ أَبِي دَاوُد أَوْ مُطْلَقُ مَرَاسِيلَ جَمْعُ مُرْسَلٍ وَهُوَ مَرْفُوعُ التَّابِعِيِّ، وَاعْتَرَضَ عج قَوْلَ زَرُّوقٍ فَقَالَ: وَانْظُرْ قَوْلَ د: أَظُنُّهُ فِي الْمَرَاسِيلِ وَقَدْ ذَكَرَهُ ابْنُ عُمَرَ عَنْهُ صلى الله عليه وسلم.
[قَوْلُهُ: الْأَذَى] وَهُوَ الْفَضْلَةُ، وَقَوْلُهُ: مِنْ الْبَلَاءِ أَيْ الْمَرَضُ الَّذِي يَنْشَأُ بِبَقَائِهَا فِي الْجِسْمِ.
[قَوْلُهُ: إذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ] أَيْ إذَا أَرَادَ أَنْ يَدْخُلَ الْخَلَاءَ.
[قَوْلُهُ: مِنْ الْخُبُثِ] الْخُبُثُ بِضَمِّ
مِنْ الْخُبْثِ وَالْخَبَائِثِ»
. (وَتَتَعَوَّذُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ تَخَافُهُ) مِنْ إنْسٍ وَجِنٍّ وَحَيَوَانٍ (وَعِنْدَمَا تَحِلُّ بِمَوْضِعٍ أَوْ تَجْلِسُ بِمَكَانٍ أَوْ تَنَامُ فِيهِ تَقُولُ: أَعُوذ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ) أَيْ الْقُرْآنِ (مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ وَمِنْ التَّعَوُّذِ أَنْ تَقُولَ أَعُوذُ بِوَجْهِ اللَّهِ الْكَرِيمِ) أَيْ ذَاتِهِ الْكَرِيمَةُ (وَبِكَلِمَاتِهِ) أَيْ اللَّهِ (التَّامَّاتِ الَّتِي لَا يُحَاوِزُهُنَّ) أَيْ لَا يَبْلُغُ مَنْ تَحَصَّنَ بِهِنَّ (بَرٌّ وَلَا فَاجِرٌ) أَيْ مَكْرُوهُ بَرٍّ وَلَا مَكْرُوهُ فَاجِرٍ (وَ) أَعُوذُ (بِأَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى) وُصِفَتْ بِذَلِكَ لِمَا تَضَمَّنَتْهُ مِنْ الْمَعَانِي الْحَسَنَةِ مِنْ تَحْمِيدٍ وَتَشْرِيفٍ (كُلُّهَا) تَأْكِيدٌ وَأُخِذَ مِنْ قَوْلِهِ: (مَا عَلِمْت مِنْهَا وَمَا لَمْ أَعْلَمْ) أَنَّ أَسْمَاءَ اللَّهِ تَعَالَى أَكْثَرُ مِنْ التِّسْعَةِ وَالتِّسْعِينَ وَهُوَ كَذَلِكَ وَقَوْلُهُ: (مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ وَذَرَأَ وَبَرَأَ) أَلْفَاظٌ مُتَرَادِفَةٌ (وَ) أَعُوذُ بِاَللَّهِ (مِنْ شَرِّ مَا يَنْزِلُ مِنْ السَّمَاءِ) كَالصَّوَاعِقِ فَتُصِيبُ أَهْلَ الْأَرْضِ (وَ) أَعُوذُ بِك (مِنْ شَرِّ مَا يَعْرُجُ فِيهَا) أَيْ يَصْعَدُ فِي السَّمَاءِ مِمَّا هُوَ سَبَبٌ لِنُزُولِ الْبَلَاءِ وَهُوَ سَيِّئِ الْأَعْمَالِ (وَ) أَعُوذُ بِك (مِنْ شَرِّ مَا ذَرَأَ) أَيْ خَلَقَ (فِي الْأَرْضِ وَمِنْ شَرِّ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا) مِمَّا لَهُ شَرٌّ
ــ
[حاشية العدوي]
الْخَاءِ وَالْبَاءِ جَمْعُ خَبِيثٍ وَالْخَبَائِثُ جَمْعُ خَبِيثَةٍ، اسْتَعَاذَ مِنْ ذُكْرَانِ الشَّيَاطِينِ وَإِنَاثِهِمْ كَذَا فِي التَّحْقِيقِ، وَفِي تت: الْخُبْثُ بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِهَا.
[قَوْلُهُ: وَيَتَعَوَّذُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ] يُحْتَمَلُ عِنْدَ الْخَلَاءِ وَيُحْتَمَلُ فِي كُلِّ مَكَان.
[قَوْلُهُ: أَوْ تَجْلِسُ بِمَكَانٍ] مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ.
[قَوْلُهُ: تَقُولُ أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ] أَيْ ثَلَاثًا كَمَا فِي مُسْلِمٍ فَإِنَّك إنْ قُلْت ذَلِكَ عِنْدَ الْمَسَاءِ وَلَوْ لَدَغَتْك عَقْرَبٌ أَوْ غَيْرُهَا لَمْ تَضُرَّ لَدْغَتُهَا كَمَا قَالَ صلى الله عليه وسلم وَوَرَدَ عَنْهُ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: «إذَا قَالَهَا مُسَافِرٌ عِنْدَ نُزُولِهِ لَمْ يَزَلْ مَحْفُوظًا حَتَّى يَرْتَحِلَ مِنْ مَنْزِلِهِ ذَلِكَ» ، وَمَعْنَى التَّامَّاتِ الْبَالِغَةُ الْغَايَةَ فِي الْبَلَاغَةِ وَالْفَصَاحَةِ لِأَنَّ كَلَامَ اللَّهِ مُعْجِزُ الْبَشَرِ، وَقِيلَ: جَمِيعُ مَا أَنْزَلَ عَلَى أَنْبِيَائِهِ وَمَعْنَى التَّامَّاتِ الَّتِي لَا يَعْتَرِيهَا نَقْصٌ وَلَا بَاطِلٌ، وَلَعَلَّ الظَّاهِرَ فِي التَّعْبِيرِ عَنْ الْقُرْآنِ بِالْكَلِمَاتِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ فِي كُلِّ كَلِمَةٍ سِرًّا عَظِيمًا.
[قَوْلُهُ: مِنْ التَّعَوُّذِ] أَيْ صِفَتِهِ الْوَارِدَةِ.
[قَوْلُهُ: أَيْ لَا يَبْلُغُ. . . إلَخْ] وَعِبَارَةٌ أُخْرَى لَا يَتَعَدَّاهُنَّ وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ.
[قَوْلُهُ: بَرٌّ] الْبَرُّ الْمُحْسِنُ الْمُطْمِعُ بِفَتْحِ الْبَاءِ وَالْفَاجِرُ ضِدُّهُ قَالَهُ عج، أَيْ وَوُقُوعُ الْمَكْرُوهِ مِنْ الْبَرِّ مُمْكِنٌ.
[قَوْلُهُ: لِمَا تَضَمَّنَتْهُ مِنْ الْمَعَانِي الْحَسَنَةِ] أَيْ لِمَا اسْتَلْزَمَتْهُ مِنْ مَعَانِي حَسَنَةٍ لَا أَنَّهَا مَعَانِيهَا الْمَدْلُولَةَ لَهَا، مَثَلًا: وَهَّابٌ مَعْنَاهُ كَثِيرُ الْهِبَةِ وَهَذَا مُتَضَمِّنٌ مَعْنَى هُوَ كَثْرَةُ حَمْدِ الْحَامِدِينَ وَتَعْظِيمِ الْمُعَلِّمِينَ.
[قَوْلُهُ: أَكْثَرُ مِنْ التِّسْعَةِ] قَالَ الْقُشَيْرِيُّ: لِلَّهِ أَلْفُ اسْمٍ ثَلَاثُمِائَةٍ فِي التَّوْرَاةِ وَثَلَاثُمِائَةٍ فِي الزَّبُورِ وَثَلَاثُمِائَةٍ فِي الْإِنْجِيلِ، وَتِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ فِي الْقُرْآنِ وَوَاحِدٌ فِي صُحُفِ إبْرَاهِيمَ قَالَهُ عج.
[قَوْلُهُ: أَلْفَاظٌ مُتَرَادِفَةٌ] مَعْنَاهَا الْإِيجَادُ مِنْ الْعَدَمِ إلَى الْوُجُودِ، وَلَعَلَّهُ ذَكَرَهَا كُلَّهَا لِلتَّنْبِيهِ عَلَى اتِّحَادِ مَعْنَاهَا.
[قَوْلُهُ: كَالصَّوَاعِقِ] جَمْعُ صَاعِقَةٍ وَهِيَ الرَّعْدُ الَّذِي مَعَهُ نَارٌ، فَإِذَا عَلِمْت ذَلِكَ فَقَوْلُهُ مِنْ السَّمَاءِ أَيْ مِنْ جِهَةِ السَّمَاءِ لِيَشْمَلَ مَا نَزَلَ مِنْ تَحْتِهَا كَمَا ذُكِرَ، وَأَدْخَلْت الْكَافُ مَا فِي مَعْنَاهَا مِنْ الْعَذَابِ الَّذِي يَنْزِلُ عَلَى أَهْلِ الْأَرْضِ فَيُصِيبُهُمْ.
[قَوْلُهُ: فِي السَّمَاءِ] أَرَادَ بِهَا حَقِيقَتَهَا [قَوْلُهُ: وَهُوَ سَيِّئُ الْأَعْمَالِ] أَيْ السَّيِّئُ مِنْ الْأَعْمَالِ أَيْ لِأَنَّ الْأَعْمَالَ مُطْلَقًا سَيِّئَةٌ أَوْ حَسَنَةٌ يُعْرَجُ بِهَا إلَى الْمَوْلَى عز وجل وَإِنْ كَانَ السَّبَبُ فِي نُزُولِ الْبَلَاءِ إنَّمَا هُوَ السَّيِّئُ، فَقَدْ وَرَدَ مَرْفُوعًا «أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُرْفَعُ إلَيْهِ عَمَلُ اللَّيْلِ قَبْلَ عَمَلِ النَّهَارِ، وَعَمَلُ النَّهَارِ قَبْلَ عَمَلِ اللَّيْلِ» وَلَا يُعَارِضُ هَذَا مَا وَرَدَ مِنْ «أَنَّ الْأَعْمَالَ تُعْرَضُ كُلَّ جُمُعَةٍ مَرَّتَيْنِ يَوْمَ الْخَمِيسِ وَالِاثْنَيْنِ» قَالَ الْوَلِيُّ الْعِرَاقِيُّ: لِاحْتِمَالِ عَرْضِ الْأَعْمَالِ عَلَيْهِ تَعَالَى كُلَّ يَوْمٍ ثُمَّ تُعْرَضُ عَلَيْهِ كُلَّ اثْنَيْنِ وَخَمِيسٍ ثُمَّ تُعْرَضُ عَلَيْهِ أَعْمَالُ السَّنَةِ فِي شَعْبَانَ فَتُعْرَضُ عَرْضًا بَعْدَ عَرْضٍ، وَلِكُلِّ عَرْضٍ حِكْمَةٌ يَسْتَأْثِرُ بِهَا مَعَ أَنَّهَا لَا تَخْفَى عَلَيْهِ مِنْ أَعْمَالِهِمْ خَافِيَةٌ.
[قَوْلُهُ: وَأَعُوذُ بِك مِنْ شَرِّ مَا ذَرَأَ. . . إلَخْ] كَذَا فِيمَا رَأَيْت مِنْ النُّسَخِ وَنُسْخَةُ التَّحْقِيقِ، وَأَعُوذُ بِاَللَّهِ. . . إلَخْ فَلَا الْتِفَاتَ وَيَأْتِي عَلَى كَلَامِ شَارِحِنَا الْتِفَاتٌ حَيْثُ أَتَى بِضَمِيرِ غَيْبَةٍ بَدَلَ كَافٍ الْخِطَابِ حَيْثُ قَالَ:«وَأَعُوذُ بِك مِنْ شَرِّ مَا ذَرَأَ» ، إنْ قَرَأْته بِالْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ.
[قَوْلُهُ: أَيْ خَلَقَ فِي الْأَرْضِ] أَيْ خَلَقَ عَلَى وَجْهِهَا، وَقَوْلُهُ: وَمِنْ شَرِّ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا أَيْ مِمَّا خُلِقَ فِي بَطْنِهَا، وَقَوْلُهُ: وَأَذِيَّةٌ عَطْفُ تَفْسِيرٍ
وَإِذَايَةٌ كَالْحَيَّاتِ وَالْعَقَارِبِ (وَمِنْ فِتْنَةِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ) أَيْ الْفِتْنَةُ الْوَاقِعَةُ فِيهِمَا (وَ) أَعُوذُ بِك (مِنْ طَوَارِقِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إلَّا طَارِقًا يَطْرُقُ بِخَيْرٍ يَا رَحْمَنُ) الطَّارِقُ مَا يَأْتِي بَغْتَةً (وَيُقَالُ فِي ذَلِكَ) أَيْ التَّعَوُّذِ (أَيْضًا وَ) أَعُوذُ بِاَللَّهِ (مِنْ شَرِّ كُلِّ دَابَّةٍ) الْمُرَادُ بِهَا هُنَا كُلُّ مَا اتَّصَفَ بِالدَّبِيبِ وَهُوَ الْمَشْيُ (إنَّ رَبِّي) أَيْ سَيِّدِي وَخَالِقِي (آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا) وَهُوَ مُقَدِّمُ الرَّأْسِ، وَهَذِهِ اسْتِعَارَةٌ بِمَعْنَى الْقَهْرِ وَالْغَلَبَةِ (إنَّ رَبِّي) أَيْ أَمْرَهُ (عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) مَعْنَاهُ أَنَّ تَصَرُّفَهُ لَا نَقْصَ فِيهِ وَلَا قُصُورَ، وَلَمْ يُبَيِّنْ الشَّيْخُ هَلْ هَذَا التَّعَوُّذُ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ أَمْ لَا، وَقَدْ بَيَّنَّا فِي الْأَصْلِ مَا قِيلَ فِيهِ (وَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ دَخَلَ مَنْزِلَهُ) مَثَلًا (أَنْ يَقُولَ: مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ) بَعْدَ مَا يُسَلِّمُ إنْ كَانَ ثَمَّ أَحَدٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يَقُولُ: السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ مَنْ قَالَ ذَلِكَ كَانَ حِرْزًا لِمَنْزِلِهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلا بِاللَّهِ} [الكهف: 39]
(وَيُكْرَهُ) كَرَاهَةَ تَحْرِيمٍ وَقِيلَ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ (الْعَمَلُ فِي الْمَسَاجِدِ مِنْ
ــ
[حاشية العدوي]
[قَوْلُهُ: أَيْ الْفِتَنُ الْوَاقِعَةُ. . . إلَخْ] أَيْ فَهُوَ مِنْ إضَافَةِ الْمَظْرُوفِ إلَى الظَّرْفِ أَيْ الْمِحَنُ وَالِابْتِلَاءَاتُ.
[قَوْلُهُ: مِنْ طَوَارِقِ اللَّيْلِ. . . إلَخْ] أَيْ حَوَادِثُهُ الَّتِي تَأْتِي لَيْلًا.
[قَوْلُهُ: إلَّا طَارِقًا] اسْتِثْنَاءٌ مُتَّصِلٌ، وَقَوْلُهُ: الطَّارِقُ مَا يَأْتِي بَغْتَةً أَيْ لَيْلًا هَكَذَا يُسْتَفَادُ مِنْ شَارِحِ الْمُوَطَّأِ، وَعِبَارَةُ التَّحْقِيقِ تُؤْذِنُ بِالْخِلَافِ فِي الْمَسْأَلَةِ وَتَرْجِيحُ الْعُمُومِ أَيْ أَنَّ الطَّارِقَ مَا يَأْتِي بَغْتَةً مُطْلَقًا، وَإِذَا عَلِمْت أَنَّ الطَّارِقَ مَا يَأْتِي بَغْتَةً فَيَكُونُ مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ، وَنُكْتَتُهُ لِكَوْنِهِ الْفَرْدَ الْأَشَقَّ وَيُمْكِنُ تَخْصِيصُ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ بِمَا أَفَادَهُ ق مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْفِتْنَةِ هُنَا الْمَيْلُ عَنْ الْحَقِّ وَالِاشْتِغَالُ عَنْ اللَّهِ فَيَكُونُ مِنْ عَطْفِ الْمُغَايِرِ، [قَوْلُهُ: يَطْرُقُ] بِضَمِّ الرَّاءِ.
[قَوْلُهُ: الْمُرَادُ بِهَا هُنَا] إنَّمَا عَبَّرَ بِالْمُرَادِ؛ لِأَنَّهَا فِي عُرْفِ الْفُقَهَاءِ ذَاتُ الْحَوَافِرِ أَفَادَهُ فِي التَّحْقِيقِ.
[قَوْلُهُ: أَيْ سَيِّدِي وَخَالِقِي. . . إلَخْ] إشَارَةٌ إلَى قَوْلَيْنِ فِي مَعْنَى الرَّبِّ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ الْمُصْلِحُ وَقِيلَ الْمَعْبُودُ وَقِيلَ الْمَالِكُ.
[قَوْلُهُ: وَهُوَ مُقَدِّمُ الرَّأْسِ. . . إلَخْ] اعْلَمْ أَنَّ النَّاصِيَةَ كَمَا قَالَ الْأَزْهَرِيُّ عِنْدَ الْعَرَبِ مَنْبَتُ الشَّعْرِ فِي مُقَدَّمِ الرَّأْسِ، وَيُسَمَّى الشَّعْرُ النَّابِتُ هُنَاكَ نَاصِيَةً بِاسْمِ مَنْبَتِهِ.
[قَوْلُهُ: وَهَذِهِ اسْتِعَارَةٌ] أَيْ مَجَازٌ مُرْسَلٌ لَا حَقِيقَةُ الِاسْتِعَارَةِ، وَبَيَانُ كَوْنِهِ مَجَازًا مُرْسَلًا أَنَّ الْقَهْرَ وَالْغَلَبَةَ يُلْزِمَانِ الْأَخْذَ بِالنَّاصِيَةِ وَلَمْ يُجْعَلْ عَلَى حَقِيقَتِهِ لِاسْتِحَالَتِهِ، وَيُسْتَفَادُ مِنْ بَعْضِ النُّقُولِ أَنَّ الْقَهْرَ مُرَادِفٌ لِلْغَلَبَةِ [قَوْلُهُ: مَعْنَاهُ أَنَّ تَصَرُّفَهُ] أَيْ فَالْمُرَادُ بِالْأَمْرِ التَّصَرُّفُ، وَاسْتُعِيرَ الصِّرَاطُ لِلْحَالَةِ أَيْ أَنَّ تَصَرُّفَ رَبِّي عَلَى وَجْهٍ مُسْتَقِيمٍ أَيْ لَيْسَ فِيهِ نَقْصٌ وَلَا قُصُورٌ، وَالْعَطْفُ فِيهِ مِنْ عَطْفِ اللَّازِمِ أَوْ الْمُسَاوِي وَالْخَطْبُ سَهْلٌ.
[قَوْلُهُ: وَلَمْ يُبَيِّنْ الشَّيْخُ هَلْ هَذَا] أَيْ الَّذِي هُوَ قَوْلُهُ مِنْ التَّعَوُّذِ أَنْ يَقُولَ: أَعُوذُ بِوَجْهِ اللَّهِ الْكَرِيمِ.
[قَوْلُهُ: وَقَدْ بَيَّنَّا فِي الْأَصْلِ مَا قِيلَ فِيهِ] بَيَّنَهُ فِي التَّحْقِيقِ بِقَوْلِهِ: تَنْبِيهٌ لَمْ يَذْكُرْ الْمُؤَلِّفُ هَلْ هَذَا التَّعَوُّذُ حَدِيثٌ أَوْ لَا.
وَقَالَ ع: إنَّهُ حَدِيثٌ عَلَّمَهُ جِبْرِيلُ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ فَتَبِعَهُ عِفْرِيتٌ بِشُعْلَةٍ مِنْ نَارٍ إلَى آخِرِهِ، قُلْت: لَيْسَ كُلُّهُ حَدِيثُ الْعِفْرِيتِ بَلْ حَدِيثَانِ أَحَدُهُمَا مَرْفُوعٌ وَالْآخَرُ مَوْقُوفٌ أُدْخِلَ بَعْضُهُمَا فِي بَعْضٍ وَزَادَ فِيهِ بَعْضَ أَلْفَاظٍ يُعْلَمُ ذَلِكَ بِسَوْقِ مَا فِي الْمُوَطَّأِ قَالَ فِيهِ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ قَالَ: «أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَرَأَى عِفْرِيتًا مِنْ الْجِنِّ يَطْلُبُهُ بِشُعْلَةٍ مِنْ نَارٍ كُلَّمَا الْتَفَتَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم رَآهُ، فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ: أَفَلَا أُعَلِّمُك كَلِمَاتٍ تَقُولُهُنَّ إذَا قُلْتهنَّ طَفِئَتْ شُعْلَتُهُ وَخَرَّ لِفِيهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بَلَى فَقَالَ جِبْرِيلُ عليه السلام: قُلْ أَعُوذُ بِوَجْهِ اللَّهِ الْكَرِيمِ وَبِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ الَّتِي لَا يُجَاوِزُهُنَّ بَرٌّ وَلَا فَاجِرٌ مِنْ شَرِّ مَا يَنْزِلُ مِنْ السَّمَاءِ وَشَرِّ مَا يَعْرُجُ فِيهَا وَشَرِّ مَا ذَرَأَ فِي الْأَرْضِ وَشَرِّ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمِنْ فِتَنِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمِنْ طَوَارِقِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إلَّا طَارِقًا يَطْرُقُ بِخَيْرٍ يَا رَحْمَنُ» .
[قَوْلُهُ: مَنْزِلُهُ مَثَلًا] أَيْ أَوْ حَانُوتُهُ أَوْ بُسْتَانُهُ.
[قَوْلُهُ: مَا شَاءَ] أَيْ مَا شَاءَهُ يَكُونُ.
[قَوْلُهُ: بَعْدَ مَا يُسَلِّمُ] أَيْ سُنَّةٌ.
[قَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ أَحَدٌ يَقُولُ] أَيْ نَدْبًا.
[قَوْلُهُ: وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ] هُمْ الْمُؤْمِنُونَ إنْسًا وَجِنًّا وَمَلَكًا.
[قَوْلُهُ: جَنَّتَك] أَيْ بُسْتَانُك.
[قَوْلُهُ: وَقِيلَ كَرَاهَةُ تَنْزِيهٍ] وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ سَوَاءٌ كَانَ بِأَجْرٍ أَمْ لَا، وَاسْتَحَقَّ كَتْبَ الْوَثِيقَةِ إنْ خَفَّ انْتَهَى، وَمَحَلُّ الْكَرَاهَةِ حَيْثُ لَا يَمْنَعُ مُصَلِّيًا وَلَا يُقَذِّرُهُ، وَأَمَّا مَا يُقَذِّرُهُ
خِيَاطَةٍ وَنَحْوِهَا وَلَا يَغْسِلُ يَدَيْهِ فِيهِ) فَإِنْ كَانَتْ فِيهَا نَجَاسَةٌ حَرُمَ وَإِلَّا كُرِهَ (وَ) كَذَا (لَا يَأْكُلُ فِيهِ إلَّا مِثْلَ الشَّيْءِ الْخَفِيفِ) مِمَّا لَا يُلَوِّثُ (كَالسَّوِيقِ) بِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَهُوَ الْقَمْحُ أَوْ الشَّعِيرِ الْمَقْلِيُّ إذَا طُحِنَ (وَنَحْوُهُ) أَيْ نَحْوُ السَّوِيقِ مِمَّا لَا يُلَوِّثُ، وَأَمَّا مَا يُلَوِّثُ أَوْ كَانَ لَهُ دَسَمٌ فَيُمْنَعُ (وَ) كَذَا (لَا يَقُصُّ فِيهِ شَارِبَهُ وَلَا يُقَلِّمُ) فِيهِ (أَظَافِرَهُ) ؛ لِأَنَّهَا أَوْسَاخٌ ثُمَّ بَالَغَ عَلَى النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ:(وَإِنْ قَصَّ أَوْ قَلَّمَ أَخَذَهُ) أَيْ مَا قَصَّهُ مِنْ شَارِبِهِ وَمَا قَلَّمَهُ مِنْ أَظْفَارِهِ (فِي ثَوْبِهِ) وَوَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ (وَلَا يَقْتُلُ فِيهِ قَمْلَةً وَلَا بُرْغُوثًا) صَرَّحَ ابْنُ الْحَاجِبِ بِكَرَاهَةِ ذَلِكَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَهُوَ ظَاهِرٌ بِالنِّسْبَةِ لِلْبُرْغُوثِ.
وَأَمَّا الْقَمْلَةُ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ قَتْلُهَا فِيهِ أَشَدَّ مِنْ الْبُرْغُوثِ لِأَنَّهَا مِمَّا لَهُ نَفْسٌ سَائِلَةٌ بِخِلَافِ الْبُرْغُوثِ (وَأَرْخَصَ فِي مَبِيتِ الْغُرَبَاءِ فِي مَسَاجِدِ الْبَادِيَةِ) لِلضَّرُورَةِ مَفْهُومُهُ أَنَّهُ لَا يُرَخَّصُ ذَلِكَ فِي مَسَاجِدِ الْحَاضِرَةِ لِوُجُودِ الْفَنَادِقِ فِيهَا إذَا وَجَدَ مَا يُعْطِي، أَمَّا إنْ لَمْ يَجِدْ مَا يُعْطِي بَاتَ فِيهَا لِلضَّرُورَةِ
(وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَقْرَأَ فِي الْحَمَّامِ إلَّا الْآيَاتِ الْيَسِيرَةَ وَلَا يُكْثِرُ) ؛ لِأَنَّهَا مِنْ الْبُيُوتِ الْمَكْرُوهَةِ (وَيَقْرَأُ الرَّاكِبُ وَالْمُضْطَجِعُ) لِأَنَّ الْقِرَاءَةَ ذِكْرٌ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا} [النساء: 103] الْآيَةُ (وَ) كَذَا يَقْرَأُ (الْمَاشِي مِنْ قَرْيَةٍ إلَى قَرْيَةٍ وَيُكْرَهُ ذَلِكَ لِلْمَاشِي إلَى السُّوقِ) وَالْفَرْقُ أَنَّ الْمَاشِيَ لِلسُّوقِ فِي قِرَاءَتِهِ ضَرْبٌ مِنْ الْإِهَانَةِ لِلْقُرْآنِ بِقِرَاءَتِهِ فِي الطُّرُقَاتِ، وَلَيْسَ
ــ
[حاشية العدوي]
كَحِجَامَةٍ أَوْ فَصَادَةٍ أَوْ إصْلَاحِ النِّعَالَاتِ الْقَدِيمَةِ أَوْ يُضَيِّقُ عَلَى مُصَلٍّ فَيَحْرُمُ.
[قَوْلُهُ: وَنَحْوِهَا] أَيْ كَالتِّجَارَةِ أَيْ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ} [الجن: 18] . . . إلَخْ وَإِطْلَاقُ هَذِهِ الْإِضَافَةِ يَقْتَضِي أَنْ لَا يَعْمَلَ فِيهَا إلَّا مَا كَانَ لَهُ تَعَالَى.
[قَوْلُهُ: فَإِنْ كَانَ فِيهَا نَجَاسَةٌ حَرُمَ] وَمِثْلُ ذَلِكَ إذَا كَانَ بِهِمَا مَا يُقَذِّرُ وَلَوْ طَاهِرًا وَقَوْلُهُ: وَإِلَّا كُرِهَ أَيْ إنْ كَانَتَا طَاهِرَتَيْنِ أَيْ وَلَمْ يَكُنْ بِهِمَا مَا يَقْذُرُ، وَفِي الْوُضُوءِ فِيهِ قَوْلَانِ بِالْكَرَاهَةِ وَالْجَوَازِ وَرَحَابِهِ كَهُوَ.
[قَوْلُهُ: وَكَذَا لَا يَأْكُلُ. . . إلَخْ] أَيْ وَيُكْرَهُ نَحْوُ الْفُولِ مِمَّا يَعْفِشُ وَلَا يُقَذِّرُ وَإِلَّا حَرُمَ، وَقَوْلُهُ: مِمَّا لَا يُلَوِّثُ أَيْ وَلَا يَعْفِشُ، [قَوْلَةُ: بِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ] زَادَ فِي التَّحْقِيقِ وَقِيلَ بِالصَّادِ.
[قَوْلُهُ: إذَا طُحِنَ] زَادَ فِي التَّحْقِيقِ سَوَاءٌ كَانَ مَلْتُوتًا بِسَمْنٍ أَوْ عَسَلٍ.
[قَوْلُهُ: وَأَمَّا مَا يُلَوِّثُ] أَيْ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِ دَسَمٌ أَيْ كَالْبِطِّيخِ.
[قَوْلُهُ: أَوْ كَانَ لَهُ دَسَمٌ] أَيْ وَشَأْنُهُ أَنْ يُلَوِّثَ.
[قَوْلُهُ: وَلَا يَقُصُّ. . . إلَخْ] أَيْ يُكْرَهُ وَكَذَا حَلْقُ الرَّأْسِ فِيهِ.
[قَوْلُهُ: وَإِنْ أَخَذَ فِي ثَوْبِهِ] أَيْ بِحَيْثُ لَا يَنْزِلُ مِنْهُ شَيْءٌ عَلَى الْأَرْضِ لِأَنَّهُ لَا يُؤْمِنُ مِنْ سُقُوطِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ بِأَرْضِهِ.
[قَوْلُهُ: صَرَّحَ ابْنُ الْحَاجِبِ بِكَرَاهَةِ ذَلِكَ] وَكَرَاهَةِ قَتْلِ الْقَمْلِ حَيْثُ لَمْ يُطْرَحْ قِشْرُهَا فِيهِ وَإِلَّا حَرُمَ لِأَنَّ مَيْتَتَهَا نَجِسَةٌ كَمَا أَنَّ كَرَاهَةَ قَتْلِ الْبُرْغُوثِ مَعَ طَرْحِ قِشْرِهِ فِيهِ حَيْثُ لَا يَقْذُرُهُ وَإِلَّا حَرُمَ، وَأَمَّا الطَّرْحُ فَيَجُوزُ طَرْحُ الْبُرْغُوثِ، وَأَمَّا الْقَمْلَةُ فَقِيلَ: بِالْحُرْمَةِ وَقِيلَ بِالْكَرَاهَةِ وَاخْتَارَهُ عج.
[قَوْلُهُ: فَيَنْبَغِي] يُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ يَنْبَغِي الْحُرْمَةَ، وَيُحْتَمَلُ قُوَّةُ الْكَرَاهَةِ وَالظَّاهِرُ الْأَوَّلُ.
[قَوْلُهُ: مَفْهُومُهُ أَنَّهُ لَا يُرَخَّصُ] أَيْ يُكْرَهُ.
[قَوْلُهُ: بَاتَ فِيهَا لِلضَّرُورَةِ] لِأَنَّ الضَّرُورَاتِ تُبِيحُ الْمَحْظُورَاتِ فَكَيْفَ الْمَكْرُوهُ هُنَا، وَسَكَتَ الْمُصَنِّفُ عَنْ دَابَّةِ الْغَرِيبِ وَالْحُكْمُ أَنَّهُ إنْ لَمْ يَجِدْ مَحَلًّا وَلَوْ بِأُجْرَةٍ وَخَافَ مِنْ اللُّصُوصِ عَلَيْهَا فَيَجُوزُ أَنْ يُدْخِلَهَا الْمَسْجِدَ كَمَا يَجُوزُ أَنْ يَتَّخِذَ آنِيَةً لِلْبَوْلِ فِيهِ إذَا كَانَ يَخَافُ سَبُعًا أَوْ سَبْقَ بَوْلٍ فِيهِ. .
[قَوْلُهُ: وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَقْرَأَ فِي الْحَمَّامِ] أَيْ يُكْرَهُ وَمِثْلُهُ مَوْضِعُ الْقَذَرِ.
[قَوْلُهُ: إلَّا الْآيَاتِ الْيَسِيرَةَ] أَيْ لِتَعَوُّذٍ وَنَحْوِهِ كَذَا قَيَّدَ زَرُّوقٌ وَذَكَرَ أَنَّ الزِّيَادَةَ مَكْرُوهَةٌ.
[قَوْلُهُ: الْآيَاتِ] جَمْعُ قِلَّةٍ فَقَوْلُهُ الْيَسِيرَةَ تَأْكِيدٌ وَكَذَا قَوْلُهُ وَلَا يُكْثِرُ، [قَوْلُهُ: لِأَنَّهَا مِنْ الْبُيُوتِ الْمَكْرُوهَةِ] أَيْ الْمَبْغُوضَةُ كَمَا يُفِيدُهُ الْمِصْبَاحُ فَأَطْلَقَهَا وَأَرَادَ مَلْزُومَهَا مِنْ الِاسْتِقْذَارِ، وَكَأَنَّهُ قَالَ: لِأَنَّهَا مِنْ الْبُيُوتِ الْمُسْتَقْذَرَةِ وَالْبَاعِثُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ الْحَمَّامَ لَيْسَ مَبْغُوضًا بَلْ مَحْبُوبًا يَوَدُّهُ الْإِنْسَانُ كُلَّ يَوْمٍ فَإِذَنْ فَالْمَقْصُودُ دَاخِلُهُ فِي مَحَلِّ زَوَالِ الْوَسَخِ [قَوْلُهُ: مِنْ قَرْيَةٍ إلَى قَرْيَةٍ] أَيْ أَوْ إلَى حَائِطِهِ.
[قَوْلُهُ: وَيُكْرَهُ ذَلِكَ لِلْمَاشِي إلَى السُّوقِ] أَيْ سُوقِ الْحَاضِرَةِ كَمَا فِي التَّحْقِيقِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ لَا سُوقِ الْبَادِيَةِ فَلَا كَرَاهَةَ، وَعُلِّلَتْ الْكَرَاهَةُ أَيْضًا بِقِلَّةِ التَّدَبُّرِ كَانَتْ سِرًّا أَوْ جَهْرًا.
[قَوْلُهُ: بِقِرَاءَتِهِ فِي الطُّرُقَاتِ] أَيْ الَّتِي شَأْنُهَا كَثْرَةُ الْأَقْذَارِ وَالْأَوْسَاخِ فَلَا يَرِدُ أَنَّ فِي السَّفَرِ الطُّرُقَاتِ
كَذَلِكَ الْمَاشِي مِنْ قَرْيَةٍ إلَى قَرْيَةٍ لِأَنَّ قِرَاءَتَهُ مُعِينَةٌ لَهُ عَلَى طَرِيقِهِ وَيَتَحَرَّزُ بِهَا (وَقَدْ قِيلَ إنَّ ذَلِكَ) أَيْ قِرَاءَةُ الْمَاشِي إلَى السُّوقِ (لِلْمُتَعَلِّمِ وَاسِعٌ) أَيْ جَائِزٌ (وَمَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فِي سَبْعٍ) أَيْ سَبْعِ لَيَالٍ (فَذَلِكَ حَسَنٌ) أَيْ مُسْتَحَبٌّ لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ عَمَلَ أَكْثَرِ السَّلَفِ (وَ) لَكِنَّ (التَّفَهُّمَ مَعَ قِلَّةِ الْقُرْآنِ أَفْضَلُ) مِنْ سَرْدِ حُرُوفِهِ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ} [محمد: 24] ج: أَفْتَى بَعْضُ مَنْ لَقِينَاهُ مِنْ الْقَرَوِيِّينَ غَيْرَ مَا مَرَّةٍ بِأَنَّ مَنْ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ بِلَا فَهْمٍ لَا ثَوَابَ لَهُ أَلْبَتَّةَ زَاعِمًا أَنَّ ابْنَ عَبْدِ الْبَرِّ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ.
وَقَالَ: هُوَ كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا وَكُنْت لَا أَرْتَضِي مِنْهُ هَذِهِ الْفَتْوَى وَيُحْمَلُ مَا ذُكِرَ عَنْ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ إنْ صَحَّ إنَّمَا هُوَ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْمُبَالَغَةَ فِي فَهْمِ الْقُرْآنِ أَحْسَنُ انْتَهَى. (وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ) الصَّلَاةُ وَ (السَّلَامُ لَمْ يَقْرَأْ الْقُرْآنَ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ) وَرَوَى أَصْحَابُ السُّنَنِ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «لَمْ يَفْقَهْ مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ» .
(وَيُسْتَحَبُّ لِلْمُسَافِرِ أَنْ يَقُولَ) مَا رُوِيَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ (عِنْدَ رُكُوبِهِ) أَيْ عِنْدَ وَضْعِ رِجْلِهِ فِي غَرْزِ الرِّكَابِ «بِسْمِ اللَّهِ اللَّهُمَّ أَنْتَ الصَّاحِبُ» أَيْ الْحَافِظُ «فِي السَّفَرِ وَالْخَلِيفَةُ فِي الْأَهْلِ» أَيْ الْوَكِيلُ بِمَعْنَى الرَّازِقِ لَهُمْ «اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ» أَيْ أَتَحَصَّنُ «بِك مِنْ وَعْثَاءِ» بِسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ مَشَقَّةِ «السَّفَرِ وَ» أَعُوذُ بِك مِنْ «كَآبَةِ» بِفَتْحِ الْكَافِ وَالْهَمْزِ وَالْمَدِّ «الْمُنْقَلَبِ» بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ النُّونِ وَفَتْحِ اللَّامِ وَبِالْمُوَحَّدَةِ، أَيْ أَعُوذُ بِك أَنْ أَنْقَلِبَ إلَى مَا يَقْتَضِي كَآبَةً أَيْ سُوءُ حَالٍ مِنْ فَوَاتِ مَا أُرِيدُ أَوْ وُقُوعِ مَا أَحْذَرُ
ــ
[حاشية العدوي]
أَيْضًا.
[قَوْلُهُ: وَيَتَحَرَّزُ بِهَا] أَيْ يَتَحَصَّنُ بِهَا مِنْ الْمُؤْذِي الَّذِي شَأْنُهُ أَنْ يَكُونَ فِي طَرِيقِ الْمُسَافِرِ.
[قَوْلُهُ: وَقَدْ قِيلَ] ضَعِيفٌ [قَوْلُهُ: أَيْ سَبْعُ لَيَالٍ] أَرَادَ بِهَا مَا يَشْمَلُ الْأَيَّامَ لَا خُصُوصَ اللَّيْلِ.
[قَوْلُهُ: لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ عَمَلَ أَكْثَرِ السَّلَفِ] أَيْ وَهُوَ نِهَايَةُ مَا انْتَهَى إلَيْهِ أَمْرُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله وسلم، وَاخْتَلَفَتْ طُرُقُهُمْ فِي التَّجْزِئَةِ وَأَحْسَنُهَا فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ ثَلَاثُ سُورٍ فَيَقِفُ عَلَى سُورَةِ الْعُقُودِ، وَفِي الثَّانِي خَمْسُ سُورٍ فَيَقِفُ عَلَى يُونُسَ، وَفِي الثَّالِثِ سَبْعُ سُورٍ فَيَقِفُ عَلَى بَنِي إسْرَائِيلَ، وَفِي الرَّابِعِ تِسْعُ سُورٍ فَيَقِفُ عَلَى الشُّعَرَاءِ، وَفِي الْخَامِسِ إحْدَى عَشْرَةَ سُورَةً فَيَقِفُ عَلَى الصَّافَّاتِ، وَفِي السَّادِسِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سُورَةً فَيَقِفُ عَلَى الْحُجُرَاتِ، وَفِي السَّابِعِ يَخْتِمُ اهـ.
وَإِنَّمَا قَالَ أَكْثَرُ لِأَنَّ جَمَاعَةً مِنْ السَّلَفِ كَانُوا يَخْتِمُونَ كُلَّ يَوْمٍ وَذَلِكَ بِحَسَبِ قُوَّةِ حَالِهِمْ أَوْ هُوَ كَرَامَةٌ لَهُمْ كَمَا حُكِيَ عَنْ مُوسَى صَاحِبِ الشَّيْخِ أَبِي مَدْيَنَ أَنَّهُ كَانَ يَخْتِمُ بَيْنَ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ أَلْفَ خَتْمَةٍ.
[قَوْلُهُ: مَعَ قِلَّةِ الْقُرْآنِ] وَلَوْ زَادَتْ مُدَّتُهَا عَلَى سَبْعِ لَيَالٍ كَمَا فِي تت.
[قَوْلُهُ: مَنْ سَرَدَ حُرُوفَهُ] أَيْ بِلَا تَفَهُّمٍ، وَقَوْلُهُ: عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ وَمُقَابِلُهُ فِيمَا يَظْهَرُ أَنَّ السَّرْدَ أَفْضَلُ مِنْ الْفَهْمِ مَعَ قِلَّةِ الْقُرْآنِ.
[قَوْلُهُ: غَيْرَ مَا مَرَّةٍ] أَيْ غَيْرُ مَرَّةٍ أَيْ أَكْثَرُ مِنْ مَرَّةٍ فَمَا زَائِدَةٌ.
[قَوْلُهُ: يَحْمِلُ أَسْفَارًا] أَيْ كُتُبًا وَلَا يَنْتَفِعُ بِهَا [قَوْلُهُ: وَكُنْت لَا أَرْتَضِي] أَيْ فَالْمُعْتَمَدُ حُصُولَ ثَوَابِ الْقِرَاءَةِ لِلْقَارِئِ وَإِنْ لَمْ يَفْهَمْ الْمَعْنَى لِأَنَّهُ الْمُتَعَبِّدُ بِتِلَاوَتِهِ.
[قَوْلُهُ: لَمْ يَقْرَأْ الْقُرْآنَ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ] وَهَذَا مَعَ مَعْرِفَتِهِ صلى الله عليه وسلم مَعَانِيَهُ وَفَهْمِ مَا فِيهِ دُونَ غَيْرِهِ، مَعَ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَقْرَأْهُ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ [قَوْلُهُ: لَمْ يَفْقَهْ مَنْ قَرَأَ] أَيْ لَمْ يَفْهَمْ مَعَانِيَهُ أَيْ لَمْ يُحِطْ بِمَعْنَاهُ بِتَمَامِهِ.
[قَوْلُهُ: وَرَوَى أَصْحَابُ السُّنَنِ] أَتَى بِهِ كَأَنَّهُ إشَارَةٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ إلَى أَنَّهُ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي كُتُبِ الْأَحَادِيثِ.
[قَوْلُهُ: لِلْمُسَافِرِ] أَيْ مُرِيدِ السَّفَرِ [قَوْلُهُ: فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ] أَيْ فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ الْمُلْتَزِمِ صِحَّتُهَا [قَوْلُهُ غَرْزُ الرِّكَابِ] الْغَرْزُ رِكَابٌ مِنْ جِلْدٍ تُوضَعُ فِيهِ الرِّجْلُ كَمَا قَالَ صَاحِبُ الْقَامُوسِ، وَفَسَّرَهُ شَارِحُ الْمُوَطَّأِ بِمُطْلَقِ الرِّكَابِ وَهُوَ بِفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ ثُمَّ زَايٍ مَنْقُوطَةٍ، فَإِذَا عَلِمْت ذَلِكَ فَنَقُولُ: لَا حَاجَةَ لِتِلْكَ الْإِضَافَةِ وَإِنْ كَانَتْ صَحِيحَةً مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مِنْ إضَافَةِ الْجُزْئِيِّ لِلْكُلِّيِّ، فَالْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ وَضْعَ رِجْلَهُ فِي الرِّكَابِ سَوَاءٌ كَانَ غَرْزًا أَمْ لَا.
[قَوْلُهُ: أَيْ الْحَافِظِ فِي السَّفَرِ. . . إلَخْ] أَيْ بِدَفْعِ الْمَكْرُوهِ عَنْهُ وَتَسْهِيلِ أُمُورِهِ الَّتِي بِهَا صَلَاحُ حَالِهِ.
[قَوْلُهُ: بِمَعْنَى الرَّازِقِ] الْأَحْسَنُ أَنْ يَقُولَ كَمَا فِي تت أَيْ الْوَكِيلِ فِي حِفْظِهِمْ بَعْدَ سَفَرِي عَنْهُمْ أَيْ الْقَائِمِ بِأُمُورِهِمْ.
[قَوْلُهُ: أَنْ أَنْقَلِبَ] لَا يَخْفَى أَنَّ الْمُنْقَلَبَ يَأْتِي مَصْدَرًا وَاسْمَ مَكَان وَهُوَ هُنَا مَصْدَرٌ كَمَا يُشِيرُ إلَيْهِ
«وَ» أَعُوذُ بِك مِنْ «سُوءِ الْمَنْظَرِ» أَيْ مَا يُسِيءُ النَّظَرُ إلَيْهِ ( «فِي الْأَهْلِ وَالْمَالِ» . ك: هَذَا حَدِيثٌ خَرَّجَهُ أَهْلُ الصَّحِيحِ وَجَاءَ لَفْظُهُ مُخْتَلِفًا. (وَيَقُولُ الرَّاكِبُ إذَا اسْتَوَى) أَيْ اسْتَقَرَّ (عَلَى) ظَهْرِ (الدَّابَّةِ) وَكَذَا الْمَاشِي عِنْدَ الشُّرُوعِ فِي الْمَشْيِ: «سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ» أَيْ مُطِيقِينَ قَادِرِينَ «وَإِنَّا إلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ» أَيْ رَاجِعُونَ
(وَتُكْرَهُ) كَرَاهَةَ تَحْرِيمٍ (التِّجَارَةُ إلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ) لِأَنَّ فِي ذَلِكَ تَغْرِيرًا لِلْإِنْسَانِ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ وَإِذْلَالًا لِلدِّينِ (وَ) كَذَلِكَ تُكْرَهُ التِّجَارَةُ (إلَى بَلَدِ السُّودَانِ) الْكُفَّارِ مِنْهُمْ لِلْعِلَّةِ الْمُتَقَدِّمَةِ (وَقَالَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ) الصَّلَاةُ (وَالسَّلَام) فِي الْمُوَطَّأِ «السَّفَرُ قِطْعَةٌ مِنْ الْعَذَابِ» يَمْنَعُ أَحَدَكُمْ نَوْمَهُ وَطَعَامَهُ وَشَرَابَهُ " الْحَدِيثُ، قَالَتْ
ــ
[حاشية العدوي]
هَذَا الْحَلُّ، وَقَضِيَّةُ حَلِّهِ أَنَّهُ مِنْ إضَافَةِ الْمُتَعَلَّقِ بِفَتْحِ اللَّامِ إلَى الْمُتَعَلِّقِ بِكَسْرِهَا بِوَاسِطَةٍ، وَذَلِكَ أَنَّ الرُّجُوعَ الَّذِي هُوَ مَعْنًى مُنْقَلِبٌ مُتَعَلِّقٌ بِالشَّيْءِ الَّذِي يَقْتَضِي الْكَآبَةَ أَيْ سُوءَ الْحَالِ، وَإِذَا تَعَلَّقَ بِالشَّيْءِ الَّذِي يَقْتَضِي الْكَآبَةَ فَقَدْ تَعَلَّقَ بِالْكَآبَةِ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ، أَيْ أَعُوذُ بِك مِنْ سُوءِ حَالٍ مَنْسُوبٍ لِلرُّجُوعِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ، وَفَسَّرَ بَعْضُهُمْ الْكَآبَةَ بِالْحُزْنِ وَهِيَ ظَاهِرَةٌ.
[قَوْلُهُ: مِنْ فَوَاتِ مَالٍ] بَيَانٌ لِمَا.
[قَوْلُهُ: مِنْ سُوءِ الْمَنْظَرِ] الْمَنْظَرُ بِفَتْحِ الظَّاءِ مَا نَظَرْت إلَيْهِ فَأَعْجَبَك أَوْ أَسَاءَك كَمَا فِي الْقَامُوسِ فَهُوَ مِنْ إضَافَةِ الصِّفَةِ إلَى الْمَوْصُوفِ، أَيْ الْمَنْظَرُ السَّيِّئُ أَيْ الْمَنْظَرُ الَّذِي يَسُوءُك أَيْ يُحْزِنُك، فَإِذَا عَلِمْت ذَلِكَ فَالْمُطَابِقُ أَنْ يَقُولَ الشَّارِحُ أَيْ مَا يَسُوءُنِي إذَا نَظَرْت إلَيْهِ فَهُوَ تَفْسِيرٌ بِاللَّازِمِ.
[قَوْلُهُ: فِي الْأَهْلِ] مُتَعَلِّقٌ بِالْمَنْظَرِ أَيْ السُّوءُ الْكَائِنُ. . . إلَخْ بِحَيْثُ يَلْحَقُ الْأَهْلَ وَالْمَالَ أُمُورُ مَشَقَّةٍ.
[قَوْلُهُ: هَذَا حَدِيثٌ خَرَّجَهُ] كَذَا فِي ك وَلَمْ يُبَيِّنْ رحمه الله الْأَلْفَاظَ الْمُخْتَلِفَةَ وَلَا دَاعِيَ لِجَلْبِهَا إذْ الْمَقْصُودُ يَحْصُلُ بِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَالْبَاعِثُ لَهُ عَلَى هَذَا إفَادَةُ أَنَّهُ حَدِيثٌ صَحِيحٌ لَا ضَعِيفٌ، وَأَنَّك إذَا رَأَيْت فِي كُتُبِ الْأَحَادِيثِ مَا يُخَالِفُهُ لَا تَعْتَرِضُهُ لِأَنَّهُ قَدْ جَاءَ بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ.
[قَوْلُهُ: يَقُولُ الرَّاكِبُ] أَيْ وَيَقُولُ رَاكِبُ السَّفِينَةِ بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ [قَوْلُهُ: سَخَّرَ لَنَا هَذَا] أَيْ ذَلِّلْ، هَذَا بِالنِّسْبَةِ لِرَاكِبِ الدَّابَّةِ وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِلْمَاشِي فَيَقْصِدُ سُبْحَانَ الَّذِي أَقَدْرَنَا عَلَى هَذَا [قَوْلُهُ: مُقْرِنِينَ] تَفْسِيرٌ لِمُطِيقِينَ.
[قَوْلُهُ: أَيْ رَاجِعُونَ] بِالْمَوْتِ وَحِكْمَةُ ذِكْرِ ذَلِكَ هُنَا أَنَّ الْإِنْسَانَ بِرُكُوبِهِ مَظِنَّةَ الْمَوْتِ بِطَرْحِهَا إيَّاهُ.
[قَوْلُهُ: لِأَنَّ فِي ذَلِكَ تَغْرِيرًا] أَيْ إذَا كَانَ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ ذَلِكَ وَقَدْ تَقَدَّمَ تَوْضِيحُهُ فِي بَابِ الصَّوْمِ [قَوْلُهُ: الْكُفَّارُ مِنْهُمْ] أَيْ فَهُوَ مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ، وَنُكْتَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْكُفَّارَ السُّودَانَ لَيْسُوا مِثْلَ غَيْرِهِمْ مِنْ الْكُفَّارِ فِي شِدَّةِ الْحَمِيَّةِ، فَرُبَّمَا يُتَوَهَّمُ جَوَازُ السَّفَرِ لَهُمْ فَأَفَادَ أَنَّهُ لَا فَرْقَ حَيْثُ غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ ارْتِكَابُ الْمُحَرَّمِ، وَاسْتَظْهَرَ الشَّيْخُ أَحْمَدُ زَرُّوقٌ أَنَّ الْمُرَادَ بِلَادُ السُّودَانِ وَلَوْ الْمُسْلِمِينَ لِمَا فِيهَا مِنْ الْمُخَاطَرَةِ بِالنَّفْسِ وَالْمَالِ مِنْ أَجْلِ الْعَطَشِ وَالْخَوْفِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
[قَوْلُهُ: السَّفَرُ] يَدْخُلُ فِيهِ الرَّاكِبُ وَالْمَاشِي [قَوْلُهُ: قِطْعَةٌ مِنْ الْعَذَابِ] جُزْءٌ مِنْ الْعَذَابِ وَإِنْ كَانَ الْمُتَبَادِرُ أَنَّهُ جُزْءٌ مِنْ الْعَذَابِ، أَيْ الْأَلَمِ النَّاشِئِ عَنْ الْمَشَقَّةِ؛ لِمَا يَحْصُلُ فِي الرُّكُوبِ وَالْمَشْيِ مِنْ تَرْكِ الْمَأْلُوفِ كَالْحَرِّ وَالْبَرْدِ وَالْخَوْفِ وَخُشُونَةِ الْعَيْشِ وَلِفِرَاقِ الْأَحْبَابِ وَفِي تَحْقِيقِهِ وَاخْتُلِفَ فِي الْعَذَابِ فَقِيلَ: عَذَابُ الدُّنْيَا وَقِيلَ عَذَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ؛ لِأَنَّ الدُّنْيَا مُمْتَزِجَةٌ بِالْآخِرَةِ، فَكُلُّ سُرُورٍ أَوْ خَيْرٍ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ فِي الْجَنَّةِ وَكُلُّ هَمٍّ وَحُزْنٍ وَعَذَابٍ إنَّمَا هُوَ مِنْ النَّارِ.
[قَوْلُهُ: نَوْمُهُ. . . إلَخْ] بِنَصْبِ الثَّلَاثَةِ بِنَزْعِ الْخَافِضِ أَيْ مِنْ نَوْمِهِ أَوْ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ ثَانٍ لِيَمْنَعَ لِأَنَّهُ يَطْلُبُ مَفْعُولَيْنِ كَأَعْطَى وَفَصَلَهُ عَمَّا قَبْلَهُ اسْتِئْنَافًا كَالْجَوَابِ لِمَنْ قَالَ: لِمَ كَانَ كَذَلِكَ فَقَالَ: يَمْنَعُ وَجْهَ ذَلِكَ الِاشْتِمَالُ عَلَى الْمَشَقَّةِ، وَقَدْ جَاءَ التَّعْلِيلُ فِي رِوَايَةِ سَعِيدِ الْمَقْبُرِيِّ وَلَفْظُهُ:«السَّفَرُ قِطْعَةٌ مِنْ الْعَذَابِ» لِأَنَّ الرَّجُلَ يَشْتَغِلُ فِيهِ عَنْ صَلَاتِهِ وَصِيَامِهِ، وَالْمُرَادُ مَنْعُ الْكَمَالِ لَا الْأَصْلِ.
[قَوْلُهُ: الْحَدِيثُ] تَمَامُهُ «فَإِذَا قَضَى أَحَدُكُمْ نَهْمَتَهُ مِنْ وَجْهِهِ فَلْيُعَجِّلْ إلَى أَهْلِهِ» اهـ، وَنَهْمَتُهُ بِفَتْحِ النُّونِ وَسُكُونِ الْهَاءِ وَضُبِطَ بِكَسْرِ النُّونِ أَيْ حَاجَتُهُ وَقَوْلُهُ: مِنْ وَجْهِهِ أَيْ مِنْ مَقْصِدِهِ، وَقَوْلُهُ: فَلْيُعَجِّلْ بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وَكَسْرِ الْجِيمِ مُشَدَّدَةً أَيْ فَلْيُعَجِّلْ الرُّجُوعَ إلَى أَهْلِهِ
عَائِشَةُ رضي الله عنها: لَوْلَا أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «السَّفَرُ قِطْعَةٌ مِنْ الْعَذَابِ» لَقُلْت: الْعَذَابُ قِطْعَةٌ مِنْ السَّفَرِ
(وَلَا يَنْبَغِي) بِمَعْنَى لَا يَحِلُّ (أَنْ تُسَافِرَ الْمَرْأَةُ) الشَّابَّةُ (مَعَ غَيْرِ ذِي مَحْرَمٍ مِنْهَا سَفَرَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ فَأَكْثَرَ) وَالْأَصْلُ فِي هَذَا مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ تُسَافِرَ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ إلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ» . وَفِي رِوَايَةٍ: «إلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ» . ثُمَّ اسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ مَسْأَلَةً فَقَالَ: (إلَّا فِي حَجِّ الْفَرِيضَةِ خَاصَّةً فِي قَوْلِ مَالِكٍ) فَإِنَّ لَهَا أَنْ تُسَافِرَ مَعَ غَيْرِ ذِي مَحْرَمٍ لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ تَكُونَ (فِي رُفْقَةٍ) بِضَمِّ الرَّاءِ وَكَسْرِهَا (مَأْمُونَةٍ) مِنْ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ لَمْ تَجِدْ رُفْقَةً مَأْمُونَةً لَا يَجُوزُ لَهَا ذَلِكَ، ثُمَّ بَالَغَ عَلَى سَفَرِهَا مَعَ الرُّفْقَةِ الْمَأْمُونَةِ فَقَالَ:(وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ فَذَلِكَ لَهَا) وَقَيَّدْنَا بِالشَّابَّةِ احْتِرَازًا مِنْ الْمُتَجَالَّةِ فَإِنَّهَا يَجُوزُ لَهَا ذَلِكَ، وَظَاهِرُ قَوْلِهِ: يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ أَنَّ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ جَائِزٌ وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِقَوْلِهِ قَبْلُ: «لَا يَخْلُو رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ لَيْسَ مِنْهُ بِمَحْرَمٍ» ، وَاحْتَرَزَ بِالْفَرِيضَةِ مِنْ حَجَّةِ التَّطَوُّعِ وَسَائِرِ الْأَسْفَارِ وَبِمَأْمُونَةٍ مِنْ غَيْرِهَا.
وَفِي قَوْلِهِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ تَبَرُّؤٌ مِنْهُ وَمَيْلٌ إلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ: لَا تَحُجُّ إلَّا مَعَ زَوْجٍ أَوْ مَحْرَمٍ. وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ أَيْضًا مَا لَوْ أَسْلَمَتْ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهَا الْخُرُوجُ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ وَلَوْ مَعَ غَيْرِ ذِي مَحْرَمٍ، وَكَذَا إذَا اسْتَرَقَّتْ وَقَدَرَتْ عَلَى الْهُرُوبِ. الْقَرَافِيُّ: وَكَذَا كُلُّ فَرْضٍ يَتَوَجَّهُ عَلَيْهَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ــ
[حاشية العدوي]
تَنْبِيهٌ:
فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ يَنْبَغِي فِي السَّفَرِ الْمُسَامَحَةُ فِي الْعَجْزِ وَالنِّسْيَانِ وَالْحَرَجِ وَنَحْوِهِ لِأَنَّ مَنْ كَانَ فِي الْعَذَابِ كَيْفَ يُطَالِبُ بِهَذِهِ الْأُمُورِ اهـ.
[قَوْلُهُ: قَالَتْ عَائِشَةُ. . . إلَخْ] لَا يَخْفَى أَنَّ مَا وَقَعَ مِنْ عَائِشَةَ هَذَا مُبَالَغَةٌ.
[قَوْلُهُ: تُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ] يَوْمِ الْقِيَامَةِ هَذَا الْوَصْفُ ذُكِرَ لِتَأْكِيدِ التَّحْرِيمِ لِأَنَّهُ تَعْرِيضٌ، بِأَنَّهَا إذَا سَافَرَتْ بِلَا مَحْرَمٍ خَالَفَتْ شَرْطَ الْإِيمَانِ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ الْمُقْتَضِي الْوُقُوفَ عِنْدَمَا نُهِيَتْ عَنْهُ، أَوْ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ وَلَمْ يَقْصِدْ بِهِ إخْرَاجَ الْكَافِرَةِ كِتَابِيَّةً أَوْ حَرْبِيَّةً كَمَا قَالَ بِهِ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ تَمَسُّكًا بِالْمَفْهُومِ.
[قَوْلُهُ: مَسِيرَةَ] مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ بِمَعْنَى السَّيْرِ كَمَعِيشَةٍ بِمَعْنَى الْعَيْشِ وَلَيْسَتْ التَّاءُ فِيهِ لِلْمَرَّةِ.
[قَوْلُهُ: مَحْرَمٍ] بِفَتْحِ الْمِيمِ بِنَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ أَوْ صِهْرٍ إلَّا أَنَّ مَالِكًا كَرِهَ تَنْزِيهًا سَفَرَهَا مَعَ ابْنِ زَوْجِهَا لِفَسَادِ الزَّمَانِ وَحَدَاثَةِ الْحُرْمَةِ، وَلِأَنَّ الدَّاعِيَ إلَى النَّفْرَةِ عَنْ امْرَأَةِ الْأَبِ لَيْسَ كَالدَّاعِي إلَى النَّفْرَةِ عَنْ سَائِرِ الْمَحَارِمِ، زَادَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ أَوْ زَوْجٌ وَفِي مَعْنَاهُ السَّيِّدُ وَلَوْ لَمْ يُرِدْ ذِكْرَ الزَّوْجِ لَقِيسَ عَلَى الْمُحْرِمِ قِيَاسًا جَلِيًّا.
[قَوْلُهُ: ذِي مَحْرَمٍ] أَيْ ذِي حَرَامٍ مِنْهَا.
[قَوْلُهُ: إلَّا فِي حَجِّ الْفَرِيضَةِ] شَمِلَ النَّذْرَ وَالْقَضَاءَ وَالْحِنْثَ.
[قَوْلُهُ: خَاصَّةً] سَيَأْتِي أَنَّهُ لَا مَفْهُومَ لَهُ.
[قَوْلُهُ: لَكِنْ بِشَرْطِ] قِيلَ يُكْتَفَى بِنِسَاءٍ أَوْ رِجَالٍ، وَقِيلَ: لَا بُدَّ مِنْ الْمَجْمُوعِ أَوْ الْخُنْثَى الْمُشْكِلِ كَالْمَرْأَةِ.
[قَوْلُهُ: فَذَلِكَ لَهَا] مُرْتَبِطٌ بِقَوْلِهِ إلَّا فِي حَجِّ الْفَرِيضَةِ فَذَلِكَ لَهَا [قَوْلُهُ: احْتِرَازًا مِنْ الْمُتَجَالَّةِ] أَيْ الَّتِي لَا تُشْتَهَى تُسَافِرُ فِي كُلِّ الْأَسْفَارِ بِلَا زَوْجٍ وَلَا مَحْرَمٍ.
قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: وَهُوَ تَخْصِيصٌ لِلْعُمُومِ بِالنَّظَرِ لِلْمَعْنَى.
وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: فِيهِ بُعْدٌ لِأَنَّ الْخَلْوَةَ بِهَا حَرَامٌ وَمَا لَا يُطَّلَعُ عَلَيْهِ مِنْ جَسَدِهَا غَالِبًا عَوْرَةٌ فَالْمَظِنَّةُ مَوْجُودَةٌ فِيهَا، وَالْعُمُومُ صَالِحٌ لَهَا فَيَنْبَغِي أَنْ لَا تَخْرُجَ مِنْهُ.
وَقَالَ النَّوَوِيُّ: الْمَرْأَةُ مَظِنَّةُ الطَّمَعِ فِيهَا وَمَظِنَّةُ الشَّهْوَةِ وَلَوْ كَبِيرَةً، وَقَدْ قَالُوا: لِكُلِّ سَاقِطَةٍ لَاقِطَةٌ وَيَجْتَمِعُ فِي الْأَسْفَارِ مِنْ سُفَهَاءِ النَّاسِ وَسَقَطِهِمْ مَنْ لَا يَرْتَفِعُ عَنْ الْفَاحِشَةِ بِالْعَجُوزِ وَغَيْرِهَا لِغَلَبَةِ شَهْوَتِهِ وَقِلَّةِ دِينِهِ وَمُرُوءَتِهِ وَحَيَائِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
[قَوْلُهُ: وَظَاهِرُ قَوْلِهِ. . . إلَخْ] إلَّا أَنَّك عَلِمْت أَنَّهُ تَابِعٌ لِلصَّحِيحَيْنِ فَالْأَحْسَنُ أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ قَدْ وَرَدَ فِي ذَلِكَ الْأَمْرِ رِوَايَاتٌ مُخْتَلِفَةٌ وَحُمِلَتْ عَلَى حَسَبِ اخْتِلَافِ السَّائِلِينَ وَاخْتِلَافِ الْخَوَاطِرِ وَأَنَّ ذَلِكَ مُعَلَّقٌ بِأَقَلِّ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ السَّفَرِ فَقَدْ رُوِيَ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَرُوِيَ لَيْلَةٍ، وَرُوِيَ يَوْمَيْنِ، وَرُوِيَ ثَلَاثَ لَيَالٍ، وَرُوِيَ فَوْقَ ثَلَاثٍ وَرُوِيَ بَرِيدٌ.
[قَوْلُهُ: تَبَرُّؤٌ مِنْهُ] يُجَابُ بِأَنَّهُ قَصَرَهَا عَلَى مَالِكٍ لِكَوْنِهَا مَنْسُوبَةً لَهُ لَا لِلتَّبَرِّي وَالرَّاجِحُ الْجَوَازُ مَعَ الرُّفْقَةِ الْمَأْمُونَةِ.
[قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهَا الْخُرُوجُ] أَيْ مَعَ الرُّفْقَةِ الْمَأْمُونَةِ.
[قَوْلُهُ: وَكَذَا كُلُّ فَرْضٍ] مِنْ ذَلِكَ الرُّجُوعِ إلَى الْمَنْزِلِ لِإِتْمَامِ الْعِدَّةِ إذَا خَرَجَتْ ضَرُورَةً فَمَاتَ أَوْ طَلَّقَهَا. .