الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
*
تَنْبِيهانِ:
الأَوَّلُ: كان الاستقسام بالأزلام مختصًا بالرجال.
قال سلمة بن وهرام: سألت طاوس رحمه الله عن الأزلام فقال: كانوا في الجاهلية لهم قداح يضربونها؛ قِدح معلم يتطيرون به، فإذا ضربوا بها حين يريد أحدهم الحاجة فخرج ذلك القِدح لم يخرج لحاجته، فإن خرج غيره خرج لحاجته.
قال: وكانت المرأة إذا أرادت الحاجة لها لم تضرب بتلك القداح، فذلك قول الشاعر:[من الطويل]
إِذا حدَّدَتْ أُنْثى لأَمْر خِمارِها
…
أَتَتْهُ وَلَمْ تَضْرِبْ لَهُ بِالْمَقاسِمِ
رواه أبو الشيخ (1).
ولم يكن امتناع النساء عن الاستقسام إيمانًا منهن وتسليمًا، وإنما كان من باب الهجوم على الشر والطيش لغلبة الهوى، وكلا حالتي الرجال والنساء في الجاهلية كان على غير صواب متابعة للشيطان.
ومقتضى الإسلام ترك الاستقسام مع التروي في الأمور، والامتحان فيها، والاستشارة لها من الرجال والنساء جميعًا دون الهجوم على الأمور والعجلة فيها ما لم يكن من أعمال الآخرة.
التَّنْبِيْهُ الثَّانِي: ليس من الاستقسام بالأزلام القرعة الشرعية في مسألة الإقراع بين المماليك في العتق وغيرها من مسائل القرعة كما
(1) انظر: "الدر المنثور" للسيوطي (3/ 171).
قال به الشافعي رحمه الله تعالى وغيره؛ لأن استعمال القرعة مبني على الأحاديث الصحيحة، ويفرق بينه وبين الاستقسام بأن العتق مثلًا حكم شرعي، وكان خروج القرعة عَلَمًا على تحقيق ما مضى من حكم العتق بخلاف الاستقسام؛ فإنه استخراج لأمر مستقبل.
وكذلك ليس من الاستقسام التفاؤل بالفأل الحسن بخلاف التطير؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعجبه الفأل الحسن، ويكره الطيرة كما رواه ابن ماجه عن أبي هريرة، والحاكم وصححه، عن عائشة رضي الله تعالى عنها (1).
وروي مسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لا طِيَرَةَ، وَخَيْرُهَا الْفَأْلُ".
قيل: يا رسول الله! ما الفأل؟
قال: "الكَلِمَةُ الصَّالِحَةُ يَسْمَعُهَا أَحَدُكُم"(2).
قال أبو سليمان الخطابي رحمه الله تعالى: الفرق بين الفأل والطيرة إنما هو من قبيل الاتكال على الله تعالى وحسن الظن بالله، والطيرة إنما هي من طريق الاتكال على شيء سواه.
(1) رواه ابن ماجه (3536) عن أبي هريرة رضي الله عنه.
ورواه الحاكم في "المستدرك"(89)، وكذا ابن حبان في "صحيحه"(5824) عن عائشة رضي الله عنها.
(2)
رواه مسلم (2223)، وكذا البخاري (7607).
وروى عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وأبو داود عن قبيصة رضي الله تعالى عنه: أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "العيَافَةُ وَالطِّيَرَةُ وَالطَّرْقُ مِنَ الْجِبْتِ"(1).
قال عكرمة رحمه الله تعالى: الجبت هو الشيطان بالحبشية. رواه
عبد بن حميد، بل رواه هو وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما (2).
ومعنى الحديث: أن هذه الثلاثة من تسويل الشيطان؛ أي: من أعماله.
قال ابن فارس: الطرق: الضرب بالحصى، وهو جنس من التكهن (3).
وقال أبو داود: الطرق: الزجر، والعيافة: الخط؛ يعني: التنجيم (4).
ونقل البغوي عن ابن سيرين رحمه الله تعالى: أن الطارق هو الكاهن (5).
وروى الطبراني، عن عمران بن الحصين رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
(1) رواه ابن أبي شيبة في "المصنف"(884)، وأبو داود (3907).
(2)
انظر: "تفسير ابن أبي حاتم"(3/ 974)، و"الدر المنثور" للسيوطي (2/ 564).
(3)
انظر: "معجم مقاييس اللغة" لابن فارس (3/ 450)(مادة: طرق).
(4)
انظر: "سنن أبي داود"(3907).
(5)
انظر: "شرح السنة" للبغوي (12/ 177).
"لَيْسَ مِنَّا مَنْ تَطَيَّرَ أَوْ تُطُيِّرَ لَهُ، وَلا مَنْ تَكَهَّنَ أَوْ تُكُهِّنَ لَهُ، أَوْ سَحَرَ أَوْ سُحِرَ لَهُ"(1).
وتقدم في حديث أبي أمامة أن الكهنة رسل الشيطان.
ولقد جمع الله تعالى بين الشيطان والكاهن في قوله تعالى في أهل الكتاب: {يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ} [النساء: 51].
ففي أثر ابن عباس المتقدم: الجبت: اسم الشيطان بالحبشية، والطاغوت: كهان العرب.
وقال قتادة رحمه الله تعالى: كنا نحدث أن الجبت شيطان، والطاغوت الكاهن (2).
وقال مجاهد رحمه الله تعالى: الجبت: كعب بن الأشرف، والطاغوت: الشيطان كان في صورة إنسان (3). رواهما ابن جرير.
وروى هو وسعيد بن منصور، والفريابي، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، ورسته في "كتاب الإيمان" عن عمر بن الخطاب رضي الله
(1) رواه الطبراني في "المعجم الأوسط"(4262) لكن عن ابن عباس رضي الله عنه.
ورواه البزار عن عمران بن حصين، كما عزاه إليه الهيثمي في "مجمع الزوائد" (5/ 117) وقال: رواه البزار، ورجاله رجال الصحيح، خلا إسحاق بن الربيع، وهو ثقة.
(2)
رواه الطبري في "التفسير"(5/ 132).
(3)
رواه الطبري في "التفسير"(5/ 133).