الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قلت: خطر لي أن البلاء إنما كان يكثر في الأمم الماضية ويعظم - ما لا تراه بحمد الله تعالى هذه الأمة - بسبب قلة تكاليفهم، وأن هذه الأمة لما كثرت تكاليفها وتشعبت شريعتها وهم يسمعون ويطيعون خف بلاؤها، فلم تعم بعذاب ولم تصب بجهد البلاء إلا من تعرض له بترك الطاعات، وكانت بلاياها رحمة وكفارة وتمحيصًا، ولا يقاربها تكاليف بني إسرائيل وإن كثرت، بل ما كان أكثر تكاليفهم إلا عقوبة لهم حيث كانوا يؤمرون ويبخلون، فيخالفون ويتعنتون، فشدد عليهم كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"شَدَّدُوا فَشَدَّدَ اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِم"(1).
*
تَنْبِيهانِ:
الأَوَّلُ: يستحق أن يلحق بالشيطان ويوصف بالتشبه به، فكما فعله بأيوب عليه السلام من سقى أحدًا سمًا أو سحر أحدًا حتى سقم أو أخذه الرعاف، أو سحر امرأة حتى أخذها النزيف، أو نحو ذلك؛ وكل هذه من الكبائر.
التَّنْبِيهُ الثَّانِي: علم مما رويناه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في قصة أيوب عليه السلام: أن الشيطان أخذ تابوتًا وقعد في الطريق
(1) رواه عبد الرزاق في "التفسير"(1/ 192) عن أبي قلابة يرفعه، وذكره السيوطي في "الدر المنثور"(1/ 189) عن أبي هريرة رضي الله عنه، وعزاه لابن أبي حاتم وابن مردويه.
يتطبب حتى مرت عليه امرأة أيوب عليه السلام أن من أعمال إبليس اللعين القعود على الطريق لغير حاجة، بل لمجرد العبث بالناس، والسخرية بهم، والأذية لهم، وهذا حال من يقعد الآن على أبواب بيوت القهوات في عصرنا هذا، وهو عمل شيطاني كما علمت.
وقد روى الشيخان، وغيرهما عن أبي سعيد رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إِيَّاكُم وَالْجُلُوْسَ عَلَى الطُّرُقَاتِ، فَإِنْ أَبَيْتُمْ إلَّا الْمَجَالِسَ فَأَعْطُوا الطَّرِيْقَ حَقَّهَا؛ غَضَّ الْبَصَرِ، وَكَفَّ الأَذَى، وَرَدَّ السَّلامِ، وَالأَمْرَ بِالْمَعْرُوْفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ"(1).
وعُلم أن من أخلاقه التطبب بغير علم، والتشبع بما لم يملك.
وقد روى أبو داود، وابن السني، وأبو نعيم كلاهما في "الطب"، والحاكم وصححه، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ تَطَبَّبَ وَلَمْ يُعْلَمْ مِنْهُ طِبٌّ قَبْلَ ذَلِكَ فَهُوَ ضَامِنٌ"(2).
وروى مسلم عن عائشة، وهو والإمام أحمد، والبخاري، وأبو داود عن أختها أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"الْمُتَشَبعُ بِمَا لَمْ يُعْطَ كَلابِسِ ثَوْبَيْ زُوْرٍ"(3).
(1) رواه البخاري (2333)، ومسلم (2121).
(2)
رواه أبو داود (4586) وتوقف في صحته، والحاكم في "المستدرك"(7484)، وكذا النسائي (4830)، وابن ماجه (3466).
(3)
رواه مسلم (2129) عن عائشة رضي الله عنها. =