الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
88 - ومن أعماله قبحه الله: تخويف المؤمن وازعاجه وترويعه؛ وكل ذلك حرام
.
وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ رَوَّعَ مُؤْمِنًا لَمْ يُؤَمِّنِ اللهُ رَوْعَتَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ سَعَى بِمُؤْمِنٍ أَقَامَهُ اللهُ مَقَامَ ذُلٍّ وَخِزيٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ". رواه البيهقي في "الشعب" عن أنس رضي الله تعالى عنه (1).
قال الله تعالى: {إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 175].
قيل: أصله: يخوفكم من أوليائه، ويؤيده قوله تعالى بعد ذلك:{فَلَا تَخَافُوهُمْ} (2).
ومقتضى الآية: أن الإنسان مهما راعه من قبل الشيطان أو من قبل أولياء الشيطان فلا يلتفت إليه؛ فإنه لا يضره، بل يتمثل عظمة الله تعالى وسطوته ليمنعه الخوف من الله تعالى من طاعة الشيطان وطاعة أوليائه ليذهب عنه خوفه منهم، فلا يحمل ذلك على طاعتهم.
وأيضًا فإن العبد إذا خاف من الله تعالى خاف منه الشيطان
(1) رواه البيهقي في "شعب الإيمان"(11117) وقال: تفرد به مبارك بن سحيم عن عبد العزيز.
قال ابن عدي في "الكامل"(6/ 321): قال البخاري والنسائي: مبارك ابن سحيم منكر الحديث.
(2)
انظر: "زاد المسير" لابن الجوزي (1/ 506).
وأولياؤه؛ لما رواه العقيلي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إِذَا خَافَ الْعَبْدُ اللهَ أَخَافَ اللهُ مِنْهُ كُلَّ شَيْءٍ، وَإِذَا لَمْ يَخَفِ الْعَبْدُ اللهَ أَخَافَهُ اللهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ"(1).
وروى أبو الشيخ بن حيان بإسناد ضعيف، عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ خَافَ اللهَ خَافَهُ كُلُّ شَيْءٍ، وَمَنْ خَافَ غَيْرَ اللهِ خَافَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ (2).
وبمقتضى هذين الحديثين فمن خاف الله تعالى فلا يخاف الشيطان؛ أي: ولا يخاف بطشه ولا ضرره؛ نعم يخاف أن يسلطه الله عليه، فمن خاف من تسلط الشيطان عنه لم يخف في الحقيقة إلا من الله تعالى؛ [لأنه] لا يتسلط إلا بتسليطه كما قال تعالى:{إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ} [المجادلة: 10].
وهذا الخوف من جمل الخوف من الله تعالى الذي يدفع الخوف من الشيطان عن الإنسان.
والحاصل أنك مهما خفت أن يسلط الله عليك الشيطان فقد كفيته؛ فإن ذلك يدعوك إلى الاستعاذة بالله تعالى منه، كما قال الله تعالى:
(1) رواه العقيلي في "الضعفاء"(3/ 274) عن عمرو بن زياد، ونقل عن أبي زرعة: أنه كذاب.
(2)
قال العراقي في "تخريج أحاديث الإحياء"(2/ 1065): رواه أبو الشيخ ابن حيان في كتاب "الثواب" من حديث أبي أمامة بسند ضعيف جدًا، ورواه ابن أبي الدنيا في كتاب "الخائفين" بإسناد ضعيف معضل.
{وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ} [الأعراف: 200].
ومهما خفت من الشيطان لذاته فهو لوهن في خوفك من الله تعالى وفي إيمانك؛ لأن الله تعالى شجعك، وعرفك أن الخوف منه يدفع عنك الخوف من الشيطان لقوله تعالى:{فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 175]؛ لأن الضمير يعود إلى الشيطان وأوليائه معًا، وهو أحسن من أن يعود إلى الأولياء فحسب.
وقال مجاهد رحمه الله تعالى: كنت ألقى من رزية (1) الغول والشياطين بلاء وأرى خيالًا، فسألت ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، فقال: اجترئ على ما رأيت، ولا تفْرَقْ منه؛ فإنه يفرق منك كما تفرق منه، ولا تكن أجبن السوادين.
قال مجاهد: فرأيته، فشددت عليه بعصا حتى سمعت وقعته (2).
وقال عبد الرحمن بن أبي ليلى رحمه الله تعالى: إذا أحس أحدكم بالشيطان فلينظر إلى الأرض، وليتعوذ - أي: بالله تعالى - منه (3). رواهما ابن أبي شيبة.
وروى الإمام عبد الله بن المبارك في كتاب "الزهد والرقائق"، ومن طريقه أبو نعيم في "الحلية" عن وهب بن منبه رحمه الله تعالى قال: كان رجل عابد من السياح أراده الشيطان من قبل الشهوة والرغبة
(1) في "المصنف": "رؤية" بدل "رزية".
(2)
رواه ابن أبي شيبة في "المصنف"(23602).
(3)
رواه ابن أبي شيبة في "المصنف"(23605).
والغضب، فلم يستطع له شيئًا، فتمثل له بحية وهو يصلي، فالتوى بقدميه وجسده حتى طلع عند رأسه، فلم يلتفت من صلاته ولا استأخر منها، فلما أراد أن يسجد التوى في موضع سجوده، فلما وضع رأسه للسجود فتح فاه ليلتقم رأسه، فجعل يفرك لحيته يستمكن من الأرض بسجدته، فقال له الشيطان: إني أنا صاحبك الذي كنت أخوفك وأتيتك من قبل الشهوة والرغبة والغضب، وأنا الذي كنت أتمثل لك بالسباع أو بالحية فلم أستطع لك شيئًا، وقد بدا لي أن أصادقك ولا أريد ضلالتك بعد اليوم.
فقال له: لا يومَ خوفتني بحمد الله خفتك، ولا لي اليوم حاجة في مصادقتك.
قال: سلني عما شئت أخبرْك.
قال: وما عسيت أن أسألك عنه؟
قال: لا تسألني عن مالك ما فعل بعدك؟
قال: لو أردت ذلك لم أفارقه.
قال: فلا تسألني عن أهلك من مات منهم بعدك؟
قال: أنا ميت بعدهم أو قبلهم.
قال: فلا تسألني عما أضل به بني آدم؟
قال: بلى.
قال: فأخبرني ما أوثق في نفسك أن تضلهم به؟
قال: ثلاثة أخلاق من لم يستطع بشيء منها غلبنا الشح والحدة والسكر؛ فإن الرجل إذا كان شحيحًا قلَّلنا ماله في عينه، ورغبناه في أموال الناس، فإذا كان حديدًا أدرناه بيننا كما يتداول الصبيان الكورة (1)، ولو كان يحيي الموتى بدعوته لم نيأس منه فإنما نبني ونهدمه بما نكمله (2)، وإذا سكر اقتدناه كما يقتاد من أخذ العنز بأذنها حيث يشاء (3).
وقد حكي عن الشيخ عبد القادر الكيلاني نظير هذه القصة في تصور الشيطان له في صورة الحية وهو في الصلاة، وفي قصته: إن الشيطان قال له: فتنت بذلك قبلك سبعين صدِّيقًا، وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك.
وأشرت إلى الثلاثة الأخلاق المشار إليها في أثر وهب بقولي: [من السريع]
بِالشُّحِّ وَالْحِدَّةِ وَالسُّكْرِ
…
يَسْتَمْكِنُ الشَّيْطانُ فِيْ الْمَكْرِ
فَمَنْ خَلا مِنْها فَشَيْطانُهُ
…
فِي غايَةِ الذِّلَّةِ وَالْقَهْرِ
(1) في "حلية الأولياء": "الكرة" بدل "الكورة".
(2)
في "حلية الأولياء": "فإن ما يبني يهدمه لنا بكلمة".
(3)
رواه ابن المبارك في "الزهد"(1/ 518)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء"(4/ 52).