الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(2) بَابُ النَّهْيِ عَنْ التَّشَبُّهِ بِقَومِ نُوحٍ عليه الصلاة والسلام
(2)
بَابُ النَّهْيِ عَنْ التَّشَبُّهِ بِقَومِ نُوحٍ عليه الصلاة والسلام
وهم أول من عبد الأصنام.
روى ابن عساكر عن الحسن رحمه الله تعالى: أن نوحاً عليه السلام أول رسول (1) بعثه الله تعالى إلى أهل الأرض؛ قال: وذلك قوله تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا} [العنكبوت: 14](2).
وروى ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن عساكر عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أَوَّلُ نبِي أُرْسِلَ نُوْحٌ عليه السلام"(3).
لكن هذا معارَض بما رواه الحكيم الترمذي عن أبي ذر رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أَوَّلُ الرُّسُلِ آدَمُ عليه السلام،
(1) قد روى البخاري (6197) حديث الشفاعة المشهور عن أنس رضي الله عنه، وفيه:"ائتوا نوحاً أول رسول بعثه الله".
(2)
رواه ابن عساكر في "تاريخ دمشق"(62/ 244).
(3)
رواه ابن أبي حاتم في "التفسير"(5/ 1504)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق"(62/ 243).
وَآخِرُهُمْ محمَّدٌ صلى الله عليه وسلم، وَأَوَّلُ أَنْبِيَاءِ بَنِي إِسْرَائِيْلَ مُوْسَى، وَآخِرُهُمْ عِيسَى، وَأَوَّلُ مَنْ خَطَّ بِالْقَلَمِ إدْرِيس عليهم السلام" (1).
قلت: أما كون آدم عليه السلام أول الأنبياء عليهم السلام فهذا مما أجمعوا عليه، وإنما الكلام في أنه أول الرسل أو نوح، والظاهر الأول.
ولعل النبي صلى الله عليه وسلم ظنَّ أن أول نبي أرسل نوح، ثم أعلم بسبق رسالة آدم إلى أولاده وأولاد أولاده.
أو أراد في حديث أنس رضي الله عنه: أول نبي أرسل من بني آدم نوح.
أو في حديث أنس تتمة حذفها بعض الرواة، ويؤيده ما في "تفسير القرطبي"، وغيره: أول رسول أرسل بتحريم الأخوات والعمات نوح عليه السلام (2).
وروى ابن أبي حاتم وصححه، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: كان بين آدم ونوح عشرة قرون؛ كلهم على شريعة من الحق (3).
(1) ورواه ابن حبان في "الثقات"(2/ 119)، والمعافى بن زكريا في "الجليس الصالح والأنيس الناصح" (ص: 396).
(2)
انظر: "تفسير القرطبي"(7/ 232).
(3)
رواه ابن أبي حاتم في "التفسير"(8/ 2696).
وقد جاء ما يدل على أن إدريس عليه السلام أرسل أيضًا، وهو متقدم على نوح عليه السلام، فروى الدِّينوري في "المجالسة" عن عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما أنه قال: إن إدريس أقدم من نوح عليهما السلام، بعثه الله عز وجل إلى قومه، فأمرهم أن يقولوا: لا إله إلا الله، ويعملوا ما شاؤوا، فأبوا، فأهلكهم الله تعالى. وقد أخرجه ابن أبي حاتم (1).
وأخرج عن السدي أنه قال: كان إدريس عليه السلام أول نبي بعثه الله في الأرض (2).
وهذان الأثران إن صحَّا فحكمهما حكم الحديث المرفوع؛ فإن مثل ذلك لا يقال رأياً، فهو دليل كاف في إثبات رسالة إدريس، فأما نبوته فإنها ثابتة بالقرآن العظيم.
وإنما اقتصر في شريعة إدريس عليه السلام على شهادة التوحيد؛ لأنها تَنهى مَنْ صدَّق بها عن الفحشاء والمنكر كما قال تعالى: {إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ} [العنكبوت: 45]؛ أي: أبلغ في النهي عن ذلك.
وأيضًا فإن تقليل الشرائع -وإن كان من باب التيسير والتسهيل-
(1) رواه الدينوري في "المجالسة وجواهر العلم"(ص: 567)، وانظر:"الدر المنثور" للسيوطي (5/ 517).
(2)
انظر: "الدر المنثور" للسيوطي (5/ 524).
فليس فيه كبير تكريم، وإلا لم يحرم على النبي صلى الله عليه وسلم أشياء لم تحرم على أمته، بل في تقليل الشرائع زيادة في نكال من عصى ولم يمتثل، وخصوصاً إذا اعتبر حاله مع حال من ابتلي بالشرائع الكبيرة فامتثل وأطاع.
وقريب من قصة إدريس في تقليل الشريعة ما رواه الدينوري عن عبد الله بن عائذ رحمه الله تعالى أن نبياً من الأنبياء عليهم السلام بعث إلى قوم فقال لهم: قوموا من الشمس إلى الظل يغفرْ لكم، فأبوا (1).
ثم إني تذكرت ما يدل على أن الناس في زمان إدريس عليه السلام كانوا مكلفين بتحريم القتل، والزنا، وشرب الخمر، وغير ذلك من الفساد، وهو قصة هاروت وماروت، وقد تقدمت قصتهما في التشبه بالملائكة عليهم السلام.
وروى الثعلبي، وغيره عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أنه تلا هذه الآية: {وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى} [الأحزاب: 33]: ما بين نوح وإدريس عليهما السلام، وكان ألف سنة، وإن بطنين من ولد آدم أحدهما كان يسكن السهل، والآخر الجبل، وكان رجال الجبل صِباحاً، وفي النساء دَمامة، وهم أولاد قابيل بن آدم، وكان نساء السهل صِباحا، وفي الرجال دمامة، وهم أولاد شيث عليه السلام، وإن إبليس أتى رجلًا من أهل السهل في صورة غلام، فآجر
(1) رواه الدينوري في "المجالسة وجواهر العلم"(ص: 15).
نفسه منه، فكان يخدمه، واتخذ إبليس شيئًا مثل ما يزمر به الرعاء، فجاء بصوت لم يسمع الناس مثله قط، فبلغ ذلك من حولهم، فانتابوهم ليسمعوا، فاتخذوه عيدًا يجتمعون إليه في السنة، فتتبرج النساء للرجال.
وإن رجلًا من الجبل هجم عليهم وهم في عيدهم، فرأى النساء وصباحتهن، فأتى أصحابه فأخبرهم بذلك، فتحولوا إليهم، فنزلوا معهم، فظهرت الفاحشة فيهم، فهو قول الله تعالى:{وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى} [الأحزاب: 33].
وكان آدم عليه السلام أوصى ابنه شيث أن لا يناكح بين أولاده وأولاد قابيل، فلما تحول أولاد قابيل وهم أهل الجبل إلى أولاد شيث حملهم حسنُ نساءِ أولادِ شيث على طلب المناكحة، فمنعهم بعض أولاد شيث من ذلك عملًا بوصية آدم، فأخذه أولاد قابيل، وجعلوه في مغارة، وبنوا عليه حائطاً، ثم تناكح الطائفتان، وتناسلوا حتَّى ملئوا الأرض، وكثر الفساد فيهم، فبعث الله تعالى إليهم نوحا عليه السلام يدعوهم إلى الله تعالى، وينذرهم بأسه (1).
وروى عبد بن حميد، وابن المنذر عن الحكم رحمه الله تعالى في قوله عز وجل:{شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا} [الشورى: 13]؛ قال: جاء نوح عليه الصلاة والسلام بالشريعة بتحريم الأمهات،
(1) رواه الثعلبي في "التفسير"(8/ 35)، والحاكم في "المستدرك"(4013).
والأخوات، والبنات (1).
ومن هنا يجمع بين الآثار؛ فإن آدم عليه السلام أول من أرسل بالتوحيد وبعض الأحكام؛ كتحريم التوأمة على توأمها.
ثم إدريس أول من أرسل بالتلفظ بلا إله إلا اله بحيث لا يقبل التوحيد والطاعة إلا ممن تلفظ بها.
ونوح أول من أرسل بتحريم المحارم، وكانت المناكحة قبل سائغة لضرورة النسل، ثم لما كثر الناس حرمت المحارم.
وذكر القرطبي في تفسير سورة الأعراف: أن نوحا عليه السلام أول الرسل بعد آدم عليه السلام بتحريم البنات، والأخوات، والعمات، والخالات.
ولما بعث الله نوحا عليه السلام أخذ يأمرهم وينهاهم ألف سنة إلا خمسين عامًا، يدعوهم إلى الله تعالى ليلًا ونهاراً، فلم يزدهم دعاؤه إلا فراراً، وكانوا يدخلون عليه فيخنقونه، ويضربونه في المجالس حتى يُغشى عليه، فإذا أفاق قال: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون، وكان يكلم الرجل منهم فيلف رأسه بثوبه، ويجعل أصبعيه في أذنيه لكيلا يسمع شيئًا من كلامه، وكان يضرب ويلف في لبد، ويلقى بيته يرون أنه قد مات، ثم يخرج فيدعوهم.
وجاءه رجل منهم ومعه ابنه وهو يتوكأ على عصا، فقال: يا بني!
(1) انظر: "الدر المنثور" للسيوطي (7/ 340).
انظر هذا الشيخ لا يغرنك.
قال: يا أبت! مَكِّنِّي من العصا، فشجه شجة مُوضحة في رأسه، وسال الدم.
قال نوح: رب! قد ترى ما يفعل بي عبادك، فإن يك لك في عبادك خير فاهدهم، وإن يك غير هذا فصبِّرني إلى أن تحكم وأنت خير الحاكمين.
فأوحى الله تعالى إليه: {أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ} [هود: 36]، فأخبره أنه لم يبق في أصلاب الرجال ولا في أرحام النساء مؤمن، فدعا عليهم (1).
وروى الإِمام أحمد في "الزهد" عن الحسن رحمه الله تعالى: أن نوحا عليه السلام لم يدع على قومه حتى نزلت عليه هذه الآية: {أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} [هود: 36]، فانقطع رجاؤه عند ذلك منهم، فدعا عليهم عند ذلك.
وأوحى الله تعالى إلى نوح بعد أن دعا عليهم أن يصنع الفلك، فصنعه من يومئذ، وهيأه حتى فار التنور، فركب في الفلك، وحَمَل فيه من أمر الله تعالى بحملهم من مؤمن بني آدم ومن كل زوجين اثنين، وأغرق الله الباقين في الطوفان.
(1) انظر: "تفسير القرطبي"(9/ 43)، وروى طرفاً منه ابن عساكر في "تاريخ دمشق"(62/ 248).