الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وروى هو وأبو داود عن أبي رزين رضي الله تعالى عنه: أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "الرُّؤْيَا عَلَى رِجْلِ طَائِرٍ مَا لَمْ يُفَسَّرْ؛ فَإِذَا عُبِرَتْ وَقَعَتْ".
قال: وأحسبه قال: "لا تَقُصَّهَا إلَاّ عَلَى وَادٍّ، أَوْ ذِي رَأْيٍ"(1).
هكذا وجدت لفظ الحديث، واشتهر بلفظ:"الرُّؤْيَا عَلَى جَنَاحِ طَائِرٍ، مَتَى قُصَّتْ وَقَعَتْ".
والظاهر أن له أصلًا بهذا اللفظ؛ لأن شيخ الإسلام والدي رضي الله تعالى عنه - وكان إمام الحديث في عصره - عنده بهذا اللفظ، فقال:[من مجزوء الرجز]
رُؤْيا الْمَنامِ مِثْلَما
…
لَنا النَّبِيُّ قَدْ نَعَتْ
عَلى جَناحِ طائِرٍ
…
فَحَيْثُ قُصَّتْ وَقَعَتْ
وقد استوفينا هنا أكثر آداب الرؤيا، ولذلك أوردت هذه الأحاديث فيها، ولها مناسبة تامة بهذا المحل.
*
فائِدَةٌ:
روى القاضي أبو الفرج المعافى بن زكريا في كتاب "الجليس والأنيس" عن أبي الأصبع قال: كان رجل من همذان في الكوفة يذكر بعبادة، فلزم بيته وترك الناس، فكان لا يخرج من بيته إلا لصلاة
(1) رواه ابن ماجه (3914)، وأبو داود (5020)، وكذا الترمذي (2279) وصححه.
مكتوبة، أو حق يلزمه لا يجد منه بدًا، وكان صديقا للربيع بن خُثيم، وكانا لا يأتيان أحدًا إلا أحدهما لصاحبه، وكان الهمذاني لا ينام من الليل إلا قليلًا، فنام ساعته التي كان ينام فيها، فأتاه آتٍ في منامه فمغثه مغثًا شديدًا، ثم قال له: ائت الربيع بن خُثيم فقل له: إنك من أهل النار، ثم تنحى، فانتبه الهمذاني، فتعاظمه ذلك، وقال الربيع بن خُثيم: فلم يأته وأبطأ عنه، قال: ثم أتاه في الليلة الأخرى وهو نائم فمغثه مغثًا، فقال له: ألم أقل لك أن تأتي الربيع بن خُثيم وتقول له: إنك من أهل النار، لئن لم تفعل لأفعلن بك، ثم تنحى عنه، فانتبه الهمذاني وقد تعاظم ذلك، وقال الربيع بن خُثيم: فلم يأته، فجاءه في الليلة الثالثة وفعل به كذلك، فلما أصبح ورأى الربيع أنه قد أبطأ عنه أتاه، فدخل عليه فسلم عليه، فرآه متثاقلًا عنه، فقال: يا أخي! ما لك؟ أخبرني، فأخبره بما لقي تلك الليالي الثلاث وبما أمره، قال: فقال الربيع: إنا لله وإنا إليه راجعون، يا أخي! إنما هذا الشيطان فأعيذك بالله ونفسي من الشيطان، وتفل الربيع عن يساره ثلاث تفلات، وتعوذ بالله من الشيطان، ثم رجع إلى منزله، فلما كانت الليلة المقبلة نام الهمذاني في ساعته التي كان ينام فيها وقد قرأ بعض البقرة مما سمع من الربيع، فإذا هو قد أتاه آت في منامه بيده ساجور كلب أسود في وجه الكلب ثلاث جراحات، قال له: أتدري ما أنا؟
قال: لا.
قال: فهل تدري ما هذا الكلب؟
قال: لا.
قال: هذا الشيطان الذي دخل بينك وبين الربيع بن خُثيم، قد وكلت بكما وبهذا إلى أن تموتا لا يفلت من هذا الساجور.
تدري ما هذه الجراحات التي بوجه الكلب؟
قال: لا.
قال: تفلات الربيع بن خُثيم على يساره.
قال: فانتبه الهمذاني فلما أصبح غدا على الربيع فأخبره بما رأى، فحمد الله تعالى، فقال: قد أخبرتك أنه من عمل الشيطان (1).
قلت: إنما فهم الربيع أنه الشيطان من تحزينه للهمذاني بسبب ما قال له عن أخيه.
وفي الحديث السابق: أن من الرؤيا تهاويل من الشيطان ليحزن ابن آدم، فاستظهر الربيع أمره بالعلم، وإن شئت فقل: هو من باب الكرامة والكشف.
وفي هذه القصة أن من أفعال الشيطان إدخال الحزن والغيظ على العبد الصالح، والتفريق بين المتواخيين بأي ممكن، وإزالة المؤمن عن حسن الاعتقاد في الصالحين، والكذب على الله، والخوض في علم الغيب.
(1) رواه المعافى بن زكريا في "الجليس الصالح والأنيس الناصح"(ص: 339).