الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وَالِاسْتِخْرَاجُ الْقِيَاسُ كَقِيَاسِ حَدِّ الْخَمْرِ عَلَى الْقَذْفِ (وَإِذَا اخْتَلَفُوا) أَيْ الْمُجْتَهِدُونَ (فِي الْفُرُوعِ وَالْحَوَادِثِ) أَيْ النَّوَازِلُ (لَمْ يَخْرُجْ عَنْ جَمَاعَتِهِمْ) أَيْ الصَّحَابَةُ لِأَنَّ إجْمَاعَهُمْ حُجَّةٌ يَجِبُ اتِّبَاعُهُ وَتَحْرُمُ مُخَالَفَتُهُ.
ثُمَّ خَتَمَ كِتَابَهُ بِحَمْدِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَقَالَ: (وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا) أَيْ وَفَّقَنَا (لِ) تَأْلِيفِ (هَذَا) الْكِتَابِ
ــ
[حاشية العدوي]
[قَوْلُهُ: فِي الْفُرُوعِ] احْتِرَازًا مِنْ أُصُولِ الدِّينِ فَلَا يَخْتَلِفُونَ فِيهَا جَمْعُ فَرْعٍ وَهُوَ الْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ الْمُتَعَلِّقُ بِكَيْفِيَّةِ عَمَلٍ قَلْبِيٍّ كَالنِّيَّةِ أَوْ غَيْرِ قَلْبِيٍّ كَالْوُضُوءِ.
[قَوْلُهُ: وَالْحَوَادِثِ] أَيْ وَفِي أَحْكَامِ الْحَوَادِثِ أَيْ النَّوَازِلِ فَهُوَ مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ، [قَوْلُهُ: جَمَاعَتُهُمْ] إضَافَةُ جَمَاعَةٍ لِلضَّمِيرِ لِلْبَيَانِ.
[قَوْلُهُ: أَيْ الصَّحَابَةُ] لِأَنَّهُمْ مُجْتَهِدُونَ فَإِذَا كَانَ لِلْمُجْتَهِدِ قَوْلَانِ فِي الْمَسْأَلَةِ لَمْ يَجُزْ لِمَنْ بَعْدَهُمْ أَنْ يُحْدِثَ ثَالِثًا، فَإِذَا اخْتَلَفَتْ الصَّحَابَةُ فِي مَسْأَلَةٍ عَلَى قَوْلَيْنِ جَازَ لِأَحَدِ الصَّحَابَةِ أَنْ يُحْدِثَ ثَالِثًا، فَإِذَا انْقَرَضَ عَصْرُ الصَّحَابَةِ بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ أَحَدٌ فَلَيْسَ لِلتَّابِعَيْنِ إحْدَاثُ ثَالِثٍ وَكَذَا إذَا اخْتَلَفَ التَّابِعُونَ جَازَ لِلتَّابِعَيْنِ إحْدَاثُ ثَالِثٍ دُونَ تَابِعِ التَّابِعِينَ، وَهَكَذَا لِمَا فِي الْخُرُوجِ عَنْ اتِّبَاعِ الْمُجْتَهِدِينَ مِنْ خَرْقِ الْإِجْمَاعِ.
تَنْبِيهٌ:
قَدْ عَلِمْت أَنَّ السَّلَفَ الصَّالِحَ مِنْ الصَّحْبِ فَمَنْ دُونَهُ يُقَلِّدُهُ الْعَامِّيُّ لَا الْمُجْتَهِدُ إنَّمَا هُوَ عَلَى فَرْضِ مَعْرِفَةِ مَذَاهِبِهِمْ بِشُرُوطِهَا وَإِلَّا فَمَعْرِفَةُ مَذَاهِبِهِمْ الْآنَ مُتَعَذَّرَةٌ فَالْوَاجِبُ الْآنَ تَقْلِيدُ وَاحِدٍ مِنْ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ فَلَا يَجُوزُ الْخُرُوجُ عَنْهُمْ.
[خَاتِمَة الْكتاب]
[قَوْلُهُ: ثُمَّ خَتَمَ كِتَابَهُ بِحَمْدِ أَهْلِ الْجَنَّةِ] أَيْ وَمَا لَحِقَهُ مِنْ قَوْلِهِ: قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ، وَأَرَادَ بِحَمْدِ أَهْلِ الْجَنَّةِ أَيْ فِي الْجَنَّةِ عَلَى طَرِيقِ الِاقْتِبَاسِ مِنْ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، وَالِاقْتِبَاسُ أَنْ يُضَمِّنَ الْكَلَامَ نَظْمًا كَانَ أَوْ نَثْرًا شَيْئًا مِنْ الْقُرْآنِ أَوْ الْحَدِيثِ لَا عَلَى أَنَّهُ مِنْهُ أَيْ لَا عَلَى طَرِيقَةِ أَنَّ ذَلِكَ الشَّيْءَ مِنْ الْقُرْآنِ أَوْ الْحَدِيثِ، يَعْنِي عَلَى وَجْهٍ لَا يَكُونُ فِيهِ إشْعَارٌ بِأَنَّهُ مِنْهُ كَمَا يُقَالُ فِي أَثْنَاءِ الْكَلَامِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى كَذَا أَوْ قَالَ صلى الله عليه وسلم كَذَا، وَنَحْوُ ذَلِكَ فَلَا يَكُونُ اقْتِبَاسًا.
ثُمَّ إنَّ الِاقْتِبَاسَ ضَرْبَانِ أَحَدُهُمَا مَا لَمْ يُنْقَلْ فِي الْمُقْتَبِسِ عَنْ مَعْنَاهُ الْأَصْلِيِّ كَقَوْلِ الْحَرِيرِيِّ فِي صُوفِيٍّ فَلَمْ يَكُنْ إلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ حَتَّى أَنْشَدَ فَأَغْرَبَ وَكَقَوْلِ الْآخَرِ:
إنْ كُنْت أَزْمَعْت عَلَى هَجْرِنَا
…
مِنْ غَيْرِ مَا جُرْمٍ فَصَبْرٌ جَمِيلُ
وَإِنْ تَبَدَّلْت بِنَا غَيْرَنَا
…
فَحَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعَمَ الْوَكِيلُ
ثَانِيهِمَا مَا نُقِلَ عَنْ مَعْنَاهُ الْأَصْلِيِّ كَقَوْلِ ابْنِ الرُّومِيِّ:
لَئِنْ أَخْطَأْت فِي مَدْحِيِّك
…
مَا أَخْطَأْت فِي مَنْعِي
لَقَدْ أَنْزَلْت حَاجَاتِي
…
بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعِ
هَذَا مُقْتَبَسٌ مِنْ قَوْله تَعَالَى {رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ} [إبراهيم: 37] لَكِنَّ مَعْنَاهُ فِي الْقُرْآنِ وَادٍ لَا مَاءَ فِيهِ وَلَا نَبَاتَ، وَقَدْ نَقَلَهُ ابْنُ الرُّومِيِّ إلَى جَنَابٍ لَا خَيْرَ فِيهِ وَلَا نَفْعَ، وَكَقَوْلِ الْمُصَنِّفِ: وَالْحَمْدُ لِلَّهِ فَإِنَّ مَعْنَاهُ الْأَصْلِيَّ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِمَا هُوَ وَسِيلَةٌ إلَى هَذَا الْفَوْزِ الْعَظِيمِ وَهُوَ الْإِيمَانُ وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَهُ، وَمَعْنَاهُ هُنَا مَا أَشَارَ لَهُ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ: وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِتَأْلِيفِ هَذَا الْكِتَابِ. . . إلَخْ.
[قَوْلُهُ: وَالْحَمْدُ لِلَّهِ. . . إلَخْ] مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي ابْتَدَأَ الْإِنْسَانَ بِنِعْمَتِهِ إمَّا لِكَوْنِهِمَا خَبَرِيَّتَيْنِ لَفْظًا وَمَعْنًى أَوْ إنْشَائِيَّتَيْنِ مَعْنًى خَبَرِيَّتَيْنِ لَفْظًا وَبَيْنَهُمَا تَغَايُرٌ مِنْ حَيْثُ صِلَةِ الْمَوْصُولِ مَعَ وُجُودِ الْجَامِعِ بَيْنَ الصِّلَتَيْنِ مِنْ حَيْثُ إنَّ مَضْمُونَ كُلٍّ مِنْهُمَا وَصْفٌ مَحْمُودٌ عَلَيْهِ فَبَيْنَهُمَا حِينَئِذٍ التَّوَسُّطُ بَيْنَ كَمَالِ الِانْقِطَاعِ وَكَمَالِ الِاتِّصَالِ، فَلِذَلِكَ أَتَى بِالْوَاوِ الْعَاطِفَةِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ
وَالْإِقْدَارِ عَلَيْهِ (وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ) ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّهُ وَفَّى بِمَا شَرَطَهُ فِي دِيبَاجَةِ كِتَابِهِ فَقَالَ: (قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي زَيْدٍ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - (قَدْ آتَيْنَا عَلَى مَا) أَيْ بِمَا (شَرَطْنَا) فِي أَوَّلِ كِتَابِنَا (أَنْ نَأْتِيَ بِهِ فِي كِتَابِنَا هَذَا) مِنْ الْمَسَائِلِ (مِمَّا يُنْتَفَعُ بِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ مَنْ رَغِبَ فِي تَعْلِيمِ ذَلِكَ مِنْ الصِّغَارِ وَمَنْ احْتَاجَ إلَيْهِ مِنْ الْكِبَارِ وَفِيهِ) أَيْ
ــ
[حاشية العدوي]
لِلِاسْتِئْنَافِ عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ تَكُونَ إحْدَاهُمَا خَبَرِيَّةً لَفْظًا وَمَعْنًى، وَالثَّانِيَةُ إنْشَائِيَّةً مَعْنًى فَيَكُونُ بَيْنَهُمَا كَمَالُ الِانْقِطَاعِ الْمُوجِبُ لِعَدَمِ الْعَطْفِ، وَيَحْتَمِلُ الْمَقَامُ غَيْرَ ذَلِكَ وَابْتَدَأَ كِتَابَهُ بِالْحَمْدِ وَخَتَمَهُ بِهِ لِأَنَّ اللَّهَ فَعَلَ ذَلِكَ لِأَنَّ اللَّهَ ابْتَدَأَ خَلْقَهُ بِالْحَمْدِ وَخَتَمَهُ بِهِ حَيْثُ قَالَ:{الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ} [الأنعام: 1] وَقَالَ تَعَالَى: {وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الزمر: 75] كَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقِيلَ: فَعَلَ ذَلِكَ تَأَسِّيًا بِأَحَدِ كُتُبِ اللَّهِ الْمُنَزَّلَةِ وَهُوَ التَّوْرَاةُ فَإِنَّهَا مُبْتَدَأَةٌ بِأَوَّلِ الْأَنْعَامِ وَخُتِمَتْ بِالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ وَيُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّ الْحَمْدَ الْمُقَيَّدَ أَفْضَلُ مِنْ الْمُطْلَقِ وَقِيلَ الْمُطْلَقُ أَفْضَلُ.
[قَوْلُهُ: أَيْ وَفَّقَنَا] تَفْسِيرٌ لِهَدَانَا، لَا يَخْفَى أَنَّ الْهِدَايَةَ تَارَةً تُفَسَّرُ بِالدَّلَالَةِ مُطْلَقًا وَتَارَةً بِالدَّلَالَةِ الْمُوصِلَةِ وَتَارَةً بِخَلْقِ الِاهْتِدَاءِ، فَإِذَا عَلِمْت هَذَا فَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِالْهِدَايَةِ هُنَا الدَّلَالَةُ الْمُوصِلَةُ أَيْ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي دَلَّنَا عَلَى هَذَا التَّأْلِيفِ دَلَالَةً وَصَّلَتْنَا لَهُ، وَيُرَادُ بِهَا خَلْقُ الِاهْتِدَاءِ الَّذِي هُوَ التَّوْفِيقُ بِجَعْلِ الِاهْتِدَاءِ الْقُدْرَةَ عَلَى الطَّاعَةِ لِأَنَّ التَّوْفِيقَ خَلْقُ الْقُدْرَةِ عَلَى الطَّاعَةِ عَلَى أَحَدِ الْأَقْوَالِ إلَّا أَنَّنَا نَرْتَكِبُ التَّجْرِيدَ أَيْ تَجْرِيدَ الْكَلِمَةِ عَنْ بَعْضِ مَعْنَاهَا أَيْ حَذْفُهُ فَتَدَبَّرْ، فَيَكُونُ الْمَعْنَى الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ فِينَا قُدْرَةً عَلَى تَأْلِيفِ هَذَا أَوْ يَجْعَلُ الِاهْتِدَاءَ الطَّاعَةَ بِنَاءً عَلَى أَنَّ التَّوْفِيقَ خَلْقُ الطَّاعَةِ الَّذِي هُوَ الْقَوْلُ الرَّاجِحُ وَيَرْتَكِبُ التَّجْرِيدَ أَيْضًا، وَالْمَعْنَى وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَنَا لِهَذَا التَّأْلِيفِ الَّذِي هُوَ طَاعَةٌ أَيْ خَلَقَنَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِنَا هَذَا.
[قَوْلُهُ: وَالْإِقْدَارُ عَلَيْهِ] أَيْ جَعَلَ الْمَوْلَى لَنَا قُدْرَةً عَلَيْهِ فَإِذَنْ عَطْفُهُ عَلَى تَأْلِيفٍ مُضِرٌّ لِأَنَّهُ يَصِيرُ التَّقْدِيرُ الَّذِي وَفَّقَنَا لِلْإِقْدَارِ عَلَيْهِ وَلَا صِحَّةَ لَهُ فَيُجَابُ بِتَقْدِيرِ مُضَافٍ أَيْ وَفَّقَنَا لِسَبَبِ الْإِقْدَارِ عَلَى تَأْلِيفِ هَذَا الْكِتَابِ وَهُوَ تَحْصِيلُ الْعُلُومِ، وَبِقَوْلِهِ: الْكِتَابُ إشَارَةً إلَى أَنَّ الْمُشَارَ إلَيْهِ الْكِتَابُ ثُمَّ إنْ جُعِلَ عِبَارَةً عَنْ الْأَلْفَاظِ الْمَخْصُوصَةِ الدَّالَّةِ عَلَى الْمَعَانِي الْمَخْصُوصَةِ يَكُونُ فِي الْعِبَارَةِ اسْتِعَارَةٌ تَصْرِيحِيَّةٌ بِأَنْ تَقُولَ: شُبِّهَتْ الْأَلْفَاظُ الْمُعَيَّنَةُ مِنْ حَيْثُ تَعَيُّنِهَا وَشِدَّةِ تَمَيُّزِهَا بِشَيْءٍ مَحْسُوسٍ بِحَاسَّةِ الْبَصَرِ كَمَا هُوَ التَّحْقِيقُ، وَاسْتُعِيرَ اسْمُ الْمُشَبَّهِ بِهِ لِلْمُشَبَّهِ فَإِنْ قُلْت تِلْكَ الْأَلْفَاظُ الَّتِي جَعَلَهَا مُشَارًا إلَيْهَا ذِهْنِيَّةٌ أَوْ خَارِجِيَّةٌ؟ قُلْت: ذِهْنِيَّةٌ لِأَنَّ الْأَلْفَاظَ أَعْرَاضٌ تَنْقَضِي بِمُجَرَّدِ النُّطْقِ بِهَا عَلَى مَا ذَكَرُوا.
[قَوْلُهُ: وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ] أَيْ لِتَأْلِيفِ هَذَا الْكِتَابِ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ إلَيْهِ، فَظَهَرَ أَنَّ صِلَةَ كُلٍّ مِنْهُمَا مَحْذُوفَةٌ وَجَوَابُ لَوْلَا مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ وَمَا كُنَّا [قَوْلُهُ: بِمَا شَرَطَهُ] أَيْ حَيْثُ قَالَ: فَأَجَبْته أَيْ وَعْدٌ بِهِ وَعَبَّرَ عَنْهُ بِالشَّرْطِ إشَارَةً إلَى قُوَّةِ ذَلِكَ الْوَعْدِ أَوْ الْتَزَمَهُ أَيْ بِمَا الْتَزَمَهُ عَلَى نَفْسِهِ وَهُوَ أَقْرَبُ إلَى ظَاهِرِ اللَّفْظِ.
[قَوْلُهُ: فِي دِيبَاجَةِ كِتَابِهِ] أَيْ فِي أَوَّلِ كِتَابِهِ مُسْتَعَارٌ أَيْ مَنْقُولٌ مِنْ دِيبَاجَةِ الْوَجْهِ بِمَعْنَى وَجْنَتِهِ وَلِلْإِنْسَانِ دِيبَاجَتَانِ.
[قَوْلُهُ: أَيْ بِمَا شَرَطْنَا] إشَارَةً إلَى أَنَّ عَلَى بِمَعْنَى الْبَاءِ أَوْ أَنَّهَا بَاقِيَةٌ عَلَى أَصْلِهَا مَعَ تَقْدِيرِ مُضَافٍ أَيْ عَلَى آخِرِ مَا شَرَطْنَا [قَوْلُهُ: أَنْ نَأْتِيَ بِهِ] أَيْ قَدْ وَفَّيْنَا بِشَيْءٍ شَرَطْنَا فِي أَوَّلِ كِتَابِنَا أَنْ نَأْتِيَ بِهِ.
[قَوْلُهُ: هَذَا] أَيْ وَهُوَ الرِّسَالَةُ لَا غَيْرُهَا مِنْ كُتُبِهِ كَالنَّوَادِرِ وَغَيْرِهَا فَإِنَّ لَهُ كُتُبًا كَثِيرَةً وَالْكِتَابُ هُوَ الْمُجْتَمِعُ عَلَى أَحْكَامٍ.
[قَوْلُهُ: مِنْ الْمَسَائِلِ] بَيَانٌ لِمَا وَالْمَسَائِلُ جَمْعُ مَسْأَلَةٍ تُطْلَقُ عَلَى النِّسْبَةِ الْخَبَرِيَّةِ وَعَلَى الْقَضِيَّةِ، وَقَدْ وَضَّحْنَا مَا يَلِيقُ بِذَلِكَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ وَكَانَ الْأَوْلَى لِلشَّارِحِ أَنْ يُؤَخِّرَهُ بَعْدَ قَوْلِهِ بِمَا يُنْتَفَعُ بِهِ لِيَكُونَ بَيَانًا لَهُ لِأَنَّ قَوْلَهُ بِمَا يُنْتَفَعُ بِهِ بَيَانٌ لِمَا، أَيْ فَيَبْقَى الْبَيَانُ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ وَيُبَيَّنُ ذَلِكَ الْمُبَيِّنَ بِأَنَّهُ الْمَسَائِلُ.
[قَوْلُهُ: إنْ شَاءَ اللَّهُ] إشَارَةً لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا} [الكهف: 23]{إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} [الكهف: 24][قَوْلُهُ: فِي تَعْلِيمٍ] مَصْدَرٌ مُضَافٌ لِلْمَفْعُولِ، وَقَوْلُهُ: ذَلِكَ مَفْعُولٌ لِتَعْلِيمٍ أَيْ يَنْتَفِعُ بِهِ أَشْخَاصٌ رَغِبْت فِي كَوْنِ شَيْخِهِمْ يُعَلِّمُهُمْ ذَلِكَ أَيْ مَا ذُكِرَ مِنْ الْمَسَائِلِ، وَقَوْلُهُ: مِنْ الصِّغَارِ بَيَانٌ لِمَنْ وَأَرَادَ بِالصِّغَارِ مَنْ كَانَ مُبْتَدِئًا فِي.
كِتَابِنَا (مَا يُؤَدِّي) أَيْ يُبَلِّغُ (الْجَاهِلَ إلَى عِلْمِ مَا يَعْتَقِدُهُ مِنْ دِينِهِ) وَهُوَ مَا ذَكَرَهُ فِي الْعَقِيدَةِ.
(وَيَعْمَلُ بِهِ مِنْ فَرَائِضِهِ) كَالطَّهَارَةِ وَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَالْحَجِّ (وَيُفْهِمُ كَثِيرًا مِنْ أُصُولِ الْفِقْهِ وَفُنُونِهِ) أَيْ فُرُوعِهِ (وَ) فِيهِ أَيْضًا (مِنْ السُّنَنِ وَالرَّغَائِبِ وَالْآدَابِ) كَمَا عَلِمْت ذَلِكَ كُلُّهُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ (وَأَنَا أَسْأَلُ اللَّهَ عز وجل أَيْ أَطْلُبُ مِنْهُ (أَنْ يَنْفَعَنَا وَإِيَّاكَ بِمَا عَلَّمَنَا وَيُعِينَنَا وَإِيَّاكَ عَلَى الْقِيَامِ بِحَقِّهِ فِيمَا كَلَّفَنَا وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا
ــ
[حاشية العدوي]
الْعِلْمِ وَلَوْ كَبِيرًا فِي السِّنِّ [قَوْلُهُ: وَمَنْ احْتَاجَ إلَيْهِ] مَعْطُوفٌ عَلَى رَغِبَ أَيْ لِنَحْوِ مُرَاجَعَةٍ أَوْ تَعْلِيمٍ لِلْغَيْرِ وَالتَّعْبِيرُ بِالرَّغْبَةِ فِي الصِّغَارِ وَالِاحْتِيَاجِ فِي الْكِبَارِ ظَاهِرٌ، وَأَرَادَ بِالْكِبَارِ جَمْعُ كَبِيرٍ مَنْ لَمْ يَكُنْ مُبْتَدِئًا فِي الْعِلْمِ.
[قَوْلُهُ: وَفِيهِ] الْوَاوُ لِلتَّعْلِيلِ أَيْ تَعْلِيلٌ لِمَا ذُكِرَ مِنْ الِانْتِفَاعِ أَيْ إنَّمَا قُلْت يُنْتَفَعُ. . . إلَخْ لِأَنَّ فِيهِ أَوَّلَهُ وَلِلرَّغْبَةِ وَالِاحْتِيَاجِ.
[قَوْلُهُ: مَا] أَيْ شَيْءٌ أَوْ الَّذِي.
[قَوْلُهُ: أَيْ يُبَلِّغُ الْجَاهِلَ] أَيْ يُوَصِّلُهُ هَذَا نَاظِرٌ لِلْمُبْتَدِئِ وَغَيْرِهِ مِنْ حَيْثُ إنَّ الْمُبْتَدِئَ جَاهِلٌ أَيْ خَالٍ عَنْ الْعِلْمِ فَيَرْغَبُ فِي تَعَلُّمِهِ، وَيَحْتَاجُ الْكَبِيرُ إلَيْهَا لِيُعَلِّمَ ذَلِكَ الْجَاهِلَ.
[قَوْلُهُ: مِنْ دِينِهِ] بَيَانٌ لِمَا بِحَمْلِ الدِّينِ عَلَى خُصُوصِ النِّسَبِ الْمُعْتَقَدَةِ لِيَكُونَ الْمَعْطُوفَ مُغَايِرًا [قَوْلُهُ: وَهُوَ] أَيْ مَا يَعْتَقِدُهُ مِنْ دِينِهِ مَا ذُكِرَ فِي الْعَقِيدَةِ أَيْ مِنْ النِّسَبِ الْمُعْتَقَدَةِ مِنْ ظَرْفِيَّةِ الْمَدْلُولِ فِي الدَّالِّ لِأَنَّ الْعَقِيدَةَ اسْمٌ لِلْبَابِ الْأَوَّلِ الْمُتَعَلِّقِ بِأُصُولِ الدِّينِ، [قَوْلُهُ: مِنْ فَرَائِضِهِ] أَيْ الْمَفْرُوضَاتُ عَلَيْهِ.
[قَوْلُهُ: وَيُفْهَمُ] عُطِفَ عَلَى يُؤَدِّي بِضَمِّ الْيَاءِ وَكَسْرِ الْهَاءِ.
تَنْبِيهٌ:
الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ بِكَوْنِهِ فِيهِ الْمُؤَدِّي لِمَا ذُكِرَ عِبَارَاتُهُ الَّتِي هُوَ جُزْءٌ مِنْهُ.
1 -
[قَوْلُهُ: مِنْ أُصُولِ الْفِقْهِ] أَرَادَ بِهِ قَوَاعِدَ الْفِقْهِ الْكُلِّيَّةِ وَأَرَادَ بِفُرُوعِهِ جُزْئِيَّاتِهَا.
[قَوْلُهُ: وَفِيهِ أَيْضًا] لَا حَاجَةَ لِفِيهِ أَيْضًا لِأَنَّ قَوْلَهُ مِنْ السُّنَنِ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ مِنْ أُصُولِ الْفِقْهِ [قَوْلُهُ: مِنْ السُّنَنِ. . . إلَخْ] وَهِيَ مَعْلُومَةٌ.
[قَوْلُهُ: وَالرَّغَائِبُ. . . إلَخْ] أَرَادَ الْجِنْسَ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ إلَّا رَغِيبَةٌ وَاحِدَةٌ عِنْدَنَا وَهِيَ الْفَجْرُ أَوْ أَرَادَ بِهِ مَا رَغَّبَ فِيهِ الشَّارِعُ وَأَكَّدَهُ مِمَّا عَبَّرَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ مُرَغَّبٌ فِيهِ وَإِنْ كَانَ مُسْتَحَبًّا.
[قَوْلُهُ: وَالْآدَابُ] جَمْعُ أَدَبٍ وَهُوَ مَا يَتَحَلَّى بِهِ الشَّخْصُ مِنْ الْخِصَالِ الْحَمِيدَةِ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ مِمَّا تَقَدَّمَ تَفْصِيلُهُ وَإِيضَاحُهُ، فَإِذَا عَلِمْت ذَلِكَ يَظْهَرُ لَك أَنَّ فِي الْآدَابِ مَا هُوَ وَاجِبٌ وَمَا هُوَ سُنَّةٌ وَمَا هُوَ مُسْتَحَبٌّ، فَعَطْفُهُ عَلَى السُّنَنِ وَالرَّغَائِبِ إمَّا مِنْ عَطْفِ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ أَوْ مِنْ عَطْفِ الْمُغَايِرِ بِقَصْرِ السُّنَنِ وَالرَّغَائِبِ عَلَى مَا عَبَّرَ فِيهِ بِعُنْوَانِ السُّنَّةِ وَالتَّرْغِيبِ وَالْآدَابِ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ.
[قَوْلُهُ: كَمَا عَلِمْت ذَلِكَ كُلَّهُ] كَأَنَّهُ عِلَّةٌ لِمَحْذُوفٍ، وَالتَّقْدِيرُ وَمَا قُلْته لَك صَحِيحٌ لِعِلْمِك كُلَّ ذَلِكَ عِلْمًا نَاشِئًا عَنْ الْحَاسَّةِ، وَقَوْلُهُ: وَلِلَّهِ. . . إلَخْ لَمَّا كَانَ احْتِوَاءُ الْكِتَابِ عَلَى هَذِهِ الْأُمُورِ مِنْ نِعَمِ الْمَوْلَى سبحانه وتعالى الْجَمَّةِ نَاسَبَ أَنْ يُحْمَدَ الْمَوْلَى عز وجل عَلَيْهَا فَقَالَ: وَلِلَّهِ الْحَمْدُ بِتَقْدِيمِ الْمَجْرُورِ لِإِفَادَةِ الْحَصْرِ.
[قَوْلُهُ: عَزَّ] أَيْ قَوِيَ بِوَصْفِهِ بِصِفَاتِ التَّخَلِّي وَالتَّحَلِّي أَيْ التَّخَلِّي عَمَّا لَا يَلِيقُ وَالتَّحَلِّي بِمَا يَلِيقُ، وَقَوْلُهُ: وَجَلَّ أَيْ عَظُمَ بِمَا ذُكِرَ فَهُوَ مِنْ عَطْفِ اللَّازِمِ أَيْ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ قُوَّتِهِ بِمَا ذُكِرَ عِظَمُهُ أَوْ عَزَّ بِوَصْفِهِ بِصِفَاتِ التَّخَلِّي بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَجَلَّ بِوَصْفِهِ بِصِفَاتِ التَّحَلِّي بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ فَيَكُونُ مِنْ بَابِ تَقْدِيمِ التَّخْلِيَةِ عَلَى التَّحْلِيَةِ.
[قَوْلُهُ: أَنْ يَنْفَعَنَا] الْمَقَامُ مَقَامُ خُضُوعٍ وَذُلٍّ، فَالْمُنَاسِبُ يَنْفَعُنِي وَالْجَوَابُ أَنْ يُقَالَ أَرَادَ نَفْسَهُ وَغَيْرَهَا مِمَّا اتَّصَلَ بِهِ مِنْ أَوْلَادِهِ وَتَلَامِذَتِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
[قَوْلُهُ: وَإِيَّاكَ] أَيْ يَا مُرِيدَ الْعِلْمِ وَمَعْرِفَةِ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ وَيَحْرُمُ وَمَا يُطْلَبُ مِنْهُ شَرْعًا أَوْ يَا مُحْرِزَ السَّائِلِ فِي تَأْلِيفِهِ.
[قَوْلُهُ: بِحَقِّهِ] أَيْ بِالْحُكْمِ الْوَاجِبِ لَهُ فِيمَا كَلَّفَنَا اللَّهُ بِهِ أَيْ فِيمَا أَوْجَبَهُ عَلَيْنَا مِنْ صَلَاةٍ وَصَوْمٍ وَنَحْوِهِمَا بِأَنْ نُؤَدِّيَ ذَلِكَ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي أَوْجَبَهُ اللَّهُ بِحَيْثُ لَا نَأْتِي بِهِ عَلَى وَجْهٍ فِيهِ تَرْكٌ لِذَلِكَ.
[قَوْلُهُ: وَلَا حَوْلَ] الْوَاوُ لِلتَّعْلِيلِ وَكَأَنَّهُ يَقُولُ: وَإِنَّمَا وَجَّهْت سُؤَالِي لَهُ لِأَنَّهُ لَا حَوْلَ عَنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ وَلَا قُوَّةَ عَلَى طَاعَتِهِ إلَّا بِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنَى الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ وَالصَّلَاةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
وَقَوْلُهُ: نَبِيُّهُ آثَرَهُ عَلَى رَسُولِهِ مَعَ أَنَّ الرِّسَالَةَ أَشْرَفُ إشَارَةً إلَى كَمَالِ النُّبُوَّةِ فِيهِ وَأَنَّهُ وَصْفٌ كَامِلٌ بِالنَّظَرِ لَهُ يُنَوِّهُ بِذِكْرِهِ وَيَرْفَعُ فَأَوْلَى غَيْرُهُ مِنْ رَسُولِهِ وَلَوْ عَبَّرَ بِرَسُولِهِ لَمْ يُسْتَفَدْ ذَلِكَ،
مُحَمَّدٍ نَبِيِّهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا) قَالَ مُؤَلِّفُ هَذَا الشَّرْحِ الْمُبَارَكِ عَلِيٌّ أَبُو الْحَسَنِ الْمَالِكِيُّ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ وَلِوَالِدَيْهِ وَلِمَشَايِخِهِ وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ: وَأَنَا أَخْتِمُ هَذَا الشَّرْحَ وَهُوَ رَابِعُ شَرْحٍ لِي عَلَى الرِّسَالَةِ بِمَا خَتَمَ بِهِ ابْنُ شَاسٍ الْجَوَاهِرَ.
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: اعْلَمْ أَنَّ جِمَاعَ الْخَيْرِ كُلِّهِ فِي تَقْوَى اللَّهِ عز وجل وَاعْتِزَالِ شُرُورِ النَّاسِ، وَمِنْ حُسْنِ إسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ وَقَدْ قِيلَ: لَا يَنْبَغِي لِلْعَاقِلِ أَنْ يُرَى إلَّا سَاعِيًا فِي تَحْصِيلِ حَسَنَةٍ لِمَعَادِهِ أَوْ دِرْهَمٍ لِمَعَاشِهِ، فَكَيْفَ بِهِ مَعَ ذَلِكَ إنْ كَانَ مُؤْمِنًا عَالِمًا بِمَا أَعَدَّ اللَّهُ لَهُ مِنْ ثَوَابٍ وَعِقَابٍ عَلَى الطَّاعَةِ وَالْمَعْصِيَةِ، وَيَحِقُّ عَلَى الْعَالِمِ أَنْ يَتَوَاضَعَ لِلَّهِ عز وجل فِي عَمَلِهِ وَيَحْتَرِسَ مِنْ نَفْسِهِ وَيَقِفَ عَلَى مَا أُشْكِلَ عَلَيْهِ،
ــ
[حاشية العدوي]
قَوْلُهُ: وَسَلَّمَ] مَعْطُوفٌ عَلَى صَلَّى جُمْلَتَانِ خَبَرِيَّتَانِ لَفْظًا إنْشَائِيَّتَانِ مَعْنًى.
[قَوْلُهُ: تَسْلِيمًا] مَصْدَرُ سَلَّمَ وَأَكَّدَهُ وَلَمْ يُؤَكِّدْ الصَّلَاةَ اقْتِدَاءً بِالْآيَةِ الشَّرِيفَةِ وَذَكَرُوا وَجْهَهُ فَلْيُرَاجَعْ، وَقَوْلُهُ: كَثِيرًا أَيْ تَحِيَّةً كَثِيرَةً وَكَأَنَّهُ يَقُولُ يَا رَبِّ حَيِّهِ تَحِيَّةً كَثِيرَةً وَهَذَا وَصْفٌ مُفِيدٌ لِعَظَمَةِ السَّلَامِ مِنْ حَيْثُ الْكَمِّيَّةِ وَهُوَ ظَاهِرٌ حَيْثُ عَبَّرَ بِالْكَثْرَةِ وَالْكَيْفِيَّةِ مِنْ حَيْثُ جَعْلِ التَّنْوِينَ لِلتَّعْظِيمِ.
[قَوْلُهُ: قَالَ مُؤَلِّفُ. . . إلَخْ] مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ قَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ فَلَا نُعِيدُهُ.
[قَوْلُهُ: وَأَنَا أَخْتِمُ. . . إلَخْ] مَقُولُ الْقَوْلِ أَيْ لِأَنَّهُ مِنْ فَنِّ التَّصَوُّفِ الَّذِي بِهِ صَلَاحُ الْبَاطِنِ فَيَكُونُ هَذَا التَّأْلِيفُ جَامِعًا لِفُنُونٍ ثَلَاثَةٍ فَنُّ أُصُولِ الدِّينِ وَفَنُّ الْفِقْهِ وَفَنُّ التَّصَوُّفِ.
[قَوْلُهُ: وَهُوَ رَابِعُ شَرْحٍ لِي عَلَى الرِّسَالَةِ] غَايَةُ الْأَمَانِي وَهُوَ أَكْبَرُهَا ثُمَّ تَحْقِيقُ الْمَبَانِي ثُمَّ الْفَيْضُ الرَّحْمَانِيُّ ثُمَّ هَذَا الشَّرْحُ الَّذِي هُوَ كِفَايَةُ الطَّالِبِ وَلَهُ شَرْحَانِ عَلَى الْخُطْبَةِ وَالْعَقِيدَةِ فَهَذِهِ سِتَّةٌ أَرْبَعَةٌ عَلَى الْكِتَابِ بِتَمَامِهِ وَقَدْ عَلِمْتهَا وَاثْنَانِ عَلَى الْعَقِيدَةِ أَفَادَهُ صَاحِبُ مَقَالِيدِ الْأَسَانِيدِ.
[قَوْلُهُ: ابْنُ شَاسٍ. . . إلَخْ] هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَجْمِ بْنِ شَاسٍ كَانَ فَقِيهًا فَاضِلًا فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ عَالِمًا بِقَوَاعِدِهِ لَهُ كِتَابُ الْجَوَاهِرِ الثَّمِينَةِ فِي مَذْهَبِ عَالِمِ الْمَدِينَةِ وَضَعَهُ عَلَى تَرْتِيبِ الْوَجِيزِ لِلْإِمَامِ أَبِي حَامِدِ الْغَزَالِيِّ، وَكَانَ مُدَرِّسًا بِمِصْرَ بِالْمَدْرَسَةِ الْمُجَاوِرَةِ لِلْجَامِعِ الْعَتِيقِ، وَتَوَجَّهَ إلَى ثَغْرِ دِمْيَاطَ لَمَّا أَخَذَهُ الْعَدُوُّ الْمَخْذُولُ بِنِيَّةِ الْجِهَادِ تُوُفِّيَ هُنَاكَ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ أَوْ فِي رَجَبٍ سَنَةَ عَشْرٍ وَسِتِّمِائَةٍ وَصَنَّفَ غَيْرَ الْجَوَاهِرِ وَمَالَ إلَى النَّظَرِ فِي السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ وَالِاشْتِغَالِ بِهَا، وَكَانَ عَلَى غَايَةٍ مِنْ الْوَرَعِ وَبَعْدَ عَوْدِهِ مِنْ الْحَجِّ امْتَنَعَ مِنْ الْفُتْيَا إلَى حِينِ وَفَاتِهِ وَهُوَ مِنْ بَيْتِ إمَارَةٍ أَفَادَ ذَلِكَ كُلَّهُ الْعَلَّامَةُ إبْرَاهِيمُ بْنُ فَرْحُونٍ.
[قَوْلُهُ: جِمَاعُ الْخَيْرِ] بِكَسْرِ الْجِيمِ وَتَخْفِيفِ الْمِيمِ أَيْ وَجَمْعُ الْخَيْرِ أَفَادَهُ الْمِصْبَاحُ.
[قَوْلُهُ: فِي تَقْوَى اللَّهِ] أَيْ امْتِثَالِ مَأْمُورَاتِهِ وَتَرْكِ مَنْهِيَّاتِهِ، [قَوْلُهُ: وَاعْتِزَالُ شُرُورِ النَّاسِ] أَيْ وَالْبُعْدُ مِنْ شُرُورِ النَّاسِ، وَالْقَصْدُ الْبُعْدُ عَنْ النَّاسِ فَيَسْلَمُ مِنْ شَرِّهِمْ بِحَيْثُ تَكُونُ تِلْكَ السَّلَامَةُ قَائِدَةً لَا عِلَّةً غَائِيَّةً.
قَالَ أَبُو الْحَسَنِ الشَّاذِلِيُّ: الْبَلَاءُ كُلُّهُ مَجْمُوعٌ فِي ثَلَاثَةٍ خَوْفُ الْخَلْقِ وَهَمُّ الرِّزْقِ وَالرِّضَا عَنْ النَّفْسِ، وَالْعَافِيَةُ وَالْخَيْرَاتُ مَجْمُوعَةٌ فِي ثَلَاثَةٍ الثِّقَةُ بِاَللَّهِ فِي كُلِّ شَيْءٍ وَالرِّضَا عَنْ اللَّهِ بِكُلِّ حَالٍ وَاتِّقَاءُ شُرُورِ النَّاسِ مَا أَمْكَنَ.
[قَوْلُهُ: وَمِنْ حُسْنِ. . . إلَخْ] تَقَدَّمَ مَا فِيهِ، [قَوْلُهُ: وَقَدْ قِيلَ] لَيْسَ قَصْدُهُ التَّضْعِيفَ بَلْ حِكَايَةُ مَا صَدَرَ مِنْ قَائِلِهِ.
[قَوْلُهُ: لَا يَنْبَغِي] أَيْ يَجِبُ أَوْ يَنْدُبُ بِاعْتِبَارِ مَا يَلِيقُ بِكُلٍّ فَهُوَ مِنْ اسْتِعْمَالِ اللَّفْظِ فِي حَقِيقَتِهِ وَمَجَازِهِ.
[قَوْلُهُ: أَنْ يُرَى] أَيْ يَرَاهُ الْغَيْرُ أَوْ يَرَى نَفْسَهُ فَهُوَ بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ أَوْ الْفَاعِلِ، وَالثَّانِي أَوْلَى وَهِيَ إمَّا بَصَرِيَّةٌ أَوْ عِلْمِيَّةٌ فَسَاعِيًا حَالٌ عَلَى الْأَوَّلِ وَالْمَفْعُولُ الثَّانِي عَلَى الثَّانِي.
[قَوْلُهُ: فِي تَحْصِيلِ حَسَنَةٍ] يَسْتَعِدُّ بِهَا لِمَعَادِهِ أَيْ لِعَوْدِهِ أَيْ رُجُوعُهُ إلَى اللَّهِ فِي دَارِ الْجَزَاءِ.
[قَوْلُهُ: أَوْ دِرْهَمٍ] أَوْ لِمَنْعِ الْخُلُوِّ فَتُجُوِّزَ الْجَمْعُ، [قَوْلُهُ: لِمَعَاشِهِ] أَيْ لِعَيْشِهِ أَيْ مَا يَقْتَاتُهُ وَيَقُومُ بِهِ حَالُهُ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} [البقرة: 172] أَيْ حَلَالَاتِ.
[قَوْلُهُ: فَكَيْفَ بِهِ] أَيْ بِالْعَاقِلِ، وَقَصَدَ بِذَلِكَ اسْتِعْظَامَ هَذَا الْأَمْرِ أَيْ عَدَّهُ عَظِيمًا إذَا صَدَرَ مِنْ عُلُوٍّ قَوْلُهُ مَعَ ذَلِكَ أَيْ مَعَ رُؤْيَتِهِ سَاعِيًا فِي تَحْصِيلِ مَا ذُكِرَ إنْ كَانَ مُؤْمِنًا عَالِمًا، وَالْوَصْفُ بِالْعِلْمِ هُوَ الرُّوحُ أَيْ الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ الِاسْتِفْهَامُ كَمَا أَشَرْنَا إلَيْهِ، فَقَوْلُهُ: مُؤْمِنًا تَوْطِئَةً إذْ الْحَدِيثُ إنَّمَا هُوَ فِي الْعَاقِلِ أَيْ كَامِلِ الْعَقْلِ أَوْ أَنَّ غَيْرَهُ بِمَنْزِلَةِ الْعَدَمِ.
[قَوْلُهُ: عَلَى الطَّاعَةِ وَالْمَعْصِيَةِ] هُوَ مَعَ مَا قَبْلَهُ لَفٌّ وَنَشْرٌ مُرَتَّبٌ
وَيُقِلَّ الرِّوَايَةَ جَهْدَهُ وَيُنْصِفَ جُلَسَاءَهُ وَيُلِينَ لَهُمْ جَانِبَهُ وَيُثْبِتَ سَائِلَهُ وَيُلْزِمَ نَفْسَهُ الصَّبْرَ وَيَتَوَقَّى الضَّجَرَ وَيَصْفَحَ عَنْ زَلَّةِ جَلِيسِهِ وَلَا يُؤَاخِذَهُ بِعَثْرَتِهِ، وَمَنْ جَالَسَ عَالِمًا فَلْيَنْظُرْ إلَيْهِ بِعَيْنِ الْإِجْلَالِ وَلْيَنْصِتْ لَهُ عِنْدَ الْمَقَالِ فَإِنْ رَاجَعَهُ رَاجَعَهُ تَفَهُّمًا لَا تَعَنُّتًا وَلَا يُعَارِضُهُ فِي جَوَابِ سَائِلٍ يَسْأَلُهُ، فَإِنَّهُ يُلْبِسُ بِذَلِكَ عَلَى السَّائِلِ وَيُزْرِي بِالْمَسْئُولِ وَلَا يَنْتَظِرُ
ــ
[حاشية العدوي]
وَأَرَادَ بِالطَّاعَةِ وَاجِبَةً وَمَنْدُوبَةً فَإِذَنْ كَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَزِيدَ بَعْدَ قَوْلِهِ وَعِقَابٍ وَلَوْمٍ أَيْ بِالنِّسْبَةِ لِلْمَكْرُوهِ وَخِلَافِ الْأَوْلَى فَإِذَا قُصِرَتْ الطَّاعَةُ عَلَى الْوَاجِبَةِ اقْتِصَارًا عَلَى الْحَالَةِ التَّكْلِيفِيَّةِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ التَّكْلِيفَ إلْزَامُ مَا فِيهِ كُلْفَةٌ تَمَّ كَلَامُهُ.
[قَوْلُهُ: وَيَحِقُّ] أَيْ وَيَجِبُ مِنْ بَابِ ضَرَبَ وَقَتَلَ.
[قَوْلُهُ: أَنْ يَتَوَاضَعَ لِلَّهِ عز وجل فِي عِلْمِهِ] أَيْ فِي حَالِ إفَادَتِهِ عِلْمَهُ أَوْ فِي حَالِ اتِّصَافِهِ بِعِلْمِهِ، أَيْ فَلَا يَتَكَبَّرُ عَلَى عِبَادِ اللَّهِ سبحانه وتعالى لِأَنَّهُ مِنْ أَعْظَمِ النِّعَمِ فَيَتَأَكَّدُ عَلَيْهِ الشُّكْرُ بِقَدْرِهَا وَمِنْ جُمْلَتِهِ بَلْ رُكْنُهُ الْأَعْظَمُ التَّوَاضُعُ، فَقَدْ سَمِعْت مِنْ بَعْضِ الشُّيُوخِ أَنَّ سَيِّدَنَا عِيسَى كَانَ فِي سِيَاسَتِهِ مَعَ الْحَوَارِيِّينَ فَأَمَرَهُمْ ذَاتَ يَوْمٍ أَنْ يَأْتُوا لَهُ بِمَاءِ وُضُوءٍ فَوَضَّأَ جَمِيعَهُمْ وَغَسَلَ أَقْدَامَهُمْ وَجَمَعَ الْمَاءَ الْفَاضِلَ مِنْ ذَلِكَ فَشَرِبَهُ فَقَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ لِمَ فَعَلْت هَذَا؟ فَقَالَ: أَرَدْت أَنْ أُعَلِّمَكُمْ التَّوَاضُعَ وَقَالَ الْغَزَالِيُّ: عُلَمَاءُ الْآخِرَةِ يُعْرَفُونَ بِسِيمَاهُمْ مِنْ السَّكِينَةِ وَالذُّلِّ وَالتَّوَاضُعِ، أَمَّا التَّمَشْدُقُ وَالِاسْتِغْرَاقُ فِي الضَّحِكِ وَالْحِدَّةُ فِي الْحَرَكَةِ وَالنُّطْقِ فَمِنْ آثَارِ الْبَطَرِ وَالْغَفْلَةِ وَذَلِكَ دَأْبُ أَبْنَاءِ الدُّنْيَا.
[قَوْلُهُ: وَيَحْتَرِسُ مِنْ نَفْسِهِ] أَيْ وَيَتَحَفَّظُ مِنْ نَفْسِهِ وَيَسْتَعِينُ عَلَيْهَا بِمُخَالَفَتِهَا فَإِنَّهَا لَا تَأْمُرُ بِخَيْرٍ أَبَدًا إلَّا وَلَهَا فِيهِ دَسِيسَةٌ كَمَا وَقَعَ لِبَعْضِهِمْ أَنَّهُ أَمَرَتْهُ نَفْسُهُ بِالْجِهَادِ لِمَا فِيهِ مِنْ ثَوَابٍ خُصُوصًا إذَا قُتِلَ فِي مَعْرَكَةٍ فَدَعَا اللَّهَ أَنْ يُطْلِعَهُ عَلَى دَسِيسَةِ نَفْسِهِ فَأُلْهِمَ أَنَّهَا تُرِيدُ أَنْ تُقْتَلَ فِي الْمَعْرَكَةِ لِتَسْتَرِيحَ بِالْقَتْلِ مِنْ قَتْلِكَ لَهَا كُلَّ يَوْمٍ بِمُخَالَفَتِهَا، [قَوْلُهُ: وَيَقِفُ عَلَى مَا أُشْكِلَ. . . إلَخْ] كَذَا فِيمَا رَأَيْت مِنْ النُّسَخِ أَيْ إذَا اشْتَبَهَ عَلَيْهِ شَيْءٌ فَلَمْ يَدْرِ حُكْمَ اللَّهِ فِيهِ فَيَقِفُ عِنْدَهُ كِنَايَةً عَنْ اجْتِنَابِهِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ مُحَرَّمًا أَوْ يَجُرُّهُ إلَى مُحَرَّمٍ لِخَبَرِ: " الْحَلَالُ بَيِّنٌ. . . إلَخْ.
[قَوْلُهُ: وَيُقِلُّ الرِّوَايَةَ] أَيْ وَيُقِلُّ مِنْ رِوَايَتِهِ الْحَدِيثَ أَوْ مُطْلَقِ الْعِلْمِ لِغَيْرِهِ، أَيْ لَا يُكْثِرُ مِنْ ذَلِكَ لِأَنَّ الْكَثْرَةَ مَظِنَّةُ الْخَطَأِ وَعَدَمِ الضَّبْطِ بِخِلَافِ الْقِلَّةِ فَيَقْوَى مَعَهَا التَّحَرِّي وَالضَّبْطُ فَيَكُونُ أَبْعَدَ مِنْ الْخَطَأِ.
[قَوْلُهُ: جُهْدَهُ] بِضَمِّ الْجِيمِ وَفَتْحِهَا فِي لُغَةِ الْحِجَازِ وَبِالْفَتْحِ فِي غَيْرِهَا الْوُسْعُ وَالطَّاقَةُ، وَقِيلَ الْمَضْمُومُ الطَّاقَةُ وَالْمَفْتُوحُ الْمَشَقَّةُ.
[قَوْلُهُ: وَيُنْصِفُ. . . إلَخْ] مِنْ أَنْصَفَ كَمَا فِي الْمِصْبَاحِ أَيْ يُنْصِفُ جِنْسَ جُلَسَائِهِ أَيْ فَلَا يُضَيِّقُ عَلَيْهِمْ وَلَا يَقْطَعُ عَلَيْهِمْ حَدِيثَهُمْ.
[قَوْلُهُ: وَيُلَيِّنُ لَهُمْ جَانِبَهُ] يُقْرَأُ بِأَوْجُهٍ ثَلَاثٍ؛ لِأَنَّهُ إمَّا مِنْ لَانَ أَوْ أَلَانَ أَوْ لَيَّنَ بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ كِنَايَةً عَنْ عَدَمِ التَّغْلِيظِ عَلَيْهِمْ وَعَدَمِ قِيَامِهِ مَعَ حَظِّ نَفْسِهِ.
[قَوْلُهُ: وَيُثَبِّتُ سَائِلَهُ] مِنْ أَثْبَتَ أَوْ ثَبَّتَ بِتَشْدِيدِ الْبَاءِ أَيْ بِإِعْطَائِهِ جَوَابًا كَاشِفًا عَنْ مَسْئُولِهِ بِحَيْثُ لَا يَبْقَى فِي حِيرَةٍ وَلَا تَرَدُّدٍ، أَوْ إرْشَادِهِ إلَى أَنَّ الْأَوْلَى فِي السُّؤَالِ كَذَا وَكَذَا وَجَوَابُهُ كَذَا وَكَذَا.
[قَوْلُهُ: وَيُلْزِمُ نَفْسَهُ الصَّبْرَ] فَلَا يَنْتَصِرُ لِنَفْسِهِ وَلَا يَقُومُ مَعَ حَضِّهَا وَيَحْبِسُهَا عَلَى مَا تَكْرَهُ، وَلَا يَخْفَى الِاسْتِغْنَاءُ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: وَيَلِينُ لَهُمْ جَانِبَهُ كَمَا أَشَرْنَا إلَيْهِ فِي تَقْرِيرِهِ.
[قَوْلُهُ: وَيَتَوَقَّى الضَّجَرَ] أَيْ يَتَبَاعَدُ عَنْ الضَّجَرِ أَيْ الْقَلَقِ وَالِاهْتِمَامِ وَهُوَ مِنْ وَادِي مَا قَبْلَهُ، [قَوْلُهُ: وَيَصْفَحُ] أَيْ يَعْرِضُ وَيَتَغَافَلُ.
[قَوْلُهُ: عَنْ زَلَّةٍ] بِفَتْحِ الزَّايِ أَيْ مَا يَقَعُ مِنْهُ مِنْ الْخَطَأِ، [قَوْلُهُ: وَلَا يُؤَاخِذُهُ بِعَثْرَتِهِ] أَيْ الَّتِي هِيَ زَلَّتُهُ فَالْإِظْهَارُ فِي مَوْضِعِ الْإِضْمَارِ إشَارَةٌ إلَى تَرَادُفِهِمَا.
[قَوْلُهُ: وَمَنْ جَالَسَ عَالِمًا] أَيْ مَثَلًا أَوْ صَاحَبَهُ فَيَصْدُقُ بِالْجُلُوسِ وَغَيْرِهِ.
[قَوْلُهُ: فَلْيَنْظُرْ] الْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ [قَوْلُهُ: بِعَيْنِ الْإِجْلَالِ] أَيْ التَّعْظِيمِ لِأَنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [فاطر: 28] فَمَنْ مَدَحَهُ اللَّهُ أَوْ أَعَزَّهُ فَيُعَزُّ وَيُكْرَمُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ عَنْ الثِّقَاتِ أَنَّ حَقِيقَةَ الْعِلْمِ مَا أَوْرَثَ خَشْيَةً فَلَا عَالِمَ إلَّا مَنْ يَخْشَى اللَّهَ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْخَشْيَةِ وَالْخَوْفِ.
[قَوْلُهُ: وَلْيُنْصِتْ لَهُ عِنْدَ الْمَقَالِ] مِنْ أَنْصَتَ أَوْ مِنْ نَصَتَ مِنْ بَابِ ضَرَبَ أَيْ يَسْكُتُ عِنْدَ قَوْلِهِ.
[قَوْلُهُ: فَإِنْ رَاجَعَهُ] أَيْ أَرَادَ مُرَاجَعَتَهُ وَالْمُفَاعَلَةُ لَيْسَتْ عَلَى بَابِهَا.
[قَوْلُهُ: رَاجَعَهُ تَفَهُّمًا] أَيْ مُرَاجَعَةَ تَفَهُّمٍ أَوْ حَالَ كَوْنِهِ مُتَفَهِّمًا أَيْ مُرِيدًا الْفَهْمَ أَوْ طَالِبًا لَهُ أَوْ لِأَجْلِ التَّفَهُّمِ، وَقَوْلُهُ: لَا تَعَنُّتًا عَلَى نَسَقِ مَا قَبْلَهُ وَهُوَ
بِالْعَالِمِ فِتْنَةً وَلَا تُؤْخَذُ عَلَيْهِ عَثْرَةٌ، وَبِقَدْرِ إجْلَالِ الطَّالِبِ لِلْعَالِمِ يَنْتَفِعُ الطَّالِبُ بِمَا يَسْتَفِيدُ مِنْ عِلْمِهِ، وَمَنْ نَاظَرَهُ فِي عِلْمٍ فَبِالسَّكِينَةِ وَالْوَقَارِ وَتَرْكِ الِاسْتِعْلَاءِ فَحُسْنُ التَّأَنِّي وَجَمِيلُ الْأَدَبِ مُعِينَانِ عَلَى الْعِلْمِ وَنِعْمَ وَزِيرُ الْعِلْمِ الْحِلْمُ.
وَمَا أَوْلَى بِالْعِلْمِ صِيَانَةَ نَفْسِهِ عَنْ كُلِّ دَنَاءَةٍ وَعَيْبٍ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَأْثَمًا وَإِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِالْمُرُوءَةِ وَالْأَدَبِ وَصِيَانَةِ
ــ
[حاشية العدوي]
أَيْ التَّعَنُّتُ إدْخَالُ الْأَذَى عَلَيْهِ.
[قَوْلُهُ: وَلَا يُعَارِضُهُ فِي جَوَابِ سَائِلٍ يَسْأَلُهُ] أَيْ لَا يُقَابِلُهُ فِي جَوَابٍ حَصَلَ مِنْهُ لِسَائِلِهِ بِحَيْثُ يَقُولُ لَهُ: الْأَوْلَى فِي الْجَوَابِ كَذَا لَا مَا أَجَبْت بِهِ أَوْ لَا يُبَادِرُ بِالْجَوَابِ لِمَا فِيهِ مِنْ عَدَمِ احْتِرَامِ الشَّيْخِ لَا أَنَّ الْمُرَادَ أَنْ يَكُونَ جَوَابُ الشَّيْخِ خَطَأً، وَيُرْشِدُهُ لِلصَّوَابِ بِأَدَبٍ وَاحْتِرَامٍ لِلشَّيْخِ غَيْرَ قَاصِدٍ الِاسْتِعْلَاءَ فَإِنَّهُ لَا لَوْمَ فِيهِ.
[قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ يُلْبِسُ بِذَلِكَ عَلَى السَّائِلِ] مِنْ بَابِ ضَرَبَ قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ: لَبَّسْت الْأَمْرَ عَلَى زَيْدٍ لَبْسًا مِنْ بَابِ ضَرَبَ، وَفِي التَّنْزِيلِ وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ وَالتَّشْدِيدُ مُبَالَغَةٌ انْتَهَى.
وَقَالَ الْمُفَسِّرُ لِلْآيَةِ: شَبَّهْنَا وَخَلَطْنَا أَيْ خَلَطَ عَلَى السَّائِلِ بِمُعَارَضَتِهِ فَلَا يَتَحَقَّقُ عِنْدَهُ الصَّوَابُ أَجَوَابُ الشَّيْخِ أَوْ جَوَابُ هَذَا الْمُعَارِضِ أَوْ مَنْ هُوَ الْأَوْلَى بِالِالْتِفَاتِ إلَيْهِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْوَجْهَيْنِ فِي الْمُعَارَضَةِ.
[قَوْلُهُ: وَيُزْرِي بِالْمَسْئُولِ] مِنْ أَزَرَى بِالشَّيْءِ تَهَاوَنَ بِهِ فَهُوَ بِضَمِّ الْيَاءِ أَفَادَهُ الْمِصْبَاحُ.
1 -
[قَوْلُهُ: وَلَا يَنْتَظِرُ بِالْعَالِمِ فِتْنَةً] أَيْ مِحْنَةً وَابْتِلَاءً بِحَيْثُ تَلْتَفِتُ نَفْسُهُ أَنَّهُ يَقَعُ مِنْهُ زَلَّةٌ فَتَضْمَحِلَّ مَرْتَبَتُهُ بِحَيْثُ لَا يَكُونُ لَهُ شَرَفٌ عَلَيْهِ كَمَا هُوَ مُشَاهَدٌ.
[قَوْلُهُ: وَلَا تُؤْخَذُ عَلَيْهِ عَثْرَةٌ] أَيْ زَلَّةٌ أَيْ إذَا وَقَعَ مِنْهُ أَمْرٌ جَاءَ عَلَى غَيْرِ الصَّوَابِ فَلَا يُؤَاخَذُ بِهِ بِحَيْثُ تَنْقُصُ مَرْتَبَتُهُ وَلَا يُقَامُ بِوَاجِبِ حَقِّهِ، وَلْيَسْتَعِنْ عَلَى ذَلِكَ بِأَنَّهُ مِنْ الْبَشَرِ الَّذِي لَمْ تَثْبُتْ لَهُمْ عِصْمَةٌ.
[قَوْلُهُ: وَبِقَدْرِ إجْلَالِ الطَّالِبِ] أَيْ بِقَدْرِ تَعْظِيمِ الطَّالِبِ لِلْعَالِمِ يَنْتَفِعُ الطَّالِبُ بِمَا حَصَّلَهُ مِنْ عِلْمِهِ، أَيْ وَبِقَدْرِ تَحْقِيرِ الطَّالِبِ لِلْعَالِمِ يَحْرُمُ الِانْتِفَاعُ بِعِلْمِهِ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ مُصْلِحُ الدِّينِ أَفَنْدِي فِي كِتَابِ الْحَيَاةِ مَا نَصُّهُ: وَيَنْبَغِي لِطَالِبِ الْعِلْمِ أَنْ يَتَوَاضَعَ لِشَيْخِهِ وَيَتَأَدَّبَ مَعَهُ وَإِنْ كَانَ أَصْغَرَ مِنْهُ سِنًّا وَأَقَلَّ شُهْرَةً وَنَسَبًا وَسِلَاحًا وَغَيْرَ ذَلِكَ، فَبِتَوَاضُعِهِ يَدْرِي الْعِلْمَ إلَى آخِرِ مَا قَالَ.
[قَوْلُهُ: وَمَنْ نَاظَرَهُ. . . إلَخْ] لَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى حَالِ الطَّالِبِ مَعَ شَيْخِهِ طَفِقَ يَتَكَلَّمُ عَلَى حَالِ الطَّلَبَةِ مَعَ بَعْضِهِمْ أَوْ الشُّيُوخِ مَعَ بَعْضِهِمْ أَيْ مَنْ نَاظَرَ عَالِمًا أَرَادَ بِهِ مَا يَشْمَلُ مَا ذَكَرْنَا، وَالْمُنَاظَرَةُ الْمُجَادَلَةُ بِأَنْ يَخْتَلِفَا فِي أَمْرٍ وَيُرِيدُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَنْصُرَ مَقَالَتَهُ بِشَيْءٍ يُقِيمُهُ.
[قَوْلُهُ: فَبِالسَّكِينَةِ] أَيْ فَلْيَكُنْ مَا ذُكِرَ مِنْ الْمُنَاظَرَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ مَعْنًى مُلْتَبِسًا بِالسَّكِينَةِ أَوْ مَعَ السَّكِينَةِ أَيْ الطُّمَأْنِينَةِ. . . إلَخْ، وَاعْلَمْ أَنَّ عِبَارَةَ الْمِصْبَاحِ تُفِيدُ تَرَادُفَ السَّكِينَةِ وَالْوَقَارِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ بِالتَّغَايُرِ بِأَنْ تَقُولَ: السَّكِينَةُ تَرْجِعُ إلَى عَدَمِ اضْطِرَابِ الْجَوَارِحِ، وَالْوَقَارُ يَرْجِعُ إلَى احْتِرَامِ الْمُنَاظِرِ وَالِالْتِفَاتِ إلَيْهِ عَلَى وَجْهِ الْأَدَبِ الَّذِي يَلِيقُ بِهِ.
[قَوْلُهُ: وَتَرْكُ الِاسْتِعْلَاءِ] أَيْ إظْهَارُ الْعُلُوِّ وَهُوَ بِالْجَرِّ عَطْفٌ عَلَى بِالسَّكِينَةِ وَهُوَ لَازِمٌ لِمَا قَبْلَهُ.
[قَوْلُهُ: فَحَسَنٌ] بِالْفَاءِ فِيمَا وَقَفْت عَلَيْهِ مِنْ نُسَخِ هَذَا الشَّارِحِ تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ فَبِالسَّكِينَةِ أَخٌ أَيْ لِأَنَّ حُسْنَ التَّأَنِّي الَّذِي هُوَ عَدَمُ الْعَجَلَةِ أَيْ لِأَنَّ التَّأَنِّي الْحَسَنَ هُوَ وَصْفٌ مُخَصِّصٌ لِأَنَّ عَدَمَ الْعَجَلَةِ قَدْ يُذَمُّ وَيَظْهَرُ كَوْنُهُ تَعْلِيلًا لِقَوْلِهِ: فَبِالسَّكِينَةِ عَلَى مَا قَرَرْنَا سَابِقًا، وَقَوْلُهُ: وَجَمِيلُ الْأَدَبِ أَيْ وَالْأَدَبُ الْجَمِيلُ أَيْ الَّذِي لَمْ يَخْرُجْ عَنْ حَدِّهِ، وَيَظْهَرُ أَنَّهُ يَرْجِعُ لِلْوَقَارِ عَلَى مَا قُلْنَا.
[قَوْلُهُ: مُعِينَانِ عَلَى الْعِلْمِ] أَيْ فَمَنْ نَاظَرَ عَالِمًا وَتَحَلَّى بِمَا ذُكِرَ يُرْجَى أَنْ يُعْطَى الصَّوَابَ مِنْ الْعِلْمِ وَتَثْبُتَ لَهُ الْغَلَبَةُ عَلَى مُنَاظِرِهِ.
[قَوْلُهُ: وَنِعْمَ وَزِيرُ الْعِلْمِ الْحِلْمُ] أَيْ أَنَّ الْعِلْمَ كَالْمَلِكِ وَالْحِلْمَ كَالْوَزِيرِ لَهُ، وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ نِظَامَ الْمَلِكِ بِالْوَزِيرِ وَلِذَلِكَ قِيلَ إنَّ الْوَزِيرَ مُشْتَقٌّ مِنْ الْوِزْرِ لِأَنَّهُ يَحْمِلُ عَنْ الْمَلِكِ ثِقَلَ التَّدْبِيرِ فَقَدْ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَجْلَانَ: مَا شَيْءٌ أَشَدَّ عَلَى الشَّيْطَانِ مِنْ عَالِمٍ مَعَهُ حِلْمٌ إنْ تَكَلَّمَ تَكَلَّمَ بِعِلْمٍ وَإِنْ سَكَتَ سَكَتَ بِحِلْمٍ، يَقُولُ الشَّيْطَانُ: إنَّ سُكُوتَهُ عَلَيَّ أَشَدُّ مِنْ كَلَامِهِ.
[قَوْلُهُ: وَمَا أَوْلَى بِالْعَالِمِ]" مَا " تَعَجُّبِيَّةٌ أَيْ وَمَا أَحَقُّ بِالْعَالِمِ صِيَانَةُ نَفْسِهِ أَيْ أَنَّ صِيَانَةَ نَفْسِهِ عَنْ كُلِّ دَنَاءَةٍ أَمْرٌ عَظِيمٌ يُتَعَجَّبُ مِنْ حَقِّيَّتِهَا أَيْ حِفْظِ نَفْسِهِ.
[قَوْلُهُ: عَنْ كُلِّ دَنَاءَةٍ] أَيْ خُبْثِ فِعْلٍ فَمَا بَعْدَهُ تَفْسِيرٌ لَهُ.
[قَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَأْثَمًا] أَيْ إثْمًا أَيْ مَعْصِيَةً.
[قَوْلُهُ: بِالْمُرُوءَةِ] بِضَمِّ الْمِيمِ قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: الْمُرُوءَةُ الِارْتِفَاعُ عَنْ كُلِّ مَا
الدِّينِ وَنَزَاهَةِ الْأَنْفُسِ لَذَوُو الْعِلْمِ، وَحَقِيقٌ عَلَى الْعَالِمِ أَنْ لَا يَخْطُوَ خُطْوَةً لَا يَبْتَغِي بِهَا ثَوَابَ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا يَجْلِسَ مَجْلِسًا يَخَافُ عَاقِبَةَ وِزْرِهِ، فَإِنْ اُبْتُلِيَ بِالْجُلُوسِ فِيهِ فَلْيَقُمْ لِلَّهِ عز وجل بِوَاجِبِ حَقِّهِ فِي إرْشَادِ مَنْ اسْتَحْضَرَهُ وَوَعْظِهِ وَلَا يُجَالِسُهُ بِمُوَافَقَتِهِ فِيمَا يُخَالِفُ اللَّهَ عز وجل فِي مَرْضَاتِهِ وَلَا يَتَعَرَّضُ مِنْهُ حَاجَةً لِنَفْسِهِ، وَلَا أَحْسَبُهُ وَإِنْ قَامَ بِذَلِكَ يَنْجُو وَلَا يَسْلَمُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ عز وجل، وَمِنْ إجْلَالِ اللَّهِ عز وجل إجْلَالُ الْعَالِمِ الْعَامِلِ وَإِجْلَالُ الْإِمَامِ الْمُقْسِطِ،
ــ
[حاشية العدوي]
يُرَى أَنَّ مَنْ تَخَلَّقَ بِهِ لَا يُحَافِظُ عَلَى دِينِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَرَامًا.
[قَوْلُهُ: وَالْأَدَبُ] يَرْجِعُ إلَى حُسْنِ الْخُلُقِ وَالرِّيَاضَةِ الْمَحْمُودَةِ، فَقَدْ نُقِلَ عَنْ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ: لَا عِلْمَ إلَّا مَعَ التُّقَى وَلَا عَقْلَ إلَّا مَعَ الْأَدَبِ.
[قَوْلُهُ: وَصِيَانَةُ الدِّينِ] أَيْ وَحِفْظُ الدِّينِ عَمَّا يُخِلُّ بِهِ.
[قَوْلُهُ: وَنَزَاهَةُ] أَيْ وَتَبَاعُدُ الْأَنْفُسِ عَنْ الرَّذَائِلِ وَلَمَّا كَانَ فِي إجَابَتِهِ لِكُلِّ مَنْ دَعَاهُ دَنَاءَةٌ قِيلَ: لَا يَنْبَغِي لِلْعَالِمِ أَنْ يُجِيبَ كُلَّ مَنْ دَعَاهُ.
[قَوْلُهُ: لَذَوُو الْعِلْمِ] أَيْ أَصْحَابِ الْعِلْمِ وَهُوَ خَبَرُ إنَّ أَوْلَى. . . إلَخْ أَيْ لِأَنَّهُمْ وَرَثَةُ أُولِي الْعِلْمِ التَّامِّ الَّذِي هُمْ الْأَنْبِيَاءُ الَّذِينَ تَحَلَّوْا بِأَكْمَلِ الصِّفَاتِ، فَلْيَكُنْ الْوَارِثُ كَذَلِكَ لِوِرَاثَتِهِ الْمُقْتَضِيَةِ لِمَا ذُكِرَ فَإِذَا لَمْ يَقُمْ بِمَا ذُكِرَ انْتَفَتْ عَنْهُ الْوِرَاثَةُ لِأَنَّ انْتِفَاءَ اللَّازِمِ مُسْتَلْزِمٌ لِنَفْيِ الْمَلْزُومِ.
[قَوْلُهُ: أَنْ لَا يَخْطُوَ خَطْوَةً] بِفَتْحِ الْخَاءِ وَسُكُونِ الطَّاءِ وَاحِدُ الْخَطَوَاتِ مِثْلُ شَهْوَةٍ وَشَهَوَاتٍ، وَأَمَّا بِضَمِّ الْخَاءِ وَسُكُونِ الطَّاءِ مَا بَيْنَ الرِّجْلَيْنِ وَاحِدُ الْخُطُوَاتِ بِضَمِّ الْخَاءِ مِثْلُ غُرْفَةٍ وَغُرُفَاتٍ،.
[قَوْلُهُ: لَا يَبْتَغِي بِهَا ثَوَابَ] أَيْ إثَابَةَ اللَّهِ عَلَى خُطْوَتِهِ بِحَيْثُ لَا تَكُونُ خُطْوَتُهُ مُحَرَّمَةً وَلَا مَكْرُوهَةً وَلَا مُبَاحَةً بَلْ مَنْدُوبَةٌ أَوْ وَاجِبَةٌ لِأَنَّ الْإِثَابَةَ لَا تَكُونُ إلَّا فِي مُقَابَلَتِهِمَا، وَالْمُرَادُ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ تَكُونَ خُطْوَتُهُ لِغَيْرِ ذَلِكَ أَيْ مِمَّا كَانَ أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ فَلَا يُنَافِي مَرْتَبَةَ الْكُمَّلِ الَّذِينَ لَا يَقْصِدُونَ بِخُطُوَاتِهِمْ ثَوَابًا لَا دُنْيَوِيًّا وَلَا أُخْرَوِيًّا.
[قَوْلُهُ: عَاقِبَةَ وِزْرِهِ] الْإِضَافَةُ لِلْبَيَانِ أَيْ عَاقِبَةٌ هِيَ وِزْرُهُ أَيْ إثْمُهُ.
[قَوْلُهُ: فَإِنْ اُبْتُلِيَ بِالْجُلُوسِ فِيهِ] أَيْ فِي الَّذِي يَخَافُ عَاقِبَةَ وِزْرِهِ جَعَلَ الْجُلُوسَ فِيهِ بَلِيَّةً وَمُصِيبَةً مِنْ حَيْثُ إنَّ عَاقِبَتَهُ الْإِثْمُ.
[قَوْلُهُ: بِوَاجِبِ حَقِّهِ] أَيْ بِحَقِّهِ الْوَاجِبِ أَيْ حَقِّ الْجُلُوسِ أَوْ حَقِّ الْمَجْلِسِ.
[قَوْلُهُ: فِي إرْشَادِ] أَيْ مِنْ إرْشَادِ بَيَانٌ لِحَقِّهِ الْوَاجِبِ أَيْ مِنْ كَوْنِهِ يُرْشِدُهُ أَيْ يَدُلُّهُ عَلَى الطَّرِيقِ الْأَقْوَمِ أَوْ مِنْ ظَرْفِيَّةِ الْعَامِّ فِي الْخَاصِّ مَقْصُودًا ذَلِكَ الْخَاصُّ مُبَالَغَةً فِي الْإِرْشَادِ وَكَأَنَّهُ عَيْنُ ذَلِكَ الْعَامِّ.
[قَوْلُهُ: مَنْ اسْتَحْضَرَهُ] أَيْ طَلَبَ حُضُورَهُ لِأَنَّ مَنْ طَلَبَ حُضُورَهُ صَارَ لَهُ مِنَّةٌ عَلَيْهِ فَلَا يَقُومُ بِهِ بَاعِثٌ عَلَى إرْشَادِهِ، وَقَوْلُهُ: وَوَعْظِهِ مَعْطُوفٌ عَلَى إرْشَادِهِ وَهُوَ تَفْسِيرٌ لَهُ.
[قَوْلُهُ: وَلَا يُجَالِسُهُ] مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ فَلْيَقُمْ أَيْ وَلَا يَسْتَمِرَّ جَالِسًا مَعَهُ مَعَ مُوَافَقَتِهِ فِي أَمْرٍ يَخَافُ الشَّخْصُ: أَوْ مُطْلَقًا فَهُوَ إمَّا بِالْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ أَوْ الْمَفْعُولِ.
[قَوْلُهُ: فِي مَرْضَاتِهِ] أَيْ بِسَبَبِ رِضَا مَنْ اسْتَحْضَرَهُ.
[قَوْلُهُ: وَلَا يَتَعَرَّضُ مِنْهُ حَاجَةً لِنَفْسِهِ] أَيْ لِأَنَّهُ لَوْ تَعَرَّضَ مِنْهُ حَاجَةً لِنَفْسِهِ يَضْعُفُ عَنْ إرْشَادِهِ وَنُصْحِهِ، وَأَيْضًا فَهُوَ يُذْهِبُ الْعِلْمَ فَقَدْ نُقِلَ عَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ وَهُوَ تَابِعِيٌّ أَنَّهُ سَأَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلَامٍ بِحَضْرَةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ مَا يَذْهَبُ بِالْعِلْمِ مِنْ قُلُوبِ الْعُلَمَاءِ بَعْد أَنْ حَفِظُوهُ وَعَقَلُوهُ؟ فَقَالَ: يُذْهِبُهُ الطَّمَعُ وَشَرَهُ النَّفْسِ وَطَلَبُ الْحَاجَاتِ إلَى النَّاسِ، فَقَالَ: صَدَقْت.
[قَوْلُهُ: وَلَا أَحْسَبُهُ. . . إلَخْ] قَصَدَ بِذَلِكَ الْحَثَّ عَلَى التَّبَاعُدِ عَنْ الْجُلُوسِ فِيمَا يَخَافُ عَاقِبَةَ وِزْرِهِ وَإِنْ عَزَمَ عَلَى أَنَّهُ يَقُومُ بِوَاجِبِ حَقِّهِ أَيْ وَلَا أَظُنُّهُ أَيْ وَالْحَالُ أَنَّهُ قَدْ قَامَ بِذَلِكَ يَنْجُو لِعُرُوضِ غَفْلَةٍ عَنْ الْإِرْشَادِ مَعَ وُجُودِ مُوجِبِهِ أَوْ خَطَأٌ فِي اجْتِهَادِهِ.
[قَوْلُهُ: وَلَا يَسْلَمُ] مَعْطُوفٌ عَلَى يَنْجُو وَلَا لِلتَّأْكِيدِ فَلَوْ حَذَفَهَا مَا ضَرَّهُ وَهُوَ بِمَعْنَى مَا قَبْلَهُ، [قَوْلُهُ: فِيمَا بَيْنَهُ. . . إلَخْ] أَيْ وَلَا يَسْلَمُ فِي حَالَةٍ بَيْنَ نَفْسِهِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَبَيْنَ اللَّهِ مِنْ تَقْصِيرٍ وَقَعَ مِنْهُ، وَلَا يُشْعِرُ أَيْ وَلَا يَسْلَمُ بِاعْتِبَارٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ فَإِنْ قُلْت: يَكُونُ حِينَئِذٍ غَافِلًا وَهُوَ غَيْرُ مُكَلَّفٍ فَكَيْفَ يُؤَاخَذُ بِذَلِكَ؟ قُلْت: الْمُؤَاخَذَةُ مِنْ حَيْثُ قُدُومِهِ أَوَّلًا عَلَى ذَلِكَ الْمَجْلِسِ الَّذِي يَخَافُ عَاقِبَةَ وِزْرِهِ فَهُوَ دَاخِلٌ عَلَى الْمَعْصِيَةِ فَيُؤَاخَذُ بِهَا، وَمَا يَقْدُمُ عَلَيْهِ مِنْ إرْشَادٍ غَيْرُ مُحَقَّقٍ عَلَى أَنَّ دَرْءَ الْمَفَاسِدِ مُقَدَّمٌ عَلَى جَلْبِ الْمَصَالِحِ فَبُعْدُهُ عَنْ الْمَجْلِسِ دَرْءٌ لِمَفْسَدَةِ الْوِزْرِ، أَيْ مَفْسَدَةٍ هِيَ الْوِزْرُ يُقَدَّمُ عَلَى جَلْبِ مَصْلَحَةِ الْإِرْشَادِ أَيْ مَصْلَحَةٍ هِيَ الْإِرْشَادُ.
[قَوْلُهُ: إجْلَالُ الْعَالِمِ الْعَامِلِ] أَيْ أَنَّ تَعْظِيمَ
وَمِنْ شِيَمِ الْعَالِمِ أَنْ يَكُونَ عَارِفًا بِزَمَانِهِ مُقْبِلًا عَلَى شَأْنِهِ حَافِظًا لِلِسَانِهِ مُحْتَرِزًا مِنْ إخْوَانِهِ فَلَمْ يُؤْذِ النَّاسَ قَدِيمًا إلَّا مَعَارِفُهُمْ وَالْمَغْرُورُ مَنْ اغْتَرَّ بِمَدْحِهِمْ لَهُ، وَالْجَاهِلُ مَنْ صَدَّقَهُمْ عَلَى خِلَافِ مَا يَعْرِفُ مِنْ نَفْسِهِ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ
ــ
[حاشية العدوي]
الْعَالِمِ الْعَامِلِ تَعْظِيمٌ لِلَّهِ عز وجل، أَيْ فَمَنْ عَظَّمَ الْعَالِمَ الْعَامِلَ فَقَدْ عَظَّمَ اللَّهَ أَيْ وَمَنْ حَقَّرَ الْعَالِمَ الْعَامِلَ فَقَدْ حَقَّرَ اللَّهَ، وَتَحْقِيرُ اللَّهِ كُفْرٌ فَتَحْقِيرُ الْعَالِمِ كُفْرٌ أَيْ كَالْكُفْرِ أَوْ كُفْرٌ حَقِيقَةً بِاعْتِبَارِ عِلَّتِهِ لِأَنَّ تَعَلُّقَ الْحُكْمِ بِمُشْتَقٍّ يُؤْذِنُ بِالْعَلِيَّةِ أَيْ أَنَّ الْبَاعِثَ لَهُ عَلَى تَحْقِيرِهِ عِلْمُهُ الْمَوْرُوثُ عَنْ الْأَنْبِيَاءِ، وَلَا شَكَّ وَلَا رَيْبَ أَنَّ التَّحْقِيرَ بِاعْتِبَارِ عِلْمِهِ الْمَوْرُوثِ عَنْ الْأَنْبِيَاءِ كُفْرٌ، وَخُلَاصَتُهُ أَنَّ الْمُحَقِّرَ إذَا كَانَ الْبَاعِثُ لَهُ عَلَى ذَلِكَ مَا ذُكِرَ مِنْ الْحَيْثِيَّةِ فَلَا يَشُكُّ عَاقِلٌ فِي كُفْرِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْبَاعِثُ لَهُ مَا ذُكِرَ فَهُوَ مَعْصِيَةٌ فَنُنْزِلُهُ عَلَى مَا قُلْنَا مِنْ أَنَّهُ كُفْرٌ أَوْ كَالْكُفْرِ وَظَهَرَ مِنْ تَقْيِيدِ الْعَالِمِ بِالْعَامِلِ أَنَّ مَا وَرَدَ فِي فَضْلِ الْعُلَمَاءِ إنَّمَا هُوَ قَاصِرٌ عَلَى الْعَالِمِ الْعَامِلِ.
[قَوْلُهُ: الْإِمَامُ] أَيْ السُّلْطَانُ وَقَوْلُهُ الْمُقْسِطُ أَيْ الْعَادِلُ فَيَجِبُ إجْلَالُهُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا لَا الْقَاسِطُ، أَيْ الْجَائِزُ فَلَا يَجِبُ تَعْظِيمُهُ ذَلِكَ التَّعْظِيمَ وَإِنْ وَجَبَ تَعْظِيمُهُ ظَاهِرًا لِخَوْفِ ضَرَرٍ وَوَجْهُ كَوْنِ تَعْظِيمِ الْعَالِمِ الْعَامِلِ تَعْظِيمَ اللَّهِ، وَكَذَا تَعْظِيمُ الْإِمَامِ الْمُقْسِطِ أَنَّ اللَّهَ أَمَرَ بِتَعْظِيمِ كُلٍّ مِنْهُمَا فَإِذَا امْتَثَلَ أَمْرَهُ وَعَظَّمَ فَقَدْ عَظَّمَ اللَّهَ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ امْتَثَلَ أَمْرَهُ فَإِذَا لَمْ يُعَظِّمْ فَلَمْ يَمْتَثِلْ أَمْرَهُ فَلَمْ يُعَظِّمْ.
[قَوْلُهُ: وَمِنْ شِيَمِ الْعَالِمِ] أَيْ مِنْ صِفَاتِهِ الَّتِي يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ وَصْفًا لَازِمًا لُزُومَ الطَّبِيعَةِ لِمَطْبُوعِهَا.
[قَوْلُهُ: أَنْ يَكُونَ عَارِفًا بِزَمَانِهِ] أَيْ بِأَهْلِ زَمَانِهِ أَيْ بِأَحْوَالِهِمْ كَيْ يُعَامِلَهُمْ بِمُقْتَضَى أَحْوَالِهِمْ عَلَى الْوَجْهِ الشَّرْعِيِّ لِأَنَّهُ لَوْ جَهِلَ حَالَهُمْ لَوَقَعَ فِي الْمَكْرُوهِ وَهُوَ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ صَلَاحٌ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُ، وَأَصْلُ ذَلِكَ مَا فِي صُحُفِ إبْرَاهِيمَ وَعَلَى الْعَاقِلِ أَنْ يَكُونَ عَارِفًا بِزَمَانِهِ مُمْسِكًا لِلِسَانِهِ مُقْبِلًا عَلَى شَأْنِهِ.
[قَوْلُهُ: مُقْبِلًا عَلَى شَأْنِهِ] أَيْ مِنْ تَحْصِيلِ حَسَنَةٍ لِمَعَادِهِ أَوْ دِرْهَمٍ لِمَعَاشِهِ أَيْ الْحَالُ الَّتِي يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْإِنْسَانُ عَلَيْهَا فَلَا يَرِدُ أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ قَدْ يَكُونُ مِنْ جُمْلَةِ الْأَحْوَالِ الْمَنْسُوبَةِ لِلشَّخْصِ الْحَالَةُ الْمَكْرُوهَةُ شَرْعًا.
[قَوْلُهُ: حَافِظًا لِلِسَانِهِ] أَيْ لِأَنَّ آفَاتِ اللِّسَانِ لَا تُحْصَرُ فَقَدْ نُقِلَ عَنْ إيَاسِ بْنِ مُعَاوِيَةَ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ: مَا عَيْبُك قَالَ: كَثْرَةُ الْكَلَامِ، وَرُوِيَ عَنْ طَاوُسٍ الْيَمَانِيِّ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: لِسَانِي سَبُعٌ إنْ أَرْسَلْتُهُ أَكَلَنِي وَأَخْرَجَ الْفُضَيْلُ مَرْفُوعًا: «أَكْثَرُ النَّاسِ ذُنُوبًا أَكْثَرُهُمْ كَلَامًا فِيمَا لَا يَعْنِيهِ» وَأَجْمَعَتْ الْحُكَمَاءُ عَلَى أَنَّ رَأْسَ الْحُكْمِ الصَّمْتُ وَقَالَ الْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ: لَا حَجَّ وَلَا رِبَاطَ وَلَا جِهَادَ أَشَدُّ مِنْ حَبْسِ اللِّسَانِ.
[قَوْلُهُ: مُحْتَرِزًا مِنْ إخْوَانِهِ] أَيْ مِنْ مَعَارِفِهِ وَهُوَ جَمْعُ أَخٍ بِمَعْنَى الصَّاحِبِ، وَأَمَّا الْأَخُ مِنْ النَّسَبِ فَيُجْمَعُ عَلَى إخْوَةٍ.
[قَوْلُهُ: فَلَمْ. . . إلَخْ] تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ مُحْتَرِزًا مِنْ إخْوَانِهِ أَيْ لِأَنَّهُ لَمْ يُؤْذِ النَّاسَ قَدِيمًا إلَّا مَعَارِفُهُمْ، فَقَدْ قَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ لِسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ: أَوْصِنِي فَقَالَ لَهُ: أَقْلِلْ مِنْ مَعْرِفَةِ النَّاسِ فَأَلَحَّ عَلَيْهِ فِي طَلَبِ الْوَصِيَّةِ فَقَالَ لَهُ: وَهَلْ جَاءَك شَرٌّ قَطُّ مِنْ غَيْرِ مَنْ تَعْرِفُ وَإِنَّمَا يَأْتِيك الشَّرُّ مِمَّنْ تَعْرِفُ وَأَنْشَدُوا فِي هَذَا الْمَعْنَى شِعْرًا يَحْضُرُنِي الْآنَ مِنْهُ شَطْرُ بَيْتٍ وَهُوَ:
جَزَى اللَّهُ خَيْرًا كُلَّ مَنْ لَسْت أَعْرِفُهُ
وَقَالَ بَعْضٌ:
رَأَيْت الِانْقِبَاضَ أَجَلَّ شَيْءٍ
…
وَأَدْعَى فِي الْأُمُورِ إلَى السَّلَامَةِ
فَهَذَا الْخَلْقُ سَالِمْهُمْ وَدَعْهُمْ
…
فَخُلْطَتُهُمْ تَقُودُ إلَى النَّدَامَةِ
وَلَا تُعْنَى بِشَيْءٍ غَيْرَ شَيْءٍ
…
يَقُودُ إلَى خَلَاصِكَ فِي الْقِيَامَةِ
[قَوْلُهُ: وَالْمَغْرُورُ مَنْ اغْتَرَّ بِمَدْحِهِمْ لَهُ] فَإِنَّهُ إذَا اغْتَرَّ بِمَدْحِهِمْ افْتَتَنَ وَكَمَا جَازَ مَدْحُهُمْ لَك جَازَ ذَمُّهُمْ لَكَ فَإِنَّ مَنْ جَرَّبَ النَّاسَ قَلَاهُمْ وَلَا يَغْتَرُّ بِظَاهِرِ النَّاسِ حَتَّى يَعْرِفَ سَرِيرَتَهُمْ وَيَسْتَغْنِي عَنْهُمْ مَا اسْتَطَاعَ وَلَوْ فِي أَدْنَى شَيْءٍ.
[قَوْلُهُ:
وَتَعَالَى الْمَسْئُولُ أَنْ يُوَفِّقَنَا لِلْإِقْبَالِ عَلَى امْتِثَالِ مَأْمُورَاتِهِ وَالْإِحْجَامِ عَنْ ارْتِكَابِ مَحْظُورَاتِهِ، وَيُلْهِمَنَا مَا يُقَرِّبُ مِنْ أَجْرِهِ وَثَوَابِهِ، وَيُبَاعِدَنَا مِنْ سَخَطِهِ وَعِقَابِهِ بِمُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا إلَى يَوْمِ الدِّينِ. قَالَ مُؤَلِّفُهُ رحمه الله: وَقَدْ فَرَغْت مِنْ تَأْلِيفِ هَذَا الشَّرْحِ فِي سَابِعَ عَشَرَ ذِي الْحِجَّةِ الْحَرَامِ سَنَةَ 925 خَمْسٍ وَعِشْرِينَ وَتِسْعِمِائَةٍ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ انْتَهَى.
ــ
[حاشية العدوي]
وَالْجَاهِلُ مَنْ صَدَّقَهُمْ عَلَى خِلَافِ مَا يَعْرِفُ مِنْ نَفْسِهِ] أَيْ الْجَاهِلُ جَهْلًا مُرَكَّبًا وَلِذَا قَالَ عُثْمَانُ بْنُ مَرْزُوقٍ الْقُرَشِيُّ: مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ لَمْ يَغْتَرَّ بِثَنَاءِ النَّاسِ عَلَيْهِ لِمَعْرِفَتِهِ أَنَّهَا مَأْوَى كُلِّ شَرٍّ، ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّ مَدْلُولَهُ أَنَّهُ يَعْرِفُ مِنْ نَفْسِهِ أَنَّهُ جَاهِلٌ مَثَلًا فَيُصَدِّقُهُمْ فِيمَا مَدَحُوهُ بِهِ مِنْ الْعِلْمِ مَثَلًا أَيْ فَيَعْتَقِدُ صِدْقَهُمْ فَإِذَنْ لَا يَصِحُّ هَذَا لِمَا فِيهِ مِنْ الْجَمْعِ بَيْنَ مُتَنَافِيَيْنِ: اعْتِقَادُ كَوْنِهِ عَالِمًا مَثَلًا مِنْ حَيْثُ مَدْحِهِمْ لَهُ بِالْعِلْمِ، مَعَ اعْتِقَادِهِ فِي نَفْسِهِ أَنَّهُ جَاهِلٌ وَحَمْلُ التَّصْدِيقِ عَلَى اللِّسَانِيِّ لَا يَقْضِي بِجَهْلِهِ وَيُجَابُ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِتَصْدِيقِهِمْ الْعَمَلُ بِمُقْتَضَاهُ لَا حَقِيقَتُهُ لِمَا ذَكَرْنَا.
[قَوْلُهُ: وَالْإِحْجَامُ] أَيْ الْكَفُّ.
[قَوْلُهُ: مِنْ أَجْرِهِ وَثَوَابِهِ] عَطْفُ الثَّوَابِ عَلَى الْأَجْرِ عَطْفُ تَفْسِيرٍ، وَمِنْ لِلتَّعْدِيَةِ مُتَعَلِّقَةٌ بِيُقَرِّبُ أَيْ يُلْهِمُنَا طَاعَةً تُقَرِّبُ مِنْ الْأَجْرِ وَالثَّوَابِ أَيْ تَكُونُ سَبَبًا فِيهِ لَا أَنَّهَا بَيَانِيَّةٌ.
[قَوْلُهُ: مِنْ سُخْطِهِ وَعِقَابِهِ] السُّخْطُ ضِدُّ الرِّضَا فَيُفَسَّرُ بِإِرَادَةِ الْعِقَابِ أَوْ بِالْعِقَابِ فَهُوَ صِفَةُ ذَاتٍ عَلَى الْأَوَّلِ وَفِعْلٍ عَلَى الثَّانِي، فَعَلَى الثَّانِي عَطْفُ تَفْسِيرٍ وَعَلَى الْأَوَّلِ فَهُوَ مِنْ عَطْفِ الْمُتَعَلَّقِ بِفَتْحِ اللَّامِ عَلَى الْمُتَعَلِّقِ بِكَسْرِهَا ثُمَّ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي الْعِبَارَةِ حَذْفٌ وَالتَّقْدِيرُ وَيُبَاعِدُ مِمَّا يُقَرِّبُ مِنْ سُخْطِهِ وَعِقَابِهِ أَيْ وَيُبَاعِدُ مِنْ الْمَعَاصِي الَّتِي تُقَرِّبُ مِنْ السُّخْطِ وَالْعِقَابِ عَلَى نَسَقِ مَا قَبْلَهُ، وَيَجُوزُ أَنْ لَا يُقَدَّرَ، وَالْمَعْنَى أَنَّنَا وَإِنْ تَلَبَّسْنَا بِالْمَعَاصِي إلَّا أَنَّنَا نَسْأَلُهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنَّا وَيَتَجَاوَزَ وَلَا يُؤَاخِذَنَا عَلَى حَدِّ قَوْلِ الشَّاذِلِيِّ، وَاجْعَلْ سَيِّئَاتِنَا سَيِّئَاتِ مَنْ أَحْبَبْت لِأَنَّهُ رَبٌّ كَرِيمٌ رَءُوفٌ رَحِيمٌ، غَفَرَ اللَّهُ لِمُؤَلِّفِهَا وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ.