الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ثُمَّ انْتَقَلَ يَتَكَلَّمُ عَلَى الشَّهَادَاتِ وَهِيَ مَصْدَرُ شَهِدَ بِمَعْنَى أَخْبَرَ وَهِيَ فَرْضُ كِفَايَةٍ فِي مَوْضِعِ قَوْمٍ يَصْلُحُونَ لَهَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ إلَّا وَاحِدٌ فَهِيَ فَرْضُ عَيْنٍ، فَإِنْ امْتَنَعَ فَهُوَ عَاصٍ وَيُجْبَرُ بِالضَّرْبِ وَالسَّجْنِ.
وَهِيَ عَلَى مَرَاتِبَ: الْأُولَى: بَيِّنَةُ الزِّنَا وَاللِّوَاطِ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِمَا، الثَّانِيَةُ: أَشَارَ إلَيْهَا بِقَوْلِهِ: (وَيُقْضَى بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ فِي الْأَمْوَالِ) وَمَا أَدَّى إلَى الْأَمْوَالِ مِثْلُ أَنْ يَدَّعِيَ أَحَدُهُمَا أَنَّ الْبَيْعَ وَقَعَ عَلَى الْخِيَارِ وَالْآخَرُ عَلَى الْبَتِّ، وَالثَّالِثَةُ: أَشَارَ إلَيْهَا بِقَوْلِهِ: (وَلَا يُقْضَى بِذَلِكَ) أَيْ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ (فِي نِكَاحٍ أَوْ طَلَاقٍ أَوْ حَدٍّ) وَإِنَّمَا يُقْضَى فِيهَا بِعَدْلَيْنِ. مَا ذَكَرَهُ فِي النِّكَاحِ نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ قَالَ فِيهَا: وَمَنْ ادَّعَى نِكَاحَ امْرَأَةٍ وَأَنْكَرَتْ فَلَا يَمِينَ لَهُ عَلَيْهَا وَإِنْ أَقَامَ شَاهِدًا، وَلَا يَثْبُتُ نِكَاحٌ إلَّا بِشَاهِدَيْنِ، وَمَا ذَكَرَهُ فِي الطَّلَاقِ هُوَ كَذَلِكَ مِثْلُ أَنْ تَدَّعِيَ الْمَرْأَةُ أَنَّ زَوْجَهَا طَلَّقَهَا وَأَقَامَتْ شَاهِدًا وَاحِدًا لَا تَحْلِفُ مَعَهُ وَلَا يَلْزَمُهُ الطَّلَاقُ، وَإِذَا لَمْ تَحْلِفْ فَلَهَا رَدُّ الْيَمِينِ عَلَى الزَّوْجِ، فَإِنْ حَلَفَ بَرِئَ وَإِنْ نَكَلَ طُلِّقَ عَلَيْهِ، وَمَا ذَكَرَهُ فِي الْحَدِّ مِثْلُ أَنْ يَدَّعِيَ رَجُلٌ عَلَى آخَرَ أَنَّهُ قَذَفَهُ وَأَقَامَ شَاهِدًا وَاحِدًا لَا يَحْلِفُ مَعَهُ وَلَا يُحَدُّ الْقَاذِفُ، وَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ رُدَّ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَإِنْ حَلَفَ بَرِئَ وَإِنْ نَكَلَ سُجِنَ حَتَّى يَحْلِفَ (وَ) كَذَلِكَ (لَا) يُقْضَى بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ (فِي دَمِ عَمْدٍ) أَيْ جِرَاحِ عَمْدٍ (أَوْ) قَتْلِ (نَفْسٍ) وَاحْتَرَزَ بِالْعَمْدِ مِنْ الْخَطَأِ فَإِنَّهُ يُقْضَى فِيهِ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ؛ لِأَنَّهُ يَئُولُ إلَى الْمَالِ.
ــ
[حاشية العدوي]
[أَحْكَام الشَّهَادَات]
قَوْلُهُ: مَصْدَرُ شَهِدَ بِمَعْنَى أَخْبَرَ] أَيْ مُفْرَدُ الشَّهَادَاتِ مَصْدَرُ شَهِدَ بِمَعْنَى أَخْبَرَ، فَعَلَيْهِ تَكُونُ الشَّهَادَةُ بِمَعْنَى الْإِخْبَارِ فَيُوَافِقُ قَوْلَ صَاحِبِ التَّبْصِرَةِ الشَّهَادَةُ إخْبَارٌ يَتَعَلَّقُ بِمُعَيَّنٍ فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: فِي مَوْضِعِ قَوْمٍ يَصْلُحُونَ لَهَا] تَحَمُّلًا أَوْ أَدَاءً فَيُطَالَبُونَ بِهَا عَلَى سَبِيلِ الْكِفَايَةِ، فَمَنْ قَامَ بِهَا كَفَى عَنْ الْبَاقِينَ.
[قَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ يَكُنْ إلَّا وَاحِدٌ إلَخْ] قَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ اثْنَانِ لَكَانَتْ فِي حَقِّهِمَا فَرْضَ كِفَايَةٍ لِثُبُوتِ الْحَقِّ الْمَالِيِّ بِشَهَادَةِ وَاحِدٍ وَيَمِينِ الْمُدَّعِي.
وَأَمَّا لَوْ كَانَتْ فِي غَيْرِ الْمَالِ مِمَّا يَتَوَقَّفُ عَلَى شَاهِدَيْنِ فَتَكُونُ فِي حَقِّهِمَا فَرْضَ عَيْنٍ وَيُوَافِقُهُ قَوْلُ ابْنِ عَرَفَةَ الْأَدَاءُ عُرْفًا إعْلَامُ الشَّاهِدِ الْحَاكِمَ بِشَهَادَتِهِ بِمَا يَحْصُلُ لَهُ الْعِلْمُ بِمَا شَهِدَ بِهِ وَهُوَ وَاجِبٌ عَيْنًا عَلَى مَنْ لَمْ يَزِدْ عَلَى عَدَدِ مَا يَثْبُتُ بِهِ الْمَشْهُودُ بِهِ، وَكِفَايَةً عَلَى مَنْ زَادَ عَدَدُهُ عَلَيْهِ حَاضِرًا كَوَاحِدٍ مِنْ ثَلَاثَةٍ فِي الْأَمْوَالِ. وَقَوْلُهُ: وَيُجْبَرُ بِالضَّرْبِ وَالسَّجْنِ هَلْ الْمُرَادُ بِهِمَا مَعًا فِي آنٍ وَاحِدٍ أَوْ عَلَى التَّرْتِيبِ يَسْجُنُهُ أَوَّلًا ثُمَّ يَضْرِبُهُ.
[قَوْلُهُ: مِثْلُ أَنْ يَدَّعِيَ إلَخْ] فَالْقَوْلُ قَوْلُ مُدَّعِي الْبَتِّ إلَّا أَنْ يَأْتِيَ مُدَّعِي الْخِيَارِ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ، وَعَبَّرَ بِمِثْلِ لَيَدْخُلَ فِي ذَلِكَ الْإِجَارَةُ وَجِرَاحَاتُ الْخَطَأِ وَأَدَاءُ الْكِتَابَةِ.
[قَوْلُهُ: فِي نِكَاحٍ] أَيْ ادَّعَى نِكَاحَهَا فِي حَالِ حَيَاتِهَا احْتِرَازًا عَنْ الدَّعْوَى عَلَيْهَا بَعْدَ مَوْتِهَا فَإِنَّهُ يُقْضَى بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ.
[قَوْلُهُ: وَلَا يَثْبُتُ نِكَاحٌ] الْوَاوُ لِلتَّعْلِيلِ.
[قَوْلُهُ: وَإِذَا لَمْ يَحْلِفْ] فِي بَعْضِ النُّسَخِ بِإِذَا وَفِي بَعْضِهَا بِإِنْ.
[قَوْلُهُ: فَلَهَا رَدُّ الْيَمِينِ] مُفَادُهُ أَنَّهَا مُطَالَبَةٌ بِالْيَمِينِ إلَّا أَنَّهَا إذَا لَمْ تَحْلِفْ لَهَا رَدُّ الْيَمِينِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مُطَالَبَةً بِالْيَمِينِ، فَالْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ: وَحَيْثُ لَمْ تُطَالَبْ بِالْحَلِفِ فَيَحْلِفُ الزَّوْجُ فَإِنْ يَحْلِفْ بَرِئَ وَإِنْ نَكَلَ فَإِنَّهُ يُحْبَسُ، فَإِنْ طَالَ حَبْسُهُ سَنَةً دُيِّنَ أَيْ يُخَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ زَوْجَتِهِ.
[قَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ رُدَّ إلَخْ] الْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ: وَحَيْثُ لَمْ يُطَالَبْ بِالْحَلِفِ فَيَحْلِفُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَإِنْ طَالَ حَبْسُهُ سَنَةً دُيِّنَ وَكَذَلِكَ الْعَبْدُ إذَا أَقَامَ شَاهِدًا عَلَى سَيِّدِهِ أَنَّهُ أَعْتَقَهُ فَإِنَّ السَّيِّدَ يَلْزَمُهُ يَمِينٌ لِرَدِّ الشَّهَادَةِ، فَإِنْ نَكَلَ حُبِسَ وَإِنْ طَالَ حَبْسُهُ سَنَةً دُيِّنَ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ النِّكَاحِ وَغَيْرِهِ أَنَّ النِّكَاحَ لَا يَكَادُ يَخْفَى فَقِيَامُ شَاهِدٍ وَاحِدٍ يَدُلُّ عَلَى الْكَذِبِ.
[قَوْلُهُ: فِي دَمٍ عَمْدٍ] كَأَنْ يَدَّعِي شَخْصٌ عَلَى آخَرَ أَنَّهُ جَرَحَهُ عَمْدًا وَأَقَامَ شَاهِدًا وَاحِدًا فَإِنَّهُ لَا يَحْلِفُ مَعَهُ وَإِنَّمَا تُرَدُّ الْيَمِينُ عَلَى الْجَانِي، فَإِنْ حَلَفَ بَرِئَ وَإِنْ نَكَلَ قِيلَ: يُقْتَصُّ مِنْهُ بِالشَّاهِدِ وَالنُّكُولِ، وَقِيلَ: يُسْجَنُ فَإِنْ طَالَ سَجْنُهُ دُيِّنَ وَأُخْرِجَ.
[قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ يُقْضَى فِيهِ بِالشَّاهِدِ] وَمِثْلُهُ الْجُرْحُ الَّذِي لَا قِصَاصَ فِيهِ كَالْجَائِفَةِ وَالْآمَّةِ.
[قَوْلُهُ: ثُمَّ
ثُمَّ اسْتَثْنَى مِنْ عَدَمِ قَبُولِ الشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ فِي دَمِ الْعَمْدِ وَالْقَتْلِ فَقَالَ: (إلَّا مَعَ الْقَسَامَةِ فِي النَّفْسِ) مُرَادُهُ أَنَّهُ يُقْضَى بِالْقَسَامَةِ مَعَ الشَّاهِدِ الْوَاحِدِ مِنْ غَيْرِ يَمِينٍ وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُ اللَّفْظِ لَا يُعْطِيهِ، فَإِنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّهُ لَا يُقْضَى بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ فِي دَمِ عَمْدٍ أَوْ قَتْلِ نَفْسٍ عَمْدًا إلَّا مَعَ الْقَسَامَةِ فِي النَّفْسِ فَيُقْضَى بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ مَعَ الْقَسَامَةِ، وَهَذَا لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ وَمَا قَدَّمَهُ مِنْ أَنَّهُ لَا يُقْضَى بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ فِي الْجِرَاحِ الْعَمْدِ خِلَافُ الْمَشْهُورِ، وَالْمَشْهُورُ هُوَ قَوْلُهُ:
(وَقَدْ قِيلَ يُقْضَى بِذَلِكَ) أَيْ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ (فِي الْجِرَاحِ) يَعْنِي مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَ عَمْدًا أَوْ خَطَأً، وَقَدْ اعْتَرَضَ عَلَيْهِ فِي تَمْرِيضِ الْمَشْهُورِ بِتَقْدِيمِ غَيْرِهِ وَذَكَرَهُ لَهُ بِصِيغَةِ التَّمْرِيضِ (وَلَا تَجُوزُ شَهَادَةُ النِّسَاءِ) فِيمَا هُوَ مِنْ شَأْنِ الرِّجَالِ (إلَّا فِي الْأَمْوَالِ) وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا كَالْإِجَارَةِ (وَمِائَةُ امْرَأَةٍ كَامْرَأَتَيْنِ وَذَلِكَ كَرَجُلٍ وَاحِدٍ يُقْضَى بِذَلِكَ مَعَ رَجُلٍ أَوْ مَعَ الْيَمِينِ فِيمَا يَجُوزُ فِيهِ شَاهِدٌ وَيَمِينٌ) .
وَالرَّابِعَةُ: أَشَارَ إلَيْهَا بِقَوْلِهِ: (وَشَهَادَةُ امْرَأَتَيْنِ فَقَطْ فِيمَا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ مِنْ الْوِلَادَةِ وَالِاسْتِهْلَالِ) وَهُوَ النُّطْقُ (وَشِبْهِهِ) مِثْلُ عُيُوبِ الْفَرْجِ أَوْ الْبَدَنِ (جَائِزَةٌ) وَلَا يُعَارَضُ هَذَا الْحَصْرُ فِي قَوْلِهِ: وَلَا تَجُوزُ شَهَادَةُ النِّسَاءِ إلَّا فِي الْأَمْوَالِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مَخْصُوصٌ بِمَا قَيَّدْنَا بِهِ كَلَامَهُ مِنْ قَوْلِنَا فِيمَا هُوَ مِنْ شَأْنِ الرِّجَالِ.
ثُمَّ انْتَقَلَ يَتَكَلَّمُ عَلَى مَنْ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ وَمَنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ فَقَالَ: (وَلَا تَجُوزُ شَهَادَةُ خَصْمٍ) عَلَى خَصْمِهِ بِدُنْيَوِيٍّ لَهُ بَالٌ وَطَالَتْ الْخُصُومَةُ بَيْنَهُمَا (وَلَا) شَهَادَةُ (ظَنِينٍ) بِالظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ الْمُشَالَةِ وَهُوَ الْمُتَّهَمُ فِي دِينِهِ
ــ
[حاشية العدوي]
اسْتَثْنَى إلَخْ] الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ اسْتَثْنَى مِنْ عَدَمِ قَبُولِ الشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ فِي قَتْلِ النَّفْسِ إذْ لَا دَخْلَ لِقَوْلِهِ فِي دَمِ عَمْدٍ فِي الِاسْتِثْنَاءِ.
[قَوْلُهُ: مُرَادُهُ أَنَّهُ يُقْضَى بِالْقَسَامَةِ] أَيْ فَإِنَّهُ يُقْضَى بِالشَّاهِدِ مَعَ أَيْمَانِ الْقَسَامَةِ مِنْ غَيْرِ يَمِينٍ زَائِدٍ عَلَى أَيْمَانِ الْقَسَامَةِ وَذَلِكَ فِي بَعْضِ أَمْثِلَةِ اللَّوْثِ كَالْعَدْلِ فَقَطْ فِي مُعَايَنَةِ الْقَتْلِ الْعَمْدِ وَالْخَطَأِ بِخِلَافِ شَهَادَةِ الْعَدْلِ عَلَى الْجُرْحِ لَا بُدَّ أَنْ يَحْلِفَ الْوَلِيُّ لَقَدْ جَرَحَهُ وَلَمِنْ جَرْحِهِ مَاتَ، فَيَزِيدُ لَقَدْ جَرَحَهُ مَعَ كُلِّ يَمِينٍ لِيَكْمُلَ النِّصَابُ، وَتِلْكَ الصِّفَةُ اجْتَمَعَ فِيهَا الْيَمِينُ الْمُكَمِّلَةُ لِلنِّصَابِ وَأَيْمَانُ الْقَسَامَةِ.
[قَوْلُهُ: وَشَهَادَةُ امْرَأَتَيْنِ] أَيْ لَا يُجْزِئُ أَقَلُّ وَلَا رِجَالٌ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ لَا أَزْيَدَ مِنْ امْرَأَتَيْنِ مِنْ النِّسَاءِ.
[قَوْلُهُ: فِيمَا لَا يَطَّلِعُ] أَيْ فِيمَا لَا يَجُوزُ أَوْ يَنْدُرُ.
[قَوْلُهُ: مِنْ الْوِلَادَةِ] ظَاهِرُهُ وَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ شَخْصُ الْجَسَدِ وَهُوَ كَذَلِكَ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ خِلَافًا لِسَحْنُونٍ.
[قَوْلُهُ: جَائِزَةٌ] مِنْ غَيْرِ يَمِينٍ، وَلَا يَكْفِي الْوَاحِدَةُ مَعَ الْيَمِينِ وَالشَّهَادَةُ عَلَى الْوِلَادَةِ وَعَلَى الِاسْتِهْلَالِ أَيْ عَلَى أَنَّهُ يَنْزِلُ مُسْتَهِلًّا عَامٌّ فِي الْحَرَائِرِ وَالْإِمَاءِ، وَإِنَّمَا عُمِلَ بِشَهَادَتَيْنِ فِيهِ لِنُدُورِ اطِّلَاعِ الرِّجَالِ عَلَى ذَلِكَ، فَلَا يُنَافِي أَنَّهُ يُمْكِنُ رُؤْيَةُ الرِّجَالِ لِذَلِكَ، وَفَائِدَةُ ثُبُوتِ الِاسْتِهْلَالِ وَعَدَمِهِ تَظْهَرُ فِي الْإِرْثِ لَهُ أَوْ مِنْهُ، وَأَمَّا عَيْبُ الْفَرْجِ وَالْحَيْضِ فَهُوَ فِي الْإِمَاءِ دُونَ الْحَرَائِرِ؛ لِأَنَّ الْحُرَّةَ تُصَدَّقُ فِي نَفْيِ دَاءِ فَرْجِهَا وَفِي حَيْضِهَا. وَفَرَّقَ بَعْضُهُمْ بِقَوْلِهِ: وَلَعَلَّ الْفَرْقَ شَرَفُ الْحُرَّةِ عَلَى الْأَمَةِ فَإِذَا تَنَازَعَ بَائِعُ أَمَةٍ مَعَ مُشْتَرِيهَا فِي عَيْبٍ بِفَرْجِهَا نَظَرَهَا النِّسَاءُ، وَأَمَّا مَا كَانَ بِغَيْرِ الْفَرْجِ فَإِنْ كَانَ فِي الْوَجْهِ أَوْ الْيَدَيْنِ فَيَنْظُرُهُ الرِّجَالُ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ دَاخِلَ الثِّيَابِ وَخَارِجَ الْفَرْجِ فَلَا يَثْبُتُ إلَّا بِرُؤْيَةِ النِّسَاءِ الْعِدْلَاتِ وَلَوْ فِي الْحَرَائِرِ.
قَالَ تت: وَهَلْ تَجُوزُ شَهَادَتُهُنَّ فِي كَوْنِهِ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ لَكِنْ مَعَ يَمِينِ الْقَائِمِ بِشَهَادَتِهِنَّ اهـ.
وَعَلَيْهِ فَهَذِهِ مَرْتَبَةٌ تُزَادُ عَلَى مَرَاتِبِ الشَّهَادَةِ قَالَهُ عج.
[قَوْلُهُ: بِدُنْيَوِيٍّ] أَيْ خَصْمُهُ بِسَبَبِ أَمْرٍ دُنْيَوِيٍّ غَيْرِ خَفِيفٍ. وَقَوْلُهُ: أَوْ طَالَتْ أَيْ أَوْ طَالَتْ فَحَاصِلُهُ أَنَّ عَدَمَ الْجَوَازِ فِي صُورَتَيْنِ، أُولَاهُمَا: أَنْ تَكُونَ الْخُصُومَةُ بِسَبَبٍ دُنْيَوِيٍّ غَيْرِ خَفِيفٍ، الثَّانِيَةُ: بِسَبَبِ أَمْرٍ دُنْيَوِيٍّ خَفِيفٍ إلَّا أَنَّهُ طَالَتْ الْخُصُومَةُ بَيْنَهُمَا بِحَيْثُ اسْتَحْكَمَتْ، وَأَمَّا بِدِينِيٍّ كَشَهَادَةِ الْمُسْلِمِ عَلَى الْكَافِرِ أَوْ دُنْيَوِيٍّ خَفِيفٍ وَلَمْ تَطُلْ الْخُصُومَةُ فَتَجُوزُ.
قَالَ ابْنُ كِنَانَةَ: تُقْبَلُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ إذَا كَانَتْ الْهِجْرَةُ فِي أَمْرٍ خَفِيفٍ وَلَا تُقْبَلُ فِي الْمُهَاجَرَةِ الطَّوِيلَةِ وَالْعَدَاوَةِ الْبَيِّنَةِ اهـ إذْ الظَّاهِرُ أَنَّ الْوَاوَ بِمَعْنَى أَوْ.
وَقِيلَ: الْمُتَّهَمُ فِي شَهَادَتِهِ وَلَوْ اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ: (وَلَا يُقْبَلُ) يَعْنِي فِي الشَّهَادَةِ (إلَّا الْعُدُولُ) لَأَغْنَاهُ عَمَّا قَبْلَهُ وَمَا بَعْدَهُ.
بَعْضُهُمْ لَيْسَتْ الْعَدَالَةُ أَنْ يَتَمَحَّضَ الرَّجُلُ لِلطَّاعَةِ حَتَّى لَا يَشُوبَهَا مَعْصِيَةٌ وَذَلِكَ مُتَعَذِّرٌ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إلَّا الْأَوْلِيَاءُ وَالصِّدِّيقُونَ، وَلَكِنْ مَنْ كَانَتْ الطَّاعَةُ أَكْثَرَ أَحْوَالِهِ وَأَغْلَبَهَا عَلَيْهِ وَهُوَ مُجْتَنِبٌ لِلْكَبَائِرِ مُحَافِظٌ عَلَى تَرْكِ الصَّغَائِرِ فَهُوَ الْعَدْلُ، وَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ هَذَا حَالَ الْأَدَاءِ لَا حَالَ التَّحَمُّلِ (وَ) كَذَلِكَ (لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الْمَحْدُودِ فِي الزِّنَا) مَثَلًا مَا لَمْ يَتُبْ، أَمَّا إنْ تَابَ فَسَيَنُصُّ عَلَيْهِ (وَ) كَذَا (لَا) تَجُوزُ (شَهَادَةُ عَبْدٍ) فِي حَالِ رِقِّهِ؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ مَرْتَبَةٌ عَظِيمَةٌ لَيْسَ الْعَبْدُ أَهْلًا لَهَا.
وَمِثْلُهُ الْأَمَةُ وَمَنْ فِيهَا شَائِبَةٌ مِنْ شَوَائِبِ الْعِتْقِ (وَ) كَذَا (لَا) تُقْبَلُ شَهَادَةُ (صَبِيٍّ) فِي حَالِ صِغَرِهِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ وَإِنْ تَحَمَّلَهَا فِي الصِّبَا وَضَبَطَهَا وَأَدَّاهَا بَعْدَ بُلُوغِهِ فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ مَا لَمْ تُرَدَّ فِي حَالِ صِبَاهُ، وَسَيَنُصُّ عَلَى قَبُولِ شَهَادَةِ الصِّبْيَانِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ فَمَا هُنَا مَخْصُوصٌ بِهِ (وَ) كَذَا (لَا) تَجُوزُ شَهَادَةُ (كَافِرٍ) فِيمَا شَهِدَ بِهِ فِي حَالِ كُفْرِهِ لَا عَلَى مُسْلِمٍ وَلَا عَلَى كَافِرٍ.
وَأَمَّا مَا تَحَمَّلَهُ حَالَ كُفْرِهِ وَشَهِدَ بِهِ حَالَ إسْلَامِهِ فَيُقْبَلُ مَا لَمْ تُرَدَّ فِي حَالِ كُفْرِهِ (وَإِذَا تَابَ الْمَحْدُودُ فِي الزِّنَا قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ إلَّا فِي الزِّنَا) فَإِنَّهَا لَا تُقْبَلُ (وَ) كَذَا غَيْرُ الزِّنَا إذَا تَابَ فَإِنَّ شَهَادَتَهُ تُقْبَلُ إلَّا
ــ
[حاشية العدوي]
تَنْبِيهٌ
يَسْتَمِرُّ الْمَنْعُ حَتَّى يَغْلِبَ عَلَى الظَّنِّ زَوَالُ الْعَدَاوَةِ، وَكَمَا لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْعَدُوِّ عَلَى عَدُوِّهِ كَذَلِكَ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ عَلَى أَبِيهِ وَأُمِّهِ وَابْنِهِ، وَكَذَا ابْنُ الْعَدُوِّ لَا يَشْهَدُ عَلَى عَدُوِّ أَصْلِهِ وَلَوْ مَاتَ كَأَنَّ الْعَدَاوَةَ تُورَثُ.
[قَوْلُهُ: وَهُوَ الْمُتَّهَمُ فِي دِينِهِ] أَيْ بِارْتِكَابِهِ أَمْرًا لَا يَجُوزُ شَرْعًا، وَفَسَّرَهُ ابْنُ عُمَرَ أَيْ الْمُتَّهَمُ فِي دِينِهِ بِأَنَّهُ مَغْمُوسٌ فِي أَخْلَاقِهِ يُرَى مَعَ أَهْلِ الْخَيْرِ وَيُرَى مَعَ أَهْلِ الشَّرِّ.
[قَوْلُهُ: وَقِيلَ الْمُتَّهَمُ فِي شَهَادَتِهِ] أَيْ بِالْمَيْلِ لِمَنْ يَشْهَدُ لَهُ أَيْ كَشَهَادَةِ الْأَبِ لِابْنِهِ الْبَارِّ عَلَى الْعَاقِّ، أَوْ لِلصَّغِيرِ عَلَى الْكَبِيرِ، أَوْ لِلسَّفِيهِ عَلَى الرَّشِيدِ لِاتِّهَامِ الْأَبِ عَلَى إبْقَاءِ الْمَالِ تَحْتَ يَدِهِ.
[قَوْلُهُ: إلَّا الْعُدُولُ] جَمْعُ عَدْلٍ وَهُوَ الْحُرُّ الْمُسْلِمُ الْعَاقِلُ الْبَالِغُ السَّالِمُ مِنْ فِسْقٍ وَحَجْرِ سَفَهٍ وَبِدْعَةٍ وَإِنْ مَعَ تَأْوِيلٍ، فَالسَّفِيهُ الْمَحْجُورُ عَلَيْهِ لَيْسَ بِعَدْلٍ وَكَذَلِكَ الْبِدْعِيُّ كَالْمُعْتَزِلِيِّ وَالْخَارِجِيِّ لَيْسَ بِعَدْلٍ، وَلَا يُلْتَفَتُ إلَى تَأْوِيلِ أَحَدٍ.
قَالَ الْقَرَافِيُّ: الْعَدَالَةُ عِنْدَنَا حَقٌّ لِلَّهِ عَلَى الْحَاكِمِ فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ بِغَيْرِ الْعَدْلِ وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ الْخَصْمُ الْعَدَالَةَ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَعَلَى أَنَّهَا حَقٌّ لِلَّهِ لَوْ رَضِيَ الْخَصْمَانِ بِشَهَادَةِ كَافِرٍ أَوْ مَسْخُوطٍ لَا يَجُوزُ لِلْحَاكِمِ الْحُكْمُ بِذَلِكَ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ.
[قَوْلُهُ: لَأَغْنَاهُ عَمَّا قَبْلَهُ] الْغِنَى إنَّمَا يَظْهَرُ عَلَى تَفْسِيرِ الظِّنِّينَ بِالْمُتَّهَمِ فِي دِينِهِ.
[قَوْلُهُ: وَأَغْلَبُهَا عَلَيْهِ] بِمَعْنَى مَا قَبْلَهُ.
[قَوْلُهُ: وَهُوَ مُجْتَنِبٌ لِلْكَبَائِرِ مُحَافِظٌ عَلَى تَرْكِ الصَّغَائِرِ] أَقُولُ: التَّعْبِيرُ فِي جَانِبِ الْكَبَائِرِ بِمُجْتَنِبٍ، وَفِي جَانِبِ الصَّغَائِرِ بِمُحَافِظٍ عَلَى تَرْكٍ لِلتَّفَنُّنِ، وَبَعْدَ هَذَا فَنَقُولُ: إنَّ مَنْ كَانَ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ لَمْ تَشُبْ طَاعَتَهُ الْمَعَاصِي فَيَكُونُ عَيْنَ مَا نَفَاهُ أَوَّلًا.
[قَوْلُهُ: وَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ هَذَا حَالَ الْأَدَاءِ] ؛ لِأَنَّهُ يَصِحُّ التَّحَمُّلُ مِنْ كُلِّ مُمَيِّزٍ وَلَوْ عَبْدًا أَوْ صَبِيًّا أَوْ كَافِرًا إلَّا فِي مَسْأَلَتَيْنِ وَهُمَا الشَّهَادَةُ عَلَى عَقْدِ النِّكَاحِ، وَالْمَشْهُودُ عَلَى خَطِّهِ فَلَا بُدَّ مِنْ شُرُوطِ الْأَدَاءِ عِنْدَ كِتَابَةِ خَطِّهِ.
[قَوْلُهُ: الْمَحْدُودُ فِي الزِّنَا مَثَلًا] إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْمَحْدُودَ عَامٌّ فِي الْقَذْفِ وَالزِّنَا وَشُرْبِ الْخَمْرِ وَالسَّرِقَةِ. زَادَ فِي التَّحْقِيقِ وَمِثْلُ الْمَحْدُودِ الْمُقْتَصُّ مِنْهُ فِي الْجِرَاحَاتِ أَيْ حُدَّ بِالْفِعْلِ، وَأَوْلَى إنْ لَمْ يُحَدَّ أَيْ فَلَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ لَا فِيمَا حُدَّ فِيهِ وَلَا فِي غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ الْفَرْضَ أَنَّهُ لَمْ يَتُبْ كَمَا قَالَهُ الشَّارِحُ.
[قَوْلُهُ: مَرْتَبَةٌ عَظِيمَةٌ] فَهِيَ مِنْ الْمَنَاصِبِ الشَّرْعِيَّةِ الَّتِي هِيَ سَبَبٌ فِي إلْزَامِ الْغَيْرِ مَا يَحْكُمُ بِهِ عَلَيْهِ، وَالنَّفْسُ تَأْنَفُ أَنْ يَقَعَ ذَلِكَ مِنْ نَاقِصٍ وَأَمَّا مَا تَحَمَّلَهُ فِي حَالِ الرِّقِّ وَأَدَّاهُ بَعْدَ الْعِتْقِ فَإِنَّهُ يُقْبَلُ.
[قَوْلُهُ: مَا لَمْ تُرَدَّ فِي حَالِ صِبَاهُ] أَيْ لِأَنَّهُ يُتَّهَمُ عَلَى إزَالَةِ النَّقْصِ الَّذِي رُدَّتْ شَهَادَتُهُ لِأَجْلِهِ لِمَا جُبِلَ عَلَيْهِ مِنْ الطَّبَائِعِ الْبَشَرِيَّةِ فِي دَفْعِ الْمَعَرَّةِ، وَكَذَا يُقَالُ فِي قَوْلِهِ: مَا لَمْ تُرَدَّ فِي حَالِ كُفْرِهِ.
[قَوْلُهُ: مَخْصُوصٌ بِهِ] أَيْ دَخَلَهُ الْخُصُوصُ بِسَبَبِهِ أَيْ فَيُقْصَرُ عَلَى مَا عَدَاهُ.
[قَوْلُهُ: مَا لَمْ تُرَدَّ فِي حَالِ كُفْرِهِ] أَيْ لِمَا تَقَدَّمَ.
[قَوْلُهُ: وَإِذَا تَابَ الْمَحْدُودُ فِي الزِّنَا قُبِلَتْ إلَخْ] لَيْسَ الْمُرَادُ بِالتَّوْبَةِ مُجَرَّدَ حُصُولِهَا بَلْ لَا بُدَّ مِنْ قَرَائِنَ تَدُلُّ عَلَى صَلَاحِ حَالِ الْمَحْدُودِ، وَلَا يَتَقَيَّدُ
(فِيمَا حُدَّ فِيهِ) عَلَى الْمَشْهُورِ فَلَوْ قَالَ: وَإِذَا تَابَ الْمَحْدُودُ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ إلَّا فِيمَا حُدَّ فِيهِ لَكَانَ أَوْلَى (وَ) كَذَا (لَا) تَجُوزُ (شَهَادَةُ الِابْنِ لِلْأَبَوَيْنِ) ظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ وَهُوَ قَوْلُ سَحْنُونَ.
وَقَالَ ابْنُ نَافِعٍ: ذَلِكَ جَائِزٌ مَا لَمْ تَكُنْ تُهْمَةٌ كَمُوَالَاةِ الْأَبِ لِلِابْنِ بِالصِّلَةِ وَهُوَ الَّذِي مَشَى عَلَيْهِ صَاحِبُ الْمُخْتَصَرِ (وَ) كَذَا (لَا) تَجُوزُ (شَهَادَتُهُمَا) أَيْ الْأَبَوَيْنِ (لَهُ) أَيْ لِلِابْنِ وَفِي حُكْمِهِمَا الْأَجْدَادُ وَالْجَدَّاتُ مِنْ قِبَلِ الْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ (وَ) كَذَلِكَ (لَا) تَجُوزُ شَهَادَةُ (الزَّوْجِ لِلزَّوْجَةِ)(وَلَا) شَهَادَتُهَا (هِيَ لَهُ) فِي حَالِ الْعِصْمَةِ لِوُجُودِ التُّهْمَةِ، وَقَيَّدْنَا بِحَالِ الْعِصْمَةِ؛ لِأَنَّ شَهَادَتَهَا لَهُ بَعْدَ أَنَّ طَلَّقَهَا طَلَاقًا بَائِنًا مَقْبُولَةٌ (وَتَجُوزُ شَهَادَةُ الْأَخِ الْعَدْلِ لِأَخِيهِ) فِي الْأَمْوَالِ، ظَاهِرُهُ سَوَاءٌ كَانَ مُبَرَّزًا أَمْ لَا مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ نَفَقَتُهُ أَوْ يَتَكَرَّرْ عَلَيْهِ مَعْرُوفُهُ، وَتَقْيِيدُنَا بِالْأَمْوَالِ احْتِرَازًا مِنْ شَهَادَتِهِ فِيمَا تُدْرِكُهُ فِيهِ الْحَمِيَّةُ أَوْ دَفْعُ مَعَرَّةٍ مَثَلًا فَلَا تَجُوزُ (وَلَا) تَجُوزُ (شَهَادَةُ مُجَرَّبٍ فِي كَذِبٍ) حَرَامٍ (أَوْ مُظْهِرٍ لِكَبِيرَةٍ) أَمَّا الْأَوَّلُ فَهُوَ الْمُكَرِّرُ لَهُ الْمَرَّةَ بَعْدَ الْمَرَّةِ فَالْكِذْبَةُ الْوَاحِدَةُ لَا أَثَرَ لَهَا، وَقَيَّدْنَا بِالْحَرَامِ احْتِرَازًا مِنْ الْكَذِبِ الْجَائِزِ كَالْكَذِبِ لِلصُّلْحِ بَيْنَ الْمُتَهَاجِرَيْنِ
ــ
[حاشية العدوي]
ذَلِكَ بِمُدَّةٍ خِلَافًا لِمَنْ حَدَّهُ بِسَنَةٍ أَوْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ قَالَهُ ابْنُ عُمَرَ.
[قَوْلُهُ: إلَّا فِيمَا حُدَّ فِيهِ] أَيْ بِالْفِعْلِ وَلَوْ صَارَ بَعْدَ تَوْبَتِهِ أَحْسَنَ النَّاسِ؛ لِأَنَّهُ يُتَّهَمُ عَلَى التَّأَسِّي بِإِثْبَاتِ مُشَارِكٍ لَهُ فِي صِفَتِهِ، وَقَيَّدْنَا بِالْفِعْلِ احْتِرَازًا عَمَّا إذَا عُفِيَ عَنْهُ فَشَهِدَ فِي مِثْلِهِ فَتُقْبَلُ، وَاشْتِرَاطُ الْحَدِّ بِالْفِعْلِ فِي غَيْرِ الْقَتْلِ.
وَأَمَّا فِي قَتْلِ غَيْرِهِ عَمْدًا وَعُفِيَ عَنْهُ فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ فِي الْقَتْلِ وَلَوْ حَسُنَتْ حَالَتُهُ بَعْدَ تَوْبَتِهِ، وَتَجُوزُ شَهَادَتُهُ فِي غَيْرِهِ وَمِثْلُ الْحُدُودِ التَّعَازِيرُ فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ مَنْ عُزِّرَ فِيمَا عُزِّرَ فِيهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ وَقَعَ ذَلِكَ مِنْهُ فَلْتَةً وَهَذَا بِخِلَافِ الْقَاضِي فَلَهُ أَنْ يَحْكُمَ وَلَوْ فِيمَا حُدَّ فِيهِ بِالْفِعْلِ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الْقَاضِيَ يَسْتَنِدُ فِي حُكْمِهِ لِإِخْبَارِ غَيْرِهِ بِخِلَافِ الشَّاهِدِ.
تَنْبِيهٌ
مَا تَقَرَّرَ مِنْ أَنَّهُ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ فِيمَا حُدَّ فِيهِ، وَالْحَالُ أَنَّهُ مُسْلِمٌ بِخِلَافِ الْكَافِرِ إذَا حُدَّ ثُمَّ أَسْلَمَ فَتُقْبَلُ شَهَادَتُهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ.
[قَوْلُهُ: وَكَذَا غَيْرُ الزِّنَا إلَخْ] إشَارَةً إلَى أَنَّ الْمُصَنِّفَ لَيْسَ قَصْدُهُ خُصُوصَ الْمَحْدُودِ فِي الزِّنَا. وَقَوْلُهُ: عَلَى الْمَشْهُورِ وَهُوَ قَوْلُ سَحْنُونَ فَإِنَّهُ يَقُولُ: الْمَحْدُودُ مُطْلَقًا فِي زِنًا أَوْ غَيْرِهِ إذَا تَابَ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ إلَّا فِيمَا حُدَّ فِيهِ، وَمُقَابِلُهُ مَا لِابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ إذَا تَابَ تُقْبَلُ فِي كُلِّ شَيْءٍ وَلَوْ فِيمَا حُدَّ فِيهِ.
[قَوْلُهُ: لِلْأَبَوَيْنِ] وَإِنْ عَلَيَا، وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ شَهَادَةُ الْفَرْعِ لِأَصْلِهِ فَلَا حَاجَةَ لِقَوْلِ الشَّارِحِ وَفِي حُكْمِهِمَا الْأَجْدَادُ وَالْجَدَّاتُ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْفَرْعَ لَا يَشْهَدُ لِأَصْلِهِ وَلَا الْأَصْلَ لِفَرْعِهِ.
وَأَمَّا شَهَادَةُ الْفَرْعِ لِلْفَرْعِ عَلَى أَصْلِهِ أَوْ عَكْسُهُ فَيَجُوزُ، وَتَجُوزُ شَهَادَةُ أَحَدِ الْأَبَوَيْنِ لِأَحَدِ أَوْلَادِهِ عَلَى وَلَدِهِ الْآخَرِ إنْ لَمْ يَظْهَرْ مَيْلٌ لِلْمَشْهُودِ لَهُ وَإِلَّا امْتَنَعَتْ كَمَا لَوْ شَهِدَ الْوَالِدُ لِلصَّغِيرِ عَلَى الْكَبِيرِ أَوْ لِلْبَارِّ عَلَى الْفَاسِقِ، وَأَمَّا لَوْ شَهِدَ لِابْنِهِ عَلَى جَدِّهِ أَوْ لِابْنِهِ عَلَى ابْنِهِ لَانْبَغَى أَنْ لَا تَجُوزَ قَوْلًا وَاحِدًا.
[قَوْلُهُ: بِالصِّلَةِ] أَيْ الْعَطِيَّةِ.
[قَوْلُهُ: وَهُوَ الَّذِي مَشَى عَلَيْهِ صَاحِبُ الْمُخْتَصَرِ إلَخْ] وَهُوَ الرَّاجِحُ.
[قَوْلُهُ: وَكَذَا لَا تَجُوزُ إلَخْ] وَكَمَا لَا يَشْهَدُ لِلزَّوْجَةِ لَا يَشْهَدُ لِأَبِيهَا وَلَا لِابْنِهَا، وَكَمَا لَا تَشْهَدُ الزَّوْجَةُ لِزَوْجِهَا لَا تَشْهَدُ لِأَبِيهِ وَلَا لِأُمِّهِ.
[قَوْلُهُ: فِي حَالِ الْعِصْمَةِ] أَيْ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا فَتَدْخُلُ الْمُطَلَّقَةُ طَلَاقًا رَجْعِيًّا. وَقَوْلُهُ: بَعْدَ أَنْ طَلَّقَهَا طَلَاقًا بَائِنًا إلَخْ دَخَلَ فِيهِ الْمُطَلَّقَةُ رَجْعِيًّا إذَا خَرَجَتْ مِنْ الْعِدَّةِ.
[قَوْلُهُ: مَقْبُولَةٌ] أَيْ وَإِنْ كَانَ لَهُ مِنْهَا وَلَدٌ قَالَهُ سَحْنُونٌ.
[قَوْلُهُ: ظَاهِرُهُ كَانَ مُبَرَّزًا أَمْ لَا] ضَعِيفٌ، وَالْمُعْتَمَدُ اشْتِرَاطُ التَّبَرُّزِ وَالْمُبَرَّزُ هُوَ مَنْ فَاقَ أَقْرَانَهُ فِي الْعَدَالَةِ.
[قَوْلُهُ. وَتَقْيِيدُنَا بِالْأَمْوَالِ] وَمِثْلُ الْمَالِ الْجِرَاحُ الَّتِي فِيهَا الْمَالُ.
[قَوْلُهُ: فِيمَا تُدْرِكُهُ فِيهِ الْحَمِيَّةُ] أَيْ الْعَصَبِيَّةُ أَيْ كَأَنْ شَهِدَ بِأَنَّ فُلَانًا جَرَحَ أَخَاهُ أَوْ قَذَفَهُ؛ لِأَنَّهُ تُدْرِكُهُ الْحَمِيَّةُ وَيَصْدُقُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ دَفَعَ مَعَرَّةً، فَالظَّاهِرُ الِاسْتِغْنَاءُ عَنْهُ.
وَقَالَ مَثَلًا إشَارَةً إلَى أَنَّهُ لَا يَشْهَدُ لَهُ أَيْضًا فِيمَا إذَا كَانَ يَكْتَسِبُ لِأَخِيهِ شَرَفًا أَوْ جَاهًا كَشَهَادَتِهِ لَهُ بِأَنَّهُ تَزَوَّجَ مَنْ يَحْصُلُ لَهُ بِنِكَاحِهَا شَرَفٌ أَوْ جَاهٌ لِكَوْنِهَا مِنْ ذَوِي الْقَدْرِ.
[قَوْلُهُ: فَالْكِذْبَةُ الْوَاحِدَةُ] أَيْ فِي
فَإِنَّهُ لَا يَقْدَحُ.
وَأَمَّا الثَّانِي فَالْمُرَادُ بِهِ فَاعِلُهَا وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّ مُظْهِرَ الصَّغِيرَةِ لَا يَقْدَحُ فِي شَهَادَتِهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَعَطْفُهُ الْكَبَائِرَ عَلَى الْكَذِبِ وَإِنْ كَانَ مِنْهَا لِكَوْنِهِ أَهَمَّ مَا يُطْلَبُ فِي الشَّهَادَةِ، وَاشْتِرَاطُهُ فِي الْكَبِيرَةِ الْإِظْهَارَ لَا مَفْهُومَ لَهُ بَلْ إذَا شُهِدَ عَلَيْهِ أَنَّهُ فَعَلَ كَبِيرَةً مُسْتَتِرًا فَإِنَّهُ يَقْدَحُ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ (وَ) كَذَا (لَا) تَجُوزُ شَهَادَةُ (جَارٍّ لِنَفْسِهِ نَفْعًا) مِثْلُ أَنْ يَشْهَدَ لِشَرِيكِهِ فِي شَيْءٍ مِنْ مَالِ الشَّرِكَةِ.
وَأَمَّا شَهَادَتُهُ لَهُ فِي غَيْرِ مَالِ الشَّرِكَةِ فَجَائِزٌ بِشَرْطِ التَّبْرِيزِ (وَ) كَذَا (لَا) تَجُوزُ شَهَادَةُ (دَافِعٍ عَنْهَا) أَيْ عَنْ نَفْسِهِ (ضَرَرًا) مِثْلُ أَنْ يَكُونَ لِرَجُلٍ عَلَى آخَرَ دَيْنٌ فَادَّعَى عَلَيْهِ رَجُلٌ آخَرُ بِدَيْنٍ فَشَهِدَ لَهُ هَذَا أَنَّهُ قَضَاهُ دَيْنَهُ فَهَذَا يُتَّهَمُ أَنْ يَكُونَ دَفَعَ عَنْ نَفْسِهِ الْمُخَاصَمَةَ (وَ) كَذَا (لَا) تَجُوزُ شَهَادَةُ (وَصِيٍّ لِيَتِيمِهِ) هَذَا دَاخِلٌ فِي قَوْلِهِ: وَلَا جَارٍّ لِنَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ يَجُرُّ بِشَهَادَتِهِ لِنَفْسِهِ مَالًا يَتَصَرَّفُ فِيهِ إنَّمَا كَرَّرَهُ لِيُرَتِّبَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: (وَتَجُوزُ شَهَادَتُهُ عَلَيْهِ) عَلَى الْمَشْهُورِ وَهُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ، وَلَفْظُهَا وَكُلُّ مَنْ لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ لَهُ فَشَهَادَتُهُ عَلَيْهِ جَائِزَةٌ (وَلَا يَجُوزُ تَعْدِيلُ النِّسَاءِ وَلَا تَجْرِيحُهُنَّ) لَا لِلرِّجَالِ وَلَا لِلنِّسَاءِ لِنَقْصِهِنَّ عَنْ رُتْبَةِ الرِّجَالِ، ثُمَّ بَيَّنَ مَا بِهِ تَكُونُ التَّزْكِيَةُ بِقَوْلِهِ:(وَلَا يُقْبَلُ فِي التَّزْكِيَةِ إلَّا مَنْ يَقُولُ عَدْلٌ رِضًا) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى أَنْ يَقُولَ: أَشْهَدُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَظَاهِرُهُ أَيْضًا أَنَّهُ لَوْ اقْتَصَرَ عَلَى أَحَدِ اللَّفْظَيْنِ لَا يُجْزِئُ وَهُوَ كَذَلِكَ فِي الْمُخْتَصَرِ مَعَ قُيُودٍ ذَكَرْنَاهَا فِي الْأَصْلِ،
ــ
[حاشية العدوي]
السَّنَةِ لَا أَثَرَ لَهَا مَا لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَى ذَلِكَ مَفْسَدَةٌ، وَكَانَ الْأَوْلَى لِلشَّارِحِ أَنْ يَقُولَ: أَمَّا الْأَوَّلُ فَهُوَ مَا زَادَ عَلَى الْمَرَّةِ فِي السَّنَةِ، وَالْكِذْبَةُ الْوَاحِدَةُ صَغِيرَةٌ مَا لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَيْهَا عَظِيمُ مَفْسَدَةٍ فَكَبِيرَةٌ وَلِذَلِكَ قَدَحَتْ.
[قَوْلُهُ: مِنْ الْكَذِبِ الْجَائِزِ] أَرَادَ بِهِ الْمَأْذُونَ فِيهِ فَلَا يُنَافِي نَدْبَهُ حَيْثُ كَانَ وَسِيلَةً لِلْإِصْلَاحِ.
[قَوْلُهُ: فَالْمُرَادُ بِهِ فَاعِلُهَا] أَيْ تَكَرَّرَ ذَلِكَ مِنْهُ أَوْ لَا أَيْ تَلَبَّسَ بِهَا تَلَبُّسًا لَا تُعْرَفُ لَهُ بَعْدَهُ تَوْبَةٌ.
[قَوْلُهُ: وَلَيْسَ كَذَلِكَ] بَلْ مُظْهِرُ الصَّغِيرَةِ كَمُظْهِرِ الْكَبِيرَةِ فِي عَدَمِ الْقَبُولِ هَذَا مَعْنَى كَلَامِهِ وَفِيهِ نَظَرٌ، بَلْ الشَّرْطُ أَنْ لَا يُبَاشِرَ صَغِيرَةَ الْخِسَّةِ كَسَرِقَةِ لُقْمَةٍ وَالتَّطْفِيفِ بِحَبَّةٍ وَأَمَّا صَغَائِرُ غَيْرِ الْخِسَّةِ كَنَظْرَةٍ لِأَجْنَبِيَّةٍ فَلَا يَقْدَحُ إلَّا بِشَرْطِ الْإِدْمَانِ عَلَيْهَا، فَمَا يَقَعُ فِي بَعْضِ الشُّرَّاحِ مِنْ أَنَّ النَّظَرَ صَغِيرَةُ خِسَّةٍ لَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ.
[قَوْلُهُ: لَا مَفْهُومَ لَهُ] قَدْ يُقَالُ: قَدْ أَجَابَ عَنْ الْإِشْكَالِ بِقَوْلِهِ: وَالْمُرَادُ إلَخْ.
[قَوْلُهُ: مِثْلُ أَنْ يَشْهَدَ لِشَرِيكِهِ] صُورَتُهَا ادَّعَى أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ عَلَى آخَرَ بِمَالٍ، وَالْحَالُ أَنَّ ذَلِكَ الْمَالَ الْمُدَّعَى بِهِ مِنْ جُمْلَةِ مَالِ الشَّرِكَةِ فَلَا يَجُوزُ لِلشَّرِيكِ الْآخَرِ أَنْ يَشْهَدَ لِشَرِيكِهِ؛ لِأَنَّهُ يَجُرُّ نَفْعًا لِنَفْسِهِ، وَكَمَا إذَا شَهِدَ عَلَى مُوَرِّثِهِ الْمُحْصَنِ بِالزِّنَا أَوْ بِقَتْلِ الْعَمْدِ وَالْحَالُ أَنَّهُ غَنِيٌّ؛ لِأَنَّهُ يُتَّهَمُ عَلَى قَتْلِهِ لِيَأْخُذَ مَالَهُ، وَلِذَا لَوْ كَانَ فَقِيرًا لَجَازَتْ الشَّهَادَةُ عَلَيْهِ.
[قَوْلُهُ: مِثْلُ أَنْ يَكُونَ لِرَجُلٍ عَلَى آخَرَ دَيْنٌ إلَخْ] أَيْ وَكَشَهَادَةِ بَعْضِ الْعَاقِلَةِ بِفِسْقِ شُهُودِ الْقَتْلِ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ الشَّاهِدُ فَقِيرًا.
[قَوْلُهُ: الْمُخَاصَمَةُ] أَيْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُدَّعِي الْآخَرِ أَيْ بِحَيْثُ يُخَاصِمُنِي وَيُنَازِعُنِي فَيَقُولُ: إنِّي أُقَاسِمُك فِي مَالِ الْمَدِينِ أَوْ أَنَا أَسْتَقِلُّ بِهِ وَأَنْتَ لَيْسَ لَك دَيْنٌ.
[قَوْلُهُ: وَتَجُوزُ شَهَادَتُهُ عَلَيْهِ عَلَى الْمَشْهُورِ] وَمُقَابِلُهُ لَا تَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ يُتَّهَمُ بِأَنْ يُرِيدَ تَقْلِيلَ مَالِهِ لِيَسْتَرِيحَ مِنْ ذَلِكَ، وَعَلَى الْمَشْهُورِ هَذِهِ تُهْمَةٌ بَعِيدَةٌ.
[قَوْلُهُ: وَلَا يَجُوزُ تَعْدِيلُ النِّسَاءِ إلَخْ] أَيْ فِيمَا لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُنَّ فِيهِ وَلَا فِي غَيْرِهِ.
[قَوْلُهُ: وَلَيْسَ كَذَلِكَ] بَلْ لَا بُدَّ مِنْ لَفْظِ أَشْهَدُ عَلَى الْمَشْهُورِ نَقَلَهُ الطِّخِّيخِيُّ عَنْ الْبِسَاطِيِّ، وَاعْتَمَدَ ابْنُ مَرْزُوقٍ عَدَمَ اشْتِرَاطِهِ.
[قَوْلُهُ: مَعَ قُيُودٍ ذَكَرْنَاهَا فِي الْأَصْلِ] حَاصِلُهُ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الْمُزَكِّي كَوْنُهُ مُبَرَّزًا فِي الْعَدَالَةِ مَعْرُوفًا. لِلْقَاضِي بِالْعَدَالَةِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الشَّاهِدُ غَرِيبًا فَلَا يُشْتَرَطُ فِي مُزَكِّيهِ كَوْنُهُ مَعْرُوفًا لِلْقَاضِي، بَلْ يَكْفِي أَنْ يُزَكِّيَ مُزَكِّيهِ مَعْرُوفٌ عِنْدَ الْقَاضِي بِالْعَدَالَةِ، وَكَوْنُ الْمُزَكِّي فَطِنًا عَارِفًا بِتَصَنُّعَاتِ الشُّهُودِ، وَأَنْ يَكُونَ مُعْتَمِدًا فِي شَهَادَتِهِ عَلَى التَّزْكِيَةِ عَلَى طُولِ عِشْرَةٍ لِلْمُزَكَّى بِالْفَتْحِ فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ، وَيُرْجَعُ فِي طُولِهَا لِلْعُرْفِ لَا عَلَى مُجَرَّدِ سَمَاعٍ إلَّا أَنْ يَكُونَ السَّمَاعُ فَاشِيًا مِنْ الثِّقَاتِ وَغَيْرِهِمْ، وَأَنْ يَكُونَ الْمُزَكِّي مِنْ أَهْلِ سُوقِ الْمُزَكَّى بِالْفَتْحِ وَمَحَلَّتِهِ إلَّا أَنْ يَتَعَذَّرَ ذَلِكَ لِعَدَمِ وُجُودِ مَنْ فِيهِ تِلْكَ الْأَوْصَافُ.
وَقَالَ فِي التَّحْقِيقِ. فَلَا تَجُوزُ مِنْ غَيْرِ مُعَاشَرَةٍ وَلَا مُعَاشَرَةٍ قَصِيرَةٍ إلَى أَنْ قَالَ: وَشَرْطُ التَّزْكِيَةِ مَعَ مَا تَقَدَّمَ أَنْ
وَاخْتُلِفَ هَلْ اللَّفْظَانِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ أَمْ لَا؟ فَقِيلَ: الْعَدَالَةُ فِي الْفِعْلِ وَالرِّضَا فِي التَّحَمُّلِ بِالشَّهَادَةِ أَنْ يَكُونَ فَطِنًا غَيْرَ مُغَفَّلٍ.
وَالْعَدَالَةُ هَيْئَةٌ رَاسِخَةٌ فِي النَّفْسِ تَحْمِلُهُ عَلَى مُلَازَمَةِ التَّقْوَى، وَقِيلَ: الرِّضَا فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ وَالْعَدَالَةُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى: (وَلَا يُقْبَلُ فِي ذَلِكَ) أَيْ فِي التَّزْكِيَةِ (وَلَا فِي التَّجْرِيحِ وَاحِدٌ) إذَا زَكَّاهُ فِي الْعَلَانِيَةِ.
وَأَمَّا فِي السِّرِّ فَيَجُوزُ فِيهِ وَاحِدٌ عَلَى الْمَشْهُورِ (وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ الصِّبْيَانِ) فِيمَا يَقَعُ بَيْنَهُمْ (فِي الْجِرَاحِ) وَكَذَلِكَ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ فِي الْقَتْلِ عَلَى الْمَشْهُورِ فِيهِ، وَفِي الْجِرَاحِ بِأَحَدَ عَشَرَ شَرْطًا ذَكَرَ الشَّيْخُ مِنْهَا اثْنَيْنِ أَحَدُهُمَا مَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ:(قَبْلَ أَنْ يَفْتَرِقُوا) ؛ لِأَنَّ تَفْرِقَتَهُمْ مَظِنَّةُ تَعْلِيمِهِمْ، وَالْآخَرُ أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ:(أَوْ يَدْخُلُ بَيْنَهُمْ كَبِيرٌ) ؛ لِأَنَّهُ مَظِنَّةُ تَعْلِيمِهِمْ أَيْضًا، ظَاهِرُهُ كَالْمُخْتَصَرِ سَوَاءٌ كَانَ الْكَبِيرُ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى حُرًّا كَانَ أَوْ عَبْدًا مُسْلِمًا كَانَ أَوْ كَافِرًا، وَبَقِيَّةُ الشُّرُوطِ مَذْكُورَةٌ فِي الْأَصْلِ. ج: يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ الشَّيْخِ أَنَّ شَهَادَةَ النِّسَاءِ فِي الْمَأْتَمِ وَالْأَعْرَاسِ مَقْبُولَةٌ وَهُوَ أَحَدُ
ــ
[حاشية العدوي]
يَكُونَ مِنْ أَهْلِ مَحَلَّتِهِ وَسُوقِهِ؛ لِأَنَّهُمْ أَقْرَبُ إلَى تَحْقِيقِ مَعْرِفَتِهِ مِنْ غَيْرِهِمْ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ عُدُولٌ قُبِلَ غَيْرُهُمْ وَكَذَا إنْ كَانَ غَيْرُهُمْ أَشَدَّ بُرُوزًا مِنْهُمْ اهـ الْمُرَادُ مِنْهُ.
[قَوْلُهُ: الْعَدَالَةُ فِي الْفِعْلِ] أَيْ الْعَدَالَةُ تَكُونُ فِي الْفِعْلِ أَيْ بِأَنْ يُؤَدِّيَ الْفَرَائِضَ كَالصَّلَاةِ وَنَحْوِهَا تَارِكًا لِلزِّنَا وَنَحْوِهِ. وَقَوْلُهُ: وَالرِّضَا فِي التَّحَمُّلِ أَيْ الرِّضَا يَكُونُ فِي التَّحَمُّلِ. وَقَوْلُهُ: أَنْ يَكُونَ أَيْ بِأَنْ يَكُونَ تَفْسِيرٌ لِلرِّضَا فِي التَّحَمُّلِ أَيْ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ لَمَّا كَانَتْ تُؤَدِّي لِقَبُولِ التَّحَمُّلِ وَالرِّضَا بِهِ فُسِّرَتْ بِهِ.
[قَوْلُهُ: غَيْرَ مُغَفَّلٍ] تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ: فَطِنًا أَيْ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ تَصَنُّعَاتُ الشُّهُودِ.
قَالَ الْبِسَاطِيُّ: التَّغَفُّلُ عَدَمُ اسْتِحْضَارِ الْقُوَّةِ الْمُنَبِّهَةِ مَعَ وُجُودِهَا، فَالْبَلِيدُ لَا قُوَّةَ لَهُ أَلْبَتَّةَ وَالْمُغَفَّلُ مَنْ لَهُ قُوَّةٌ لَكِنَّهُ لَمْ يَسْتَعْمِلْهَا.
[قَوْلُهُ: وَالْعَدَالَةُ] أَيْ الَّتِي قُلْنَا إنَّهَا فِي الْقَوْلِ وَقَوْلُهُ هَيْئَةٌ إلَخْ.
أَقُولُ: لَا يَخْفَى أَنَّ الْعَدَالَةَ عَلَى هَذَا وَصْفٌ وُجُودِيٌّ وَيَكُونُ تَعَلُّقُهَا بِالْفِعْلِ بِاعْتِبَارِ مُتَعَلِّقِهِ الَّذِي أَشَارَ لَهُ بِقَوْلِهِ: تَحْمِلُهُ عَلَى مُلَازَمَةِ التَّقْوَى وَالشَّهَادَةِ بِهَا بِاعْتِبَارِ مَا دَلَّ عَلَيْهَا مِنْ مُتَعَلِّقِهَا.
وَقَوْلُهُ: تَحْمِلُهُ أَيْ تَكُونُ سَبَبًا عَادِيًّا لِمُلَازَمَتِهِ التَّقْوَى، وَلَا مَانِعَ مِنْ أَنْ نَقُولَ: الْمُرَادُ تَسْتَلْزِمُ عَقْلًا مُلَازَمَةَ التَّقْوَى اسْتِلْزَامَ الْجَوْهَرِ لِلْعَرَضِ، وَالْمُفَاعَلَةُ لَيْسَتْ عَلَى بَابِهَا أَوْ عَلَى بَابِهَا مُبَالَغَةٌ، وَالتَّقْوَى امْتِثَالُ الْأَوَامِرِ وَاجْتِنَابُ النَّوَاهِي. وَقَوْلُهُ: فِيمَا بَيْنَهُ إلَخْ مَصْدُوقُ مَا فِي هَذَا وَمَا بَعْدَهُ الْمُعَامَلَةُ أَيْ الْمُعَامَلَةُ الَّتِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ، وَالْمُعَامَلَةُ الَّتِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ أَمَّا الثَّانِيَةُ فَكَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ أَيْ بِأَنْ يَأْتِيَ بِمَا ذُكِرَ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ بِهِ، وَأَمَّا الْأَوْلَى فَكَالْبِيَاعَاتِ وَغَيْرِهَا مِمَّا هُوَ كَثُرَ أَيْ تَقَعُ مِنْهُ عَلَى الْوَجْهِ الشَّرْعِيِّ.
[قَوْلُهُ: أَيْ فِي التَّزْكِيَةِ] أَيْ وَالتَّذْكِيرُ بِاعْتِبَارِ الْمَذْكُورِ.
[قَوْلُهُ: وَأَمَّا فِي السِّرِّ فَيَجُوزُ فِيهِ وَاحِدٌ عَلَى الْمَشْهُورِ] وَمُقَابِلُهُ لَا بُدَّ مِنْ التَّعَدُّدِ فِي السِّرِّ أَيْضًا أَفَادَهُ فِي التَّحْقِيقِ. وَيَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يُعَدِّلَ آخَرَ وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ اسْمَهُ وَلَا كُنْيَتَهُ الْمَشْهُورَ بِهَا وَلَا اللَّقَبَ وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ سَبَبَ عَدَالَتِهِ؛ لِأَنَّ أَسْبَابَ الْعَدَالَةِ كَثِيرَةٌ بِخِلَافِ مَنْ يُجَرِّحُ شَاهِدًا فِي شَهَادَتِهِ فَإِنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يُعَيِّنَ سَبَبَ الْجَرْحِ لِاخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ فِيهِ، فَرُبَّمَا اعْتَمَدَ فِيهِ عَلَى مَا يَقْضِيهِ كَمَا وَقَعَ لِبَعْضِهِمْ أَنَّهُ جَرَّحَ شَاهِدًا فِي شَهَادَتِهِ فَسُئِلَ عَنْ سَبَبِهِ فَقَالَ: رَأَيْته يَبِيعُ وَلَا يُرَجِّحُ الْمِيزَانَ، فَلَوْ شَهِدَ اثْنَانِ بِتَجْرِيحِ شَخْصٍ وَشَهِدَ اثْنَانِ بِتَعْدِيلِهِ فَإِنَّ شَاهِدَ الْجَرْحِ مُقَدَّمٌ عَلَى شَاهِدِ التَّعْدِيلِ؛ لِأَنَّ الْمُعَدِّلَ يَحْكِي عَنْ ظَاهِرِ الْأَمْرِ وَالْمُجَرِّحَ عَنْ الْبَاطِنِ.
[قَوْلُهُ: فِي الْجِرَاحِ] مُتَعَلِّقٌ بِتَقْدِيرِهِ الَّذِي قَدَّرَهُ يُلْجِئُ إلَى أَنَّ فِي بِمَعْنَى مِنْ أَوْ عَلَى بَابِهَا، وَيَكُونُ مِنْ ظَرْفِيَّةِ الْعَامِّ فِي الْخَاصِّ.
[قَوْلُهُ: عَلَى الْمَشْهُورِ فِيهِ وَفِي إلَخْ] هَذَا يُفِيدُ وُقُوعَ خِلَافٍ فِي الْجِرَاحِ أَيْضًا وَهُوَ كَذَلِكَ.
[قَوْلُهُ: قَبْلَ أَنْ يَفْتَرِقُوا] فَإِنْ تَفَرَّقُوا لَمْ تَصِحَّ شَهَادَتُهُمْ إلَّا إنْ شَهِدَ الْعُدُولُ قَبْلَ تَفَرُّقِهِمْ.
[قَوْلُهُ: وَبَقِيَّةُ الشُّرُوطِ مَذْكُورَةٌ] الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونُوا أَحْرَارًا. الرَّابِعُ: أَنْ يَكُونُوا مَحْكُومًا بِإِسْلَامِهِمْ. الْخَامِسُ: أَنْ يَشْهَدُ مِنْهُمْ اثْنَانِ فَصَاعِدًا. السَّادِسُ: أَنْ يَكُونُوا مُتَّفِقِينَ فِي الشَّهَادَةِ. السَّابِعُ: أَنْ يَكُونُوا ذُكُورًا. الثَّامِنُ: أَنْ لَا يَكُونَ الشَّاهِدُ قَرِيبًا لِلْمَشْهُودِ لَهُ وَلَا عَدُوًّا لِلْمَشْهُودِ عَلَيْهِ. التَّاسِعُ: أَنْ يَكُونُوا مُمَيِّزِينَ
قَوْلَيْ ابْنِ الْجَلَّابِ. قُلْت: شُهِرَ فِي الْمُخْتَصَرِ، مُقَابِلُهُ أَنَّهَا غَيْرُ مَقْبُولَةٍ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الصِّبْيَانَ مَنْدُوبُونَ إلَى الِاجْتِمَاعِ بِخِلَافِ النِّسَاءِ، وَلِأَنَّ شَهَادَةَ الصِّبْيَانِ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ فَلَا يَصِحُّ الْقِيَاسُ عَلَيْهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَإِذَا اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ) أَيْ الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي فِي قَدْرِ الثَّمَنِ بِأَنْ يَقُولَ الْبَائِعُ: بِعْتهَا بِدِينَارٍ وَيَقُولَ الْمُشْتَرِي بَلْ بِنِصْفِ دِينَارٍ
ــ
[حاشية العدوي]
بِالْفِعْلِ. الْعَاشِرُ: أَنْ تَكُونَ الشَّهَادَةُ بَيْنَهُمْ فَلَا تَجُوزُ شَهَادَتَهُمْ لِصَغِيرٍ عَلَى كَبِيرٍ وَلَا الْعَكْسُ. الْحَادِيَ عَشَرَ: أَنْ تَكُونَ الشُّهُودُ وَالْمَشْهُودُ عَلَيْهِمْ فِي جَمَاعَةٍ وَاحِدَةٍ. الْمَازِرِيُّ: الْمَعْرُوفُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ صِغَارٍ لَمْ تَكُنْ الشُّهُودُ فِي جُمْلَتِهِمْ كَذَا فِي التَّحْقِيقِ، وَحَاصِلُ الْفِقْهِ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الصَّبِيِّ الشَّاهِدِ شُرُوطٌ أَنْ يَشْهَدَ فِي قَتْلٍ أَوْ جُرْحٍ لَا فِي مَالٍ، وَأَنْ يَكُونَ حُرًّا مُسْلِمًا مُمَيِّزًا، وَأَنْ يَبْلُغَ عَشَرَ سِنِينَ أَوْ مَا قَرُبَ مِنْهَا، وَأَنْ يَكُونَ ذَكَرًا فَلَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الْإِنَاثِ مِنْ الصِّبْيَانِ وَإِنْ كَثُرْنَ وَلَوْ كَانَ مَعَهُنَّ ذَكَرٌ، وَأَنْ يَكُونَ مُتَعَدِّدًا وَأَنْ يَكُونَ عَدُوًّا لِلْمَشْهُودِ عَلَيْهِ سَوَاءٌ كَانَتْ الْعَدَاوَةُ بَيْنَ الصِّبْيَانِ أَنْفُسِهِمْ أَوْ بَيْنَ آبَائِهِمْ. وَاسْتَظْهَرُوا أَنَّ مُطْلَقَ الْعَدَاوَةِ مَضَرَّةٌ دُنْيَوِيَّةٌ أَوْ دِينِيَّةٌ وَأَنْ لَا يَكُونَ الشَّاهِدُ قَرِيبًا لِلْمَشْهُودِ لَهُ. وَظَاهِرُهُ أَنَّ مُطْلَقَ الْقَرَابَةِ مَضَرَّةٌ فَيَشْمَلُ الْعَمَّ وَالْخَالَ، وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ تَكُونَ أَكِيدَةً كَمَا فِي الْبَالِغِينَ وَأَنْ لَا يَكُونَ بَيْنَ الشُّهُودِ خِلَافٌ بَلْ يَكُونُوا مُتَّفِقِينَ عَلَى قَوْلٍ وَاحِدٍ كَشَهَادَةِ وَاحِدٍ أَنَّ فُلَانًا قَتَلَهُ وَالْآخَرُ مِثْلُهُ
وَأَمَّا لَوْ قَالَ الْآخَرُ إنَّ غَيْرَهُ قَتَلَ فَلَا تُقْبَلُ، وَأَنْ لَا يَحْصُلَ بَيْنَهُمْ فُرْقَةٌ؛ لِأَنَّ التَّفْرِيقَ بَيْنَهُمْ مَظِنَّةُ تَعْلِيمِهِمْ مَا لَمْ تَشْهَدْ الْعُدُولُ عَلَيْهِمْ بِمَا شَهِدُوا بِهِ قَبْلَ تَفَرُّقِهِمْ وَإِلَّا فَلَا يَضُرُّ افْتِرَاقُهُمْ فِي ذَلِكَ، وَأَنْ لَا يَحْضُرَهُمْ بَالِغٌ وَقْتَ الْجَرْحِ أَوْ الْقَتْلِ فَإِنْ حَضَرَ وَقْتَهُ أَوْ بَعْدَهُ وَأَمْكَنَهُ تَعْلِيمُهُمْ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى عَدْلًا أَوْ غَيْرَهُ وَلَوْ عَبْدًا أَوْ كَافِرًا سَقَطَتْ لِإِمْكَانِ تَعْلِيمِهِمْ هَذَا بِحَسَبِ ظَاهِرِ كَلَامِ خَلِيلٍ، وَلَكِنَّهُ غَيْرُ مُسَلَّمٍ بِالنِّسْبَةِ إلَى صُورَةٍ فَإِنَّهَا تَصِحُّ وَهِيَ مَا إذَا اتَّحَدَ الْكَبِيرُ وَكَانَ مَقْبُولَ الشَّهَادَةِ وَكَانَتْ الشَّهَادَةُ فِي قَتْلٍ لَا فِي جَرْحٍ، وَأَنْ لَا يَشْهَدَا عَلَى كَبِيرٍ وَلَا لِكَبِيرٍ، وَأَنْ لَا يَكُونَ الشَّاهِدُ مِنْهُمْ مَعْرُوفًا بِالْكَذِبِ وَإِذَا شَهِدُوا وَهُمْ مُسْتَوْفُونَ لِلشَّهَادَةِ ثُمَّ رَجَعُوا عَنْ تِلْكَ الشَّهَادَةِ فِي حَالِ صِغَرِهِمْ فَإِنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ رُجُوعُهُمْ وَالْعِبْرَةُ بِمَا شَهِدُوا بِهِ أَوَّلًا رَجَعُوا قَبْلَ الْحُكْمِ أَوْ بَعْدَهُ، وَلَا يُعْتَبَرُ تَجْرِيحُ غَيْرِهِمْ لَهُمْ وَلَا تَجْرِيحُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا لِعَدَمِ التَّكْلِيفِ، وَأَمَّا لَوْ تَأَخَّرَ الْحُكْمُ لِبُلُوغِهِمْ وَعَدَلُوا لَقُبِلَ رُجُوعُهُمْ. وَفَائِدَةُ شَهَادَةِ الصِّبْيَانِ الدِّيَةُ وَلَوْ ثَبَتَ الْقَتْلُ عَمْدًا؛ لِأَنَّهُ لَا يُقْتَصُّ إلَّا مِنْ مُكَلَّفٍ.
[قَوْلُهُ: فِي الْمَأْتَمِ] أَيْ شَهَادَةُ النِّسَاءِ بَعْضِهِنَّ لِبَعْضٍ عَلَى بَعْضِهِنَّ فِي الْجِرَاحِ وَالْقَتْلِ عِنْدَ اجْتِمَاعِهِنَّ فِي مَأْتَمٍ أَوْ عُرْسٍ أَوْ حَمَّامٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، وَالْمَأْتَمُ بِمِيمٍ وَهَمْزَةٍ وَتَاءٍ مُثَنَّاةٍ مِنْ فَوْقُ عَلَى وَزْنِ مَفْعَلٍ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالْعَيْنِ وَهُوَ فِي الْأَصْلِ اسْمُ مَكَان مِنْ أَتَمَ بِالْمَكَانِ يَأْتَمُّ أُتُومًا أَقَامَ، ثُمَّ تُجُوِّزَ بِهِ عَنْ النِّسَاءِ يَجْتَمِعْنَ فِي خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ مِنْ تَسْمِيَةِ الْحَالِّ بِاسْمِ الْمَحَلِّ.
قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وَالْعَامَّةُ تَخُصُّهُ بِالْمُصِيبَةِ، فَتَقُولُ: كُنَّا فِي مَأْتَمِ فُلَانٍ وَالْأَجْوَدُ فِي مَنَاحَتِهِ أَفَادَهُ صَاحِبُ الْمِصْبَاحِ.
[قَوْلُهُ: مَنْدُوبُونَ] أَيْ مَطْلُوبُونَ إلَى الِاجْتِمَاعِ. وَقَوْلُهُ: بِخِلَافِ النِّسَاءِ أَيْ فَلَسْنَ مَنْدُوبَاتٍ إلَى الِاجْتِمَاعِ بَلْ الْأَوْلَى عَدَمُ اجْتِمَاعِهِنَّ مَا لَمْ يُؤَدِّ إلَى مُحَرَّمٍ وَإِلَّا وَجَبَ عَدَمُ الِاجْتِمَاعِ.
[قَوْلُهُ: فَلَا يَصِحُّ الْقِيَاسُ عَلَيْهِ] الْأَوْلَى عَلَيْهَا.
[قَوْلُهُ: وَإِنْ اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ] تَثْنِيَةُ مُتَبَايِعٍ بِالْيَاءِ مِنْ غَيْرِ هَمْزٍ؛ لِأَنَّ فِعْلَهُ تَبَايَعَ وَالْمُرَادُ الْمُتَعَاقِدَانِ حَتَّى يَشْمَلَ الْمُتَكَارِيَيْنِ.
[قَوْلُهُ: فِي قَدْرِ الثَّمَنِ] فِيهِ قُصُورٌ إذْ عِبَارَةُ الْمُصَنِّفِ تَشْمَلُ إذْ هُوَ حَذْفُ مُتَعَلِّقٍ اخْتَلَفَ فَشَمِلَ الِاخْتِلَافَ فِي جِنْسِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ أَوْ نَوْعِهِ أَوْ صِفَتِهِ أَوْ قَدْرِ الثَّمَنِ أَوْ الْمُثَمَّنِ أَوْ فِي قَدْرِ الرَّهْنِ أَوْ الْأَجَلِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُتَبَايِعَيْنِ بِالنَّقْدِ أَوْ بِالنَّسِيئَةِ إذَا اخْتَلَفَا فِي جِنْسِ الثَّمَنِ أَوْ الْمُثَمَّنِ كَبِعْت بِدَنَانِيرَ وَيَقُولُ الْآخَرُ بِطَعَامٍ أَوْ أَسْلَمْت فِي حِنْطَةٍ.
وَقَالَ الْآخَرُ فِي حَدِيدٍ، أَوْ اخْتَلَفَا فِي نَوْعِ الثَّمَنِ أَوْ الْمُثَمَّنِ كَبِعْت بِذَهَبٍ.
وَقَالَ الْآخَرُ: بِفِضَّةٍ أَوْ قَالَ: أَسْلَمْنَا فِي قَمْحٍ، وَقَالَ الْآخَرُ فِي شَعِيرٍ، فَإِنَّ الْمُتَبَايِعَيْنِ يَتَحَالَفَانِ أَيْ يَحْلِفُ كُلٌّ مِنْهُمَا عَلَى نَفْيِ دَعْوَى صَاحِبِهِ مَعَ تَحْقِيقِ دَعْوَاهُ وَيَتَفَاسَخَانِ إنْ حُكِمَ بِهِ فَلَا يَقَعُ فَسْخٌ بِمُجَرَّدِ التَّحَالُفِ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ حُكْمٍ بِهِ مَا دَامَ التَّنَازُعُ مَوْجُودًا فَلَا يُنَافِي أَنَّهُ يُفْسَخُ بِتَرَاضِيهِمَا عَلَى الْفَسْخِ. وَفَائِدَةُ كَوْنِ الْفَسْخِ مُتَوَقِّفًا عَلَى
(اُسْتُحْلِفَ الْبَائِعُ) أَوَّلًا اسْتِحْبَابًا فَيَحْلِفُ عَلَى نَفْيِ دَعْوَى صَاحِبِهِ وَإِثْبَاتِ دَعْوَاهُ فِي يَمِينٍ وَاحِدَةٍ، فَيَقُولُ: وَاَللَّهِ مَا بِعْتهَا بِنِصْفِ دِينَارٍ وَلَقَدْ بِعْتهَا بِدِينَارٍ (ثُمَّ) بَعْدَ حَلِفِهِ (يَأْخُذُ الْمُبْتَاعُ) السِّلْعَةَ بِمَا حَلَفَ عَلَيْهِ الْبَائِعُ (أَوْ يَحْلِفُ) هُوَ أَيْ الْمُبْتَاعُ عَلَى نَفْيِ دَعْوَى صَاحِبِهِ وَإِثْبَاتِ دَعْوَاهُ، فَيَقُولُ فِي الْمِثَالِ الْمَذْكُورِ: وَاَللَّهِ لَمْ أَشْتَرِهَا بِدِينَارٍ وَلَقَدْ اشْتَرَيْتهَا بِنِصْفِ دِينَارٍ، وَيَبْرَأُ مِنْ لُزُومِ الْبَائِعِ فَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يَأْخُذَ السِّلْعَةَ بِمَا قَالَ الْبَائِعُ أَوْ يَحْلِفَ (وَيَبْرَأُ وَإِذَا اخْتَلَفَ الْمُتَدَاعِيَانِ فِي شَيْءٍ بِأَيْدِيهِمَا) كُلٌّ مِنْهُمَا يَدَّعِيهِ لِنَفْسِهِ وَلَمْ يَقُمْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا دَلِيلٌ عَلَى صِدْقِهِ وَلَا بِبَيِّنَةٍ، وَلَمْ يُنَازِعْهُمَا فِيهِ أَحَدٌ وَهُوَ مِمَّا يُشْبِهُ أَنْ يَكْتَسِبَهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا (حَلَفَا وَقُسِمَ بَيْنَهُمَا) ؛ لِأَنَّهُمَا تَسَاوَيَا فِي الدَّعْوَى وَلَمْ
ــ
[حاشية العدوي]
حُكْمٍ أَنَّهُ إذَا رَضِيَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ الْحُكْمِ بِإِمْضَاءِ الْعَقْدِ بِمَا قَالَ الْآخَرُ فَلَهُ ذَلِكَ، وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ كَوْنِ الْمَبِيعِ قَائِمًا أَوْ فَائِتًا وُجِدَ شَبَهٌ مِنْهُمَا أَوْ مِنْ أَحَدِهِمَا أَوْ لَا، لَكِنْ يَرُدُّ الْمُشْتَرِي السِّلْعَةَ مَعَ الْقِيَامِ وَيَرُدُّ الْقِيمَةَ مَعَ الْفَوَاتِ، وَلَوْ كَانَ الْفَوَاتُ بِحَوَالَةِ سُوقٍ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْمَبِيعُ مُقَوَّمًا أَوْ مِثْلِيًّا، وَقِيلَ فِي الْمِثْلِيِّ: يَلْزَمُ مِثْلُهُ وَتُعْتَبَرُ الْقِيمَةُ يَوْمَ الْبَيْعِ وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي الصِّفَةِ فَالْقَوْلُ لِلْبَائِعِ بِيَمِينِهِ إنْ اُنْتُقِدَ وَإِنْ لَمْ يُنْتَقَدْ فَلِلْمُبْتَاعِ بِيَمِينِهِ.
ابْنُ نَاجِي: هُوَ الْمَشْهُورُ وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي قَدْرِ الثَّمَنِ بِأَنْ قَالَ الْبَائِعُ مَثَلًا بِثَمَانِيَةٍ، وَالْمُشْتَرِي بِأَرْبَعَةٍ، أَوْ الْمُثَمَّنِ بِأَنْ قَالَ الْبَائِعُ: بِعْتُك هَذَا الثَّوْبَ بِعَشَرَةٍ، وَيَقُولُ الْمُشْتَرِي: بَلْ هَذَا الثَّوْبَ وَهَذَا الْفَرَسَ بِعَشَرَةٍ، أَوْ فِي الْأَجَلِ بِأَنْ قَالَ الْبَائِعُ: بِعْتُك لِشَهْرٍ، وَالْمُشْتَرِي لِشَهْرَيْنِ، أَوْ فِي أَصْلِ الرَّهْنِ أَوْ الْحَمِيلِ أَوْ قَدْرِ الرَّهْنِ أَوْ الْحَمِيلِ بِأَنْ قَالَ الْبَائِعُ: بِعْتُك بِرَهْنٍ أَوْ بِحَمِيلٍ، وَيَقُولُ الْمُشْتَرِي: بَلْ بِلَا رَهْنٍ وَلَا حَمِيلٍ، فَإِنَّهُمَا يَتَحَالَفَانِ وَيُفَاسِخَانِ وَالْفَسْخُ بِالْحُكْمِ أَيْضًا لَا بِمُجَرَّدِ التَّحَالُفِ، وَمَحَلُّ الْفَسْخِ مَا لَمْ تَفُتْ السِّلْعَةُ وَإِلَّا فَيُصَدَّقُ الْمُشْتَرِي بِيَمِينِهِ حَيْثُ أَشْبَهَ الْبَائِعَ أَمْ لَا، فَإِنْ انْفَرَدَ الْبَائِعُ بِالشَّبَهِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ بِيَمِينٍ، وَإِنْ لَمْ يُشْبِهَا حَلَفَا وَفُسِخَ وَرُدَّتْ قِيمَةُ السِّلْعَةِ يَوْمَ بَيْعِهَا، وَلَا يُرَاعَى شَبَهٌ مَعَ قِيَامِ الْمَبِيعِ، وَأَمَّا إذَا اخْتَلَفَا فِي جِنْسِ الرَّهْنِ أَوْ الْحَمِيلِ فَكَالْحُكْمِ فِي الِاخْتِلَافِ فِي جِنْسِ الثَّمَنِ أَوْ نَوْعِهِ كَمَا يَنْبَغِي.
تَنْبِيهٌ
حُكْمُ تَنَاكُلِهِمَا حُكْمُ حَلِفِهِمَا، وَيُقْضَى لِلْحَالِفِ عَلَى النَّاكِلِ، وَإِذَا اخْتَلَفَا فِي أَصْلِ الْعَقْدِ فَالْقَوْلُ لِمُنْكِرِهِ إجْمَاعًا بِيَمِينِهِ.
[قَوْلُهُ: اُسْتُحْلِفَ الْبَائِعُ أَوَّلًا اسْتِحْبَابًا] الْمَذْهَبُ وُجُوبُ تَبْدِئَةِ الْبَائِعِ.
[قَوْلُهُ: فَيَقُولُ] هَذَا فِي مِثَالِهِ الَّذِي فَرَضَهُ وَهُوَ اخْتِلَافُهُمَا فِي قَدْرِ الثَّمَنِ.
[قَوْلُهُ: فَيَقُولُ إلَخْ] لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مَعَ عَدَمِ بَيْعِهَا بِنِصْفِ دِينَارٍ أَنْ يَكُونَ بَاعَهَا بِدِينَارٍ.
[قَوْلُهُ: وَاَللَّهِ لَمْ أَشْتَرِهَا بِدِينَارٍ إلَخْ] لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ نَفْيِ الشِّرَاءِ بِدِينَارٍ أَنْ يَكُونَ اشْتَرَاهَا بِنِصْفِ دِينَارٍ.
[قَوْلُهُ: بِأَيْدِيهِمَا] فِيهِ قُصُورٌ أَيْ أَوْ لَا بُدَّ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَيْهِ أَوْ كَانَ بِيَدِ ثَالِثٍ لَمْ يَدَّعِهِ لِنَفْسِهِ وَلَمْ يُقَرَّ بِهِ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا وَلَمْ يُخْرِجْهُ عَنْهُمَا، فَإِذَا أَقَرَّ بِهِ لِوَاحِدٍ فَإِنَّهُ يَكُونُ لِلْمُقَرِّ لَهُ بِلَا يَمِينٍ، وَإِذَا ادَّعَاهُ لِنَفْسِهِ فَإِنَّهُ يَحْلِفُ وَيَأْخُذُهُ، وَإِذَا أَقَامَ كُلٌّ بَيِّنَةً وَهُوَ بِيَدِ ذَلِكَ الثَّالِثِ وَلَمْ يَدَّعِهِ فَإِنَّهُ يَكُونُ لِمَنْ يُقِرُّ الْحَائِزُ لَهُ مِنْهُمَا بِيَمِينِهِ لَا لِغَيْرِهِمَا فَلَا يُقْبَلُ.
وَأَمَّا إنْ تَجَرَّدَتْ دَعْوَى كُلٍّ مِنْ الْبَيِّنَةِ فَإِنَّهُ يُعْمَلُ بِإِقْرَارِهِ وَلَوْ لِغَيْرِهِمَا، وَأَمَّا لَوْ ادَّعَاهُ الْحَائِزُ لِنَفْسِهِ وَأَقَامَ كُلٌّ مِنْهُمَا بَيِّنَةً فَإِنَّهُ يَبْقَى بِيَدِهِ مِلْكًا مِنْ غَيْرِ حَلِفٍ لِسُقُوطِ بَيِّنَتِهِمَا وَهُوَ يَدَّعِي الْمِلْكِيَّةَ كَذَا ذَكَرَ بَعْضُ الشُّيُوخِ.
[قَوْلُهُ: وَلَمْ يَقُمْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا دَلِيلٌ عَلَى صِدْقِهِ] أَيْ وَأَمَّا لَوْ قَامَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا دَلِيلٌ عَلَى صِدْقِهِ كَأَنْ يَكُونَ مِمَّا يُشْبِهُ أَنْ يَكْتَسِبَهُ دُونَ صَاحِبِهِ فَإِنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ هَذَا ظَاهِرُهُ. قُلْت: وَالظَّاهِرُ بِيَمِينٍ وَقَوْلُهُ وَلَا بَيِّنَةٍ، وَأَمَّا لَوْ قَامَ لِأَحَدِهِمَا بَيِّنَةٌ لَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ.
[قَوْلُهُ: وَلَمْ يُنَازِعْهُمَا فِيهِ أَحَدٌ] وَأَمَّا لَوْ نَازَعَهُمَا ثَالِثٌ فَإِنْ كَانَ الثَّالِثُ مُشَارِكًا لَهُمَا فِي كَوْنِهِ بِيَدِهِ كَمَا بِيَدِهِمَا فَإِنَّهُ كَهُمَا فَيُقْسَمُ بَيْنَ الثَّلَاثَةُ بَعْدَ حَلِفِهِمْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِثْلَهُمَا فِي الْحَوْزِ وَلَمْ تَقُمْ بَيِّنَةٌ فَإِنَّهُمَا يُقَدَّمَانِ عَلَيْهِ فَيُقْسَمُ بَيْنَهُمَا فَقَطْ وَلَا دَخْلَ لَهُ. وَقَوْلُهُ: وَهُوَ مِمَّا يُشْبِهُ إلَخْ هَذَا يُسْتَغْنَى عَنْهُ بِقَوْلِهِ: وَلَمْ
يَتَرَجَّحْ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ، وَمَنْ نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ سَقَطَ حَقُّهُ لِلَّذِي حَلَفَ (وَإِنْ أَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ) وَكَانَتْ إحْدَاهُمَا رَاجِحَةً عَلَى الْأُخْرَى بِالْأَعْدَلِيَّةِ (قُضِيَ بِأَعْدَلِهِمَا) بَعْدَ أَنْ يَحْلِفَ مَنْ أَقَامَهَا أَنَّهُ مَا بَاعَ ذَلِكَ الشَّيْءَ وَلَا وَهَبَهُ وَلَا خَرَجَ عَنْ مِلْكِهِ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ (فَإِنْ) لَمْ تُرَجَّحْ إحْدَى الْبَيِّنَتَيْنِ بِمَا ذُكِرَ بَلْ (اسْتَوَيَا) فِيهِ (حَلَفَا وَكَانَ) الشَّيْءُ الْمُتَنَازَعُ فِيهِ (بَيْنَهُمَا) نِصْفَيْنِ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ بِإِحْدَاهُمَا لَيْسَ بِأَوْلَى مِنْ الْأُخْرَى، وَفُهِمَ مِنْ قَوْلِهِ: بِأَيْدِيهِمَا أَنَّهُ لَوْ كَانَ بِيَدِ أَحَدِهِمَا لَا يَكُونُ الْحُكْمُ كَذَلِكَ. ع: هُوَ لِمَنْ أَقَامَ بَيِّنَةً.
وَقَالَ ك: هُوَ لِمَنْ بِيَدِهِ مَعَ يَمِينِهِ وَإِنْ كَانَ فِي يَدِ غَيْرِهِمَا وَشَهِدَ لِأَحَدِهِمَا بِهِ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ مَعَ يَمِينِهِ أَيْضًا.
(وَإِذَا رَجَعَ الشَّاهِدُ بَعْدَ الْحُكْمِ أُغْرِمَ مَا أَتْلَفَ بِشَهَادَتِهِ إنْ اعْتَرَفَ أَنَّهُ شَهِدَ بِزُورٍ قَالَهُ أَصْحَابُ مَالِكٍ) ج: ظَاهِرُ كَلَامِهِ يَقْتَضِي أَنَّ جَمِيعَ أَصْحَابِ مَالِكٍ فَرَّقُوا بَيْنَ أَنْ يَعْتَرِفَ أَنَّهُ شَهِدَ بِزُورٍ أَمْ لَا، فَإِنْ شَهِدَ بِهِ غُرِّمَ وَإِنْ قَالَ: اشْتَبَهَ عَلَيَّ فَإِنَّهُ لَا يَغْرَمُ، وَتَبِعَ فِي هَذَا النَّقْلِ ابْنَ الْمَوَّازِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ قَالَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ وَأَصْبَغُ فِي الْوَاضِحَةِ أَنَّهُ يَغْرَمُ مُطْلَقًا وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ وَهُوَ الصَّوَابُ عِنْدِي؛ لِأَنَّ الْخَطَأَ وَالْعَمْدَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ سَوَاءٌ.
ــ
[حاشية العدوي]
يَقُمْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا دَلِيلٌ عَلَى صِدْقِهِ هَذَا مَا ظَهَرَ لِي فِي تَقْرِيرِهَا.
[قَوْلُهُ: حَلَفَا وَقُسِمَ بَيْنَهُمَا] وَنُكُولُهُمَا كَحَلِفِهِمَا.
[قَوْلُهُ: وَقُسِمَ بَيْنَهُمَا] يُشْعِرُ بِقِسْمَتِهِ نِصْفَيْنِ وَهُوَ وَاضِحٌ حَيْثُ كَانَ كُلٌّ يَدَّعِي جَمِيعَهُ لِنَفْسِهِ، وَأَمَّا لَوْ ادَّعَى شَخْصٌ جَمِيعَهُ وَالْآخَرُ بَعْضَهُ فَإِنَّهُ يُقْسَمُ كَالْعَوْلِ، فَإِذَا ادَّعَى أَحَدُهُمَا الْكُلَّ وَالْآخَرُ النِّصْفَ فَإِنَّهُ يُقْسَمُ عَنْ الثُّلُثِ وَالثُّلُثَيْنِ، وَكَيْفِيَّةُ الْعَمَلِ أَنْ يُزَادَ عَلَى الْكُلِّ قَدْرُ الْكَسْرِ الَّذِي يَدَّعِيهِ الْآخَرُ فَيُزَادُ عَلَى الْكُلِّ النِّصْفُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ، وَيُنْسَبُ ذَلِكَ لِمَجْمُوعِ الْكُلِّ وَالْكَسْرُ بِتِلْكَ النِّسْبَةِ يَأْخُذُ كُلَّ وَاحِدٍ فَيَأْخُذُ مُدَّعِي النِّصْفِ الثُّلُثَ وَمُدَّعِي الْكُلِّ الثُّلُثَيْنِ.
[قَوْلُهُ: وَإِنْ أَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ] أَيْ أَقَامَ كُلٌّ بَيِّنَةً تَشْهَدُ لَهُ بِأَنَّ مَا بِأَيْدِيهِمَا مَعًا أَيْ لَا بُدَّ لِوَاحِدٍ عَلَيْهِ أَوْ بِيَدِ ثَالِثٍ لَمْ يَدَّعِهِ لِنَفْسِهِ وَلَمْ يَشْهَدْ بِهِ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا وَلَمْ يُخْرِجْهُ عَنْهُمَا.
وَأَمَّا لَوْ أَقَامَ كُلٌّ بَيِّنَةً وَتَسَاوَتَا وَهِيَ بِيَدِ أَحَدِهِمَا فَإِنَّ ذَا الْيَدِ تُرَجَّحُ بَيِّنَتُهُ وَيَبْقَى الشَّيْءُ الْمُتَنَازَعُ فِيهِ بِيَدِ حَائِزِهِ وَيَحْلِفُ هَذَا إذَا لَمْ تُرَجَّحْ بَيِّنَةٌ مُقَابِلَ الْيَدِ، فَإِنْ رُجِّحَتْ بِأَيِّ مُرَجِّحٍ فَإِنَّهُ يُقْضَى بِهِ لِمُقَابِلِ الْيَدِ وَيَحْلِفُ وَيَسْقُطُ اعْتِبَارُ الْيَدِ.
[قَوْلُهُ: قُضِيَ بِأَعْدَلِهِمَا] وَكَمَا يُقْضَى بِأَعْدَلِهِمَا يُقْضَى بِالْمُؤَرَّخَةِ عَلَى غَيْرِهَا وَبِالسَّابِقَةِ تَارِيخًا وَالنَّاقِلَةِ عَلَى الْمُسْتَصْحَبَةِ كَأَنْ تَشْهَدَ بَيِّنَةٌ أَنَّ هَذِهِ الدَّارَ أَنْشَأَهَا وَلَا يَعْلَمُونَ خُرُوجَهَا عَنْ مِلْكِهِ إلَى الْآنَ، وَتَشْهَدُ أُخْرَى أَنَّ زَيْدًا اشْتَرَاهَا مِنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَتُقَدَّمُ النَّاقِلَةُ؛ لِأَنَّهَا عَلِمَتْ مَا لَمْ تَعْلَمْهُ الْأُخْرَى وَتُقَدَّمُ الْمُثْبِتَةُ عَلَى النَّافِيَةِ وَالدَّاخِلَةُ عَلَى الْخَارِجَةِ، وَالْمُرَادُ بِالدَّاخِلَةِ بَيِّنَةُ وَاضِعِ الْيَدِ وَالْخَارِجَةِ بَيِّنَةُ غَيْرِهِ كَمَا قَرَّرْنَا، وَمِنْ الْمُرَجَّحَاتِ تَعْيِينُ سَبَبِ الْمِلْكِ بِأَنْ قَالَتْ إحْدَاهُمَا: نَشْهَدُ أَنَّهُ مَلَكَهُ مِنْ أَبِيهِ أَوْ اشْتَرَاهُ مِنْ زَيْدٍ، وَأَطْلَقَتْ الْأُخْرَى فَقَالَتْ: نَشْهَدُ أَنَّهُ مَلَكَهُ فَقَطْ رُجِّحَتْ الْأُولَى وَيُقَدَّمُ الشَّاهِدَانِ عَلَى شَاهِدٍ وَيَمِينٍ وَشَاهِدٍ وَامْرَأَتَيْنِ.
[قَوْلُهُ: بَعْدَ أَنْ يَحْلِفَ] إنَّمَا لَزِمَهُ الْيَمِينُ؛ لِأَنَّ مَزِيدَ الْعَدَالَةِ بِمَنْزِلَةِ الشَّاهِدِ.
[قَوْلُهُ: بَلْ اسْتَوَيَا] كَانَ الْوَاجِبُ اسْتَوَيَتَا أَيْ الْبَيِّنَتَانِ فِي الْعَدَالَةِ وَلَا تَرْجِيحَ بِكَثْرَةِ عَدَدٍ إلَّا أَنْ يَبْلُغَ حَدَّ التَّوَاتُرِ لِإِفَادَتِهِ الْعِلْمِ.
[قَوْلُهُ: وَقَالَ ك إلَخْ] لَيْسَ كَلَامُ الْفَاكِهَانِيِّ مُخَالِفًا لِكَلَامِ ابْنِ عُمَرَ، فَإِنَّ كَلَامَ ابْنِ عُمَرَ فِي مَوْضُوعِ مَا إذَا أَقَامَ أَحَدُهُمَا فَقَطْ بَيِّنَةً فِيمَا بِيَدِ أَحَدِهِمَا فَقَطْ فَهُوَ لِمَنْ أَقَامَهَا سَوَاءٌ كَانَ هُوَ الْحَائِزُ أَوْ الْآخَرُ، وَكَلَامُ ك فِي مَوْضُوعِ مَا إذَا لَمْ يَقُمْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ وَهُوَ بِيَدِ أَحَدِهِمَا فَقَطْ فَهُوَ لَهُ بِيَمِينِهِ كَمَا قَالَ.
وَظَاهِرُ قَوْلِهِ لَهُ أَنَّهُ مِلْكٌ لَا حَوْزٌ. وَقَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ بِيَدِ غَيْرِهِمَا مَسْأَلَةٌ أُخْرَى، وَيَتَلَخَّصُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ مَسْأَلَةَ الْمُصَنِّفِ مَنْطُوقًا وَمَفْهُومًا تِسْعُ صُوَرٍ؛ لِأَنَّ الْمُتَنَازَعَ فِيهِ إمَّا بِأَيْدِيهِمَا مَعًا أَوْ أَحَدِهِمَا أَوْ غَيْرِهِمَا، وَفِي كُلٍّ إمَّا أَنْ يُقِيمَ كُلٌّ بَيِّنَةً أَوْ لَا يُقِيمُهَا وَاحِدٌ مِنْهُمَا أَوْ يُقِيمُهَا أَحَدُهُمَا دُونَ الْآخَرِ فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: بَعْدَ الْحُكْمِ] احْتِرَازًا عَنْ الرُّجُوعِ بَعْدَ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ وَقَبْلَ الْحُكْمِ فَإِنَّهُ لَا يَغْرَمُ شَيْئًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُتْلِفْ شَيْئًا، وَإِنْ رَجَعَ أَحَدُهُمَا بَعْدَ الْحُكْمِ غَرِمَ نِصْفَ الْحَقِّ وَإِنْ رَجَعَ عَنْ نِصْفِهِ غَرِمَ رُبْعَهُ وَهَكَذَا.
[قَوْلُهُ: أُغْرِمَ] أَفْهَمَ أَنَّهُ لَا يُنْقَضُ