الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(3) بَابُ النَّهْيِ عَنِ التَّشَبُّهِ بِكَنْعَانَ بْنِ نُوحٍ
(3)
بَابُ النَّهْيِ عَنِ التَّشَبُّهِ بِكَنْعَانَ بْنِ نُوحٍ
وهو أول من عرف بالنفاق من أولاد آدم.
قال الله تعالى: {وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ} [هود: 42] أي: عن سفينة أبيه، أو عن دينه، أو عن طاعته.
روى ابن أبي حاتم عن قتادة قال: كان اسم ابن نوح الذي غرق كنعان (1).
وفي "القاموس": الكنعانيون أمة تكلمت بلغة تضارع العربية؛ أولاد كنعان بن سام بن نوح (2).
ويجمع بينهما بأن كنعان هذا سمي باسم عمه الذي غرق، وهو
(1) رواه ابن أبي حاتم في "التفسير"(6/ 2035).
(2)
انظر: "القاموس المحيط" للفيروز آبادي (ص: 981)(مادة: كنع).
من كنع: إذا اجتمع ولان، وكنعان الأول من كنع كنوعاً: انقبض، وانضم لأنه انضم عن أبيه وإخوته، واعتزل عنهم، فلم يكن معهم في السفينة.
وروى ابن عساكر عن ابن عباس: أنَّ كنعان بن نوح هو الذي غَرِقَ، وأن العرب تسميه يام؛ أي: بالياء التحتية (1).
ومن هنا قال في "الصحاح"، وتبعه في "القاموس": يام بن نوح غَرِقَ في الطوفان (2).
وروى ابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن المنذر، وغيرهم عن ابن عبَّاس رضي الله تعالى عنهما في قوله تعالى:{وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ} [هود: 42]؛ قال: وابنه -أي: لصلبه- غير أنه خالفه في النية والعمل (3).
ورووا عن أبي جعفر محمَّد بن عليّ رحمه الله تعالى في قوله: {وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ} [هود: 42]؛ قال: بلغة طي، فيجوز للرَّجل أن ينسب ربيبه إليه على وجه التبني (4).
(1) رواه ابن عساكر في "تاريخ دمشق"(62/ 245).
(2)
انظر: "الصحاح" للجوهري (5/ 2065)، و"القاموس المحيط" للفيروز آبادي (ص: 1514) (مادة: يوم).
(3)
رواه الطبري في "التفسير"(12/ 51)، وابن أبي حاتم في "التفسير"(6/ 2039).
(4)
رواه الطبري في "التفسير"(12/ 50).
وهذا أحد الوجوه في قوله: {إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ} [هود: 46].
قال بعض المفسرين: كان نوح عليه السلام يظن أن ابنه مؤمن، ولم يعلم أنه كان كافرًا، ولو علم لم يقل:{رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ} [هود: 45]؛ أي: بأنك تنجيني وأهلي إلا من سبق عليه القول منهم؛ أي: أن يكون كافرًا.
ولم يكن قد علم أن ابنه كنعان كان قد سبق عليه القول بكفره، وإلا فليس من شأن نوح عليه السلام أن يسأل ربه هلاك الكفار واستئصالهم بحيث لا يبقى على الأرض منهم ديار، ثم يسأل نجاة بعضهم ولو كان ابنه، وكان كنعان يُظهر الإيمان ويبطن الكفر.
قال الحسن رحمه الله تعالى: كان منافقاً (1).
وفي قوله تعالى: {يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ} [هود: 46] أقوال:
قيل: إنه كان ابن زوجته من زوج آخر كما تقدم عن أبي جعفر.
وقيل: بغت به أمه وهلكت معه؛ بدليل قوله تعالى عن امرأتَيْ نوح ولوط عليهما السلام: {فَخَانَتَاهُمَا} [التحريم: 10].
وهذا خطأ، والصواب أن خيانتهما كانت في الدِّين والنميمة، لا في الفراش.
وروى عبد الرزاق، والمفسرون، وابن أبي الدُّنيا في "الصمت"، وصححه الحاكم، عن ابن عبَّاس رضي الله تعالى عنهما في قوله:
(1) انظر: "أحكام القرآن" للجصاص (4/ 378).
{فَخَانَتَاهُمَا} [التحريم: 10]؛ قال: ما زنتا؛ أما خيانة امرأة نوح فكانت تقول للناس: إنه مجنون، وأما خيانة امرأة لوط فكانت تدل على الضيف فتلك خيانتها (1).
وروى ابن المنذر عن ابن عبَّاس رضي الله تعالى عنهما قال: ما بغت امرأة نبي قط (2).
وروى ابن عساكر من غير حديثه مرفوعًا إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم (3).
والحق أن معنى قوله تعالى: {إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ} : ليس من أهل دينك بدليل قوله تعالى: {إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ} [هود: 46].
وهو في قراءة يعقوب والكسائي: بكسر ميم عمل، وفتح لامه، بلا تنوين، وفتح راء غير؛ أي: ليس من أهلك لأنه عمل عملًا غير صالح.
وقرأ الباقون بفتح الميم، وضم اللام منوناً، مع ضم راء غير على أنه وصف لعمل، وتقديره عند أكثر العلماء: إنه ذو عمل (4).
(1) تقدم تخريجه.
(2)
تقدم تخريجه.
(3)
رواه ابن عساكر في "تاريخ دمشق"(50/ 318) عن أشرس الخرساني يرفعه.
(4)
انظر: "السبعة في القراءات" لأبي بكر البغدادي (ص: 334) لكنه قال: قرأ الكسائي وحده، و"حجة القراءات" لابن زنجلة (341)، و"تفسير القرطبي"(9/ 46).
والعرب يخبرون بالمصدر عن الذات مبالغة كما قالوا: زيد رضي، وزيد عدل.
وقال الشاعر: [من الطويل]
فَأَنْتَ النَّدى وَابْنُ النَّدى وَأَخُو النَّدى
…
وَجَدُّ النَّدى ما لِلنَّدى عَنْكَ مَهْرَبُ (1)
وقال قتادة: إنه -أي: سؤالك أن أنجي ابنك مع كفره- عمل غير صالح (2).
والأول أولى.
وعليه: ففيه إشارة على أنَّ النسب لا ينتفع به النسيب عند الله تعالى ما لم يكن عمله مقبولاً، بل على العبد الصالح أن يتبرأ ممن لا يجري على طريقته من أهله وأولاده بعد أن يبالغ في نصيحتهم كما فعل إبراهيم عليه السلام حيث بالغ في دعوة أبيه وقومه، ثم لما لم يؤمنوا تبرأ منهم، واعتزلهم.
قال الله تعالى: {وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ} [التوبة: 114].
وأنت خبير بأن أقرب أهل الإنسان إليه أصله وفرعه، وقد برَّأ الله
(1) انظر: "البصائر والذخائر" لأبي حيان التوحيدي (5/ 181).
(2)
رواه عبد الرزاق في "التفسير"(2/ 310).
تعالى إبراهيم من أصله، ونوحا من فرعه لمَّا لم يكونا على دينهما وملتهما.
وتأمل ما رواه الطَّبراني عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "آلُ مُحَمَّدٍ كُلُّ مُؤْمِنٍ تَقِيٍّ"(1).
وروى الإِمام أحمد، والطَّبراني عن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما: أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: "إِنَّ آلَ بَنِي فُلانٍ لَيْسُوْا بِأَوْلِيَائِي، إِنَّمَا وَلِيِّيَ اللهُ وَصَالِحُو الْمُؤْمِنِيْنَ"(2).
وقد قيل: [من الطويل]
عَلَيْكَ بِتَقْوى اللهِ في كُل حالَةٍ
…
وَلا تَدَعِ التَّقْوى اتكالاً عَلى النَّسَبِ
فَقَدْ رَفَعَ الإِسْلامُ سَلْمانَ فارِسٍ
…
وَقَدْ وَضع الْكُفْرُ النَّسِيْبَ أَبا لَهبِ (3)
(1) قال الحافظ في "فتح الباري"(11/ 161): أخرجه الطبراني ولكن سنده واه جداً.
(2)
رواه الإِمام أحمد في "المسند"(4/ 253)، وكذا رواه البخاري (5644)، ومسلم (215).
(3)
البيتان لعلي بن أبي طالب، كما رواهما عنه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه"(2/ 246).